هذا الباب يذكر فيه آداب دخول الخلاء، والجلوس فيه، والخروج منه، كما يذكر فيه كيفية الاستطابة من الأنجاس في المخرجين بحجر وما يقوم مقامه والتحرز منها، وهذا من أبواب كتاب الطهارة المذكور سابقا.
الحديث الأول
عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النبي ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ قَاَلَ: "اللهُمَّ إني أعُوذُ بِك من الْخُبثِ والْخَبائثِ".
الخبث -بضم الخاء والباء- جمع (خبيث) " والخبائث " جمع خبيثة.
استعاذ من ذُكران الشياطين وإناثهم.
غريب الحديث:
١- "إذا دخل الخلاء": يعنى إذا أراد الدخول كقوله تعالى: ﴿فَإذَا قرأتَ القُرْآنَ فَاستَعِذ بَالله منَ الشيْطَان الرجِيم﴾ . يعنى: فإذا أردت قراءة القرآن.
وكما صرح البخاري في " الأدب المفرد " بهذا حيث روى عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: وذكر حديث الباب.
٢- "الخلاء": بالمد، المكان الخالي. وهنا، المكان المقصود والمعدّ لقضاء الحاجة فإن قصد فضاء كصحراء لقضاء حاجته فلا حاجة إلى تأويل الدخول بإرادة الدخول.
٣- "الخبث والخبائث": الخبث، ضبط بضم الخاء والباء كما ذكر المصنف ومعناه ذكور الشياطين، وضبطه جماعة بإسكان الباء ومعناه على هذا يكون الشر، وهو معنى جامع حيث قد استعاذ من الشر وأهله، وهم الخبائث، فينبغي للقائل مراعاة هذا المعنى العام.
المعنى الإجمالي:
أنس بن مالك المتشرف بخدمة النبي ﷺ يذكر لنا في هذا الحديث أدب النبي ﷺ حينِ قضاء حاجته، وهو أنه ﷺمن كثرة التجائه إلى ربه- لا يدع ذكره والاستعانة به على أية حال.
فهو ﷺ إذا أراد دخول المكان الذي سيقضي فيه حاجته، استعاذ بالله، والتجأ إليه أن يقيه من الشر الذي منه النجاسة، وأن يعصمه من الخبائث، وهم الشياطين
[ ٣٦ ]
الذين يحاولون في كل حال أن يفسدوا على المسلم أمر دينه وعبادته.
فإذا كان النبي ﷺ وهو المحفوف بالعصمة- يخاف من الشر وأهله، فجدير بنا أن يكون خوفنا أشد وأن نأخذ بالاحتياط لديننا من عدونا.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب هذا الدعاء عند إرادة دخول الخلاء، ليأمن من الشياطين الذين يحاولون إفساد صلاته.
٢- إن من أذى الشياطين أنهم يسببِون التنجس لتفسد صلاة العبد فيستعيذ منهم، ليتقي شرهم.
٣- وجوب اجتناب النجاسات، وعمل الأسباب المنجية منها. فقد صح أن عدم التحرز من البول من أسباب عذاب القبر.
الحديث الثاني
عَنْ أبي أيّوبَ الأنصاري ﵁ قال: قالَ رسول الله ﷺ "إِذا أردتمُ الغَائِطَ فَلا تَستقْبِلوا القِبلَةَ بِغَاِئطٍ وَلا بَوْل وَلا تسْتدْبِرُوهَا وَلكنْ شَرقوا أوْ غَربُوا". قال أبو أيوب: "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله ﷿"
غريب الحديث:
١- "الغائط": المطمئن من الأرض، وكانوا ينتابونه لقضاء الحاجة، فكنوا به عن الحدث نفسه.
٢- "والمراحيض": جمع مرحاض وهو المغتسل، وقد كنوا به أيضا عن موضع قضاء الحاجة.
٣- "ولكن شرقوا أو غربوا": اتجهوا نحو المشرق أو المغرب.
وهذا بالنسبة لأهل المدينة ومن في سَمْتهم، ممن لا يستقبلون القبلة ولا يستدبرونها إذا شرقوا أو غربوا.
[ ٣٧ ]
المعنى الإجمالي:
يرشد النبي ﷺ إلى شيء من آداب قضاء الحاجة بأن لا يستقبلوا القبلة، وهى الكعبة المشرفة، ولا يستدبروها حال قضاء الحاجة لأنها قبلة الصلاة، وموضع التكريم والتقديس، وعليهم أن ينحرفوا عنها قِبَلَ المشرق أو المغرب إذا كان التشريق أو التغريب ليس موجَّها إليها، كقبلة أهل المدينة.
ولما كان الصحابة ﵃ أسرع الناس قبولا لأمر النبي ﷺ، الذي هو الحق، ذكر أبو أيوب: أنهم لما قدموا الشام إثر الفتح وجدوا فيها المراحيض المعدة لقضاء الحاجة، قد بنيت متجهة إلى الكعبة، فكانوا ينحرفون عن القبلة، ولكن قد يقع منهم السهو فيستقبلون الكعبة، فإذا فطنوا، انحرفوا عنها، وسألوا الله الغفران عما بدر منهم سهوًا.
ما يؤخذ من الحديث:
١- النهي عن استقبال القبلة واستدبارها، حال قضاء الحاجة.
٢- الأمر بالانحراف عن القبلة في تلك الحال.
٣- إن أوامر الشرع ونواهيه تكون عامة لجميع الأمة، وهذا هو الأصل. وقد تكون خاصة لبعض الأمة، ومنها هذا الأمر فإن قوله: "ولكن شرقوا أو غربوا" هو أمر بالنسبة لأهل المدينة ومن هو في جهتهم، ممن إذا شرقوا أو غربوا لا يستقبلون القبلة.
٤- الحكمة في ذلك تعظيم الكعبة المشرفة واحترامها. فقد جاء في حديث مرفوع "إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة اللَه ﷿ ولا يستقبل القبلة".
٥- المراد بالاستغفار هنا: الاستغفار القلبي لا اللساني، لأن ذكر الله باللسان في حال كشف العورة وقضاء الحاجة ممنوع.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ قَالَ: رَقيِتُ (١) يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأيْتُ النبي ﷺ يَقْضى حَاجَتَهُ مُسْتَقْبلَ الشَّام مُسْتَدْبرَ الكَعْبَةِ.
[ ٣٨ ]
المعنى الإجمالي:
ذكر ابن عمر ﵁: أنه جاء يومًا إلى بيت أخته حفصة، زوج النبي ﷺ، فرأى النبي ﷺ، يقضى حاجته وهو متَجه نحو الشام، ومستدبر القبلة.
اختلاف العلماء والتوفيق بين الحديثين:
اختلف العلماء في حكمٍ استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة.
فذهب إلى التحريم مطلقا، راوي الحديث أبو أيوب، ومجاهد، والنخعي، والثوري. ونصر هذا القول "ابن حزم" وأبطل سواه من الأقوال في كتابه المحلى، وهو اختيار شيخ الإسلام "ابن تيمية" و"ابن القيم" وقواه: ورد غيره من الأقوال في كتابيه. "زاد المعاد" و"تهذيب السنن" واحتجوا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهى المطلق عن ذلك، ومنها حديث أبى أيوب هذا الذي معنا.
وذهب إلى جوازه مطلقًا، عروة بن الزبير، وربيعة، وداود الظاهري، محتجين بأحاديث، منها حديث ابن عمر الذي معنا.
وذهب الأئمة مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وهو مروي عن عبد الله بن عمر، والشعبي: إلى التفصيل في ذلك.
فيحرمونه في الفضاء، ويبيحونه في البناء ونحوه.
فهذا هو المذهب الحق الذي تجتمع فيه الأدلة الشرعية الصحيحة الواضحة
[ ٣٩ ]
فإن التحريم مطلقًا، يبطل العمل بجانب من الأحاديث، والإباحة مطلقا كذلك. والتفصيل يجمع بين الأدلة، ويعملها كلها، وهذا هو الحق. فإنه مهما أمكن الجمع بين النصوص، وجب المصير إليه قبل كل شيء وهناك قول رابع لا يقل عن هذا قوة وهو القول بالكراهة لا التحريم قال الصنعاني: لابد من التوفيق بين الأحاديث بحمل النهى على الكراهة لا التحريم، وهذا وإن كان خلافا لأصل النهي. إلا أن قرينة إرادته فعله ﷺ بخلافه للتشريع وبيان الجواز. وحمل أحاديث الباب على هذا هو الأقرب عندي. وقد ذهب إليه جماعة وبهذا يزول تعارض أحاديث الباب.
قلت: وعلى كل ينبغي الانحراف عن القبلة في البناء أيضا، اتقاء للأحاديث الناهية في ذلك، ولما فيه من الخلاف القويِّ الذي نصره هؤلاء المحققون.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز استدبار الكعبة عند قضاء الحاجة، ويفيد بأنه في البنيان.
٢- جواز استقبال بيت المقدس عند قضاء الحاجة خلافا لمن كرهه.
الحديث الرابع
عنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁، أنَّهُ قَالَ: "كَانَ رَسول الله يَدْخُلُ الخلاء فَأحْمِلُ أنَا وَغُلام نَحوِى إدَاوَةً مِنْ ماء وَعَنَزَةَ فَيَسْتَنْجِي بِاْلمَاء".
العنزة: الحربة الصغيرة.
غريب الحديث:
١- "وغلام نحوي": الغلام، هو المميز حتى يبلغ و"نحوي" يعنى هو مقارب لي في السن.
٢- "إداوة من ماء": بكسر الهمزة، هي الإِناء الصغير من الجلد يجعل للماء.
٣- "العَنَزة": عصا أقصر من الرمح لها سنان.
[ ٤٠ ]
المعنى الإجمالي:
يذكر خادم النبي ﷺ " أنس بن مالك " أن النبي ﷺ حينما يدخل موضع قضاء الحاجة كان يجيء هو وغلام معه بطهوره،. الذي يقطع به الأذى، وهو ماء في جلد صغير، وكذلك يأتيان بما يستتر به عن نظر الناس. وهو عصا قصيرة في طرفها حديدة يغرزها في الأرض ويجعل عليها شيئا يقيه من نظر المارين.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز الاقتصار على الماء في الاستنجاء، وهو أفضل من الاقتصار على الحجارة، لأن الماء أنقى، والأفضل الجمع بين الحجارة والماء، فيقدم الحجارة، ثم يتبعها الماء، ليحصل الإنقاء الكامل. قال النووي: فالذي عليه جماعة السلف والخلف، وأجمع عليه أهل الفتوى من أئمة الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجارة فيستعمل الحجر أولا لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء. فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز الاقتصار على أيهما شاء، سواء وجد الآخر أو لم يجده، فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الحجر.
٢- استعداد المسلم بطهوره عند قضاء الحاجة، لئلا يُحْوِجُه إلى القيام فيتلوث.
٣- تَحَفظُهُ عن أن ينظر إليه أحد، لأن النظر إلى العورة محرم. فكان يركز العنزة في الأرض وينصب عليها الثوب الساتر.
٤- جواز استخدام الصغار، وإن كانوا أحرارًا.
الحديث الخامس
عن أبي قَتَادة الْحَارِثِ بْنِ ربعي الأنصاري ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَاَلَ: "لا يُمْسِكن (١) أحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهو يَبُولُ، وَلاَ يَتَمَسَّحْ مِنَ الخَلاَءِ بِيَمِيِنهِ، ولا يَتَنَفَس في الإنَاء".
المعنى الإجمالي:
يشتمل هذا الحديث الشريف على ثلاث جمل، من النصائح الغالية والفوائد الثمينة، التي
_________________
(١) لا يمسكن: بضم الياء.
[ ٤١ ]
تهذب الإنسان، وتجنبه الأقذار والأضرار والأمراض.
فالأولى والثانية: - أن لا يمس ذكره حال بوله، ولا يزيل النجاسة من القبل أو الدبر بيمينه، لأن اليد اليمنى أعدت للأشياء الطيبة، ومباشر الأشياء المرغوب فيها كالأكل والشرب.
فإذا باشرت النجاسات وتلوثت، ثم باشرت الطعام والشراب، والمصافحة وغير ذلك، كرهته. وربما حملت معها شيئا من الأمراض الخفية.
والثالثة: - النَّهى عن التنفس في الإناء الذي يشرب منه لما في ذلك من الأضرار الكثيرة، التي منها تكريهه للشارب بعده، كما أنه قد يخرج من أنفه بعض الأمراض التي تلوث الماء فتنقل معه العدوى، إذا كان الشارب المتنفس مريضًا.
وقد يحصل من التنفس حال الشرب ضرر على الشارب، حينما يدخل النفس الماء ويخرج منه.
والشارع لا يأمر إلا، بما فيه الخير والصلاح، ولا ينهى إلا عما فيه الضرر والفساد.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل النهى للتحريم، أو للكراهة؟
فذهب الظاهرية إلى التحريم، أخذا بظاهر الحديث.
وذهب الجمهور إلى الكراهة، على أنها نواه تأديبية.
ما يؤخذ من الحديث:
١- النهى عن مس الذكر باليمنى حال البول.
٢- النهى عن الاستنجاء باليمين.
٣- النهى عن التنفس في الإناء.
٤- اجتناب الأشياء القذرة، فإذا اضطر إلى مباشرتها، فليكن باليسار.
٥- بيان شرف اليمين وفضلها على اليسار.
٦- الاعتناء بالنظافة عامة، لاسيما المأكولات والمشروبات التي يحصل من تلويثها ضرر في الصحة.
٧- سُمُوُّ الشرع، حيث أمر بكل نافع، وحذر من كل ضار.
[ ٤٢ ]
الحديث السادس
عن عَبد الله بن عباس رضي الله تَعَاَلَى عَنْهُما قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بقبرين فَقَاَل: " إِنَهُمَا ليُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذً بانِ في كَبِير. أمًا أحَدُهُما فَكَاَن لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَول، وَأمَّا الآخر فكَاَن يمْشىِ بَالنميمَة".
فَأَخَذَ جَريدةً رَطْبَةً فَشَقَهَا نِصْفَيْنِ، فَغرزَ في كل قَبْر واحدَة.
فقالوا: يَا رَسُول الله، لم فَعَلْتَ هذَا؟ قَال: "لعَلهُ يُخَفَفُ عَنْهمَا مَا لم يَيْبَسَا".
غريب الحديث:
١- "إنهما ليعذبان": المراد، يعذب من فيهما. من إطلاق اسم المحل على الحال فيه.
٢- "لا يستتر من البول": بتائين، أي لا يجعل سترة تقيه من بوله وروي "لا يستبرئ ".
٣- "يمشى بالنميمة": ينقل كلام الغير بقصد الإِضرار.
٤- "فأخذ جريدة": عسيب النخل الذي ليس فيه سعف.
٥- "فغرز": بالزاي، ورواه " مسلم " بالسين. أي: غرس.
قال أبو مسعود: "وموضع الغرس كان بازاء الرأس، ثبت بإسناد صحيح".
المعنى الإجمالي:
مر النبي ﷺ، ومعه بعض أصحابه بقبرين، فكشف الله ﷾ له عنهما، فرأى من فيهما يعذبان.
فأخبر أصحابه بذلك، تحذيرًا لأمته، وتخويفًا، فإن صاحبي هذين القبرين، يعذب كل منهما بذنب يسير تركه والابتعاد عنه، لمن وفقه الله لذلك.
فأحَدُ المعذَّبَيْن، لا يحترز من بوله عند قضاء الحاجة، ولا يتحفّظ منه، فتصيبه النَجاسة فتلوث بدنه وثيابه.
والآخر شيطان يسعى بين الناس بالنميمة التي تسبب العداوة والبغضاء بين الناس، ولاسيما الأقارب والأصدقاء.
يأتي إلى هذا فينقل إليه كلام ذاك ويأتي إلى ذاك فينقل إليه كلام هذا، فيولد بينهما القطيعة والخصام.
[ ٤٣ ]
والإسلام إنما -جاء بالمحبة والألفة بين- الناس وقطع المنازعات والمخاصمات.
ولكن الكريم الرحيم أدركته عليهما الشفقة والرأفة، فأخذ جريدة نخل رطبة، فشقَّها نصفين، وغرز على كل قبر واحدة.
فسأل الصحابة النبي ﷺ عن هذا العمل الغريب عليهم فقال: لعل الله يخفف عنهما ما هما فيه في العذاب، ما لم تيبس هاتان الجريدتان.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في وضع الجريدة على القبر. فذهب بعضهم إلى استحباب وضع الجريدة على القبر، لأنهم جعلوا هذا الفعل من النبي ﷺ تشريعًا عامًا.
والعلة عند هؤلاء مفهومة،: هي أن الجريدة تسبح عند صاحب القبر مادامت رطبة.
فلعله يناله من هذا التسبيح ما يُنَورُ عليه قبره.
وذهب بعضهم إلى عدم مشروعية ذلك، لأنه شرع عبادة، وهو يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يثبته.
أما هذه فقضية عين، حكمتها مجهولة، ولذا لم يفعلها النبي ﷺ مع غير صاحبي هذين القبرين.
وكذاك لم يفعله من أصحابه أحد، إلا ما روى عن بُريدة بن الحُصيب، من أنه أوصى أن يجعل على قبره جريدتان.
أما التسبيح، فلا يختص بالرطب دون اليابس، والله تعالى يقول: ﴿وإِنْ مِنْ شيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ﴾ .
ثم قالوا: لو فرضنا أن الحكمة معقولة، وهى تسبيح الجريد الرطب، فنقول: تختص بمثل هذه الحال التي حصلت للنبي ﷺ عند هذين القبرين، وهى الكشف له من عذابهما قال القاضي عياض: "علل غرزهما على القبر بأمر مغيَب وهو قوله، " ليعذبان " فلا يتم القياس لأنا لا نعلم حصول العلة".
ما يؤخذ من الحديث:
١- إثبات عذاب القبر كما اشتهرت به الأخبار وهو مذهب أكثر الأمة.
٢- عدم الاستبراء من النجاسات سبب في هذا العذاب فالواجب الاستبراء منها: فالحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية. ويؤكد ذلك ما رواه الحاكم وابن خزيمة وهو "أكثر عذاب القبر من البول"
[ ٤٤ ]
قال ابن حجر: "وهو صحيح الإسناد".
٣- تحريم النميمة بين الناس وأنها من أسباب عذاب القبر.
٤- رحمة النبي ﷺ بأصحابه وحرصه على إبعاد الشر عنهما.
٥- الستر على الذنوب والعيوب. فإنه لم يصرح باسمي صاحبي القبرين، ولعله مقصود.
٦- قوله: "ما يعذبان في كبير" أي بسبب ذنب كبير تركه كليهما، فإن ترك النميمة والتحرز من البول ليسا من الأمور الصعبة الشاقة. وقد كبر عذابهما لما يرّتب على فعلتيهما من المفاسد.
فائدة: اختلف العلماء في انتفاع الميت بعمل الحي حينما يجعل الحي ثواب قربته البدنية أو المالية إلى الميت، فقال الإمام أحمد: الميت يصل إليه كل خير للنصوص الواردة فيه. أما ابن تيمية فقد نقل عنه في ذلك قولان:
أحدهما: أنه ينتفع بذلك باتفاق الأئمة.
الثاني: أنه لم يكن من عادة السلف إذا فعلوا إحدى القربات تطوعا أن يهدوا ذلك لموتى المسلمين، واتباع نهج السلف أولى وقال الصنعانى: الميت يصح أن يوهب له أي قربة.. أما لحوق سائر القرب ففيها خلاف. والحق لحوقها. وذكر ابن تيمية أن الأخبار قد استفاضت بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وسروره بالسار منها وحزنه للقبيح.
[ ٤٥ ]