الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عمَرَ ﵄:
أنً رِجَالًا مِنْ أصْحَابِ النَّبِي ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المنام. في السْبعِ
الأوَاخِرِ. فقال رَسُوْلُ الله ﷺ: "أرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأًتْ في
السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَها فَلْيَتَحَرًهَا في السَّبْع الأوَاخِرِ".
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قال:
"تَحَّرَُوْا ليْلَةَ الْقَدْرِ فَي الوِتْرِ (١) مِنَ الْعَشْرِ الأوَاخِرِ".
الغريب:
١- أروا فعل ماضٍ مبني للمجهول من الرؤية.
٢- ليلة القدر ليلة مباركة من ليالي رمضان سميت "ليلة القدر" لعظيم قدرها وشرفها. وقيل: لأن للطاعات فيها قدرًا، والمعنيان متلازمان.
٣- العشر الأواخر: يعني الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان، لأن لها فضلًا ومزية.
٥- قد تواطأت: أصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطئه من قبْله فنقلت هنا إلى معنى موافقة رؤيا الرجل، لرؤيا الآخر.
فتواطأت: مثل توافقت لفظًا ومعنى.
المعنى الإجمالي:
ليلة القدر، ليلة شريفة عظيمة، فيها تضاعف الحسنات وتكفر السيئات، وتقدر الأمور.
ولما علم الصحابة ﵃ فضلها وكبير منزلتها، أحبوا الاطلاع على وقتها.
ولكن الله ﷾ - بحكمته ورحمته بخلقه - أخفاها عنهم ليطول تلمسهم لها في الليالي، فيكثروا من العبادة التي تعود عليهم بالنفع.
فكان الصحابة يرونها في المنام، واتفقت رؤاهم على أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان فقال النبي ﷺ: أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر، فمن كان متحريًا فليتحرها في العشر الأواخر، خصوصًا في أوتار تلك العشر، فإنها أرجى.
_________________
(١) لفظة الوتر ليست متفقًا عليها، كما يوهم صنيع المصنف، بل هي من أفراد البخاري.
[ ٣٤٧ ]
وأرجاها وأكثرها علامات ودلالات هي ليلة سبع وعشرين من رمضان.
فليحرص على رمضان، وعشره الأخير أكثر، وليلة سبع وعشرين أبلغ. وفقنا الله لنفحاته الكريمة.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في تعيين ليلة القدر، وحكى فيها الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" سبعة وأربعين قولًا.
وقد قصد بذلك المشاركة في إبهامها وتعميقها، ولكنه رجح منها أنها في أوتار العشر الأخيرة من رمضان.
وقال الإمام أحمد: أرجاها ليلهَ سبع وعشرين. وهذا القول أرجحها دليلًا.
ما يؤخذ من الحديث:
١- فضل ليلة القدر، لما ميزها الله تعالى من ابتداء نزول القرآن، وتقدير الأمور، وتنزيل الملائكة الكرام فيها.
فصارت في العبادة عن ألف شهر، لمزيد المضاعفة.
٢- أن الله ﵎- من حكمته ورحمته- أخفاها لِيَجِدَّ الناس في العبادة، طلبًا لها، فيكثر ثوابهم.
٣- أنها في رمضان وفي العشر الأخير أقرب. خصوصًا، ليلة سبع وعشرين.
١- أن الرؤيا الصالحة حقٌّ، يعمل بها إذا لم تخالف القواعد الشرعية.
فإنَّ النبي ﷺ جعل تواطؤ رؤياهم على أنها في العشر الأخير، دليلًا على كونها فيها.
٥- استحباب طلبها، والتعرض فيها لنفحات الله تعالى.
فهذه ليلة مباركة تضاعف فيها الأعمال، ويستجاب فيها الدعاء، ويسمع النداء.
والمحروم، من حرم طلبها والتعرض لرحمة الله في مظانها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان والليالي العشر إلا واحدًا من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة. قال ابن القيم: إذ تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيا كافيا فإنه ليس من أيامٍ العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة. وأما ليالي عشر رمضان فهي الليالي التي كان النبي ﷺ يحييها كلها. فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة.
[ ٣٤٨ ]
الحديث الثالث
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ
فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى (١) إِذا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ -
وَهِيَ الْلَيْلَةُ الْتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيْحَتِهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ- قَالَ:
مَنِ اعْتَكَفَ معِي فَلْيَعْتَكِفْ في العَشْرِ الأوَاخِرِ. فَقَدْ أُرِيْتُ هذِهِ الْليْلةَ ثُمَّ أنْسِيتهَا، وَقَدْ
رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِيْنٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ، والْتَمِسُوهَا فِي
كُل وِتْرٍ.
قَال: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلكَ الْلَيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ،
فَأبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولِ الله ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّين مِنْ صُبْحِ
إحْدَى وَعشْرِيْنَ.
الغريب:
في العشر الأوسط: قياسه "الوسطى" لأن العشر مؤنثة، وتوجيه صحته أنه أراد اليوم.
فوكف المسجد: أي قطر من سقفه، ومنه: وكف الدمع.
أريت هذه الليلة ثم أنسيتها: معناه أخبرت في موضعها ثم نسيت كيف أخبرت لحكمة إلهيَّةٍ لا أنه رآها عيانًا.
المعنى الإجمالي:
كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الوسطى من شهر رمضان ابتغاء ليلة القدر وتحريًا لمصادفتها لأنه يظن أنها في تلك العشر.
فاعتكف عامًا- كعادته- حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه، علم أن لليلة القدر في العشر الأواخر، فقال لأصحابه:
من اعتكف معي في العشر الوسطى، فليواصل اعتكافه وليعتكف العشر الأواخر.
فقد رأيت في المنام هذه الليلة وأنسيتها وقد رأيتني فيها في المنام أسجد في ماء وطين، وهي رؤيا حق ولم يأت تأويلها، فلابد أنها أمامكم في العشر الأواخر فالتمسوها فيها.
فصدق الله رؤيا نبيه ﷺ. فمطرت السماء تلك الليلة.
وكان مسجده ﷺ مبنيا كهيئة العريش، عمده من جذوع النخل، وسقفه من جريدها، فوكف المسجد من أثر المطر، فسجد ﷺ صبيحة إحدى وعشرين، في ماء وطين.
_________________
(١) قوله: حتى إذا كانت.. إلخ: لم يخرجه "مسلم" وإنما هو في بعض روايات البخاري.
[ ٣٤٩ ]
ما يؤخذ هن الحديث:
١-كون النبي ﷺ يعتكف العشر الوسطى، طلبًا لليلة القدر، قبل علمه أن وقتها في العشر الأواخر.
٢- هذا الحديث من أدلة الذين يرونها في ليلة إحدى وعشرين.
٣- يدل هذا الحديث على أنها في العشر الأواخر، وفي أوتارها آكد.
٤- أن الرؤيا حق لا سيما رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٥- صفة مسجد النبي ﷺ في زمنه، وكونه عريشًا قد سقف بالجريد الملبد بالطينِ، وحيطانه بعسبان النخل، وسواريه بجذوع النخل. فعمارتهم المساجد، بالطاعة فيها، لا بالتشييد والزخرفة.