ونستطيع أن نقول: إن هذا الكتاب بعامة، وفصول الأخلاقيات بخاصة، تمثل الكثير من حياة ابن رجب، وإن هناك ترابطًا قويا بين ما ذكره هو في كتابه، وما ذكره عنه من ترجموا له (^١).
كان ابن رجب "صاحب عبادة وتهجد، إمامًا ورعا زاهدا، مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه، وكانت مجالسه تذكرةً للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة نافعة، وزهده وورعه فائق الحد. وكان لا يخاف الموت، ولا يهرب من لقائه، وإنما كان ينتظره ويواجهه في صبر وجلد".
ولقد أعانته على بلوغ مكانته العلمية رحلات أبيه، وسماعه معه في الشام والعراق ومكة ومصر، حتى أن العليمي يصفه فيقول: "هو الشيخ الإمام، والحبر البحر الهمام، العالم العامل، البدر الكامل، القدوة الورع، الحافظ الحجة الثقة".
وإذا ما رجعنا إلى حديثه الخاتم عن "ذكر الله" رأيناه مجلس علم وذكر، في افتتاحه وتدفقه وخاتمته، وتُلْقِي اختياراته للنقول التي أوردها ضوءًا قويًّا على المنهج الذي ارتضاه .. وتجد هذا مفصلا في كتابه "لطائف المعارف" فهو يدور مع الشمس والقمر وفصول السنة ومواسم العبادة. وهو في هذا كله خبير بالنفس الإنسانية في إشراقها وأفولها، وإقبالها وإدبارها، بحيث يظل محتفظًا برباط قوي بينه وبين القارئ.
ولنستمع معًا إلى حديث الرسول -ﷺ-، وهو الذي اختاره ليصدر به الفصل الخاص
_________________
(١) يراجع التمهيد الذي كتبه هنري لاووست وسامي الدهان لكتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ص (١٨ و١٩)، والنقول التي أورداها عن محمد بن فهد المكي، والعليمي، ومحمد بن حميد المكي. ط دمشق ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م، ومقدمة محقق هذا الكتاب.
[ ١ / ٣٩ ]
بفضل التذكير بالله تعالى ومجالس الوعظ:
عن أبي هريرة، ﵁: "قُلْنَا: يَا رَسولَ الله! إذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا، وزَهِدْنَا فِي الدنْيَا، وكُنَّا مِنْ أَهْلِ الآخِرَةِ، فَإِذَا مَا خَرجْنَا مِنْ عنِدِكَ، آنسْنَا أهْلَنَا، وشَمَمْنَا أَوْدلَادَنَا، وأَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا؟ فقال رسول الله -ﷺ-: لَوْ أَنَّكُمْ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ علَى حَالِكُم ذَلِكُمْ لزَارَتْكُمْ الَملَائِكَةُ في بُيُوتِكُمْ. وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لجَاءُ اللهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ حَتَّى يُذْنبِوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ" (^١) ..
وهو في حديثه يربط بين الجهاد وذكر الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (^٢) وفي الترمذي مرفوعًا: يقول الله: "إنَّ عَبْدِي كلَّ عَبْدِي: الَّذِي يَذْكُرُنى وَهُوَ مُلاقٍ قِرْنَه" (^٣) كما يربط بين الذِّكر وبين الحج والصلاة وإبتغاءِ فضل الله. ويعقب على هذا بقوله: "ولهذا ورد فضل ذكر الله في الأسواق وفي مواطن الغفلة .. " ثم يذكر نماذج رائعة لذلك.
* * *