ليس لها سبب إلا الخوف حضرًا أو سفرًا، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. وقد وردت بصفات متعددة، كلها جائزة.
وبما أنها شرعت رحمة بالمصلين في هذه الشدة وتخفيفًا عنهم فإن الأنسب للمصلين أن يختاروا من هذه الوجوه الواردة أنسبها للمقام.
ويختلف ذلك باختلاف جهة العدو وقربه، وبعده، وشدة الخوف، أو خفته.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵄ قَال: صَلَّى بنَا رَسُولُ الله ﷺ صلاَةَ الخَوْفِ في بعض أيامه التي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ، فَقَامت طَاَئِفَة مَعَه، وَطَائفَة بإزَاء العَدُوِّ، فَصَلَّى بالذين مَعه رَكْعَةً ثمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآَخَرُون فَصَلَّى بهمْ رَكْعَةً، وَقضت الطَّاِئفَتَانِ رَكعَةً رَكعَةً.
المعنى الإجمالي:
صلى النبي ﷺ صلاة الخوف بأصحابه في بعض حروبه مع المشركين حينما التقى المسلمون بعدوهم من الكفار وخافوا من شَنِّ الغارة عليهم عند اشتغالهم بالصلاة.
فقسم النبي ﷺ الصحابة طائفتين، طائفة قامت معه في الصلاة، وطائفة وجاه العدو، يحرسون المصلين.
فصلى بالتي معه ركعة، ثم ذهبوا وهم في صلاتهم.
وجاءت الطائفة التي لم تصل، فصلى بها ركعة ثم سلم النبي ﷺ.
فقامت الطائفة التي معه أخيرًا فقضت الركعة الباقية عليها، ثم ذهبوا للحراسة، وقضت الطائفة الأولى الركعة التي عليها أيضا.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية صلاة الخوف عند وجود سببها، حضرا أو سفرا، تخفيفا على الأمة ومعونة لهم عل جهاد الأعداء، وأداءً للصلاة في جماعة وفى وقتها المحدد.
٢- الإتيان بها على هذه الكيفية التي ذكرت في الحديث، مع زيادة تفصيلات في هذه الوجهة ذكرتها في الشرح الإجمالي، استزدتها من بعض طرق هذا الحديث.
٣- أن الحركة الكثيرة لمصلحة الصلاة، ًا وللضرورة، لا تبطل الصلاة.
٤- الحرص الشديد على الإتيان بالصلاة في وقتها ومع الجماعة، فقد سمح بأدائها على هذه الصفة محافظة على ذلك.
٥- أخذ الأهبة، وشدة الحذر من أعداء الدين، الذين يبغون الغوائل للمسلمين.
[ ٢٧١ ]
الحديث الثاني
عَنْ يَزيدَ بن رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بن خَوَّاتِ بن جُبَيْرٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُول الله ﷺ صَلاَةَ ذَاتَ الرِّقَاعِ صَلاَةَ الخَوْفِ: أنَّ طَاِئفة صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وجَاهَ العَدُوِّ، فصَلَّى بِالذين مَعَهُ رَكْعَةً، ثُم ثَبَتَ قَاِئمًا فَأتموا لأنفُسِهِمْ، ثم انصَرفوا فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدو، وَجَاءَتِ الطاِئفَةُ الأخْرَى فَصَلّى بِهِمُ الركعَةَ التي بَقِيتْ ثمَّ ثبت جالِسًا وَأَتمُّوا لأنفُسِهمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهم.
الرجل الذي صلى مع رسول الله ﷺ، هو سهل بن أبي حَثْمَة.
الغريب:
ذات الرقاع: هي غزوة غزا النبي ﷺ فيها "غطفان " ومنازلهم بعالية " نجد " بين المدينة و" القصيم " وتواقفوا ولم يحصل قتال.
قيل: سميت بذلك، لانتقاب أرجلهم من الحفى، فلفوها بالخرق.
المعنى الإجمالي:
في هذا الحديث يكون العدو في غير جهة القبلة، لأن منازله في شرق المدينة، ولذا صفت طائفة، ووقفت الأخرى في وجه العدو الذي جعله المصلون خلفهم.
فصلى النبي ﷺ ركعة بالذين معه، ثم قام بهم إلى الثانية فثبت فيهما قائمًا، وأتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، وانصرفوا وِجَاهَ العدو. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة الباقية، ثم ثبت جالسًا وقاموا فأتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلم بهم.
اختلاف العلماء:
رويت صلاة الخوف عن النبي ﷺ بأوجه متعددة قال ابن حزم صح منها أربعة عشر وجها وأفرد لها جزءا وقال النووي: يبلغ وجوهها ستة عشر وجها وقال ابن العربي أربعا وعشرين – أما ابن القيم في كتابه- الهدى- فقال: إنها ستة أو سبعة أوجه. وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجوها من فعل النبي ﷺ وإنما هي من اختلاف الرواة.
أما الإمام مالك فذهب إلى الصفة التي ذكرت في حديث سهل بن أبي حثمة:
وأما الإمام الشافعي فاختار حديث صالح بن خوات.
[ ٢٧٢ ]
وأما الإمام أبو حنيفة وطائفة من الفقهاء فتارة يرجحون ما وافق ظاهر الصفة المذكورة في القرآن وتارة يختارون ما كثرت رواته من الأحاديث.
أما الإمام أحمد فقد سأله تلميذه الأثرم فقال: قلت لأبي عبد الله تقول بالأحاديث كلها فكل حديث بموضعه أو تختار واحدا منها فقال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن وأما حديث سهل فأنا أختاره.
قال الصنعاني: وكلام أحمد حسن مع صحة الصفات وتعدد فعله ﷺ لتلك الصفات.
أما ابن القيم في الهدى فصح عنده ستة أو سبعة وجوه وسردها حسب حال العدو وكأنه يختار الأخذ بها كلها تبعًا لاختلاف حال العدو.
وقال السهيلي في كتابه- الروض الأنف- اختلف العلماء في الترجيع فقالت طائفة يعمل بما كان أشبه بظاهر القرآن. وقالت طائفة يجتهد في طلب الآخر منها فإنه الناسخ لما قبله. وقالت طائفة: يؤخذ بأصحها نقلًا. وقالت طائفة: يؤخذ بجميعها على حسب اختلاف أحوال الخوف. اهـ منه.
وما اختاره الإمام أحمد ورجحه ابن القيم وذكره السهيلي هو الذي تميل إليه النفس عملًا بالأحاديث كلها وتيسيرا على المصلين عند تبدل أحوال العدو. والله أعلم.
ما يؤخذ فن الحديث:
١- فيه ما تقدم من مشروعية صلاة الخوف وتأكد صلاة الجماعة، وأخذ الحذر من أعداء الدين.
٢- الإتيان بالصلاة على هذه الكيفية وهى مناسبة، حيث العدو في غير جهة القبلة، كالتي قبلها، فكلاهما في " ذات الرقاع " إلا أنهما في وقتين، فاختلفا.
٣- وفيه مخالفة لصلاة الأمن، وهي تطويل الركعة الأخيرة على الأولى، وأن المأمومين الذي فاتهم شيء من الصلاة أتموه قبل سلام الإمام.
٤- وفيه مفارقة المأموم لإمامه لمثل هذا العذر.
وقد وردت المفارقة فيما هو أخف من ذلك كالذي صلى مع " معاذ " فلما أطال القراءة، انفرد وأتم لنفسه، لكونه صاحب حاجة، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة.
[ ٢٧٣ ]
الحديث الثالث
عن جَابِرِ بن عَبْدِ الله الأنصَارِي ﵄ قال: شَهِدتُ مع رسولِ الله ﷺ صَلاَةَ الخَوفِ، فصَففنَا صَفَّيْن خَلْفَ رَسُول الله ﷺ وَالعَدُوُّ بيننَا وَبَيْنِ القِبلَةِ، فَكَبَّرَ النبي ﷺ وكبَّْرْنا جَمَيعًا ثُم رَكَعَ وَرَكَعنَا جَميعا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسهُ مِنَ الركُوعِ وَرَفَعنَا جَمِيعا، ثُمَّ انحَدَرَ بالسُّجُودِ وَالصف الَّذِي يلِيهِ، وَقَامَ الصَّف المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدوِّ، فَلما قَضَى النبي ﷺ السُّجُودَ وَقَامَ الصف الذِي يلِيهِ، انحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بالسجُودِ وَقامُوا، ثُم تَقَدَّمَ الصف المُؤَخَّرُ وَتَأخَّرَ الصَّف المُقَدمُ ثم رَكَعَ النبيُّ ﷺ وَرَكعنَا جَمِيعاَ، ثمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الركُوعِ فَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثمَّ انْحَدَرَ بِالسجُودِ وَالصَّفُّ الذي يلِيِهِ- الّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا في الركْعَةِ الأولَى- فَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العدو.
فَلما قَضى النبي ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الًذِي يليهِ، انْحَدرَ الصف المُؤَخرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدوا، ثم سَلَّمَ النبي ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا.
قال جابر: كَمَا يَصنعُ حَرَسُكُم هؤُلاَءِ بِأمَرَائكُم.
ذكره "مسلم " بتمامه.
وذكر البخاري طرفاَ منه، وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي ﷺ في الغزوة السابعة، غزوة " ذات الرقاع (١) "
المعنى الإجمالي:
هذه الكيفية المفصلة في هذا الحديث عن صلاة الخوف، مناسبة للحال التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه حين ذاك، من كون العدو في جهة القبلة. ويرونه في حال القيام والركوع، وقد أمنوا من كمين يأتي من خلفهم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- صلاة الخوف على هذه الصفة المذكورة، لوجود الحال المناسبة، وانتفاء المحاذير المنافية.
٢- الحراسة- هنا- وقعت في حال السجود فقط، لأنهما في غيره يرون العَدوَّ كلهم.
_________________
(١) في هذا الحديث وهمان: الأول: أن البخاري لم يخرجه ولا شيئا منه، وإنما أخرج عن جابر في غزوة " ذات الرقاع " وليس فيه صفة الصلاة. وصفة الصلاة ذات الرقاع مخالفة لهذه الكيفية، فتبين أنه ليس طرفا منه، وإنما حمله على ذلك، كونه من حديث جابر في الجملة. فظهر أن هذا الحديث ملفق في الصحيحين، فصفة الصلاة في صحيح مسلم وذكر حديث جابر في غزوة ذات الرقاع من صحيح البخاري. والصفة المذكورة للصلاة في غزوة ذات الرقاع لا تناسب هذه. الوهم الثاني قوله: " في الغزوة السابعة " ولفظ البخاري " في غزوة السابعة " يعني في غزوة السنة السابعة وقصد البخاري الاستشهاد به على أن " ذات الرقاع " بعد خيبر، لكن جمهور أهل السيرة خالفوه.
[ ٢٧٤ ]
٣- قوله: " والعلو بيننا وبين القبلة " مفهومه أنه لو كان العلو في غير القبلة، لصلوا على غير هذه الصفة، كما تقدم في صفتها في الحديثين السابقين وغيرهما.
وتقدم أن لتعدد وجوهها فوائد، منها مراعاة حال العدو، وجهاته.
٤- وفيه بيان حسن القيادة، وتدبير الجيوش وإبعادها عن المخاوف، ومفاجآت الأعداء، واتخاذ الاحتياطات في ذلك.
٥- وفيه بيان العدل، وأنه مما تحلى به النبي ﷺ في جميع أحواله.
فقد عدل بينهم بالصلاة، فجعلهم يتناوبون فيها.
وعدل بينهم بالصلاة، فكل من الطائفتين صلت معه ركعة.
وعدل بينهم في قيامهم في الصف الذي يليه. وهكذا شأنه في جميع أموره ﷺ.
٦- وفيه أن الحركة المطلوبة ولو كثرت، لا تُخِلُّ في الصلاة كالتقدم إلى المكان الفاضل ونحو ذلك.
وتقدم حكم الحركة وأقسامها في حديث قصة حمل النبي ﷺ " أمامة " في الصلاة، وهو الحديث (الواحد والتسعون) .
فائدة هامة:
قال الصنعاني عند اختلاف العلماء في صلاة الخوف: هذا القول (وهو) الحديث إذا صح فهو مذهبي، صح عن الإمام الشافعي، وصح أيضًا عن أبي حنيفة ومالك وأحمد، بل هذا معلوم أنه لسان حال كل مؤمن، فإنه إذا صح عن رسول الله ﷺ شيء، وقد قال من جهله قولا يخالفه، فإن كلام رسول الله ﷺ يقدم على كل ما سواه بنص " وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانهوا " بل ذلك معنى الإيمان بالرسالة والنبوة، وفي كلام الأئمة الأربعة وغيرهم دليل على أنهم لم يحيطوا بما جاء عن رسول الله ﷺ، وهو معلوم قطعًا، إلا أن جهلةِ المقلدين يأنفون من أن يقال: إن إمامهم ما وصل إليهم الحديث الذي يخالف مذهبهم، بل يقولون: قد عرفه وعرف أنه منسوخ أو مؤول أو نحو ذلك من الأعذار التي لا تنفق عند النقاد. ولهذا أمور: إن من تبع إمامه في مسألة قد ثبت النص بخلاف ما قاله إمامه فيها فإنه غير تابع لإمامه، لأنه قد صرح بأنه لا يتابع في قوله إذا خالف النص. اهـ.
[ ٢٧٥ ]