الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله (٢)
بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه
وسلم وَقَفَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلونَهُ.
فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أشْعُرْ، فحَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، قالَ: اذْبَحْ ولا حَرَجَ. وَقَالَ الآخَرُ: لَمْ
أشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِي، فقال: "اِرْمِ، ولا حَرَجَ".
فَمَا سئلَ- يَوْمَئِذٍ - عَنْ شيءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: "افْعَلْ وَلا حَرَجَ".
المعنى الإجمالي:
اليوم العاشر من ذي الحجة هو يوم النحر ويوم الحج الأكبر، وهو من أفضل الأيام وأسعدها، لما يقع فيه من الأعمال الجليلة، لاسيما من الحاج الذي يؤدي فيه أربع عبادات جليلات وهن:
١- الرمي ٢- والنحر ٣- والحلق أو التقصير ٤- والطواف بالبيت العتيق.
والمشروع أن يأتي بهن على هذا الترتيب، اقتداءً بالنبي ﷺ وإتيانا بأعمال المناسك على النسق اللائق.
فيبدأ برمي جمرة العقبة، لأن رميها تحية "منى"، ثم ينحر هديه، مبادرةً بإراقة الدماء، لما فيه من الخضوع والطاعة، ولما فيه من نفع الفقراء والمساكين، ومشاركتهم الناس في فرحهم عيدهم.
ثم يحلق، أو يقصر ابتداء بالتحلل من الإحرام، وتأهبًا بالزينة والهيئة الحسنهَ للطواف بالبيت.
هذا ما يشرع للحاج، وهذا ما فعله النبي ﷺ وقال بعده: "خذوا عني مناسككم".
ولكن الشارع رحيم عليم.
فإذا قدم أحد بعض هذه اْلأعمال على بعض، جهلًا بالحكم أو نسيانًا، فلا يلحقه شيء من إثم أو جزاء.
_________________
(١) من هنا إلى [باب المحرم يأكل من صيد الحلال] فيه سبعة أحاديث، كل واحد منها يدل على مسألة من مناسك الحج، ليس لها تعلق بالأخرى إلا حديثي طواف الزيارة والوداع. ولذا فإني وضعت لها ستة أبواب تبين موضع الفائدة منها- اهـ. شارح.
(٢) وقع في بعض نسخ [العمدة]، أن راوي هذا الحديث هو [عبد الله بن عمر الخطاب] والحق أنه كما وضعناه [عبد الله بن عمرو بن العاص] كما نبه على دلك الحافظ في فتح الباري اهـ. شارح.
[ ٤٢٦ ]
ولذا فإن النبي ﷺ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه.
فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج.
وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج.
قال الراوي: فما سئل ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" سماحة في هذا الدين ويسرًا.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وقوف العالم في أيام المناسك لإفتاء الناس وإرشادهم في أمر حجهم.
٢- جواز تقديم كل من الرمي، والنحر، والحلق أو التقصير، والإفاضة بعضها على بعض من الناسي والجاهل.
ويأتي الخلاف في العامد إن شاء الله.
٣- بدء يوم النحر برمي جمرة العقبة. ومن حكمة الرمي طرد الشيطان، فهو شبيه بتقديم الاستعاذة في الصلاة، وهذه مقارنة عنت لي ولم أر أحدًا من العلماء قد ذكرها. وربما قالها أحدهم ولم أطلع على ذلك. فإذا كانت صوابا فهي من الله، وإذا كانت خطأ فهي مني.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية ترتيب الرمي والنحر والحلق أو التقصير والإفاضة هكذا، كما رتبها النبي ﷺ.
فيبدأ بالرمي، ثم ينحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الإفاضة إلى البيت.
واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض بالنسبة للعامد.
فذهب الشافعي والإمام أحمد في المشهور عنه: إلى جواز ذلك مستدلين بما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو قال: يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح. قال: "اذبح ولا حرج" وقال آخر: ذبحت قبل أن ارمي. قال: "ارمي ولا حرج".
وهذا أحد طرق الحديث الذي معنا في الباب، وفي بعض طرقه "فما سئل عن شئ قُدِّم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج".
[ ٤٢٧ ]
قال الطبري: لم يسقط النبي ﷺ الحرج إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزئ، لأمره بالإعادة لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المكلف الحكم الذي يلزمه في الحج.
كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لم يأثم بتركه ناسيًا أو جاهلًا، ولكن تجب عليه الإعادة.
وما ذهب إليه الإمامان، الشافعي، وأحمد، هو مذهب الجمهور من التابعين والسلف، وفقهاء الحديث لما تقدم من الأدلة وغيرها.
وذهب بعض العلماء: إلى أن رفع الإثم يكون بحال النسيان والجهل، لقول السائل في الحديث: "لم أشعر" فيختص الحكم بهذه الحال ويبقى العامد على أصل وجوب اتباع النبي ﷺ في الحج لحديث "خذوا عني مناسككم" هذا هو الخلاف المتقدم في الإثم وعدمه.
أما الإجزاء فقد قال الشيخ "ابن قدامة" في كتابه "المغني": "ولا نعلم خلافًا بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء ولا يمنع وقوعها موقعها" ا. هـ.
واختلفوا في وجوب الدم على من قدم المؤخر من هذه المناسك الأربعة.
فذهب الجمهور من السلف، وفقهاء الحديث، ومنهم الإمامان الشافعي وأحمد، وعطاء، وإسحاق: إلى عدم وجوب الدم من العامد وغيره، بناء على جواز الفعل وسقوط الإثم، ولقوله ﷺ للسائل "لا حرج" فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا، لأن اسم الضيق يشملهما.
ووجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا حينئذ لبينه النبي ﷺ لأنه وقت الحاجة، وتأخيره عنها لا يجوز.
وذهب بعض العلماء - ومنهم سعيد بن جبير وقتادة - إلى وجوب الدم على العامد بقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُم حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه﴾ .
ولأن النبي ﷺ رتبها وقال: خذوا عني مناسككم، وهو رواية عن الإمام أحمد.
فقد قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل حلق قبل أن يذبح. فقال: إن كان جاهلًا، فليس عليه دم، فأما مع التعمد، فلا، لأن النبي ﷺ سأله رجل فقال "لم أشعر".
وقال ابن دقيق العيد - بعد أن نقل كلام الإمام أحمد: وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي، دون العامد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع أفعال الرسول ﷺ في الحج بقوله: "خذوا عني مناسككم".
[ ٤٢٨ ]
وهذه الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع السؤال عنه، إنما قرنت بقول السائل: "لم أشعر" فيخصص الحكم بهذه الحال وتبقى حالة العمد على أصل وجوب اتباع الرسول في أعمال الحج. ا. هـ.
قال الصنعاني: هذا حسن إلا أن إيجاب الدم لم ينهض دليله. وقال أيضًا: اعلم أن إيجاب الدم في هذه الأفعال والتروك في الحج، لم يأت به نص نبوي، وإنما روي عن ابن عباس، ولم يثبت عنه: أن من قدم شيئًا على شئ فعليه دم. وبه قال سعيد بن جبير والحسن والنخعي وأصحاب الرأي. وقال الصنعانى أيضًا: والعجب إطباق المفرعين على إيجاب الدم في محلات كثيرة، والدليل كلام ابن عباس، وعلى أنه لم يثبت عنه.