عَنْ عَائِشَة ﵂ أنَ أمَّ حَبيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنَينَ، فَسَألتْ رَسُولَ الله ﷺ عن ذلكَ فأمًرَهَا أنْ تَغْتَسِل فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ (١) لكل صَلاةٍ.
_________________
(١) غسلها لكل صلاة لم يقع بأمره ﷺ كما بين في رواية مسلم. ولفظه: "أمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل صلاة". وكذا ذكره الحميدي في "الجمع بين الصحيحين".
[ ٧٨ ]
المعنى الإجمالي:
أصابت الاستحاضة " أم حبيبة بنت جحش"، سبع سنين، فسألت النبي ﷺ عن كيفية الطهر من ذلك، فأمرها أن تغتسل فكانت تفعل ذلك لكل صلاة.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في غسل المستحاضة لكل صلاة، هل يجب أو لا؟.
فذهب بعضهم إلى وجوبه، عملا بأحاديث وردت بذلك في بعض السنن.
وذهب الجمهور من السلف ومنهم علي وابن عباس وعائشة والخلف، ومنهم الأئمة أبو حنيفة، ومالك، وأحمد إلى عدم وجوبه، مستدلين بالبراءة الأصلية، وهو أن الأصل عدم الوجوب، وأجابوا عن أحاديث الأمر بالغسل أنه ليس فيها شيء ثابت.
وغسل أم حبيبة لكل صلاة، إنما هو من عندها، ليس أمرًا من النبي ﷺ لها في كل صلاة، وإنما أمرها بالغسل فقط، كما هو في الروايات الثابتة. وذكر ابن دقيق العيد أنه ليس في الصحيحين ولا أحدهما أنه أمرها بالاغتسال لكل صلاة.
ما يؤخذ من الحديث:
وجوب الغسل على المستحاضة عند انتهاء عدة أيام حيضها.
حكم مباشرة المرأة الحائض
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كُنْتُ أغْتَسِل أنَا ورَسُول الله ﷺ من إنَاء واحِدٍ، كِلانَا جُنُب فَكَانَ يَأمرُني فَأتزرُ (١) فيباشرني وَأنَا حَائِض، وَكَانَ يُخرِجُ رأسه إلي وَهُوَ معْتَكِفٌ فَأغْسِلُهُ وأنا حَائِضٌ.
المعنى الإجمالي: اشتمل هذا الحديث على ثلاث مسائل:
_________________
(١) فأتزر: هكذا في النسخ بألف وتاء مشددة، وهو الدائر على الألسنة قال المطرزىْ وهو عامي، والصواب "أأتزر" بهمزتين، الأولى للوصل والثانية (فاء) افتعل وهكذا نص الزمخشري على خطأ من قال. "أتزر" بالإدغام، لأن الفاء التي تدغم في الأفعال هي الأصلية، لا المنقلة عن الهمزة.
[ ٧٩ ]
الأولى: أن النبي ﷺ وزوجته، كانا يغتسلان من الجنابة من إناء واحد، لأن الماء طاهر لا يضره غَرْفُ الجنب منه، إذا كان قد غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء.
والثانية: أن النبي ﷺ أراد أن يشرّع لأمته في القرب من الحائض بعد أن كان اليهود لا يؤاكلونها، ولا يضاجعونها.
فكان ﷺ يأمر عائشة أن تتَّزر، فيباشرها بما دون الجماع، وهي حائض.
الثالثة: أن الحائض لا تدخل المسجد، لئلا تلوثه.
ولهذا كان النبي ﷺ يخرج إليها في بيتها رأسه، وهو في المسجد فتغسله، مما يدل على أن قرب الحائض، لا مانع منه لمثل هذه الأعمال وقد شرع توسعة بعد حرج اليهود.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز اغتسال الجنبين من إناء واحد.
٢- جواز مباشرة الحائض فيما دون الفرج. وأن بدنها طاهر لم تحل فيه نجاسة بحيضها.
٣- استحباب لبسها الإزار وقت المباشرة.
٤- اتخاذ الأسباب المانعة من الوقوع في المحرم.
٥- منع دخول الحائض المسجد.
٦- إباحة مباشرتها الأشياء رطبة أو يابسة، ومن ذلك غسل الشعر وترجيله.
٧- أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد لا يعد خارجا منه يقاس عليه غيره من الأعضاء، إذا لم يخرج جميع بدنه.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَّكِئُ في حِجْري وَأنَا حَائِض فَيَقْرأ القرآن.
غريب الحديث:
"يتكئ في حجري" "يتكئ" مهموز.
ويجوز الفتح والكسر في الحاء من "حجري": هما لغتان.
[ ٨٠ ]
المعنى الإجمالي:
ذكرت عائشة أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن في حجرها وهي حائض، مما يدل على أن بدن الحائض طاهر، لم ينجس بالحيض.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز قراءة القرآن في حجر الحائض، لأنها طاهرة البدن والثياب.
٢- تحريم قراءة القرآن على الحائض، أخذًا من توهّم امتناع القراءة في حجر الحائض. قاله ابن دقيق العيد.
الحائض لا تقضي الصلاة ولكن تقضي الصوم
عَنْ مُعَاذَةَ قالت: سَألْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ: مَا بالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِى الصلاةَ؟
فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟ فَقُلْتُ: لسْتُ بِحَرُورِيَّة. وَلكِنْ أسْألُ.
فَقَالَتْ: كَانَ يُصيبُنَا ذلكَ فنؤمَر بِقَضَاءِ الصَّوْم وَلا نُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ (١)
غريب الحديث:
"أحرورية أنت" نسبة إلى بلدة قرب الْكوفة، اسمها "حروراء" خرجت منها أول فرقة من الخوارج على عليّ بن أبي طالب، فصار الخوارج يعرفون بالحرورية.
المعنى الإجمالي:
سألت معاذة عائشة عن السبب الذي من أجله جعل الشارع أن الحائض تقضى أيام حيضها التي أفطرتها، ولا تقضى صلواتها زمن الحيض، مع اشتراك العبادتين في الفرضية، بل إن الصلاة أعظم من الصيام.
_________________
(١) هذا سياق " مسلم " وأما سياق " البخاري " فبلفظ: " قد كنا نحيض مع النبي ﷺ، فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا يفعله ". وليس عند البخاري "فنؤمر بقضاء الصوم ". ولم يذكر " البخاري " أن السائلة: "معاذة"، بل ساقه من جهة قتادة عن معاذة أن امرأةْ الخ.
[ ٨١ ]
وكان عدم التفريق بينهما في القضاء، هو مذهب الخوارج المبنى على الشدة الحرج.
فقالت لها عائشة- رضي الله عليها-: أحرورية أنتِ تعتقدين مثل ما يعتقدون، وتشددِين كما يُشدون؟ (١)
فقالت: لست حرورية، ولكنى أسأل سؤال متعلم مسترشد.
فقالت عائشة: كان الحيض يصيبنا زمن النبي ﷺ، وكنا نترك الصيام والصلاة زمنه، فيأمرنا ﷺ بقضاء الصوم ولا يأمرنا بقضاء الصلاة، ولو كان القضاء واجبًا، لأمر به ولم يسكت عنه.
فكأنها تقول: كفى بامتثال أوامر الشارع والوقوف عند حدوده حكمة ورشدًا.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن الحائض تقضى الصيام ولا تقضي الصلاة، لأن الصلاة تتكرر كل يوم خمس مرات، فهي عبادة مستمرة ويحصل من إعادتها وقضائها مشقة أيضًا.
٢- أن تقرير النبي ﷺ أمته على شيء يعد من السنة.
٣- الإنكار على كل من سأل سؤال تعنت ومجادلة.
٤- تبيين المعلم لمن طلبه للتعلم والاسترشاد.
٥- كون الحائض لا تقضي الصلاة لأجل المشقة، من الأدلة التي تقرر القاعدة الإسلامية العامة وهى (إن المشقة تجلب التيسر) .
_________________
(١) الخوارج عرفوا بالشدة والتنطع في الدين. ومن شدتهم أنهم يوجبون على المرأة قضاء الصلاة المتروكة في حيضها ا. هـ شارح
[ ٨٢ ]