الحديث الأول
عَنْ أبي (١) مُوسَى- عَبْدِ الله بن قَيْس﵁ أن رَسُولَ الله ﷺ بَرِيء مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحَالِقةِ وَالشَّاقَّةِ.
قال المصنف: الصالقة، التي ترفع صوتها عند المصيبة.
الحديث الثاني
عَنْ أبي عَبدِ الله بن مَسعُوُد ﵁ عَن النبيِّ ﷺ قال: " ليس مِنَّا مَنَ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجيُوبَ وَدَعَا بِدَعوى الجَاهِليةِ".
_________________
(١) كان الحديث رقم ١٦٢ حسب ترتيب المصنف هو ١٦٤ ولكن قدمناه إلى هنا، لأن معناه هو معنى الحديث الذي معه وشرحناهما جميعا - اهـ الشارح.
[ ٢٨٧ ]
الغريب:
١- الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، بالنَّوْح والعويل.
٢- الحالقة: التي تحلق شعرها، أو تنتفه من شدة الجزع والهلع.
٣- الشاقة: التي تشق جيبها أو ثوبها تَسَخُّطًا في قضاء الله.
٤- دعوى الجاهلية: وذلك بالتفجع كل الميت والنياحة عليه بأنه قاتل النفوس وكهف العشيرة وكافل الأيتام.. إلى غير ذلك من المناقب التي كانوا يعددونها، ومثله الندبة كـ" ياسنداه " و" انقطاع ظهراه " وكل قول ينبيء عن السخط والجزع من قدر الله تعالى وحكمته.
٥- ضرب الخدود لطمها، وقد جاء بالجمع مناسبة لما بعده.
٦- الجيب: ما شق من الثوب لإدخال الرأس.
المعنى الإجمالي:
لله ما أخذ، وله ما أعطى وفي ذلك الحكمة التامة، والتصرف الرشيد.
ومن عارض في هذا ومانعه فكأنما يعترض على قضاء الله وقدره الذي هو عين المصلحة والحكمة وأساس العدل والصلاح.
ولذا فإن النبي ﷺ ذكر أنه من تسخطَ وجزع من قضاء الله فهو على غير طريقته المحمودة، وسنته المنشودة، إذ قد انحرفت به الطريق إلى ناحية الذين إذا مسهم الشر جزعوا وهلعوا، لأنهم متعلقون بهذه الحياة الدنيا فلا يرجون بصبرهم على مصيبتهم ثواب الله ورضوانه.
فهو بريء ممن ضعف إيمانهم فلم يحتلوا وَقّعَ المصيبة حتى أخرجهم ذلك إلى التسخط القولى بالنياحة والندب، أو الفعلي، كنتف الشعور، وشق الجيوب، إحياءً لعادة الجاهلية.
وإنما أولياؤه الذين إذا أصابتهم مصيبة سلَّموا بقضاء الله تعالى، ويقالوا: ﴿إِنَّا لله وإِنا إليه رَاجعُونَ. أولئِكَ عَلَيهِم صَلَوات مِنْ رَبِّهِم وَرَحمَة وَأولئِكَ هُمُ المُهتدُونَ﴾ .
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم التسخط من أقدار الله المؤلمة، وإظهار ذلك بالنياحة أو الندب أو الحلق أو الشق أو غير ذلك كَحَثي التراب على الرأس.
٢- تحريم تقليد الجاهلية بأمورهم التي لم يقرهم الشارع عليها، ومن جملتها دعاويهم الباطلة عند المصائب.
٣- أن هذا الفعل وهذا القول من الكبائر، لأن النبي ﷺ تَبَرَّأ ممن عمل ذلك، ولا يتبرأ إلا من فعل كبيرة.
[ ٢٨٨ ]
٤- لا بأس من الحزن والبكاء، فهو لا ينافي الصبر على قضاء الله. وإنما هو رحمة جعلها الله في قلوب الأقارب والأحِبَّاء.
والنبي ﷺ حزن وذرفت عيناه وقال: لا نقول إلا ما يرضى الرب. وبعضهم استحب البكاء.
وللعلماء والعارفين في هذا الباب، آراء يذهبون فيها حسبما تُوحِى إليهم نزعاتهم الدينية.
فائدتان:
الأولى: الإيمان بالله تعالى، وحسن رجاء العبد بره ومثوبته، ظل ظليل يأوي إليه كل من لفحته سمائم الحياة المحرقة، فإنه يجد فيه الراحة والأنس والأمن، لما يرجوه من ثواب الله تعالى وجزيل عطائه للصابرين.
فترخص عنده الحياة وتسهل عليه الأمور ولذا قيل: " من عرف الله هانت عليه مصيبته ".
والنبي ﷺ قال: " عجبًا للمؤمن، إن أمره كله عجب، إن أصابته سراء فشكر، كان خيرا له، وإن أصابته ضراء، فصبر، كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن ". ولما فقد الناس هذا الظل الوارف من الإيمان بربهم والرجاء لحسن جزائه والأمل في كريم مثوبته صرنا في هذا الزمن نرى. والعياذ بالله – كثرة حوادث الانتحار ممن لم يدخل الإيمان في قلوبهم، فيقتلون أنفسهم ويعجلون بأرواحهم إلى النار، لأنهم لم يستروحوا هذا الظل الذي يجده المؤمن بربه، الواثق بوعده.
بل عند أتْفَهِ الأسباب يئدون أعمارهم، ولا يدرون بأنهم بتعجلهم المزرى- ينتقلون إلى عذاب أشد مما هم فيه، وأنهم كالمستنجد من الرمضاء بالنار.
فليس لديهم قلب المؤمن الراضي الذي تهون عنده المصائب بجانب ما عند الله من الجزاء الكريم.
الثانية: مذهب أهل السنة والجماعة، أن المسلم لا يخرج من دائرة الإسلام بمجرد فعل المعاصي وإن كبرت، كقتل النفس بغير حق.
ويوجد كثير من النصوص الصحيحة تفيد بظاهرها خروج المسلم من الإسلام لفعله بعض الكبائر، وذلك كهذين الحديثين " ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب " الخ.
وأن النبي ﷺ (بريء من الصالقة والحالقة) ومثل " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه
[ ٢٨٩ ]
ما يحب لنفسه " كحديث " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من لا يأمن جاره بوائقه " وحديث " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وغير هذا كثير.
وقد اختلف العلماء في المراد منها.
فمنهم من رأى السكوت عنها، وأن تمر كما جاءت، وذلك أنه يراد بها الزجر والتخويف، فتبقى على تهويلها وتخويفها. ومنهم من أوَّلَهَا.
وأحسن تأويلاتهم ما قاله شيخ الإسلام " ابن تيمية " من أن الإيمان نوعان:
أ- نوع يمنع من دخول النار. ب- ونوع لا يمنع من الدخول، ولكن يمنع من الخلود فيها.
فمن كمل إيمانه وسار على طريق النبي ﷺ وهديه الكامل، فهو الذي يمنعه إيمانه من دخول النار.
وقال ﵀: إنّ الأشياء لها شروط وموانع، فلا يتم الشيء إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه.
مثال ذلك إذا رتب العذاب على عمل، كان ذلك العمل موجبًا لحصول العذاب ما لم يوجد مانع يمنع من حصوله.
وأكبر الموانع، وجود الإيمان، الذي يمنع من الخلود في النار.
الحديث الثالث
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: لَمَّا اشتَكَى النَبي ﷺ ذَكَرَ بعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَة رَأتْهَا بأرض الحَبَشةِ يُقَالُ لَهَا " مَارِيَةُ " وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأمُّ حَبيبَةَ أتتا أرْضَ الحَبَشَةَ فَذَكَرَتَا من حُسْنِهَا وَتَصَاوير َ (١) فِيهَا، فَرَفَعَ رَأسَهُ ﷺ وَقالَ:
" أولئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِم الرَّجُلُ الصالح بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَورُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَ، أولئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ الله.
الغريب:
اشتكى: من الشكوى، أي المرض.
الكنيسة: متعبد النصارى وتجمع على كنائس.
شرار: جع شر وهى صفة مشبهة مثل بر.
_________________
(١) وتصاوير: معطوف على " حسنها " مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع.
[ ٢٩٠ ]
المعنى الإجمالي:
كانت " أم سلمة " و" أم حبيبة " من المهاجرات إلى أرض الحبشة، قبل أن يتزوج بهما رسول الله ﷺ.
فلما كان في مرضه الذي توفى فيه ﷺ، ذكرتا له ما رأتاه من كنيسة في مهاجرهما الأول، وما فيها من حسن الزخرفة والتصاوير، فلم يشغله مرضه ﵊ عن أن يبين ما في عملهم في كنائسهم، وفي موتاهم من المحاذير.
لذا رفع رأسه وقال: إن هؤلاء الذين تذكران من كنائسهم وتصاويرهم كانوا يتعدون الحدود، ويغلون في موتاهم، فإذا مات الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصورُوا تلك الصور.
وبما أن عملهم هذا منافٍ للتوحيد، الذي هو أوجب الواجبات، وضرره لا يقتصر على من هم عليه بل يتعداهم إلى غيرهم من المغرورين الجاهلين، فإن فاعليه شر الخالق عند الله تعالى.
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم البناء على القبور، وأنه من التشبه بالمشركين، ومن وسائل الشرك.
٢- تحريم التصوير لذي الروح، لاسيما لأهل الصلاح الذين يخشى من صورهم الفتنة.
قال ابن دقيق العيد ﵀: فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل، وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وأن هذا التشديد كان في ذلك الزمان، لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في التشديد. وهذا القول عندنا باطل قطعا. وصوب الصنعاني قول ابن دقيق العيد.
وقال النووي: تصوير الحيوان من الكبائر، لأنه توعد هذا الوعيد الشديد. إلا أن الممنوع ما كان له ظل، وأما ما لا ظل له فلا بأس باتحاده. قال الصنعاني: وهو مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكره النبي ﷺ كانت الصورة فيه بلا ظل بغير شك. وأيد ابن حجر القول بتحريم ماله ظل وما ليس له ظل أخذًا بحديث أخرجه أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: " أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع فيها صورة إلا انتزعها".
٣- أن من عمل هذا، فهو من شر خلق الله لما في عمله من المحاذير الكثيرة والعواقب الوخيمة عليه وعلى غيره.
٤- فيه كمال نصح النبي ﷺ إذ لم يصرفه عن الموعظة ما يقاسيه من الألم.
[ ٢٩١ ]
الحديث الرابع
عن عَائشة ﵂ قالت قَالَ رَسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه:
" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره. غير أنه خُشي أن يُتَّخذ مسجدًا.
المعنى الإجمالي:
كانت عائشة ﵂، هي التي مَرَّضت النبي ﷺ، مرضه الذي توفى فيه، وهى الحاضرة وقت قبض روحه الكريم.
فذكرت أنه في هذا المرض الذي لم يقم منه، خشي أن يتخذ قبره مسجدًا، يصلى عنده، فتجر الحال إلى عبادته من دون الله تعالى. فقال:
" لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر من عملهم.
ولذا علم الصحابة ﵃ مراده، فجعلوه في داخل حجرة عائشة.
ولم ينقل عنهم، ولا عن من بعدهم من السلف، أنهم قصدوا قبره الشريف ليدخلوا إليه فيصلوا ويدعوا عنده.
حتى إذا تبدلت السنة بالبدعة، وصارت الرحلة إلى القبور، حفظ الله نبيه مما يكره أن يفعل عند قبره، فصانه بثلاثة حجب متينة، لا يتسنى لأي مبتدع أن ينفذ خلالها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- النهي الأكيد، والتحريم الشديد، من اتخاذ القبور مساجد، وقصد الصلاة عندها. قال الصنعاني رحمه الله تعالى: إن ذلك ذريعة إلى تعظيم الميت والطواف بقبره والتمسح بأركانه والنداء باسمه، وهذه بدعة عظيمة عمت الدنيا وعبد الناس القبور وعظموها بالمشاهد والقباب، وزادوا على فعل الجاهلية فأسرجوها وجعلوا لها نصيبا من أموالهم؟ كما قال تعالى: ﴿ويجعلون لمالا يعلمون نصيبا مما رزقناهم﴾ .
وذكر أنه قد وردت بعض الأحاديث التي تدل على أن قبر الرسول ﷺ لم يفعل به السلف شيئا من هذا القبيل فقد أخرج أبو داود عن القاسم بن محمد أنه دخل على عائشة فكشفت له عن ثلاثة قبور " لا مشرفة ولا لاطئة " أي قبره وقبر صاجيه، وذكر الصنعاني أن ذلك غير جائز سواء أكان القبر في قبلة المسجد أم غيرها.
٢- أن هذا من فعل اليهود والنصارى، فمن فعله فقد اقتفى أثرهم، وترك سنة محمد ﵊.
٣- أن الصلاة عند القبر، سواء كانت بمسجد أو بغير مسجد، من وسائل الشرك الأكبر.
[ ٢٩٢ ]
٤- أن الله تعالى صان نبيه ﵊ عن أن يُعْمَلَ الشرك عنده، فألهم أصحابه ومن بعدهم، أن يصونوه.
٥- أن هذا من وصاياه الأخيرة التي أعدها لآخر أيامه لتحفظ.
الحديث الخامس
عَنْ أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
من شَهدَ الْجَنَازَةَ حَتًى يُصَلَى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاط، وَمن شَهدَهَا حَتَّى تُدْفَن فَلَهُ قيرَاطَانِ ".
قيل: وَمَا القيرَاطَانِ؟ قالْ: "مِثل الْجَبَلين العظيمَين".
ولـ "مسلم " "أصْغَرُهمَا مِثْل جَبل أحُدٍ".
المعنى الإجمالي:
الله ﵎ لطيف بعباده، ويريد أن يهيىء لهم أسباب الغفران، لاسيما عند مفارقتهم الدنيا، التي هي دار العمل، إلى دار يطوى فيها سجِلُّ أعمالهم.
ولذا فإنه حضَّ على الصلاة على الجنازة وشهودها، لأن ذلك شفاعة تكون سببًا للرحمة.
فجعل لمن صلَّى عليها قيراطا من الثواب، ولمن شهدها حتى تدفن قيراطًا آخر. وهذا مقدار من الثواب عظيم ومعلوم قدره عند الله تعالى.
فلما خَفِي على الصحابة﵃- مقداره، قرَّبه النبي ﷺ إلى أفهامهم، بأن كل قيراط مثل الجبل العظيم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- الفضل العظيم في الصلاة على الجنازة وتشييعها حتى تدفن. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المشي أمامها أفضل. قال ابن المنذر: إنه ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يمشون أمام الجنازة.
٢- أنه يحصل للمصلى والمشيع حتى تدفن، ثواب لا يعلم قدره إلا الله تعالى.
٣- أن في الصلاة على الميت، وتشييع جنازته، إحسانًا إلى الميت، وإلى المصلى والمشيع.
٤- فضل الله تعالى على الميت، حيث حض على تكثير الشفعاء له بأجر من عنده.
٥- أن نسبة الثواب بنسبة الأعمال التي يقوم بها العبد.
حيث إنه جعل للمصلى قيراطًا، وللمصلي والمشيِّع، قيراطين.
[ ٢٩٣ ]
زيارة القبور:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الزيارة تنقسم إلى قسمين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام على الميت والدعاء له بمنزلة الصلاة على جنازته كما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المسلين والمؤمنين، وإنا- إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم.
وأما الزيارة البدعية فمثل قصد قبر بعض الأنبياء والصالحين للصلاة عنده، أو الدعاء عنده، أو الدعاء به، أو طلب الحوائج منه أو طلبها من الله تعالى عند قبره، أو الاستغاثة به ونحو ذلك. فهذا من البدع التي لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، بل قد نهى عن ذلك أئمة المسلمين الكبار.
[ ٢٩٤ ]