الحديث الأول
عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رَضيَ الله عَنْة قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "لا يَحِلُّ
لامْرَأةٍ تُؤمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلةٍ إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ".
وفي لفظ (١) للبخاري: "لا تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلا مَعَ ذي مَحْرَم".
المعنى الإجمالي:
المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد تقي نفسها لضعفها ونقصها.
ولا يغار عليها مثل محارمها، الذين يرون أن النَّيْلَ منها نَيْلٌ من شرفهم وعرضهم.
والرجل الأجنبي حينما يخلو بالأجنبية، يكون معرضًا لفتن الشيطان ووساوسه.
لهذه المحاذير، التي هي وسيلة في وقوعٍ الفاحشة وانتهاك الأعراض، حرَّم الشارع على المرأة أن تسافر يومًا، أو يومًا وليلة، إلا ومعها ذو محرم، وهو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب، كأب، وابن، وأخ، وعم، وخال. أو والد زوجها أو ابنه وإن نزل. أو رضاع. كأبيها، وأخيها منه.
وناشدها الشارع في إيمانها بالله واليوم الآخر.
إن كانت تحافظ على هذا الإيمان وتنفذ مقتضياته، أن لا تسافر إلا مع ذي محرم.
اختلاف العلماء:
وهي تكفي عن الاستنباطات، لأنها تشتمل عليها:
هذه خلافات نجملها ولا نطيل بتفصيلها، لمخالفتها نص الحديث الصحيح.
فقد اختلفوا: هل المرأة مستطيعة الحج بدون المحرم، إذا كانت ذات مال؟ أو أن وجود المحرم شرط في الاستطاعة؟.
الصحيح: أنه لا يحل خروجها بدون محرم لأي سفر، فتكون معذورة غير مستطيعة.
واختلفوا في الكبيرة، التي لا تميل إليها النفس: هل تسافر بدون محرم، أو لابد من المحرم؟.
_________________
(١) قوله: (وفي لفظ البخاري) .. إلخ يوهم انفراد البخاري به، وليس كذلك بل أخرجه مسلم أيضًا.
[ ٣٧٤ ]
الصحيح الأخير. لأن الحديث عام في كل امرأة، ولا يخلو الأمر من محذور، فلكل ساقطة لاقطة.
واختلفوا هل يكفي أن تكون مع رفقة أمينة، أو تسافر مع امرأة مسلمة ثقة أم لا؟.
ظاهر الحديث أنه لابد من المحرم، لأن غيرة المحرم ونظره مفقودان.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كانت المرأة من القواعد اللائي لم يحضن، وقد يئست من النكاح، ولا محرم لها فإنه يجوز في أحد قولي العلماء أن تحج مع من تأمنه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي.
وقد أجمع المسلمون أنه لا يجوز السفر للمرأة بدون محرم، إلا على وجه تأمن فيه. ثمَّ ذكر كل منهم الأمر الذي اعتقده صائنًا لها وحافظًا، من نسوة ثقات، أو رجال مأمونين، ومنعها أن تسافر بدون ذلك، فاشتراط ما اشترطه الله تعالى ورسوله ﷺ أحق وأوجب وحكمته ظاهرة، فالذين خالفوا ظاهر الأحاديث، وأباحوا لها السفر حين تكون آمنة نظروا إلى المعنى المراد وقالوا: إنها مأمورة بالحج على وجه العموم بقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سيلا) .
والذين أخذوا بظاهر حديث المنع من السفر قالوا: إن الحديث مخصص للآية وله نظائر كحديث الغازي الذي خرجت امرأته حاجة، فأمره ﷺ أن يدع الجهاد ويحج مع امرأته، وغيره من الأحاديث.
واختلفوا في تحديد السفر، تبعًا لاختلاف الأحاديث.
فمنها "يوم" و" يومان" و"ثلاث ليال" و"ليلة"، و"بريد".
والأحوط أن يؤخذ بأقلها، لأنه لا ينافي ما فوقه، ويكون ما فوقه قضايا عين، حسب حال السائل. والله أعلم.
[ ٣٧٥ ]
ظاهرة محزنة:
إذا قارنت حال المسلمين اليوم بهذه النصوص الصحيحة، والآداب العالية، والغيرة الكريمة، والشهامة النبيلة، والمحافظة على الفروج والأعراض وحفظ الأنساب، وجدت كثيرًا من المسلمين قد نبذوا دينهم وراءهم ظهريًا، ومرقوا منه، وصار التَّصَوُّنُ والحياء ضربًا من الرجعية والجمود.
أما الانحلال الخُلُقيُّ، وخلع رداء الحياء والعفاف، فهو التقدُّم والرُّقيُّ. فإنا لله وإنا إليه راجعون