الحديث الأول
عَنْ أمّ عَطِيةَ الأنصَاريَّةِ قَالَتْ: دَخَل عَلَيْنَا رسُولُ الله ﷺ حِينَ تُوُفيَتْ ابنتُهُ زَينبُ، فَقَالَ:
"اغْسِلْنَهَا بثَلاَثٍ أوْ خَمس أوْ أكْثرَ مِنْ ذلِكَ، إنْ رَأيتُنَّ ذلِكَ، بمَاء وَسِدْر، وَاجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كافُورًا أوْ شَيْئًا مِنْ كافُور فَإذا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَني ".
فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ. فَأعطَانَا حِقْوَهُ فقال: " أشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ، تعني إزاره ".
وفِى رواية " أوْ سَبْعا " وقال: إِبْدأنَ بِميَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوضُوء مِنْهَا " وَأنَّ أمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَجَعَلنَا رَأسَهَا ثَلاَثةَ قرونٍ.
الغريب:
رأيتن ذلك: بكسر الكاف، لأن المخاطبة أنثى.
سدر: هو شجر النبق، والذي يغسل به ورقه بعد طحنه.
كافور: نوع من الطيب، من خواصه أنه يصلب الجسد.
آذنني: أي أعلمني.
حقوه: بفتح الحاء وكسرها. موضع شد الإزار، توسعوا فيه فأطلقوه على الإزار نفسه.
أشعرنها إياه: الشعار، بالكسر، ما في الجسد من الثياب، ومعناه: اجعلن إزاري مما في جسدها.
بميامنها: الميامن: - جمع " ميمنة " بمعنى اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأصحَابُ الميمَنَةِ﴾
المعنى الإجمالي:
لما توفيت " زينب " بنت النبي ﷺ - ﵂، دخل النبي ﷺ على غاسلاتها، وفيهن " أم عطية الأنصارية " ليعلمهن صفة غسلها، لتخرج من هذه الدنيا إلى ربها، طاهرة نقية فقال:
اغسلنها ثلاثًا، أو خمسا، ليكون قطع غسلهن على وتر أو أكثر من ذلك، إن رَأيْتُنَّ أنها تحتاج إلى الزيادة على الخمس.
وليكون الغسل أنقى، والجسد أصلب، اجعلن مع الماء سدرًا، وفي الأخيرة كافورا، لتكون مطيبة بطيب يبعد عنها الهوام، ويشد جسدها.
ووصاهن أن يبدأن بأشرف أعضائها، من الميامن، وأعضاء الوضوء.
وأمرهن- إذا فرغن من غسلها على هذه
[ ٢٨١ ]
الكيفية- أن يعلمنه.
فلما فرغن وأعلمنه، أعطاهن إزاره الذي باشر جسده الطاهر، ليشعرنها إياه، فيكون بركة عليها في قبرها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب غسل الميت المسلم، وأنه فرض كفاية.
٢- أن المرأة لا يغسلها إلا النساء، وبالعكس، إلا ما استثنى من المرأة مع زوجها، والأمة مع سيدها، فلكل منهما غسل صاحبه.
٣- أن يكون بثلاث غسلات، فإن لم يكف، فخمس، فإن لم يكف، زيد على ذلك، وقيد بعض العلماء الزيادة إلى السبع. ولكن المفهوم من قوله: " إن رأيتن ذلك " التفويض إلى رأيهن بحسب المصلحة والحاجة، ففي رواية الصحيحين " أو سبعا أو أكثر من ذلك ".
وبعد ذلك إن كان ثَمَّ خارج، سد المحل الذي يخرج منه الأذى.
٤- أن يقطع الغاسل غسلاته على وتر، ثلاث، أو خمس، أو سبع.
٥- أن يكون مع الماء سدر، لأنه ينقى، ويصلب جسد الميت وأن الماء المتغير بالطاهر باق على طهوريته.
٦- أن يطيب الميت مع آخر غسلاته، لئلا يذهب الماء.
ويكون الطيب من كافور، لأنه- مع طيب رائحته- يشد الجسد، فلا يسرع إليه الفساد.
٧- البداءة بغسل الأعضاء الشريفة، وهي: الميامن، وأعضاء الوضوء.
٨- ضفر الشعر ثلاث ضفائر، وجعله خلف الميت.
٩- التبرك بآثار النبي ﷺ، وهذا شيء خاص به، فلا يتعداه إلى غيره من العلماء والصالحين، لأمور كثيرة.
منها: أن هذا الأمر لا يلحقه أحد فيه، لما بينه وبين غيره من الْبَوْنِ الشاسع.
ثانيا: أن هذه الأشياء توقيفية، لا تشرع إلا بشرع، ولا يوجد من الأدلة ما يُعَدِّيها إلى غيره.
ثالثًا: أن الصحابة يعلمون أن أبا بكر أفضل الأمة، ولم يرد أنهم فعلوا معه ما يفعلونه مع النبي ﷺ، من التسابق على مَاء وَضُوئِهِ، وغيره.
رابعًا: أن التبرك بغيره ﷺ من الغُلُوِّ الذي هو وسيلة الشرك.
خامسًا: أنه فتنة لمن تُبرك به، وطريق إلى تعظيمه نفسه، الذي فيه هلاكه.
[ ٢٨٢ ]
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس ﵄ قَال: بَيْنَما رَجُل وَاقِف بِعَرَفَةَ إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ- أوْ قَالَ: فَأوْقَصَتْهُ- فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "اِغْسِلُوهُ بِمَاء وَسِدْر، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأسَهُ فَإنَّهُ يُبْعَث يَوْمَ القِيَامَةِ مُلبِّيًا ".
وفي رواية: " وَلاَ تُخَمرُوا وَجْهَهُ وَلاَ رَأسَهُ "
قال المصنف ﵁: الوقص، كسر العنق (١) .
غريب الحديث:
وقصته: صرعته فكسرت عنقه.
لا تحنطوه: لا تجعلوا في شيء من غسله أو كفنه حنوطا وهو أخلاط من الطيب تجمع للميت.
لا تخمروا: لا تغطوا يبعث ملبيا: أي يبعث وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، وذلك شعار الإحرام.
المعنى الإِجمالي:
بينما كان رجل من الصحابة واقفًا في عرفة على راحلته في حجة الوداع محرما إذ وقع منها، فانكسرت عنقه فمات.
فأمرهم النبي ﷺ أن يغسلوه كغيره من سائر الموتى، بماء، وسدر. ويكفنوه في إزاره وردائه، اللذين أحرم بهما.
وبما أنه محرم بالحج وآثار العبادة باقية عليه، فقد نهاهم النبي ﷺ أن يُطيبوه وأن يغطوا رأسه.
وذكر لهم الحكمة في ذلك، وهى أنه يبعثه الله على ما مات عليه، وهو التلبية، التي هي شعار الحج.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب تغسيل الميت، وأنه فرض كفاية.
٢- جواز اغتسال المحرم، كما ثبت ذلك في حديث أبي أيوب.
٣- الاعتناء بنظافة الميت وتنقيته، إذ أمرهم أن يجعلوا مع الماء سدرًا.
٤- أن تغير الماء بالطاهرات، لا يخرج الماء عن كونه مطهرا لغيره، إلى كونه طاهرًا بذاته
_________________
(١) هذه الرواية لـ " مسلم " فقط، فكان ينبغي التنبيه عليها. قال البيهقي: وذكر الوجه وهم من بعض الرواة في الإسناد والمتن الصحيح " لا تغطوا رأسه " كذا أخرجه البخاري، وذكر " الوجه " غريب.
[ ٢٨٣ ]
غير مطهر لغيره، كما هو المشهور في مذهب " أحمد ".
بل الصحيح أنه يبقى طاهرًا بذاته مطهرًا لغيره كما هو مذهب الجمهور، وإحدى الروايتين عن الإمام " أحمد ".
٥- وجوب تكفين الميت، وأن الكفن مقدم على حق الغريم، والوصيِّ، والوارث.
٦- تحريم تغطية رأس الميت المحربم، والوجه للأنثى.
ويؤخذ من قوله: " يبعث ملبيا " بقياس الأولوية، أن ذلك يحرم في حق المحرم الحي. قال ابن دقيق العيد: الحديث دليل على أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الاحرام، وهو مذهب الشافعي وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة وزوال محل التكليف ولكن اتباع الحديث مقدم على القياس.
٧- تحريم الطيب على المحرم، حياْ أو ميتا، ذكرا أو أنثى، لأنه ترفُّه، وهو منافٍ للإحرام.
٨- أن المحرم غير ممنوع من مباشرة الأشياء التي ليس فيها طيب كالسِّدْرِ، والأشنان، والصابون غير المطيّب، ونحوها.
٩- جواز الاقتصار في الكفن على الإزار والرداء.
وبهذا يعلم أنه يكفي للميت لفافة واحدة، لأن الإزار والرداء بقدر اللفافة.
١٠- فضل من مات محرمًا، وأن عمله لا ينقطع إلى يوم القيامة، حين يبعث عليه.
١١- أن من شرع في عمل صالح - من طلب علم أو جهاد، أو غيرهما ومن نيته أن يكمله، فمات قبل ذلك- بلغت نيته الطيبة، وجرى عليه ثمرته إلى يوم القيامة.
الحديث الثالث
عَنْ أبي هُريرة ﵁ عَنِ النَّبي ﷺ قال: "أسْرِعُوا بالْجَنَازَةِ فَإن تَكُ صَالِحَةً فَخْيرٌ تُقَدمُونَهَا إِليهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذلِكَ فشَرٌّ تضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ ".
المعنى الإجمالي:
الإنسان من روح وجسد، وفضله وشرفه، ونفعه، وثمرته في روحه.
فإذا ما فارقت روحه جسده، بقي بلا نفع، ولا فائدة في بقائه بين ظَهْرانَيْ أهله جيفة بل كلما مكثت تشوه منظرها وتعفن ريحها.
لذا أمر الشارع الحكيم بالإسراع في تجهيزها، من التغسيل، والصلاة، والحمل، والدفن.
[ ٢٨٤ ]
وأرشدهم إلى حكمة الإسراع بها، وذلك أنها إذا كانت صالحة، فإنها ستقدم إلى الخير والفلاح، ولا ينبغي تعويقها عنه، وهي تقول: قَدِّموني قدموني، وإن كانت سوى ذلك، فهي شر بينكم، فينبغي أن تفارقوه، وتريحوا أنفسكم من عنائه ومشاهدته، فتخففوا منه بوضعه في قبره.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب الإسراع بتجهيز الميت وفي حمله، لكن بغير سرعة يحصل معها ضرر على الجنازة، أو على المشيعين.
٢- يقيد الإسراع بما إذا لم يكن الموت فجأة يخشى أن يكون إغماء.
فينبغي أن لا يدفن حتى يتحقق موته، أو يكون في تأخيره مصلحة، من كثرة المصلين، أو حضور أقاربه. ولم يُخش عليه الفساد.
٣- فيه طلب مصاحبة الأخيار، والابتعاد عن الأشرار.
٤- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من كان مظهرًا للإسلام فإنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة من المناكحة والموارثة وتغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ونحو ذلك.
الحديث الرابع
عَن أم عطيةَ الأنصارية ﵂ قالَتْ: نُهينا عن اتّباع الجنائزِ ولم يُعْزَمْ علينا.
المعنى الإجمالي:
أم عطية الأنصارية من الصحابيات الجليلات تفيد أن النبي ﷺ نهى النساء عن اتباع الجنائز، لما فيهن من شدة الرقة والرأفة، فليس لديهن صبر الرجال وتحملهم للمصائب. ولكن مع هذا فهمت من قرائن الأحوال أن هذا النهي ليس على سبيل العزم والتأكيد، فكأنه لا يفيد تحريم ذلك عليهن.
ما يؤخذ من الحديث:
١- نهي النساء عن اتباع الجنائز، وهو عام في اتباعها إلى حيث تجهيز ويصلى عليها وإلى المقبرة حيث تدفن.
[ ٢٨٥ ]
٢- علة النهي أن النساء لا يطقن مثل هذه المشاهد المحزنة والمواقف المؤثرة، فربما ظهر منهن من التسخط والجزع ما ينافي الصبر الواجب.
٣- الأصل في النهي التحريم إلا أن أم عطية فهمت من قرينة الحال أن نهيهن عن اتباع الجنائز ليس جازما مؤكدا.
٤- لكن قال ابن دقيق العيد: قد وردت أحاديث أدل على التشديد في اتباع الجنائز أكثر مما يدل عليه هذا الحديث.