في هذه المسألة نجد لابن رجب موقفين:
الأول: خاص بالأحاديث الرئيسة في الكتاب، وهي الخمسون.
والثاني: خاص بالأحاديث الفرعية، وهي ما عدا ذلك.
فنحن نراه في النوع الأول لا يألو فيه جهدًا، ولا يخبأ فيه علما، ولا يستطرد إلى قول لا حاجة بالحديث إليه.
* * *
وإذا كان النووي يكتفي عقب كل حديث أورده بمثل قوله: "أخرجه البخاري ومسلم" أو "أخرجه الترمذي" فابن رجب لا يكتفي بما ذكره النووي، وإنما يتتبع طرق الحديث في المصنفات الحديثية الأخرى، ويورد صيغه عن هذه المصنفات برواية الصحابي الذي ذكره النووي، ثم براوية غيره من الصحابة إن كان للحديث روايات أخرى؛ لما في ذلك من الفوائد الجليلة.
ومثال ذلك ما صنع في الحديث الثاني الذي قال فيه النووي: "رواه مسلم" فقد ذكر ابن رجب عقب هذا أن مسلمًا تفرد به عن البخاري من طريق كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر .. ثم تتبع طرقه، ووجوهه الأخرى في صحيح مسلم، والبخاري وابن حبان، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، ومسندى البزار، وابن مردويه، وسنن الترمذي .. وهو في هذا كله يقارن، ويحلل، ويستنبط، ويذكر أوجه الخلاف والاتفاق بين هذه الروايات، وما يمكن أن
[ ١ / ١٧ ]
يستفاد منها، مبينا الصحيح منها وغير الصحيح، ونحو ذلك.
وقد استغرق ذلك من صحيفة ٩٧ إلى ١٠٤.
* * *
وابن رجب مولع بتفصيل ما أجمله النووي:
ففي الحديث التاسع: ص ٢٥١ "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوه … "
قال النووي: "رواه البخاري ومسلم".
وقال ابن رجب: هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم وحده من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة.
وخرجاه من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال:
"دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ إِنَّمَا أَهْلَكَ منْ كَانَ قَبْلكُمْ سُؤَالُهُمْ واخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهمْ فإِذَا نَهيْتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُم".
وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه.
وفي رواية له ذكر سبب هذا الحديث .. إلخ ..
وساق الرواية، ثم سار في التتبع كما سار في الأحاديث الأخرى.
* * *
وهو حريص على بيان أصح الروايات في الطرق التي يوردها، كما يفعل الترمذي في كثير من أحاديث جامعه:
ففي الحديث السادس: يذكر حديث النعمان بن بشير: "الْحَلالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّن .. " ويعقب على قول النووي: "رواه البخاري ومسلم" بقوله: "هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي، عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص. والمعنى واحد أو متقارب.
وقد روى عن النبي -ﷺ- حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس. وحديث النعمان أصح أحاديث الباب".
وهو -وإن كان ينحو منحى الترمذي في هذا: إلا أنه ينقل منه، ولا يعتمد عليه ولئن كان هذا هو ما اشتهر عن منهج الترمذي في جامعه فإنه لم يزد في التعقيب على
[ ١ / ١٨ ]
هذا الحديث أن قال:
هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير".
* * *
وقد كشف ابن رجب في مواطن كثيرة عن السرِّ في انفراد البخاري بهذا الحديث أو ذاك، أو انفراد مسلم برواية حديث آخر دون البخاري.
ففي الحديث السادس عشر المروي عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رجلا قال للنبي -ﷺ-: أَوْصِني. قَالَ: "لا تَغْضَبْ" فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: "لا تَغْضَبْ".
قال النووي: رواه البخاري.
وقال ابن رجب: هذا الحديث خرجه البخاري من طريق أبي الحصين الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة .. ثم قال:
ولم يخرجه مسلم؛ لأن الأعمش رواه عن أبي صالح. واختلف عليه في إسناده .. إلخ وفي الحديث السابع عشر، المروي عن شداد بن أوس عن النبي -ﷺ- قال: "إنَّ الله كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كلِّ شيء؛ فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ".
قال النووي: "رواه مسلم".
وقال ابن رجب: "هذا الحديث خرجه مسلم دون البخاري من رواية أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس".
وتركه البخاري؛ لأنه لم يخرج في صحيحه لأبي الأشعث شيئًا.
* * *
وقد أبان ابن رجب عن علة ضعف بعض الروايات التي يتابع بها الحديث الأصلي كالرواية التي ذكرها عن سفيان بن عيينة: أن حديث "أمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلَّا الله … " كان في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة.
فقد قال ابن رجب: هذا ضعيف جدًّا، وفي صحته عن سفيان نظر؛ فإن رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا رسول الله -ﷺ- في المدينة، وبعضهم تأخر إسلامه.
ثم قوله: "عَصَمُوا مِنِّي دمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ" يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورًا
[ ١ / ١٩ ]
بالقتال، وبقتل من أبى الإسلام.
وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة .. إلى آخر ما ذكر ابن رجب في هذا التعليل.
أما في الأحاديث الفرعية فإن "ابن رجب" لم يكن معها بهذه القوة، ولا أبان لنا في بعض الأحاديث ما يجب أن يبينه، ولم يكن له في تخريجها منهج ملتزم، فتارة كان يخرج الحديث ويبين درجته، وتارة أخرى كان يهمل البيان مع شدة الحاجة إلى هذا البيان!!.
والحديث الذي يساق إلى القراء والباحثين دون أن تذكر معه درجته ومرجعه: حديث لا يجمل الاعتماد عليه، ولا الاطمئنان إليه، وقد ينظمه المؤلف في سياق يوهم أنه صحيح، فيؤسس عليه قاعدة كلية، أو يستدل به لقضية جزئية، وهو لا يصلح لهذا ولا لذاك؛ لأنه في ذاته غير صحيح.
وحين لا تتوفر للمؤلف براهين الصحة أو الضعف في حديث ما، أو حين تتعارض هذه الأدلة أمامه، فيؤثر التوقف يكون له مندوحة في عدم البيان.
أما حين تتوفر الأدلة، وينتفي التعارض، أو حين ينص المصنف لمرجع ينقل عنه على درجة الحديث سيما في حالة الضعف والوهاء فما أعتقد أن عدم النص في مثل هذه الحال مما يتفق مع واجب الأمانة في النقل، أو بذل النصيحة في العلم.
وابن رجب حين يتصدى لبيان درجة الحديث والحكم عليه يبين بما عهد عنده من طول الباع، وغزارة المادة!.
وما أكثر ما تراه يقول فيما أورد من أحاديث:
"خرج الإمام أحمد بإسناد صحيح" أو "أخرج الطبراني بإسناد فيه نظر" أو "بإسناد ضعيف" أو "بإسناد جيد" أو "خرج ابن عبد البر في التمهيد بإسناد فيه نظر".
إلى غير ذلك من التعبيرات الاصطلاحية، وقد يستطرد فيعلل القول الذي يحكم به على الحديث.
لهذا وذاك طال عجبي من أنه لم يبين درجة بعض الأحاديث التي أوردها مع وجوب بيان تلك الدرجة، سيما عندما يُنَصُّ عليها في المصنَّف الذي ينقل عنه الحديث، أو عندما يكون الحديث في ذاته ضعيفًا!!.
في ص ٧٨ يقول ابن رجب:
[ ١ / ٢٠ ]
خرج الترمذي من حديث كعب بن مالك، عن النبي -ﷺ- قال:
"مَنْ طَلَبَ الْعلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهاءَ، أو يُجَارِي بِه الْعُلَمَاءَ" .. الحديث.
وإذا رجعنا إلى الترمذي الذي خرج منه الحديث ألفيناه يعقب عليه بما يدل على أنه ضعيف وذلك قوله: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وإسحاق بن يحيى -أحد رواة الحديث- ليس بذلك القوي عندهم، تكلم فيه من قبل حفظه.
ولم يشر ابن رجب إلى ضعف الحديث ولا نقل عبارة الترمذي.
وفي ص ١١٥ نقل عن ابن ماجه حديثا من رواية عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: "يَا عَدِيُّ! أَسْلِم تَسْلَمْ".
قُلْتُ: وَمَا الإسْلَامُ؟ قَالَ: "أن تَشْهدَ أنْ لا إلَه إلَّا الله، وَتُؤْمِنَ بِالأَقدَار كُلّهَا" الحديث.
ورتب ابن رجب عليه قضية عامة حين قال عقبه: فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام.
مع أن الحديث ضعيف كما ذكر صاحب الزوائد.
وفي ص ١٤٦ أورد عن ابن ماجه حديث ابن عباس مرفوعًا: "أراكم ستشرِّفون مساجدَكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها، وكما شرفت النصارى بِيَعَها".
ولم يبين درجته. وقد ذكر صاحب الزوائد أن إسناده ضعيف؛ لضعف أحد رواته واتهامه بالكذب.
إلى غير هذا وذاك من الأحاديث التي سوف نستدرك في تعليقاتنا عليها ما فات ابن رجب من وقف القارئ على مدى صحتها أو ضعفها.
* * *
[ ١ / ٢١ ]