هناك إذن تواصل حضاري، وتفتح على آفاق المعرفة، ولكن ما الأساس الذي اختيرت عليه هذه المجموعة من الأحاديث؟ وما دلالة "جوامع الكلم" التي جاءت به، على صورة المجتمع الإسلامي؟
وهل للاختيار، ثم الإضافة من قاعدة؟
الذي يستوقف النظر لأول وهلة، ما ساقه ابن رجب من مبررات لإضافته إلى ما رواه النووي في الأربعين: فهو يذكر في مقدمته (ص ٥١ - ٥٢): "وقد كان بعض من
[ ١ / ٣٤ ]
شرح هذه الأربعين قد تعقب على جامعها، ﵀، تركه لحديث: "أَلْحِقُوا الفِرَائِضَ بأهْلِهَا، فما أبْقَتِ الْفَرائِض فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَر" لأنه الجامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم، فكان ينبغي ذكره في هذه الأحاديث الجامعة .. فرأيت أنا أن أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين التي جمعها الشيخ ﵀، وأن أضم إلى ذلك أحاديث أخر من جوامع الكلم، الجامعة لأنواع العلوم والحكم، حتى تكمل عدة الأحاديث كلها خمسين حديثًا".
وهذه الأحاديث المضافة شطران: منها ما يتعلق بالأحكام، وهي التي أوردها بعد حديثِ الفرائض مباشرة، ثم أربعة ختم بها إضافته، تتعلق بالآداب والأخلاق، ختامها حديث "لا يَزَالُ لِسَانُك رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله" .. بينما كان ختام الأربعين النووية: الحديث الذي يرويه التِّرمذي عن أنس بن مالك، ﵁، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَني وَرَجَوْتَنِي، غَفَرتُ لَكَ علَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالي. يا ابْن آدَمَ! لَوْ بلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفرْتَني غَفَرْتُ لَكَ. يا ابن آدمَ! إِنِّك لَوْ أَتيتني بِقُرابِ الأَرضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقيتَني لَا تُشْرِك بِي، لأَتيْتُك بِقُرابِهَا مَغْفِرَةً".
هذا، والحديث الفاتح للكتاب كله، هو قول الرسول -ﷺ-: "إِنَّمَا الأَعَمْالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّما لِكُل امْرئ ما نَوَى .. " وبه صدر الإمام البخاري كتابه الصحيح، وأقامه مقام الخطبة.
ففي الحديث الفاتح، يتابع النووي وابن رجب اختيار البخاري، ويعقب ابن رجب على هذا بأقوال سلفنا الصالحين، في مكانة هذا الحديث، وأنه من أصول الدين، فهو عندهم أحد حديثين، أو ثلاثة أو أربعة، بها نجاة المسلم في دنياه وأخراه.
وإذا ما كان هناك اتفاق على اختيار هذا الحديث فاتحًا لأكثر من كتاب من كتب الحديث -ولهذا ما يبرره- فإن اختيار حديث يختم المجموعة المختارة جاء متسقًا معها، ثم جاءت الإضافة الجديدة، ولها -هي الأخرى- خاتمتها المرتبطة بها.
وكتاب ابن رجب في هذا أقرب ما يكون إلى هندسة معمارية، لمسجد كبير، محرابه قديم، وإليه تتجه الأنظار والقلوب، وهو قول الرسول -ﷺ-: "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات .. " ثم تتعدد بعد هذا أروقته وأبوابه عند كل إضافة جديدة.
ما اختاره النووي يصلح أن يكون ختامًا .. إنه طلب الاستغفار بعد العمل الصالح ..
[ ١ / ٣٥ ]
فيه التوجه إلى الله، وإلى رحمته التي وسعت كل شيء .. فيه أنفاس قول الله تعالى في ندائه الأقدس: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^١) وذنوب العبد -مهما عظمت- فإن مغفرة الله وعفوه أوسع.
ويعلمنا رسولنا كيف ندعو ربنا: "اللَّهُمَّ مَغْفرَتُكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبي، وَرَحْمَتُكَ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلي". وفي شرح ابن رجب لهذا الحديث يسوق الآيات والأحاديث والرقائق والشعر، في ابتهال كأنك معه في جوف الليل في استغفار عميق، وصدق توجه إلى قَيوُّم السماوات والأرض: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (^٢).
ما اختاره النووي هو "واحة" الاستغفار، بعد رحلة الحياة الطويلة، بكل ما فيها من معاناة يرجو بعدها من ربه الجزاء الأوفى: درجات منه ومغفرة.
ويأتي ابن رجب فيختار ختامًا جديدًا، مع احتفاظه بالختام القديم .. كأنه رواق يضيفه إلى المبني، يتكامل معه، ويثريه موضوعيًّا، مع المحافظة على هندسة الكتاب الأولى.
والحديث الذي اختاره، كأنما هو جامع لجوامع الكلم، حتى في صياغته، ولنقرأه معًا:
عن عبد الله بن بشر قال: أتى النبيَّ -ﷺ- رجلٌ فقال: يا رسول الله! إنَّ شَرَائِعِ الإِسْلام، قَدْ كثُرَتْ عَلَيَّ، فَبَابٌ نَتَمَسَّك بِهِ جَامعٌ؟ قال: "لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله".
وفي شرح الحديث تحس أن ابن رجب يختم الكتاب كله .. وأن الشرح هو كلمة الوداع بعد معايشة مؤمنة لعمل جليل، يسلمه إلى تراثنا الكبير، وأنه اللمسات الأخيرة في هيكل ضخم شادته اليد والعقل والقلب، والنشيد الختامي في هذا الديوان المنير، وفيه يبذل ابن رجب طاقته، وذوب قلبه، في إبراز مكانة الذكر والذاكرين، ونماذج من إقبالهم على الله. ويذكر من الشعر في شرح هذا الحديث ما لم يذكره في الكتاب كله، وينتقل بعد هذا إلى بيان وظائف اليوم والليلة، كأنما يضع للمسلم برنامجًا لحياته اليومية ودورتها السنوية، على هدى من مأثور ذكر الله في كل أحواله. ويكاد هذا الفصل أن يكون خلاصة لكتاب كامل ألفه ابن رجب في هذا الموضوع هو "لطائف المعارف فيما
_________________
(١) سورة غافر آية: ٦٠.
(٢) سورة غافر: ٧.
[ ١ / ٣٦ ]
لمواسم العام من الوظائف" (^١).
ويعود ابن رجب ليربط ختام الكتاب بصدره، ذاكرًا ما جاء عن الرسول -ﷺ- من جوامع الكلم في التسبيح، ومكانته، وثوابه عند الله، وأدعية نبوية من جوامع الكلم تأسيًا بحديث الرسول الذي يرويه أبو داود، عن عائشة ﵂: "كَان النَّبيُّ ﵊ يُعْجِبُهُ الْجَوَامِعُ مِنَ الدُّعَاءِ وَيَدَعُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ" ثم يختم الكتاب بحديث التحيات بما فيه من توجه إلى الله، وسلامٍ على الرسول، وعلى عباد الله، الصالحين.
* * *