وقد روي عن النبي -ﷺ- (^٥): أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّي بِالحَجِّ عَنْ رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ:
_________________
(١) في ب ون: "ويُبْتَنَى".
(٢) م: "تعينه أيضًا".
(٣) ليست في أ.
(٤) في هـ، م: "لتعيينه".
(٥) في سنن ابن ماجه: باب الحج عن الميت ٢/ ٩٦٩ عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة فقال رسول الله -ﷺ-: "من شبرمة"؟ قال: قريب لي. قال: "هل حججت قط؟ " قال: لا. قال: "فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة". وأخرجه أبو داود في السنن: كتاب المناسك: باب الرجل يحج مع غيره ٢/ ٤٠٣ والبيهقي فى السنن ٤/ ٤٣٦ كلهم من طريق عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عَروبة، عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح ليس في الباب أصح منه.
[ ١ / ٨٧ ]
"أحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِك"؟ قَالَ: لا، قَالَ: "هَذِهِ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ حُجَّ عَنِ الرَّجُلِ".
• وقد تُكُلِّمَ في صحة هذا الحديث.
ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره.
وأخذ بذلك الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما في أن حجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقًا، سواء نوى التطوع أو غيره، ولا يشترط للحج تعيين النية، فمن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه وقع عن نفسه، وكذا لو حج عن نَذْرِهِ (^١) أو نفلا ولم يكن حج حجة الإسلام فإنه يَنْقَلِبُ عنها.
* * *
وقد ثبت عن النبي -ﷺأنه أمَر أَصْحَابَهُ فيِ حجَّةِ الودَاع بَعْدَ مَا دَخلُوا مَعَه وَطَافُوا وَسَعَوْا أنْ يَفسَخُوا حَجَّهُمْ وَيَجْعَلُوها عُمْرَةً، وَكَان مِنْهُم القَارِنُ والمفْرِدُ وإنَّمَا كَانَ طَوافُهُمْ عِنْدَ قُدُومهمْ طَوَافَ القُدُوم، وَلَيْسَ بِفَرْض، وَقَدْ أمرَهْم أن يَجْعَلُوهُ طَوَافَ عُمْرةٍ وَهُو فَرْضٌ (^٢).
• وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فَسْخ الحج، وعَمِل به، وهو مُشكلٌ على أصله؛ فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية، وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء كمالك والشافعى وأبي حنيفة.
• وقد يفرق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرة؛ فينقلب الطواف فيه؛ تبعا لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام؛ تبعا لانقلاب إحرامه (^٣) من أصله ووقوعه عِن فرضه. بخلاف ما إذا طاف للزيارة بنية الوداع أو التطوع فإن هذا لا يُجْزئه؛ لأنه لم يَنْو (^٤) به الفرض ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه والله أعلم.
* * *
_________________
(١) م: "نذر".
(٢) راجع ما رواه البخاري في كتاب المغازي: باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن قبل حجة الوداع ٧/ ٧٠ من الفتح، ومسلم في كتاب الحج: باب حجة النبي -ﷺ- ٢/ ٨٨٦، ٨٩٢ والهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٣) م: "الإحرام".
(٤) هـ، م: "إلا أن ينوي".
[ ١ / ٨٨ ]
[مما يدخل في هذا]:
ومما يدخل في هذا الباب أن رجلا (^١) في عهد النبي -ﷺ- كان قد وضع صدقته عند رجل (^٢) فجاء ابن صاحب الصدقة (^٣) فأخذها ممن هي عنده فعلم لذلك أبوه فخاصمه إلى النبي -ﷺ- وقال ما إياك أردتُ؟ فقال النبي -ﷺ- لِلْمتَصدِّقِ: "لَكَ مَا نويْتَ" وَقَالَ لِلآخِذِ: "لَكَ مَا أخَدْتَ".
خرَّجه البخاري (^٤).
* * *
• وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث وعمل به في المنصوص عنه، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه؛ فإن الرجل إنما يُمنع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن يكون (^٥) محاباة فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانتا المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر.
ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرًا -وكان غنيًّا في نفس الأمر أجزأته- على الصحيح؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلَعُ على حقيقته.
* * *