الحديث الأول
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قالَ: أَهَّلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأصْحَابُهُ بالحَجِّ وَلَيْس مَعَ
أحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ.
وَقَدِمَ عَلِيٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَال: أهَلَلْتُ بما أهَلَّ بهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأَمرَ النَّبِيُّ صلى
الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ أن يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَيَطُوفُوا ثمَّ يُقَصِّرُوا وَيُحِلُّوا إلاَّ مَنْ كانَ
مَعَهُ الْهدْيُ.
فَقالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى "مِنىً" وَذَكَرُ أحَدِنَا يَقْطُرُ؟
فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فقال: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا استَدْبَرْتُ مَا
أهْدَيْت، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهدْيَ لأحَلَلْتُ ". وَحَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ
أنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ قالت: يَا رَسُولَ الله تنْطَلِقونَ بِحجَّةٍ
وَعُمْرةٍ وَأنْطَلِقُ بِحَجِّ! فَأمَرَ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنِ أبِى بَكْرٍ بِأن يَخْرُجَ مَعَهَا إلى التَنْعِيمِ،
فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ.
المعنى الإجمالي:
يصف "جابر بن عبد الله" ﵄ حجة النبي ﷺ بأنه وأصحابه أهلُّوا بالحج، ولم يَسُقِ الْهَدْيَ إلا النبي ﷺ وطلحة بن عبيد الله. وكان على بن أبي طالب في اليمن، فقدم، ومن فقهه أحرم وعلَّق إحرامه بإحرام النبي ﷺ.
فلما قدموا مكة، أمرهم النبي ﷺ أن يفسخوا إحرامهم من الحج إلى العمرة، ويكون طوافهم وسعيهم للعمرة، ثم يقصروا ويُحِلُّوا التحلل الكامل. هذا في حق من لم يسق الهدي.
أما من ساقه - ومنهم النبي ﷺ فبقوا - بعد طوافهم وسعيهم - على إحرامهم.
فقال الذين أُمِرُوا بفسخ حجهم إلى عمرة - متعجبين ومستعظمين -: كيف ننطلق إلى "مِنى" مُهِلين بالحج، ونحن حديثو عهد بجماع نسائنا؟.
فبلغ النبيُّ ﷺ مقَالَتَهم واستعظام ذلك في
[ ٤١٨ ]
نفوسهم، فطمأن أنفسهم بما هو الحق وقال:
لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سُقْتُ الهَدْىَ الذي منعني من التحلل، ولأحللت معكم. فرضيت أنفسهم واطمأنت قلوبهم.
وحاضت عائشة قُرْبَ دخولهم مكة، فصارت قارنة، لًان حيضها منعها من الطواف بالبيت، وفعلت المناسك كلها غير الطواف والسعي.
فلما طهرت وطافت بالبيت طواف حجها، صار في نفسها شيء، إذ كان أغلب الصحابة – ومنهم أزواج النبي ﷺ قد فعلوا أعمال العمرة وحدها وأعمال الحج. وهي قد دخلت عمرتها في حجها.
فقالت: يا رسول الله، تنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟.
فطيَّب خاطرها، وأمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون النبي ﷺ أحرم ومعه الهدي، فهو أفضل وأكمل.
٢- أن ترك سوق الهدي جائز، لأن أكثر الصحابة لم يسقه.
ويأتي تَمَنِّيهِ ﷺ عدم سَوْقِهِ الهدي، وتوجيه ذلك إن شاء الله تعالى.
٣- فقه علي ﵁، فإنه حين لم يعرف أيّ الأنساك أفضل، علَّقه بإحرام النبي ﷺ.
٤- جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير.
٥- أن النبي ﷺ أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يفسخوا حجهم إلى عمرة.
فإذا فرغوا من أعمال العمرة حلُّوا، ليحرموا بالحج فيقتضي الأمر فعل ما فعلوه ويأتي الخلاف في ذلك وتحقيقه، إن شاء الله تعالى.
٦- أن من ساق الهدي، منعه ذلك من الإحلال، وبقي على إحرامه، كما صنع النبي ﷺ.
٧- جواز المبالغة في الكلام، لاستيضاح الحقائق، وتبيين الأمور.
٨- تَمنِّي النبي ﷺ، أنه لم يسق الهدي، وأنه فسخ حجه إلى عمرة منها، وأنه آخر الأمرين من النبي ﷺ.
٩- جواز تمني الأمور الفائتة إذا كانت من مصالح الدين، لأنه رغبة في الخير، وندم عليه. فهو من أنواع التوبة.
١٠- جواز فعل المناسك للحائض، ماعدا الطواف بالبيت، فممنوع. إما لاشتراط الطهارة في الطواف، وإما خشية تلويث المسجد.
١١- أن السعي من شرطه أن يقع بعد طواف نسك. ولذا لم يصح من الحائض السعي،
[ ٤١٩ ]
لا لاشتراط الطهارة فيه، ولكن لأنه لابد أن يقع بعد طواف نسك وهو معدوم في حق الحائض.
١٢- جواز الإتيان بالعمرة من أدنى الحل بعد الحج ولا تسنُّ لأنه لم يقع من الصحابة إلا هذه المرة من عائشة. ولم ينقل عن عائشة أنها فعلتها بعد ذلك.
ولو كانت العمرة المشروعة، لما تركوها وهم في مكة، سهلة عليهم، ميسرة لهم.
١٣- أن الإحرام بالعمرة لابد أن يكون من خارج الحرم، وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ولم يخالف إلا قلة بخلاف الحج، فإنه من مكة لمن هو فيها.
والفرق بين الحج والعمرة، أن العمرة جميع أعمالها في الحرم، فيخرج للحل للجمع فيها بين الحل والحرم.
وأما الحج فبعض أعماله في الحرم، وبعضها في الحل، وهو الوقوف بعرفة.
١٤- قوله: "أهل بالحج" ظاهره أنه مُفرِد.
وتقدم الجمع بين روايات ما يوهم الإفراد أو التمتع، وأن الصحيح أنه قارن.
اختلاف العلماء، في فسخ الحج إلى عمرة:
أجمع العلماء على أن الصحابة الذين مع النبي ﷺ في حجة الوداع، قد فسخوا حجهم إلى عمرة، بأمر النبي ﷺ.
واختلفوا: هل هذا الفسخ لمن بعدهم أيضًا، أم لهم خاصة في تلك الواقعة؟.
فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وجمهور العلماء إلى أن هذا الفسخ خاص بالصحابة في تلك السنة، ولا يتعدَّاهم إلى غيرهم.
وذهب الإمام أحمد، وأهل الحديث، والظاهرية. ومن الصحابة ابن عباس وأبو موسى الأشعري: - إلى الفسخ.
استدل الأولون بما رواه أبو داود عن "أبي ذر" كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: "لم يكن ذلك إلا للركب، الذين كانوا مع رسول الله ﷺ" ولـ"مسلم" عن "أبي ذر" كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ.
وبما رواه الخمسة عن الحارث بن بلال، عن أبيه بلال بن الحارث قال: قلت يا رسول الله: فسخ الحج لنا خاصة، أم للناس عامة؟ قال: بل لنا خاصة.
[ ٤٢٠ ]
فعند الجمهور أن حديث بلال ناسخ لأحاديث الفسخ، فهو للصحابة خاصة في تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية، من تحريم العمرة في أشهر الحج، ويؤيد ذلك الأثر السابق عن أبي ذر ﵁.
واستدل الآخرون على فسخ الحج بأحاديث صحيحة جيدة قربت من حَدِّ التواتر عن بضعة عشر من الصحابة.
منها حديث جابر، وسراقة بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وعَلِيًّ، وابن عباس، وأنس، وابن عمر، والربيع بن سبرة، والبراء بن عازب، وأبي موسى، وعائشة، وفاطمة، وحفصة، وأسماء بنت أبي بكر ﵃ أجمعين.
كل هؤلاء رَوَوْا أحاديث كثيرة - وبعضها في الصحيحين – تنص على فسخ الحج إلى العمرة.
ولهذا، لما قال سلمة بن شبيب للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، كل شيء منك حسن جميل، إلا خصلة واحدة. فقال: وما هي؟.
قال: تقول بفسخ الحج.
فقال الإمام أحمد: كنت أرى أن لك عقلًا، عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا، كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك؟
وقد أورد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب، منها حديثين:
١- حديث جابر، الذي نحن نتكلم عليه الآن
٢- وحديث ابن عباس؛ سيأتي، ونورد معهما
حديثين من تلك الأحاديث المتكاثرة.
الأول: ما رواه "مسلم" عن أبي سعيد الخدري ﵁: "خرجنا
مع رسول الله ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخًا.
فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة، إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية، وَرُحْنَا إلى "منى" أهللنا بالحج".
والثاني: ما رواه "مسلم" و"ابن ماجه" عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: "خرجنا محرمين، فقال رسول الله: من كان معه هَدْيٌ فَلْيُقِمْ على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ، فليحلل، فلم يكن معي هدي، فحللت. وكان مع الزبير هدي، فلم يحلل".
وهذه أحاديث عامة للصحابة ولمن بعدهم، إلى الأبد.
فإن الأحكام الشرعية، لا تكون لجيل دون جيل، ولا لطائفة دون أخرى.
فمن ادّعى الخصوصية، فعليه الدليل.
[ ٤٢١ ]
وكيف ولما سأل سراقة بن مالك النبي ﷺ عن هذا الفسخ "هل هي للصحابة خاصة؟ " فقال: "بل للأمة عامَّة؟ ".
وقد وردت هذه الأحاديث في واقعة متأخرة، لم يأت بعدها ما ينسخها. ومن ادَّعى النسخ، فعليه الدليل.
بل ورد ما يبعد دعوى النسخ، حين قيل للنبي ﷺ "عمرتنا هذه: لعامنا هذا أم للأبد؟ " فقال: "لا. بل لأبد الأبد، ودخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
أما دعوى الجمهور النسخ، بحديث بلال بن الحارث، فبعيد كل البعد.
لأن الإمام أحمد قال في حديثه: حديث بلال بن الحارث عندي، ليس بثبت، ولا أقول به. وأحد رواة سنده الحارث بن بلال لا يعرف.
وقال أيضًا: أرأيت لو عرف الحارث بن بلال؟ إلا أن أحد عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يرون ما يرون من الفسخ: أين يقع الحارث بن بلال منهم؟!
وأما أثر أبي ذر، فهو رَأيٌ له، وقد خالفه غيره فيه، فلا يكون حجة، لاسيما مع معارضته للأحاديث الصحاح.
وممن اختار الفسخ، شيخ الإسلام "ابن تيمية" قدس الله روحه، وتلميذه "ابن القيم".
وقد أطال "ابن القيم" البحث في الموضوع في كتابه [زاد المعاد] وبيَّن حجج الطرفين، ونصر الفسخ نصرًا مؤزرًا مبينًا، وردَّ غيره، وفنَّد أدلته بطريقته المقنعة، وعارضته القوية.
ثم اختلف القائلون بالفسخ: أهو للوجوب أم للاستحباب؟
فذهب الإمام أحمد: إلى استحباب الفسخ. قال شيخ الإسلام: أهل مكة وبنو هاشم وعلماء الحديث يستحبونها، فاستحبها علماء سنته، وأهل سنته، وأهل بلدته التي بقربها المناسك وهؤلاء أخص الناس به.
ولعل قصر الإمام "أحمد" لأحاديث الأمر بالفسخ مع التغليظ فيه على الاستحباب، حمله على عدم مبادرة الصحابة إلى امتثال أمره ﷺ.
وذهب ابن عباس في المفهوم من كلامه: إلى أنه فرض من لم يَسُقْ هدي التمتع، حيث قال: " من جاء مُهلًاّ بالحج، فإن الطواف باليت يغيره إلى عمرة، شاء أم أبى".
وذهب "ابن حزم" إلى ما ذهب إليه ابن عباس، حيث يقول في كتابه المحلى:
ومن أراد الحج، فإنه إذا جاء إلى الميقات، فإن كان لا هدي معه، ففرض عليه أن يحرم بعمرة
[ ٤٢٢ ]
مفردة ولابد، ولا يجوز له غير ذلك.
فإن أحرم بحج أو بقران حج وعمرة، ففرض عليه أن يفسخ إهلاله ذلك، بعمرة يحل إذا أتمها، لا يجزئه غير ذلك.
وذهب ابن القيم إلى هذا الرأي حيث قال في كتابه زاد المعاد بعد أن ساق حديث البراء بن عازب، ونحن نشهد الله علينا، أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة، تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ، واتباعًا لأمره.
فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعده، ولا صح حرف واحد يعارضه، ولا خص به أصحابه، دون مَنْ بعده، بل أجرى الله ﷾ على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجاب: بأن ذلك كائن لأبد الأبد.
فما ندري ما تقدم على هذه الأحاديث وهذا الأمر المؤكد، الذي غضب رسول الله ﷺ على من خالفه.
فهؤلاء، لما رأوا تكاثر الأحاديث في الأمر به، وغضب الرسول ﷺ من أجله، لم يقنعوا إلا بالقول بوجوبه وفريضته.
وحديث البراء المشار إليه هو ما أخرجه ابن ماجه، والإمام أحمد وصححه، عن البراء بن عازب قال: "خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال: اجعلوا حجكم عمرة".
قال: فقال الناس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحج، كيف نجعلها عمرة.
قال: "انظروا ما آمركم به فافعلوا" فردوا عليه القول فغضب.
ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان، فرأت الغضب في وجهه فقالت: "من أغضبك أغضبه الله؟ ".
قال: "ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا يُتَّبعُ".
فهذا وأمثاله، متمسك من أوجبوا الفسخ.
الحديث الثاني
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قالَ: قدِمْنَا مَعَ سُولِ الله ﷺ
وَنَحْنُ نَقُولُ " لَبَّيْكَ بالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً.
المعنى الإجمالي:
يقول جابر: قدمنا في حجة الوداع مع رسول الله ﷺ مُهلِّين بالحج ومُلبِّينَ به، لأن
[ ٤٢٣ ]
بعضهم أفرد الحج، وبعضهم قرن، وكأنه مُفْرِد وسكت عن المتمتعين، وفيهم قسم متمتع.
فأمر النبي ﷺ من لم يسق الهدي منهم أن يفسخ حجه إلى عمرة متمتعًا بها إلى الحج.
وهذا الحديث، أحد أدلة من يرون فسخ الحج إلى عمرة.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَال: قَدِمَ رَسُول الله ﷺ
وَأصحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ الله أيُّ الْحِلِّ؟ قال: "الحِلُّ كُلُّهُ".
المعنى الإجمالي:
يذكر ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ وأصحابه قدموا مكة في حجة الوداع، صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة، وكان بعضهم محرمًا بالحج، ومنهم القارن بين الحج والعمرة.
فأمر من لم يَسُقِ الْهَدْيَ من هاتين الطائفتين بأن يحلوا من حجهم، ويجعلوا إحرامهم بالعمرة.
فكبُر عليهم ذلك ورأوا أنه عظيم أن يتحللوا التحلل الكامل، الذي يبيح الجماع، ثم يحرمون بالحج، ولذا سألوه فقالوا: يا رسول الله: أي الحل؟ فقال ﷺ الحل كله، فيباح لكم ما حرم عليكم قبل الإحرام فامتثلوا ﵃
وهذا من أدلة القائلين بالفسخ أيضًا.
الحديث الرابع
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّيَيْرِ قال: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِس: كَيْفَ كانَ رَسُولُ الله صلى الله
عليه وسلم يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟
فقال: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
العنق: انبساط السير، و"النص" فوق ذلك.
الغريب:
العنق والنص: " العنق" بفتح العين والنون. و"النص" بفتح النون وتشديد الصاد. وهما ضربان من السير، والنص أسرعهما.
الفجوة: بفتح الفاء، المكان المتسع.
[ ٤٢٤ ]
المعنى الإجمالي:
كان أسامة بن زيد ﵄ رديف النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة.
فكان أعلم الناس بسير النبي ﷺ فسئل عن صفته فقال:
كان يسير العنق، وهو انبساط السير ويسره في زحمة الناس، لئلا يؤذي به، وليكون بعد انصرافه من هذا الموقف العظيم وإقباله على المشعر الحرام
خاشعًا خاضعًا، عليه السكينة والوقار، راجيًا قبول عمله، شاكرًا على نعمه التي من أجلها عزَّ الإسلام، وذلَّ الشرك. فإذا وجد فرجة ليس فيها أحد من الناس حرك دابته، فأسرع قليلًا، وخشوعه وخضوعه لا يفارقانه ﷺ في كل حركة وسكون.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون أسامة بن زيد رديف النبي ﷺ، من دفع عرفة إلى مزدلفة، فهو أعلم الناس بسيره.
٢- كان سيره ﷺ انبساطًا لا تباطُؤَ فيه، ولا خفة ولا سرعة، فيؤذي بهما، ويذهب معهما خشوعه.
٣- إذا وجد فجوة ليس فيها أحد، حرك دابته مع ما هو فيه من الخشوع والخضوع لله تعالى، ومراقبته الله، وتعظيمه لمناسكه ومشاعره.
٤- أن ما عليه الناس اليوم من الطيش، والخفة، والسرعة، والسباق على السيارات مناف للسنة، وهيبة الحج، وسكينته ووقاره.
ويحدث من جراء هذه السرعة ما ينافي الشرع من المبادرة بالخروج من حدود عرفة قبل الغروب، فيحصل التشبه بالمشركين، ويحصل أضرار تلحق الراكبين ومراكبهم، ويحصل من الشجار والنزاع ما ينافي آداب الحج. إلى غير ذلك من المفاسد المترتبة على هذه العجلة، التي في غير موضعها.
[ ٤٢٥ ]