الحديث الأول
عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ مَكَةَ عَامَ
الْفَتْحِ وَعَلَى رَأسِهِ الْمِغفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأسْتَارِ الْكَعْبَةِ.
فقال: "اقْتُلُوهُ".
الغريب:
المغفر: بوزن مِنْبَر، زرد ينسج من حديد على قدر الرأس، وقاية له من وقع السيف.
"ابن خطل" بالخاء المعجمة والطاء المهملة المفتوحتين، اختلف في اسمه. قيل: هلال، وقيل غير ذلك، وقاتله أبو برزة الأسلمي.
المعنى الإجمالي:
كان بين النبي ﷺ وبين كفار قريش حروب كثيرة مما أوغر صدورهم.
فلما كان فتح مكة، دخلها ﷺ في حالة حيطة وحذر، فوضع على رأسه المغفر.
وكان ﷺ قد حض على أناس من المشركين أن يُقْتَلُوا، ولو وُجِدُوا في أستار الكعبة، وسمى منهم "ابن خطل" الذي أسلم، ثم قتل مسلمًا وارتد عن الإسلام وذهب إلى الكفار، فجعل جواريه يغنين بهجاء النبي ﷺ.
فلما وضعت الحرب أوزارها ذلك اليوم، وأمَّن أهل مكة، واستأمن منهم ووضع المغفر، وجد بعض الصحابة "ابن خطل" متعلقًا بأستار الكعبة، عائذًا بحرمتها من القتل، لما يعلم من سوء صنيعه، وقبح سابقته، فتحرجوا من قتله قبل مراجعة النبي صلى الله عليه. فلما راجعوه قال: اقتلوه، فقتل بين الحجر والمقام.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون النبي ﷺ دخل مكة غير محرم، إذ دخل وعلى رأسه المغفر، وعليه أيضًا عمامة سوداء، كما في صحيح مسلم، فيجوز دخولها في مثل هذه الحال بلا إحرام.
٢- تقديم الجهاد على النسك، لأن مصالح الأَوَل أعم وأنفع.
_________________
(١) أصل ترجمة المؤلف. [باب دخول مكة وغيره] وجعلها شاملة لأحاديث الدخول وأحاديث آداب الطواف فتصرفت بإفراد حديثي دخول مكة، وحديث دخول البيت بهذه الترجمة، وجعلت لأحاديث الطواف ترجمة أخرى.
[ ٣٩٠ ]
٣- كون مكة فتحت عنوة، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة، لا صلحًا كما هو مذهب الشافعي.
٤- جواز فعل الأسباب المباحة الواقية، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله تعالى. ٥- فيه جواز إقامة الحدود في الحرم ولو بالقتل، لأن قتل ابن خطل، كان بعد انتهاء القتال الذي أبيح في ساعة الدخول. والله أعلم.
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ
مِنْ كَدَاء مِنْ الثَّنِيَّة الْعُلْيَا التي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلى.
الغريب:
كداء: بفتح الكاف والمد، اسم للثنية، التي في أعلى مكة وهي (ريع الحجون) وتقول العامة: (الحجول) وهو تحريف.
الثنية السفلى: الثَّنِيَّة، هي الطريق بين الجبلين.
والمراد بها، الطريق الذي خرج من المحلة المسماة (حارة الباب) وتسمى الثنية الآن (ريع الرسام) . وتسمى الثنية السفلى: كُدى - بضم القاف وقصر الألف.
المعنى الإجمالي:
حِج النبي ﷺ حجة الوداع، فبات ليلة دخوله بـ"ذي طوى"لأربع خَلوْنَ من ذي الحجة.
وفي الصباح دخل مكة من الثنية العليا، التي تأتي من بيت مقابر مكة، لأنه أسهل لدخوله، إذ أتى من المدينة.
فلما فرغ من مناسكه خرج من مكة إلى المدينة من أسفل مكة، وهي الطريق التي تأتي على "جرول".
ولعل في مخالفة الطريقين تكثيرًا لمواضع العبادة، كما فعل ﷺ في الذهاب إلى عرفة والإياب منها، ولصلاة العيد والنفل، في غير موضع الصلاة المكتوبة، لتشهد الأرض على عمله عليها يوم تحدث أخبارها. أو لكون مدخله ومخرجه مناسبين لمن جاء من المدينة، وذهب إليها. والله أعلم.
[ ٣٩١ ]
الحديث التاسع عشر بعد المائتين
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄:
دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ الْبَيْتَ وَأسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالُ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ
فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَلَمَّا فَتَحُوا البَابَ كُنْتُ أوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالًا فَسَألتُهُ: هَلْ
صَلَّى فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِييْنِ.
المعنى الإجمالي:
لما فتح الله ﵎ مكة، وطهر بيته من الأصنام والتماثيل والصُّوَرِ، دخل النبي ﷺ الكعبة المشرفة، ومعه خادماه، بلال، وأسامة، وحاجب البيت، عثمان بن طلحة.
فأغلقوا عليهم الباب لئلا يتزاحم الناس عند دخول النبي ﷺ فيها ليروا كيف يتعبد، فيشغلوه عن مقصده في هذا الموطن، وهو مناجاة ربِّه وشكره على نعمه؛ فلما مكثوا فيها طويلًا، فتحوا الباب.
وكان عبد الله بن عمر حريصًا على تتبع آثار النبي ﷺ، والأمكنة التي يأتيها ولو لغير عبادة، ولذا فإنه كان أول داخل لما فتح الباب.
فسأل بلالًا: هل صلى فيها رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين.
وكانت الكعبة المشرفة – إذ ذاك – على ستة أعمدة، فجعل ثلاثة خلف ظهره، واثنين عن يمينه، وواحدًا عن يساره، وجعل بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع، فصلى ركعتين، ودعا في نواحيها الأربع.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب دخول الكعبة المشرفة، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها. وذكر ابن تيمية أن دخولها ليس فرضًا ولا سنة، ولكنه حسن.
٢- أن دخولها ليس من مناسك الحج، وإنما هي فضيلة في ذاتها.
ولهذا فإن النبي ﷺ لم يدخلها في حجته، وإنما دخلها في عام الفتح.
وهذا هو التحقيق، في أنه لم يدخلها إلا مرة واحدة.
اختلاف العلماء:
الجمهور على جواز صلاة النافلة في الكعبة المشرفة وفوقها، إلا ما حكي عن ابن عباس.
وإنما الخلاف في جواز الفرض فيها. وفوق سطحها، ومثلها الحِجْر.
[ ٣٩٢ ]
فذهب الإمام أحمد، ومالك في المشهور عنه إلى أنها لا تصح، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ والمصلي فيها أو على سطحها، غير مستقبل لجهتها. وأما النافلة فمبناها على التخفيف. فتجوز فيها وعليها.
وبما روي عن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى أن يصلى في سبع:
١- المزبلة ٢- والمجزرة ٣- والمقبرة ٤- وقارعة الطريق.
٥- والحمام ٦- ومعاطن الإبل ٧- وفوق ظهر بيت الله..
رواه الترمذي.
وذهب الإمامان، أبو حنيفة، والشافعي: إلى صحة الفريضة فيها وفوقها، وكذلك في الحِجْر. ودليلهم على ذلك صلاة النبي ﷺ فيها.
وما ثبت في حق النفل، يثبت في حق الفرض بلا فرق إلا بدليل، ولا دليل.
ولو سلم استدلالهم بالآية، على عدم صحة الفرض، لكان دليلًا على عدم النافلة أيضا.
وأما حديث ابن عمر، فلو صح، لكان عامًا للفريضة والنافلة، ولكن ضعفه مخرجه، وهو الترمذي. وقال البخاري: فيه رجل متروك.
واستدلوا بحديث "جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهوُرًا"، والكعبة المشرفة أولى الأرض بذلك. والله أعلم.
[ ٣٩٣ ]