الكتاب بذلك هندسة كاملة: له فاتحته وخاتمته. ولكن ماذا عن نظام الكتاب وترابطه العضوي بين الحديثين: الفاتح والخاتم؟
قد يكون من اليسير أن نختار الحديث الثاني في مكانه هذا. إنه البهو الرئيسي في البناء بعد المدخل. وهو الذي يرويه عمر بن الخطاب عن مجيء جبريل إلى الرسول -ﷺ- يعلمنا ديننا: يسأل الرسول ويصدقه في أمر الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها. ولقد وفاه ابن رجب من الشرح، أكثر مما أعطى غيره من أحاديث الكتاب. وتأتي إحالات ابن رجب عليه، بدءًا من الحديث الثالث عن قواعد الإسلام.
ومن المنتظر أن نجد تداخلا بين هذه الأحاديث، وكلها من جوامع الكلم، وأن تتباين وتتكامل -في نفس الوقت- عناية المؤلف بها، ولا ينتظر -وهذا أمرها- أن نتلمس فيها نموًّا عضويًّا منهجيًّا، بحيث لا نستطيع أن نقدم في ترتيبها أو نؤخر، فمطلب مثل هذا، فيه من التطلع أكثر مما تسمح به طبيعة جوامع الكلم، وهي موضوع الكتاب.
ولكننا نستطيع أن ننظر إلى نمو الكتاب من زاوية أخرى، وهي التكامل الموضوعي. هل ابن رجب، حين أضاف حديث الفرائض وما بعده، كان ينظر بهذا المنظار، وهو المبرر الذي استند إليه في الإضافة؟
الكتاب -بهذا يعبر تعبيرًا صادقًا عن أبعاد الإسلام، كما توضحها الأحاديث الشريفة. ونظرة إلى فهرست الكتاب يمكن أن تؤكد هذا التكامل:
_________________
(١) ط. عيسى الحلبي ١٣٤٢ هـ - ١٩٢٤ م. مصر وانظر ما مضى عنه ص ٩.
[ ١ / ٣٧ ]
فهي تعرض لأصول الإسلام والإيمان والإحسان، ومنشأ الإنسان وعلاقته بربه، وبالإنسانية في آفاقها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والسياسية، التي نلقاها في حديث "الدِّينُ النَّصيِحَةُ" وتوضح أدق جوانب التحري في عمل الخير مع الناس كما جاءت في حديث "كُل سُلامى (^١) مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُع فيه الشَّمسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَين صَدَقَة، وتُعينُ الرَّجُلَ في دَابَّتهِ فَتَحْمِلُه عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ: صَدَقَةٌ".
وتعرض الأحاديث لكدح الإنسان إلى ربه في السلم والحرب من أجل حياة أفضل، وحسابه عند ربه في يوم لا تضيع فيه الودائع!!
ولا تكتفي الأحاديث بالتأصيل النظري، وإنما تعطينا النماذج التطبيقية التي نستطيع القيام بها، والنسج على منوالها.
إلى جانب ذلك من الممكن أن نتتبع وحدات فكرية مترابطة داخليًّا، وسط الترابط الكبير للكتاب.
ولنأخذ لذلك نماذج:
حديث: "أَلْحِقُوا الْفَرائِضَ بأَهْلِهَا" (رقم ٤٣) يأتي بعده حديث الرضاعة (رقم ٤٤) والموضوعان مرتبطان. وبين الأحاديث الثلاثة التالية ترابط موضوعي: فمنها حديثان (٤٥، ٤٦) يعرضان لما حرم الله من طعام وشراب وكسب، ويمهدان لحديث عن الزهد: "مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطنِه" (٤٧).
وينقلنا هذا الحديث إلى مستوى يوضح ما حذرنا منه ربنا من أخلاق النفاق (٤٨) وبهذا يجمع ابن رجب التحريم المادي والمعنوي في نسق ينقلنا إلى حديث التوكل على الله تعالى، وما يرتبط به من سعى في طلب الرزق (٤٩). ثم يأتي حديث ذكر الله وهو ختام الكتاب كله (٥٠).
فإضافة ابن رجب تبدأ من دائرة الأسرة ونظامها في الميراث والرضاعة، حلالها وحرامها، ثم ما حرم الله من طعام وشراب وكسب، وما حذرنا منه ربنا من أخلاق النفاق، فإذا تطهرت حياة الفرد، توكل على ربه، وسلك صراطًا مستقيمًا، يكسب حلالًا، ويعمل في طلب الخير، ولسانه رطب دائمًا بذكر الله في كل أمره.
_________________
(١) عظام الأصابع في اليد والقدم.
[ ١ / ٣٨ ]
وإذا ما كانت إضافة ابن رجب تمثل نموًّا عضويًّا في الكتاب، فإنه كان مقيدًا في الأحاديث الأولى باختيار وترتيب أبي زكريا النووي، وقد لمسنا فيه جوانب من هذا النمو، مع ملاحظة التكامل الموضوعي للكتاب كله، بحيث يستطيع الإنسان، في كل أحواله، أن يجد في الكتاب مددًا لسعيه الدائب في الحياة: في عباداته ومعاملاته وأخلاقياته، في محراب الصلاة وميدان القتال، بين أهله وبين الناس. منطلقًا إلى ربه، يقصده بعمل الخير في كل أمره .. ويكفي هنا أن نعود إلى ما ذكره ابن رجب في الحديث السابع: "الدِّينُ النَّصيِحَةُ".