" جامع العلوم والحكم" لابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ نموذج معبر عن روح الحضارة الإسلامية، بما تحمل من قيم، نحن أحوج ما نكون إليها في تطورنا المعاصر.
يبدأ الكتاب من بذور كريمة تلقى في أرض الإسلام، وتتعهدها الأيدي المؤمنة حفظًا ورعاية، فتصبح شجرات طيبة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. هذه البذور باقة مختارة من "جوامع الكلم" من أحاديث الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، تجمع بينها ميزة مشتركة: أنها تضم المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، وهي مما اختص الله به رسوله.
ويقص ابن رجب قصة التعاون العلمي المبذول في هذا المجال: ما جاء به الخطابي في أول كتابه: "غريب الحديث"، وما أملاه أبو عمرو بن الصلاح، وكانت ستا وعشرين حديثًا، ويأتي أبو زكريا النووي فيزيد عليها تمام الاثنين والأربعين، ويصل بها ابن رجب إلى تمام الخمسين. وهي التي يتناولها هذا الكتاب شرحًا مستفيضًا.
هذه هي القيمة الأولى للكتاب .. قيمة التواصل الحضارى بين الأجيال المتتابعة من علمائنا، وإشادة الخلف بجهد السلف الصالح، دون غمط لحق، أو إهدار لإضافة ولا تقتصر هذه الظاهرة على المكتبة الإسلامية، وإنما نستطيع أن نتتبعها في كثير من مظاهر حضارتنا: ولنأخذ العمارة مثلًا، مكتفين بالأزهر الشريف.
ونحن نحتفل الآن بمرور ألف عام على بدء التدريس به.
المسجد بناه جوهر الصقلي في عهد المعز لدين الله الفاطمي.
وجوهر قائد مهاجر، جاء من المغرب، يرجع بأصله إلى جزيرة صقلية. وتمر أيام الدولة الفاطمية، وتتعاقب الدول، ويقيض الله للأزهر من يوقف عليه الأموال؛ رعاية
[ ١ / ٣١ ]
لأبنائه من طلاب العلم الذين يفدون إليه من أرجاء العالم الإسلامي، تجمع بينهم أخوة الإسلام على اختلاف ألسنتهم وألوانهم. ولكل منهم فيه رواق، ولهم جميعًا قبلة واحدة، وهدف واحد. وتأتي الأيدي المؤمنة لتضيف إلى الأزهر مباني جديدة: وأنت إذا زرته رأيت فيه مدارس ترجع إلى القرنين: الثامن والتاسع الهجري .. وقبابا ومنائر، وأروقة وتجديدات لاحقة، وإضافات معاصرة لكليات جديدة ومدنا جامعية .. ولا زالت العناية به مستمرة والحمد لله.
* * *
ولنا أن نتساءل عن سر هذا التواصل الحضاري، الذي جمع القلوب حول بيوت أذن الله أن ترفع، وَيُذْكَرَ فيها اسمه، وحول كتب علمية ظلت العناية بها مستمرة عبر الأجيال، وأعطى الحضارة الإسلامية هذا الطابع الكريم الذي تراه في المسجد، كما تراه في حلقات العلم؟
إن القرآن الكريم يعطينا الإجابة. وأخلاق الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه نموذج تطبيقي للقرآن الكريم.
يقص علينا ربنا، ﵎، أخبار النبوات السابقة. ويختار لنا أحسن القصص ويعقب على هذا بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^١) ولا تقتصر الأسوة على الأنبياء وحدهما، وإنما تمتد إلى الصالحين من أتباعهم، فيقول ربنا مخاطبًا المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (^٢).
* * *
فالنماذج القرآنية لها عمقها الزماني الذي يبدأ بقصة آدم، ولها امتدادها المكاني الذي يصل إلى مطلع الشمس ومغربها، وتنوعها الموضوعي الذي يشمل أبعاد الحياة. وكل أولئك يؤمن به المسلم، وهو يقرأ كتاب الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (^٣).
وتأتي حياة الرسول استمرارًا لجهاد من سبقه من الأنبياء والمرسلين. ويروي البخاري
_________________
(١) سورة الأنعام: ٩٠.
(٢) سورة الصف: ١٤.
(٣) سورة البقرة: ٢٨٥.
[ ١ / ٣٢ ]
عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ-، قال: "إنّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِياء منْ قَبْلي كَمَثَل رَجُلٍ بَنَى بيتًا فَأَحْسَنْهُ وَأجْمَلَهُ، إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلِ النَّاسِ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيُعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنا خَاتَم النَّبِيينَ" (^١).
* * *
وجاء علماؤنا على هذا الهدي القرآني والنبوي الشريف: يقدرون العمل الطيب المبذول، ويضيفون إليه، ويدعون الله بالخير لمن قام به .. ولننظر إلى ما يقوله ابن رجب الحنبلي عندما ذكر إضافة النووي إلى ما أملاه ابن الصلاح (ص ٥١): "ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة أبا زكريا: يحيى النووي، رحمة الله عليه، أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثًا، وسمى كتابه بالأربعين. واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكثر حفظها، ونفع الله بها ببركة نية جامعها، وحسن قصده، رحمه الله تعالى".
* * *
هذه هي الروح التي تعاون بها حَمَلة هذا التراث العظيم. ليست مجرد إضافة علمية تزيد بها الصفحات، وإنما هي تراث أخلاقي يحدد مستويات العلاقة بين الأجيال المتعاصرة والمتتابعة، على أساس من الحب والإخاء والتقدير .. فالإضافة إلى كتاب، والشرح على متن، والرواق الجديد في مسجد قديم. والتجديد في سبيل أو مدرسة: كل أولئك ينبع من معين واحد، ويصدر عن عقيدة واحدة، هو التواصل الحضاري الذي استطاع أن يحفظ لنا الكثير من تراثنا، وتراث الإنسانية!!
والكتاب الذي بين أيدينا صورة تطبيقية لهذا التواصل، يشترك في صياغتها ما بذله السيد المحقق من جهد، وما بذل أساتذته له في الأزهر الشريف من عون وتوجيه، وما قامت به مؤسسة الأهرام من أعباء نشر هذا التراث. وفي هذا استمرار لجهد ابن رجب، ومن قبله النووي، وابن الصلاح، والخطابي تعاونا على حفظ الحديث الشريف.
* * *
_________________
(١) متفق عليه بخارى ح ٣٥٣٥ ومسلم ح ٢٢٨٦.
[ ١ / ٣٣ ]