ذكر المؤلف رحمه اللَه تعالى في هذا الباب أربعة أحاديث.
الأول والثاني: في بيان ما يلبسه المحرم من الثياب، وما يجتنبه.
والثالث: في بيان التلبية، وسأُفْرِدُهُ بباب.
والرابع: في بيان حكم سفر المرأة بلا محرم، وسأفرده بباب أيضًا، ليتبين من تعدد التراجم ما في الأحاديث من الأحكام.
والمؤلف أخذ الترجمة من السؤال، الذي في الحديث.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَجُلًا قالَ: يَا رَسُولَ الله. مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ
مِنَ الثيابِ؟.
قال ﷺ: "لا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلا العَمَائِمِ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا
الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ إلا أحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْن فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ،
وَلا يَلْبَسْ مِنَ الثيابِ شيئًا مَسَّهُ زَعْفَران أوْ وَرْسٌ".
وللبخاري: " وَلا تَنْتَقِبُ الْمَرأةُ، وَلا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ".
[ ٣٦٥ ]
الغريب:
السراويل: يذكر ويؤنث، وهو مفرد على صيغة الجمع، وجمعه السراويلات، وهي لفظة أعجمية عُربَتْ.
البرانس: جمع بُرْنس، ثوب رأسه منه، ملتزق به، لباس للنساك في صدر الإسلام. ويلبسه المغاربة الآن.
الخفاف: بكسر الخاء جمع "خف" بضم الخاء، وهو ما يلبس في الرجل، ويكون إلى نصف الساق.
أما الجوارب، فما غطى الكعبين، وحكمهما واحد، ويأتي إنشاء الله. مسه: أصابه.
ورس: بفتح الواو، وإسكان الراء، نبت أصفر، يصبغ به الثياب، وله. رائحة طيِّبة.
الزعفران: نبات بصلي معمر من الفصيلة السوسنية يصبغ به أيضا.
ولا تنتقب: الانتقاب: هو أن تُخَمِّر المرأة وجهها- أي تغطيه بالخمار- وتجعل لعينيها خرقين تنظر منهما.
القفازين: تثنية قُفَّاز وهو شيء يعمل لليدين، من خرق، أو جلود، أو غيرها. يقيها من البرد وغيره، على هيئة ما يجعله حاملو البزاة والصقور.
الكعبين: العظمان الناتئان عند مفصل الساق.
المعنى الإجمالي:
قد عرف الصحابة ﵃ أن للإحرام هيئة تخالف هيئة الإحلال. ولذا سأل رجلٌ النبي ﷺ عن الأشياء المباحة، التي يلبسها المحرم.
ولمّا كان من اللائق أن يكون السؤال عن الأشياء التي يجتنبها، لأنها معدودة قليلة وقد أعْطِي ﷺ جوامع الكلم أجابه ببيان الأشياء التي يجتنبها المحرم ويبقى ما عداها على أصل الحل، وبهذا يحصل العلم الكثير.
فأخذ ﷺ يَعُدُّ عليه ما يحرم على الرجل المحرم من اللباس منها بكل نوع منه، على ما شابهه من أفراده، فقال:
لا يلبس القميص، وكل ما فُصِّل وَخِيطَ على قدر البدن، ولا العمائم، والبرانس، وكل ما يغطى به الرأس، ملاصقًا له، ولا
[ ٣٦٦ ]
السراويل، وكل ما غطي به - ولو عضوًا- كالقفازين ونحوهما، مخيطًا أو مُحِيطًا، ولا الخفاف ونحوهما، مما يجعل بالرجلين ساترين للكعبين، من قطن أو صوف، أو جلد أو غير ذلك.
فمن لم يجد وقت إحرامه نعلين، فَلْيَلْبَسْ الخفين ولْيَقْطَعْهُما من أسفل الكعبيِن، ليكونا على هيئة النعلين.
ثم زاد ﷺ فوائد لم تكن في السؤال، وإنما المقام يقتضيها. فَبيَّن ما يحرم على المحرم مطلقًا من ذكر وأنثى، فقال:
ولا يلبس شيئًا من الثياب، أو غيرها مَخِيطًا أو غير مخيط، إذا كان مطيبًا بالزعفران أو الورس، منبهًا بذلك على اجتناب أنواع الطيب.
ثم بيَّن ما يجب على المرأة، من تحريم تغطية وجهها وإدخال كفيها فيما يسترهما، فقال:
"ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين".
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن السؤال ينبغي أن يكون متوجهًا إلى المقصود علمه.
٢- أنه ينبغي للمسئول إذا رأى السؤال غير ملائم أن يعدله ويقيمه إلى المعنى المطلوب، ويضرب صفحًا عن السؤال، كقوله تعالى:﴾ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قل هِيَ مَوَاقِيْتَ لِلنَّاسِ والْحَجِّ. ﴿
٣- أن الأشياء التي يجتنبها المحرم من الملابس، قليلة معدودة.
وأما الأشياء المباحة فهي الكثيرة، التي تعرف بالجد لأنها على أصل الإباحة.
ولهذا المعنى صرف النبي ﷺ، سؤال السائل عن ما يلبسه المحرم، إلى بيان ما لا يلبسه.
٤- تحريم هذه الأشياء الملبوسة خاصة بالرجل.
وأمَّا المرأة، فيباح لها لبس المخيط وتغطية الرأس.
٥- منها القميص: وَنَبَّه به على ما في معناه، من كل ما لبس على قدر البدن، مخيطًا أو محِيطًا.
٦- ومنها "البرانس" و"العمائم" ونبه بهما على كل ما يُغَطَّى به الرأس أو بعضه، من مَخِيطٍ أو مُحِيطٍ، من معتاد ونادر. فيدخل القلانس، والطواقي ونحوهما.
٧- ومنها "الْخُفَّان" وما في معناهما من كل ساتر للكعبين، من مخيط أو محيط، سواء كان من جلد، أو صوف، أو قطن، أو غيرها.
٨- إذا لم يجد نعلين ونحوهما مما لا يستر الكعبين، فَليَتَرَخَّصْ بلبس الخفين ولكن لِيَقْطَعْهُمَا من أسفل الكعبين، ليكونا في معنى النعلين.
[ ٣٦٧ ]
ويأتي في الحديث الذي بعد هذا، اختلاف العلماء في ذلك، وبيان الراجح منه، إن شاء الله. قال المجد بن تيمية واتفقوا على أن التحريم هنا على الرجل.
٩- تحريم "الورس"، و"الزعفران" وما في معناهما من أنواع الطيب، لكل محرم من ذكر وأنثى.
١٠- تحريم تغطية المرأة وجهها، لأن إحرامها فيه. وتحريم لبس القفازين، على الذكر والأنثى.
١١- هذه الفائدة والتي قبلها، لم تكن في سؤال السائل.
ولكن لما ظن النبي ﷺ جهل السائل بها، بقرينة السؤال، زاده النبي ﷺ لبيان العلم وقتَ الحاجة إليه، وعند مناسبته.
١٢- لهذا اللباس الخاص بالمحرم، حِكَمٌ وأسرار كثيرة.
منها: - أن يكون في حال خشوع وخضوع، بعيدًا عن الترفُّه وزينة الدنيا، وليتذكر بهذا اللباس حال الموت، فيكون أقرب إلى المراقبة. قال ابن دقيق العيد: فيه تنبيه النفس على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها، وذلك موجب للإقبال عليها والمحافظة على قوانينها وأركانها وشروطها وآدابها.
١٣- قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالسراويل والقميص على المخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى به الرأس، مخيطًا كان أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجلين.
١٤- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس للمحرم أن يلبس شيئا مما نهى عنه النبي ﷺ إلا لحاجة، والحاجة مثل البرد الذي يخاف أن يمرضه إذا لم يغط رأسه، فيلبس قدر الحاجة، فإذا استغنى عنه نزعه، وعليه أن يفدي إما بصيام ثلاثة أيام أو نسك شاة أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من تمر أو شعير أو مدِّ برٍّ. ويجوز أن يفدي قبل فعل المحظور وبعده.
فائدة:
المراد بالنهي عن لبس المخيط والمحيط، هو اللبس المعتاد. أما ارتداؤه ونحوه، فلا بأس.
[ ٣٦٨ ]
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس ﵄ قال:
سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يَخْطُبُ بعَرَفَاتٍ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس خُفَّيْن.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًَا فَلْيَلْبَسْ سَراوِيلَ (للمحرم) .
المعنى الإجمالي:
كان النبي ﷺ يخطب الحجيج بعرفات في حجة الوداع، ويبين أحكام المناسك.
وكان المسلمون في ذلك الوقت، في ضيق من الدنيا.
فَبَيَّن لهم أن من لا يجد نعلين يلبسهما في إحرامه، فليلبس بدلهما خفين ولو سترا الكعبين.
ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل ولا يشقه، تخفيفًا من الشارع، ورخصةً من الله تعالى، الذي لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- الخطبةْ في عرفة لبيان أحكام الحج وآداب المناسك.
٢- أنه ينبغي تذكير الناس في كل وقت بما يناسبهم.
٣- أن من لم يجد نعلين، فليلبس الخفين.
ظاهره، بلا قطع لهما، ويأتي الخلاف فيه.
٤- أن من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل.
ولا فدية مع لبس الخفين والسراويل في هذه الحال.
٥- سماحة هذه الشريعة ويسرها، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
اختلاف العلماء، والتوفيق بين الحديثين:
اختلف العلماء. في حكم المحرم، الذي لا يجد نعلين ووجد خُفَّيْنِ.
فهل يجب عليه قطعهما من أسفل الكعبين؟ وإن لم يفعل أثم وفدى، أو أنه يباح له لبسهما بلا قطع وليس عليه فدية؟
فذهب الجمهور من العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافي، والثوري وإسحاق: إلى الأول. مستدلين بحديث ابن عمر السابق. " فإن لم يجد نعلين فليقطعهما من أسفل الكعبين" لأنه أمر يقتضي الوجوب، فيحمل عليه حديث ابن عباس، على قاعدة "حمل المطلق على المقيد".
وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى الثاني، ويروى أيضًا عن عليٍّ، وقال به عطاء وعكرمة. مستدلين بحديث ابن عباس الذي معنا.
[ ٣٦٩ ]
وأجابوا عن حديث ابن عمر بأجوبة، أحسنها أنه منسوخ بحديث ابن عباس، الذي خطب به في عرفات بينما حديث ابن عمر قاله في المدينة قبل حجة الوداع.
وأيدوا قولهم في النسخ بما يأتي:
١- أنه أطلق لبس الخفين بلا قطع بـ"عرفات"، على مشهد من أمم لم تحضر كلامه في المدينة، فليس عندهم علم من الحديث الأول ليحملوا هذا عليه، فما كان ليسكت عما يجهلون.
٢- أن حديث ابن عباس في عرفات وهو وقت الحاجة، وتأخير البيان عنها ممتنع.
٣- لم يذكر في حديث ابن عمر السراويل، وذكره في حديث ابن عباس ولم يأمر بفتقه مع أنه لا يوجد شيء يحمل عليه، مما دل على أنه أراد من الخفين والسراويل، مطلق اللبس بلا قطع ولا فتق.
٤- أن القطع نسخ تخفيفًا وإصلاحًا عن الإفساد بإتلاف المال.
ونظائر هذه التخفيفات كثيرة في الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أولًا أمرهم بقطعهما ثم رخص لهم في لبسهما مطلقًا من غير قطع، وهذا هو الذي يجب حمل الحديث عليه. اهـ.