عَنْ عُمَرَ ﵁، قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إنَّمَا الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امرئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ، فهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ، ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُها أو امرأةٍ يَنكِحُهَا، فهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليهِ". رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ (^١).
هذا الحديثُ تفرَّد بروايته يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ عن محمَّدِ بن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن علقمة بن وقَّاصٍ اللَّيثيِّ، عن عُمَر بن الخطَّابِ ﵁،
_________________
(١) البخاري (١) و(٥٤) و(٢٥٢٩) و(٣٨٩٨) و(٥٠٧٠) و(٦٦٨٩) و(٦٩٥٣)، ومسلم (١٩٠٧). ورواه أيضًا الحميدي (٢٨)، والطيالسي ص ٩، وأحمد ١/ ٢٥ و٤٣، وابن المبارك في "الزهد" (٨٨)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، والنسائي ١/ ٥٨ - ٦٠ و٦/ ١٥٨، وابن ماجه (٤٢٢٧)، ومالك في "الموطأ" (٩٨٣) برواية محمد بن الحسن، وابن حبان (٣٨٨) و(٣٨٩)، وابن الجارود (٦٤)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ٩٦، والدارقطني في "السنن" ٥٠/ ١٥، وفي "العلل" ٢/ ١٩٤، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١١٧١) و(١١٧٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ٤١ و٢٩٨ و٢/ ١٤، ٤/ ١١٢ و٢٣٥ و٥/ ٣٩ و٦/ ٣٣١ و٧/ ٣٤١، وفي "المعرفة" ص ١٨٩ و١٩٠، وأبو نعيم في "الحلية" ٨/ ٤٢، وفي "أخبار أصبهان" ٢/ ١١٥، والخطيب البغدادي في "تاريخه" ٤/ ٢٤٤ و٩/ ٣٤٦، والبغوي في "شرح السنة" (١) و(٢٠٦).
[ ١ / ٥٩ ]
وليس له طريق تصحُّ غير هذه الطريق، كذا قاله عليُّ بنُ المدينيِّ وغيرُه. وقال الخطابيُّ (^١): لا أعلمُ خلافًا بين أهكِ الحديثِ في ذلك، مع أنَّه قد رُوِي من حديث أبي سعيدٍ (^٢) وغيره، وقد قيل: إنَّه رُوي من طُرقٍ كثيرةٍ، لكن لا يصحُّ من ذلك شيءٌ عندَ الحُفَّاظ.
ثمَّ رواهُ عن الأنصاريِّ الخلقُ الكثيرُ والجمُّ الغفيرُ، فقيل: رواهُ عنهُ أكثرُ مِن مئتي راوٍ، وقيل: رواه عنه سبعُ مئة راوٍ (^٣)، ومِنْ أعيانهم: مالكٌ، والثَّوريُّ،
_________________
(١) انظر "الفتح" ١/ ١١، و"طرح التثريب" ٢/ ٣، و"الترغيب والترهيب" ١/ ٥٧.
(٢) قال الحافظ العراقي في "طرح التثريب" ٢/ ٤: حديث أبي سعيد رواه الخطابي في "معالم السنن"، والدارقطني في "غرائب مالك"، وابن عساكر في "غرائب مالك" من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. وهو غلط من ابن أبي روّاد. وقال الدارقطني في "العلل" ٢/ ١٩٣: رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ولم يتابع عليه. وقال ابن أبي حاتم في "العلل" ١/ ١٣١: سئل أبي عن حديث رواه نوح بن حبيب عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد. . . فذكره، وقال: قال أبي: هذا حديث باطل لا أصل له، إنما هو مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النبي - ﷺ -.
(٣) قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ١/ ٥٥: قال أبو إسماعيل الهروي: كتبت هذا الحديث عن سبع مئة نفرٍ من أصحاب يحيى بن سعيد، قلت (القائل ابن حجر): تتبعتُه من الكتب والأجزاء، حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزءٍ، فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقًا. وقال في "الفتح" ١/ ١١ بعد أن ذكر كلام أبي إسماعيل الهروي: وأنا أستبعد صحَّة هذا، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة، منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا، فما قدرت على تكميل المئة.
[ ١ / ٦٠ ]
والأوزاعيُّ، وابنُ المبارك، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، وحمَّادُ بنُ زيدٍ، وشعبةُ، وابنُ عُيينةَ، وغيرُهم.
واتَّفقَ العُلماءُ على صحَّته وتَلَقِّيهِ بالقَبولِ، وبه صدَّر البخاريُّ كتابَه "الصَّحيح"، وأقامه مقامَ الخُطبةِ له، إشارةً مثه إلى أن كلَّ عملٍ لا يُرادُ به وجهُ الله، فهو باطلٌ، لا ثمرةَ له في الدُّنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ مهدي: لو صنَّفتُ الأبوابَ، لجعلتُ حديثَ عمرَ في الأعمالِ بالنِّيَّةِ في كلِّ بابٍ، وعنه أنَّه قال: مَنْ أَرادَ أنْ يصنِّفَ كتابًا، فليبدأ بحديثِ "الأعمال بالنِّيات" (^١).
وهذا الحديثُ أحدُ الأحاديثِ الَّتي يدُورُ الدِّين عليها، فرُويَ عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: هذا الحديثُ ثلثُ العلمِ، ويدخُلُ في سبعينَ بابًا مِنَ الفقه (^٢).
وعَن الإمام أحمدَ قال (^٣): أصولُ الإِسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمرَ: "الأعمالُ بالنِّيَّات"، وحديثُ عائشة: "مَنْ أحدثَ في أمرِنا ما ليس مِنهُ، فهوَ ردٌّ" وحديثُ النُّعمانِ بن بشيرٍ: "الحلالُ بيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ". وقال الحاكمُ: حدَّثُونا عَنْ عبدِ الله بن أحمدَ، عن أبيه أنَّه ذكرَ قوله ﵊: "الأعمالُ بالنِّيَّاتِ"، وقوله: "إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُم يُجْمَعُ في بطن أُمِّهِ أربَعِينَ يَومًا"، وقوله: "مَنْ أَحْدَث في دِيننا ما لَيْسَ منه فَهوَ ردٌّ" فقال: ينبغيَ أنْ يُبدأ بهذه الأحاديثِ في كُلِّ تصنيفٍ، فإنَّها أصولُ الحديث.
_________________
(١) انظر "شرح مسلم" ١٣/ ٥٣، و"شرح الأربعين النووية" لابن دقيق العيد ص ١٢، و"الفتح" ١/ ١١.
(٢) انظر "طرح التثريب" ٢/ ٥، و"شرح مسلم" ١٣/ ٥٣، و"الفتح" ١/ ٩٩، و"شرح الأربعين" لابن دقيق العيد ص ١٢.
(٣) انظر "طرح التثريب" ٢/ ٥، و"الفتح" ١/ ١١.
[ ١ / ٦١ ]
وعن إسحاقَ بن راهَوَيْهِ، قال: أربعةُ أحاديث هي مِنْ أُصولِ الدِّين: حديث عُمَر: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات"، وحديث: "الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ"، وحديث "إنَّ خَلْقَ أَحدِكُم يُجْمَعُ في بطنِ أمّه"، وحديث "مَنْ صَنَعَ في أمرِنا شيئًا ليس منه، فهو رَدٌّ".
وروى عثمان بنُ سعيدٍ عن أبي عُبيدٍ، قال: جَمَعَ النَّبي - ﷺ - جميعَ أمر الآخرةِ في كلمةٍ: "مَنْ أَحدثَ في أمرنا ما ليس منه، فهو رَدٌّ"، وجمع أمرَ الدُّنيا كلَّه في كلمةٍ: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيات" يدخلان في كل باب.
وعن أبي داودَ، قال (^١): نظرتُ في الحديثِ المُسنَدِ، فإذا هو أربعةُ آلافِ حديثٍ، ثمَّ نظرتُ، فإذا مدارُ الأربعة آلافِ حديث على أربعةِ أحاديث: حديثِ النُّعمان بن بشيرٍ: "الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ"، وحديث عمر: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ"، وحديثِ أبي هُريرة: "إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ الله أمرَ المؤمِنين بما أمرَ به المُرسلين" الحديث، وحديثِ: "مِنْ حُسنِ إسلام المرءِ تَركُهُ ما لا يعنيه". قال: فكلُّ (^٢) حديثٍ مِنْ هذه ربعُ العلمِ.
وعن أبي داودَ أيضًا، قال: كتبتُ عن رسول الله - ﷺ - خمس مئة ألف حديثٍ، انتخبتُ منها ما ضَمَّنْتُهُ هذا الكتاب - يعني كتابَ "السنن" - جمعت فيه أربعةَ آلاف وثمان مئة حديثٍ (^٣)، ويكفي الإِنسانَ لدينه مِنْ ذلك أربعةُ أحاديث: أحدُها: قولُه - ﷺ -: "الأعمالُ بالنِّيَّات"، والثاني: قوله - ﷺ -: "مِنْ حُسنِ إسلام المرء تركُهُ ما لا يعنيه"، والثالث: قولُه - ﷺ -: "لا يكونُ المُؤمِنُ مؤمنًا حتَّى لَا
_________________
(١) انظر "التمهيد" لابن عبد البر ٩/ ٢٠١، و"طرح التثريب" ٢/ ٥ - ٦.
(٢) في (ج): "وكل".
(٣) عدد الأحاديث في المطبوع من "سنن أبي داود" برواية اللؤلؤي (٥٢٧٤) حديثًا.
[ ١ / ٦٢ ]
يرضى لأخيه إلَّا ما يرضى لنفسه"، والرَّابع: قولُه - ﷺ -: "الحلال بيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ".
وفي رواية أخرى عنه أنه قال: الفقه يدورُ على خمسةِ أحاديث: "الحلال بَيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ"، وقوله - ﷺ -: "لا ضَررَ ولا ضِرارَ"، وقوله: "الأَعمالُ بالنِّيَّات"، وقوله: "الدِّينُ النَّصيحةُ"، وقوله: "وما نهيتُكم عنه، فاجتنبُوه، وما أمرتُكم به، فائتُوا مِنهُ ما استطعتم".
وفي رواية عنه، قال: أصولُ السُّنن في كلِّ فنٍّ أربعةُ أحاديث: حديث عمر "الأعمال بالنِّياتِ"، وحديث: "الحلالُ بيِّن والحرامُ بيِّنٌ"، وحديث: "مِنْ حُسنِ إسلامِ المرء تَركُهُ ما لا يعنيه"، وحديث: "ازْهَدْ في الدُّنيا يحبَّكَ الله، وازهد فيما في أيدي النَّاس يُحِبَّك النَّاسُ".
وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوِّز المعافري الأندلسي (^١):
عُمْدَةُ الدِّينِ عندنَا كلماتٌ … أربعٌ مِنْ كلامِ خيرِ البريَّه
اتَّق الشُّبهَاتِ وازهَدْ ودَعْ ما … لَيسَ يَعْنِيكَ وأَعمَلَنَّ بِنِيَّه
فقوله - ﷺ -: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ"، وفي رواية: "الأعمالُ بالنِّيَّات".
وكلاهما يقتضي الحصرَ على الصَّحيح، وليس غرضنا ها هنا توجيه ذلك، ولا بسط القولِ فيه.
وقد اختلف في تقدير قوله: "الأعمالُ بالنياتِ"، فكثير مِنَ المتأخِّرين يزعُمُ
_________________
(١) هو الإمام الحافظ الناقد المجود: أبو الحسن طاهر بن مفوز بن أحمد بن مفوز المعافري، تلميذ أبي عمر بن عبد البر وخصيصه. كان إمامًا، من أوعية العلم وفرسان الحديث، وأهل الإتقان والتحرير، مع الفضل والورع، والتقوى والوقار والسمت. توفي سنة ٤٨٤ هـ. انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٨٨. وانظر الأبيات في "الفتوحات الربانية" لابن علان ١/ ٦٤، و"شرح النسائي" للسيوطي ٧/ ٢٤٢.
[ ١ / ٦٣ ]
أن تقديرَه: الأعمالُ صحيحةٌ، أو معتَبَرةٌ، أو مقبولة بالنِّيَّاتِ، وعلى هذا، فالأعمالُ إنَّما أُرِيدَ بها الأعمالُ الشَّرعيَّةُ المفتَقِرةُ إلى النِّيَّة، فأمَّا ما لا يفتقِرُ إلى النيَّة كالعادات مِنَ الأكل والشُّرب، واللُّبسِ وغيرِها، أو مثلِ ردِّ الأماناتِ والمضمونات، كالودائعِ والغُصوب، فلا يَحتَاجُ شيءٌ من ذلك إلى نيَّةٍ، فيُخَصُّ هذا كلُّه من عمومِ الأعمال المذكورة ها هُنا.
وقال آخرون: بل الأعمال هنا على عُمومها، لا يُخَصُّ منها شيءٌ. وحكاه بعضُهم عن الجمهور، وكأنَّه يريدُ به جمهورَ المتقدِّمين، وقد وقع ذلك في كلام ابن جريرٍ الطَّبريِّ، وأبي طالبٍ المكِّيِّ وغيرِهما من المتقدِّمين، وهو ظاهرُ كلامِ الإمام أحمدَ.
قال في رواية حنبلٍ: أُحِبُّ لكلِّ مَنْ عَمِلَ عملًا مِنْ صلاةٍ، أو صيامٍ، أو صَدَقَةٍ، أو نوعٍ مِنْ أنواعِ البِرِّ أنْ تكونَ النِّيَّةُ متقدِّمَةً في ذلك قبلَ الفعلِ، قال النَّبيُّ - ﷺ -: "الأعمالُ بالنِّيَّاتِ"، فهذا يأتي على كل أمرٍ مِنَ الأُمورِ.
وقال الفضلُ بنُ زيادٍ: سألتُ أبا عبد الله - يعني أحمدَ - عَنِ النِّيَّةِ في العملِ، قلت: كيف النيةُ؟ قال: يُعابرُ نفسَه، إذا أراد عملًا لا يريدُ به النَّاس.
وقال أحمدُ بنُ داودَ الحربي: حدَّث يزيدُ بنُ هارونَ بحديثِ عمر: "الأعمالُ بالنياتِ" وأحمدُ جالسٌ، فقال أحمد ليزيدَ: يا أبا خالدٍ، هذا الخناقُ.
وعلى هذا القول، فقيل: تقديرُ الكلام: الأعمال واقعة أو حاصلة بالنِّيَّاتِ، فيكونُ إخبارًا عن الأعمالِ الاختيارية أنها لا تقعُ إلَّا عَنْ قصدٍ مِنَ العاملِ هو سببُ عملها ووجودِها، ويكونُ قولُه بعدَ ذلك: "وإنَّما لامرى ما نوى" إخبارًا عن حكمِ الشَّرع، وهو أن حظَّ العاملِ مِنْ عمله نيَّتُه، فإنْ كانت صالحةً، فعملُهُ صالحٌ، فله أجرُه، وإن كانت فاسدةً، فعمله فاسدٌ، فعليه وِزْرُهُ.
ويحتمل أن يكون التَّقدير في قوله: "الأعمال بالنيات": الأعمالُ صالحةٌ،
[ ١ / ٦٤ ]
أو فاسدةٌ، أو مقبولةٌ، أو مردودةٌ، أو مثابٌ عليها، أو غير مثابٍ عليها؛ بالنِّيَّاتِ، فيكونُ خبرًا عن حكمٍ شرعي، وهو أن صلاحَ الأعمال وفسادَها بحسب صلاحِ النِّيات وفسادِها، كقوله - ﷺ -: "إنَّما الأعمالُ بالخواتيم" (^١) أي: إنَّ صلاحَها وفسادَها وقَبُولَها وعدمَه بحسب الخاتمة.
وقوله بعد ذلك: "وإنَّما لامرئٍ ما نوى" إخبارٌ أنَّه لا يحصلُ له مِنْ عمله إلَّا ما نواه به، فإنْ نَوى خيرًا، حصل له خير، وإنْ نَوى شرًا، حصل له شرٌّ، وليس هذا تكريرًا محضًا للجُملة الأولى، فإنَّ الجُملةَ الأولى دلَّت على أن صلاحَ العمل وفسادَه بحسب النِّيَّة المقتضيَةِ لإيجاده، والجملة الثَّانية دلَّت على أن ثوابَ العاملِ على عمله بحسب نيَّته الصَّالحة، وأنَّ عقابَه عليه بحسب نيَّته الفاسدة، وقد تكونُ نيَّتُهُ مباحة، فيَكونُ العملُ مباحًا، فلا يحصل له به ثوابٌ ولا عقابٌ، فالعملُ في نفسه صلاحُه وفسادُه وإباحَتُه بحسب النيَّة الحاملةِ عليه، المقتضية لوجودِهِ، وثوابُ العامل وعقابُه وسلامتُه بحسب نيَّته التي بها صار العملُ صالحًا، أو فاسدًا، أو مباحًا.
واعلم أن النيَّةَ في اللُّغة نوعٌ من القَصدِ والإرادة، وإن كان قد فُرق بينَ هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره.
والنِّيَّةُ في كلام العُلماء تقعُ بمعنيين:
أحدهما: بمعنى تمييز العباداتِ بعضها عن بعضٍ، كتمييزِ صلاة الظُّهر مِنْ صلاةِ العصر مثلًا، وتمييزِ صيام رمضانَ مِنْ صيام غيرِهِ، أو تمييزِ العباداتِ مِنَ العادات، كتمييزِ الغُسلِ من الجَنَابةِ مِنْ غسل التَّبرُّد والتَّنظُّف، ونحو ذلك، وهذه النيَّةُ هي التي تُوجَدُ كثيرًا في كلامِ الفُقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييزِ المقصودِ بالعمل، وهل هو الله وحدَه لا
_________________
(١) رواه من حديث سهل بن سعد البخاري (٦٤٩٣) و(٦٦٠٧).
[ ١ / ٦٥ ]
شريكَ له، أم غيره، أم الله وغيرُه، وهذه النية هي الَّتي يتكلَّمُ فيها العارِفُونَ في كتبهم في كلامهم على الإِخلاص وتوابعه، وهي الَّتي تُوجَدُ كثيرًا في كلام السَّلَفِ المتقدِّمين.
وقد صنَّفَ أبو بكر بنُ أبي الدُّنيا مصنَّفًا سمَّاه: كتاب "الإخلاص والنية"، وإنَّما أراد هذه النية، وهي النيةُ التي يتكرَّر ذكرُها في كلام النَّبي - ﷺ - تارةً بلفظ النيةِ، وتارةً بلفظ الإِرادة، وتارةً بلفظٍ مُقارب لذلك، وقد جاء ذكرُها كثيرًا في كتابِ الله ﷿ بغيرِ لفظِ النِّيَّةِ أيضًا مِنَ الألفاظ المُقاربَةِ لها.
وإنَّما فرَّقَ مَنْ فَرَّق بين النيةِ وبينَ الإِرادة والقصدِ ونحوهما، لظنِّهم اختصاصَ النية بالمعنى الأوَّلِ الذي يَذْكُرُهُ الفقهاءُ، فمنهم من قال: النيةُ تختصُّ بفعلِ النَّاوي، والإرادةُ لا تختصُّ بذلك، كما يريدُ الإنسانُ مِنَ اللهِ أن يغفرَ له، ولا ينوي ذلك. وقد ذكرنا أن النيةَ في كلام النَّبيِّ - ﷺ - وسلفِ الأُمَّة إنَّما يُرادُ بها هذا المعنى الثَّاني غالبًا، فهي حينئذٍ بمعنى الإرادة، ولذلك يُعبَّرُ عنها بلفظِ الإِرادة في القرآن كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ
[ ١ / ٦٦ ]
وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٨ - ٣٩].
وقد يُعَبَّر عنها في القُرآن بلفظ "الابتغاء"، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠]، وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤].
فنفى الخيرَ عَنْ كثيرٍ ممَّا يتناجى به الناسُ إلَّا في الأمرِ بالمعروف، وخصَّ من أفراده الصَّدقةَ والإِصلاحَ بينَ النَّاس لعموم نفعهما، فدل ذلك على أن التَّناجي بذلك خيرٌ، وأمّا الثوابُ عليه مِنَ اللهِ، فخصَّه بِمَنْ فعله ابتغاءَ مرضاتِ اللهِ.
وإنما جَعَل الأمرَ بالمعروفِ مِنَ الصَّدقة، والإِصلاحَ بينَ النَّاس وغيرهما خيرًا، وإنْ لم يُبْتَغَ به وجهُ اللهِ، لما يترتَّبُ على ذلك مِنَ النَّفْعِ المُتعدِّي، فَيَحْصُلُ به للنَّاسِ إحسانٌ وخيرٌ، وأمَّا بالنِّسبة إلى الأمر، فإنْ قَصَدَ به وجهَ اللهِ، وابتغاءَ مَرضاته، كان خيرًا له، وأُثِيبَ عليه، وإنْ لم يقصدْ ذلك، لم يكن خيرًا له، ولا ثوابَ له عليه، وهذا بخلاف من صامَ وصلَّى وذكرَ الله، يَقصِدُ بذلك عَرَضَ الدُّنْيا، فإنَّه لا خيرَ له فيه بالكُلِّيَّة، لأنَّه لا نفع في ذلك لصاحبه، لما يترتب عليه من الإِثم فيه، ولا لغيره، لأنه لا يتعدَّى نفعُه إلى أحدٍ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يحصُلَ لأحدٍ به اقتداءٌ في ذلك.
وأمّا ما ورد في السُّنَّةِ، وكلام السَّلفِ مِنْ تسمية هذا المعنى بالنيَّةِ، فكثيرٌ
[ ١ / ٦٧ ]
جدًّا، ونحن نذكر بعضَه، كما خرَّج الإِمام أحمدُ والنَّسائيّ مِنْ حديثِ عُبادةَ بن الصَّامتِ، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: "مَنْ غَزَا في سَبيلِ الله، ولم يَنْوِ إلَّا عِقالًا، فله ما نوى" (^١).
وخرَّج الإِمام أحمد من حديثِ ابن مسعودٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ أكثرَ شُهداءِ أُمَّتي لأصْحَابُ الفُرُشِ، ورُبَّ قتيل بَيْنَ الصفَّين الله أعلم بنيَّته" (^٢).
وخَرَّج ابنُ ماجه من حديث جابر، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "يُحْشَرُ النَّاسُ على نيَّاتِهم" (^٣). ومن حديث أبي هريرة عَنِ النَّبي - ﷺ -، قال: "إنَّما يُبْعَثُ النَّاسُ على نِيَّاتِهم" (^٤).
وخَرَّج ابنُ أبي الدُّنيا (^٥) من حديثِ عمر، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّما يُبعَثُ المقتتلون على النِّيَّاتِ".
وفي "صحيح مسلم" عن أمِّ سلمةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "يعوذُ عائذٌ بالبيتِ، فيُبعَثُ إليه بعثٌ، فإذا كانوا ببيداءَ مِنَ الأَرضِ، خُسِفَ بهم"، فقلت:
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٣١٥ و٣٢٠، والنسائي ٦/ ٢٤. ورواه أيضًا الدارمي ٢/ ٢٠٨، وصححه ابن حبان (٤٦٣٨).
(٢) هو في "المسند" ١/ ٣٩٧، وهو - على إرساله - فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
(٣) هو في "سنن ابن ماجه" (٤٢٣٠)، وهو مع كون أحد رواته - وهو شريك القاضي - سيء الحفظ، صحيح بشواهده، وصححه الحاكم ٢/ ٤٥٢.
(٤) هو في "سنن ابن ماجه" (٤٢٢٩). ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٣٩٢، وحسنه الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ١/ ٥٧.
(٥) في كتاب "الإخلاص والنية". ورواه أيضًا أبو يعلى في "المسند الكبير" كما في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٣٣٢، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" كما في "الجامع الصغير" للسيوطي. وفي سنده عمرو بن شمر، كذبه غير واحد، واتُّهم بالوضع، وساق له الذهبي في "الميزان" ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩ أحاديث منكرة، منها هذا الحديث.
[ ١ / ٦٨ ]
يا رسولَ اللهِ، فكيف بمَنْ كان كارهًا؟ قال: "يُخْسَفُ به معهم، ولكنَّه يُبعَثُ يومَ القيامة على نيَّته" (^١).
وفيه أيضًا عَنْ عائشة، عَنِ النَّبي - ﷺ - معنى هذا الحديث، وقال فيه: "يهلِكون مَهْلِكًا واحدًا، ويَصدُرُونَ مصادرَ شتَّى، يبعثُهم الله على نيَّاتهم" (^٢).
وخرّج الإمام أحمد وابنُ ماجه مِنْ حديث زيدِ بن ثابتٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "مَنْ كانتِ الدُّنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمره، وجَعَلَ فقرَه بين عينيه، ولم يأتِهِ من الدُّنْيا إلَّا ما كُتِبَ له، ومَنْ كَانَتِ الآخرةُ نيَّتَه، جمَعَ الله له أمرَه، وجعل غِناه في قلبهِ، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ". لفظُ ابن ماجه، ولفظُ أحمد: "مَنْ كانَ همُّه الآخرة، ومن كانت نيَّته الدُّنيا" (^٣)، وخرجه ابن أبي الدنيا، وعنده: "من كانت نيته الدنيا، ومن كانت نيته الآخرة".
وفي "الصَّحيحين" عن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّكَ لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بِها وجهَ اللهِ إلَّا أُثِبْتَ عليها، حتَّى اللُّقمَة تجعلُها في في امرأتك" (^٤).
وروى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادٍ منقطعٍ (^٥) عن عُمرَ، قال: لا عَمَلَ لِمَنْ لا نيَّةَ
_________________
(١) هو في "صحيح مسلم" (٢٨٨٢)، ورواه الترمذي (١٢٧٢).
(٢) هو في (صحيح مسلم) (٢٨٨٤)، ورواه البخاري (٢١١٨)، وأحمد ٦/ ١٠٥ و٢٥٩، وابن حبان (٦٧٥٥).
(٣) صحيح. رواه أحمد ٥/ ١٨٣، وابن ماجه (٤١٠٥)، وصححه ابن حبان (٦٨٠).
(٤) رواه البخاري (٥٦) و(١٢٩٥) و(٢٧٤٢) و(٣٩٣٦) و(٤٤٠٩) و(٦٧٣٣)، ومسلم (١٦٢٨)، ومالك ٢/ ٧٦٣، وأحمد ١/ ١٧٩، رالترمذي (٢١١٦)، وابن حبان (٤٢٤٩) و(٦٠٢٦).
(٥) وهو من أقسام الضعيف.
[ ١ / ٦٩ ]
له، ولا أجْرَ لمَنْ لا حِسْبَةَ لهُ يعني: لا أجر لمن لم يحتسبْ ثوابَ عمله عندَ الله ﷿.
وبإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن مسعودٍ، قال: لا ينفعُ قولٌ إلَّا بعمل، ولا ينفعُ قولٌ وعَملٌ إلَّا بنيَّة، ولا ينفعُ قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ إلَّا بما وافق السُّنَّةَ.
وعن يحيى بن أبي كثير، قال: تعلَّموا النِّيَّة، فإنَّها أبلغُ من العَمَلِ (^١).
وعن زُبَيدٍ اليامي، قال: إنِّي لأحبُّ أن تكونَ لي نيَّةٌ في كلِّ شيءٍ، حتَّى في الطَّعام والشَّراب، وعنه أنه قال: انْوِ في كلِّ شيءٍ تريدُه الخيرَ، حتَّى خروجك إلى الكُناسَةِ.
وعن داود الطَّائيِّ، قال: رأيتُ الخيرَ كلَّه إنَّما يجمعُه حُسْنُ النِّيَّةِ، وكفاك به خيرًا وإن لم تَنْصَبْ. قال داود: والبِرُّ هِمَّةُ التَّقيِّ، ولو تعلَّقت جميع جوارحه بحبِّ الدُّنيا، لردَّته يومًا نيَّتُهُ إلى أصلِهِ.
وعن سفيانَ الثَّوريِّ، قال: ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من نيَّتي، لأنَّها تتقلَّبُ عليَّ (^٢).
وعن يوسُفَ بن أسباط، قال: تخليصُ النِّيةِ مِنْ فسادِها أشدُّ على العاملينَ مِنْ طُولِ الاجتهاد (^٣).
وقيل لنافع بن جُبير: ألا تشهدُ الجنازةَ؟ قال: كما أنتَ حتَّى أنوي، قال: ففكَّر هُنَيَّة، ثم قال: امض.
_________________
(١) حلية الأولياء ٣/ ٧٠.
(٢) "حلية الأولياء" ٧/ ٥ و٦٢، وفيه: "نفسي" بدل "نيتي".
(٣) وفي "الحلية" ١٠/ ١٢١ نحوه عن عبد الله بن مطرف.
[ ١ / ٧٠ ]
وعن مطرِّف بن عبدِ الله قال: صلاحُ القلب بصلاحِ العملِ، وصلاحُ العملِ بصلاحِ النيَّةِ (^١).
وعن بعض السَّلَف قال: مَنْ سرَّه أن يَكْمُلَ له عملُه، فليُحسِن نيَّته، فإنَّ الله ﷿ يأجُرُ العَبْدَ إذا حَسُنَت نيَّته حتَّى باللُّقمة.
وعن ابن المبارك، قال: رُبَّ عملٍ صغيرٍ تعظِّمهُ النيَّةُ، وربَّ عمل كبيرٍ تُصَغِّره النيَّةُ.
وقال ابن عجلان: لا يصلحُ العملُ إلَّا بثلاثٍ: التَّقوى لله، والنِّيَّةِ الحسنَةِ، والإصابة.
وقال الفضيلُ بنُ عياض: إنَّما يريدُ الله ﷿ منكَ نيَّتَك وإرادتَك.
وعن يوسف بن أسباط، قال: إيثارُ الله ﷿ أفضلُ من القَتل في سبيله.
خرَّج ذلك كلَّه ابنُ أبي الدُّنيا في كتاب "الإخلاص والنيَّة".
وروى فيه بإسنادٍ منقطع عن عُمَر ﵁، قال: أفضلُ الأعمال أداءُ ما افترضَ الله ﷿، والورعُ عمَّا حرَّم الله ﷿، وصِدْقُ النِّيَّةِ فيما عندَ اللهِ ﷿.
وبهذا يعلم معنى ما رُوي عن الإِمامِ أحمدَ أن أُصولَ الإِسلام ثلاثةُ أحاديث: حديثُ: "الأعمال بالنِّيَّات"، وحديثُ: "مَنْ أحدثَ في أمرِنا ما ليس منه، فهو رَدٌّ"، وحديثُ: "الحلالُ بيِّنٌ والحَرامُ بيِّنٌ". فإنَّ الدِّين كلَّه يرجعُ إلى فعلِ الماموراتِ، وترك المحظورات، والتَّوقُف عن الشُّبُهاتِ، وهذا كلُّه تضمَّنه حديثُ النُّعمان بن بشيرٍ.
_________________
(١) "حلية الأولياء" ٢/ ١٩٩.
[ ١ / ٧١ ]
وإنَّما يتمُّ ذلك بأمرين:
أحدهما: أنْ يكونَ العملُ في ظاهره على موافقَةِ السُّنَّةِ، وهذا هو الذي تضمَّنه حديثُ عائشة: "مَنْ أحدَثَ في أمرنا ما ليس منه، فهو رَدٌّ".
والثاني أن يكونَ العملُ في باطنه يُقْصَدُ به وجهُ الله ﷿، كما تضمَّنه حديث عمر: "الأعمالُ بالنِّيَّاتِ".
وقال الفضيلُ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، قال: أخلصُه (^١) وأصولُه. وقال: إنَّ العملَ إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا، لم يقبل حتَّى يكون خالصًا صوابًا، قال: والخالصُ إذا كان لله ﷿، والصَّوابُ إذا كان على السُّنَّة.
وقد دلّ على هذا الَّذي قاله الفضيلُ قولُ الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال بعضُ العارفينَ: إنَّما تفاضَلُوا بالإِرادات، ولم يتفاضَلُوا بالصَّوم والصَّلاة.
وقولُه - ﷺ -: "فَمَنْ كانت هجرتُهُ إلى اللهِ ورسوله، فهجرتُهُ إلى الله ورسولهِ، ومَنْ كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبُها، أو امرأة ينكِحُها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه".
لما ذكر - ﷺ - أن الأعمالَ بحسبِ النِّيَّاتِ، وأنَّ حظَّ العاملِ من عمله نيَّتُه مِنْ خيرٍ أو شرٍّ، وهاتانِ كلمتانِ جامِعتانِ، وقاعِدَتانِ كلِّيَّتانِ، لا يخرُجُ عنهما شيءٌ، ذكر بعدَ ذلك مثالًا من أمثال الأعمال الَّتي صُورتُها واحدةٌ، ويختَلِفُ صلاحُها وفسادُها باختلافِ النِّيَّاتِ، وكأنَّه يقول: سائرُ الأعمالِ على حَذوِ هذا المثال.
وأصلُ الهجرة: هِجرانُ بلدِ الشِّرك، والانتقالُ منه إلى دارِ الإِسلام، كما
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي" ٤/ ٣٦٩.
[ ١ / ٧٢ ]
كان المهاجرونَ قبلَ فتحِ مكَّة يُهاجرون منها إلى مدينة النَّبيِّ - ﷺ -، وقد هاجرَ مَنْ هاجَرَ منهم قبلَ ذلك إلى أرض الحبشة إلى النَّجاشيِّ.
فأخبرَ النبيُّ - ﷺ - أن هذه الهجرةَ تختلفُ باختلافِ النيَّات والمقاصدِ بها، فمن هاجَرَ إلى دار الإسلام حُبًّا لله ورسوله، ورغبةً في تعلُّم دينِ الإِسلام، وإظهارِ دينِه حيث كان يعجِزُ عنه في دارِ الشِّركِ، فهذا هو المهاجِرُ إلى الله ورسوله حقًّا، وكفاه شرفًا وفخرًا أنَّه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله.
ولهذا المعنى اقتصرَ في جواب هذا الشرط على إعادتِهِ بلفظه، لأنَّ حُصولَ ما نواه بهجرته نهايةُ المطلوب في الدُّنيا والآخرة.
ومن كانت هجرتُهُ من دارِ الشِّرك إلى دارِ الإسلام لطَلَب دُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ ينكِحُها في دارِ الإِسلام، فهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليه مِنْ ذلكَ، فالأوَّل تاجرٌ، والثَّاني خاطب، وليسَ واحد منهما بمهاجرٍ.
وفي قوله: "إلى ما هاجرَ إليه" تحقيرٌ لِمَا طلبه من أمر الدُّنيا، واستهانةٌ به، حيث لم يذكره بلفظه. وأيضًا فالهجرةُ إلى اللهِ ورسولهِ واحدةٌ فلا تعدُّد فيها، فلذلك أعادَ الجوابَ فيها بلفظ الشَّرط.
والهجرةُ لأمور الدُّنيا لا تنحصِرُ، فقد يُهاجِرُ الإِنسانُ لطلبِ دُنيا مُباحةٍ تارةً، ومحرَّمةٍ أخرى، وأفرادُ ما يُقصَدُ بالهجرةِ من أُمورِ الدُّنيا لا تنحصِرُ، فلذلك قال: "فهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليه"، يعني كائنًا ما كان.
وقد رُويَ عن ابن عبَّاس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]. قال: كانت المرأةُ إذا أتت النَّبيَّ - ﷺ -، حلَّفها بالله: ما خرجت من بُغضِ زوجٍ، وبالله: ما خرجت رغبةً بأرضٍ عنْ أرضٍ، وباللهِ: ما خرجت التماسَ دُنيا، وبالله: ما خرجت إلَّا
[ ١ / ٧٣ ]
حُبًّا لله ورسوله. خرجهُ ابنُ أبي حاتم، وابنُ جريرٍ، والبزَّارُ في "مسنده" (^١)، وخرَّجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرًا.
وقد روى وكيعٌ في كتابه عن الأعمش، عن شقيقٍ - هو أبو وائلٍ - قال: خطبَ أعرابيٌّ مِنَ الحيِّ امرأةً يقال لها: أمَّ قيسٍ، فابت أن تزوَّجهُ حتَّى يُهاجِرَ، فهاجَرَ، فتزوَّجته، فكُنَّا نُسمِّيه مهاجرَ أمِّ قيسٍ. قال: فقال عبدُ الله: يعني ابن مسعود: مَنْ هاجَر يبتغي شيئًا، فهو له (^٢).
وهذا السِّياقُ يقتص أن هذا لم يكن في عهدِ النبيِّ - ﷺ -، وإنما كان في عهدِ ابن مسعودٍ، ولكن رُوي مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عَن الأَعمش، عن أبي وائلٍ، عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجلٌ خطبَ امرأةً يقال لها: أمَّ قيسٍ، فأبت أن تزوَّجَه حتَّى يهاجِرَ، فهاجرَ، فتزوَّجها، فكنَّا نسمِّيه مهاجرَ أمِّ قيسٍ. قال ابنُ مسعودٍ: مَنْ هاجرَ لشيءٍ فهو له (^٣).
وقد اشتهرَ أن قصَّةَ مُهاجرِ أمِّ قيسٍ هي كانت سببَ قولِ النَّبيِّ - ﷺ -: "مَنْ كانت هجرتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ ينكِحُها"، وذكر ذلك كثير من المتأخِّرين
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري في "جامع البيان" ٦٧/ ٢٨، والبزّار (٢٢٧٢)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٢٣، وقال: فيه قيس بن الرّبيع، وثّقه شعبة والثوري، وضعّفه غيرهما. وأورده السّيوطي في "الدرّ المنثور" ٨/ ١٣٧، ونسبه لابن أبي أسامة، والبزّار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وحسَّن إسناده.
(٢) ورواه سعيد بن منصور في "سننه" ومن طريقه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨٥٤٠) عن أبي معاوية عن الأعمش بهذا الإسناد، وقال الهيثمي في "مجمع الزّوائد" ٢/ ١٠١: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ ابن حجر: وهذا إسناد صحيح على شرط الشّيخين.
(٣) رجاله ثقات كما قال في "طرح التثريب" ٢/ ٢٥.
[ ١ / ٧٤ ]
في كُتُبهم، ولم نر لذلك أصلًا بإسنادٍ يصحُّ، والله أعلمُ (^١).
وسائر الأعمال كالهجرةِ في هذا المعنى، فصلاحُها وفسادُها بحسب النِّيَّة الباعثَةِ عليها، كالجهادِ والحجِّ وغيرهما، وقد سُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ - عن اختلاف نيَّاتِ النَّاس في الجهاد وما يُقصَدُ به من الرِّياء، وإظهار الشَّجاعة والعصبيَّة، وغير ذلك: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "مَنْ قاتَل لِتَكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، فهو في سبيل الله" فخرج بهذا كلُّ ما سألوا عنه من المقاصد الدُّنيوية.
ففي "الصَّحيحين" عن أبي موسى الأشعريِّ أنَّ أعرابيًا أتى النَّبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله: الرَّجُلُ يُقاتِلُ للمَغْنمِ، والرَّجلُ يُقاتِل للذِّكر، والرَّجُلُ يقاتِل ليُرى مكانُهُ، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ قاتَلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا، فهو في سبيل الله".
وفي رواية لمسلم: سُئِلَ رسولُ الله - ﷺ - عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شجاعةً، ويقاتِلُ حميَّةً، ويقاتل رياءً، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فذكرَ الحديث.
وفي رواية له أيضًا: الرجُلُ يقاتِلُ غضبًا، ويُقاتلُ حَمِيَّةً (^٢).
وخَرَّج النَّسائيُّ من حديث أبي أُمامة، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمِسُ الأجرَ والذِّكْرَ، ما لَهُ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا شيءَ له"، ثمَّ قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ الله لا يَقبلُ من العمل إلَّا ما كانَ خالصًا، وابتُغي به وجهُهُ" (^٣).
_________________
(١) قال الحافظ في "الفتح" ١/ ١٠: لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التّصريح بذلك.
(٢) رواه البخاري (١٢٣) و(٢٨١٠) و(٣١٢٦) و(٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤)، وأبو داود (٢٥١٧)، والتّرمذي (١٦٤٦)، والنسائي ٦/ ٢٣، وابن ماجه (٢٧٨٣).
(٣) رواه النّسائي ٦/ ٢٥، والطبراني (٧٦٢٨) وحسَّنه الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث =
[ ١ / ٧٥ ]
وخرَّج أبو داود (^١) من حديث أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول اللهِ، رجلٌ يريدُ الجِهادَ وهو يبتغي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنيا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا أجر له"، فأعاد عليه ثلاثًا، والنَّبيُّ - ﷺ - يقول: "لا أجْرَ له".
وخَرَّج الإِمام أحمدُ وأبو داود مِنْ حديثِ مُعاذِ بن جبلٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "الغزوُ غَزوانِ، فأمَّا من ابتغى وجهَ الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمةَ، وياسرَ الشَّريكَ، واجتنبَ الفسادَ، فإنَّ نومَهُ ونَبهَهُ أجرٌ كلُّه، وأمَّا مَنْ غَزا فخرًا ورياءً وسُمعةً، وعصى الإِمام، وأفسدَ في الأرض، فإنَّه لم يرجع بالكفاف" (^٢).
وخرَّج أبو داود (^٣) من حديث عبدِ الله بن عمرٍو قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن الجِهاد والغزو، فقال: "إن قاتلت صابرًا محتسبًا، بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإنْ قاتلتَ مُرائيًا مُكاثرًا، بعثكَ الله مُرائيًا مُكاثرًا، على أيِّ حالٍ قاتَلْتَ أو قُتِلْتَ بعثكَ الله على تِيك الحالِ".
_________________
(١) = الإحياء" ٤/ ٣٨٤، وجود إسنادَه المصنفُ ص ١٤، والسيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٤٧٢.
(٢) برقم (٢٥١٦)، وفي سنده رجل مجهول، ومع ذلك صححه الحاكم ٢/ ٨٥، ووافقه الذهبي!.
(٣) حديث صحيح رواه أحمد ٥/ ٢٣٤، وأبو داود (٢٥١٥)، ورواه أيضًا النسائي ٦/ ٤٩ وصححه الحاكم ٢/ ٨٥ على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ورواه مالك في "الموطأ" ٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧ موقوفًا على معاذ، وإسناده صحيح. والكريمة: أي: أنفق الأموال الكريمة، وياسر الشريك، قال الباجي: يريد موافقتَه في رأيه مما يكون طاعةً، ومتابعته عليه، وقلَّة مشاحَّتِه فيما يُشاركه فيه من نفقة أو عمل.
(٤) برقم (٢٥١٩)، وصححه الحاكم ٢/ ٨٥ - ٨٦ و١١٢، ووافقه الذهبي، مع أن فيه رجلين مجهولين!.
[ ١ / ٧٦ ]
وخرَّح مسلمٌ (^١) من حديثِ أبي هريرةَ ﵁: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقول: "إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجلٌ استُشهِدَ، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعرفها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيكَ حتَّى استُشْهِدتُ، قال: كذبتَ، ولكنَّكَ قاتلتَ، لأنْ يُقالَ: جَريءٌ، فقد قيل، ثمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهه، حتى أُلقي في النَّارِ، ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعلَّمه، وقرأَ القُرآن، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيكَ القرآنَ. قال: كذبتَ، ولكنَّكَ تعلَّمت العلمَ، ليُقالَ: عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليقال: هو قارئٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتَّى أُلقي في النَّار، ورجلٌ وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصنافِ المال كلِّه، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعرفها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحبُّ أن يُنفقَ فيها إلَّا أنفقتُ فيها لكَ. قال: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ، ليُقالَ: هو جوادٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أمِر به، فسُحب على وجهه، حتَّى أُلقي في النار".
وفي الحديث: إنَّ معاويةَ لمَّا بلغه هذا الحديثُ، بكى حتَّى غُشِي عليه، فلمَّا أفاق، قال: صدَقَ الله ورسولُه، قال الله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
وقد وردَ الوعيدُ على تعلُّم العِلم لغيرِ وجه الله، كما خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وابنُ ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ تعلَّم عِلمًا مِمَّا يُبتَغى به وجهُ الله، لا يتعلَّمُه إلَّا لِيُصِيبَ به عرَضًا من الدُّنيا، لم
_________________
(١) برقم (١٩٠٥)، ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٣٢٢، والنّسائي ٦/ ٢٣ بهذا اللفظ. ورواه بلفظ آخر - وفيه قصة معاوية - الترمذي (٢٣٨٢) وحسّنه، وصححه ابن حبان (٤٠٨).
[ ١ / ٧٧ ]
يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّة يومَ القِيامَةِ" يعني: ريحها (^١).
وخرَّج الترمذيُّ (^٢) من حديثِ كعبِ بن مالك، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "مَنْ طَلَب العلمَ ليُمارِي به السُّفهَاء، أو يُجاري به العُلَماء، أو يَصرِفَ به وجُوهَ النَّاسِ إليه، أدخله الله النَّار" (^٣).
وخرَّجه ابن ماجه بمعناه مِنْ حَديثِ ابن عمرَ، وحذيفةَ، وجابرٍ عن النَّبيِّ - ﷺ -، ولفظُ حديثِ جابرٍ: "لا تَعَلَّموا العِلمَ، لتُباهُوا به العُلَماءَ، ولا لِتُماروا به السُّفَهاءَ، ولا تَخَيَّروا به المجالس، فمَنْ فعل ذلك، فالنَّارَ النَّارَ".
وقال ابنُ مسعودٍ: لا تعلَّموا العِلمَ لثلاثٍ: لِتُماروا به السُّفَهاء، أو لتُجادِلوا به الفُقهاء، أو لتصرفوا به وُجُوهَ النَّاس إليكم، وابتغُوا بقولِكُم وفعلِكم ما عندَ اللهِ، فإنَّه يبقَى ويذهبُ ما سواهُ (^٤).
وقد ورد الوعيدُ على العمل لغيرِ اللهِ عمومًا، كما خرَّجَ الإِمامُ أحمدُ (^٥) من حديثِ أبيّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "بَشِّرْ هذه الأمَّةَ
_________________
(١) حديث صحيح رواه أحمد ٢/ ٣٣٨، وأبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢)، وصححه ابن حبان (٧٨) والحاكم ١/ ٨٥، ووافقه الذهبي.
(٢) برقم (٢٦٥)، وقال: هذا حديث غريب، أي: ضعيف، ويشهد له حديث أبي هريرة السّابق والأحاديث الآتية.
(٣) حديث ابن عمر رواه ابن ماجه (٢٥٣)، وإسناده ضعيف كما ذكر البوصيري في "زوائد ابن ماجه" لكنّه يتقوى بالأحاديث الأخرى، وحديث حذيفة عند ابن ماجه برقم (٢٥٩) وضعفه البوصيري. وحديث جابر عند ابن ماجه (٢٥٤)، وصححه ابن حبان (٧٧)، والحاكم ١/ ٨٦.
(٤) ذكره ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ١/ ١٧٦.
(٥) في "المسند" ٥/ ١٣٤، وصححه ابن حبان (٤٠٥).
[ ١ / ٧٨ ]
بالسَّناء والرِّفْعَة والدِّين والتمكينِ في الأرض، فمن عَمِلَ منهُم عملَ الآخرةِ للدُّنْيا، لم يكنْ له في الآخرةِ نصيبٌ".
واعلم أن العمل لغيرِ اللهِ أقسامٌ: فتارةً يكونُ رياءً محضًا، بحيثُ لا يُرادُ به سوى مراآت المخلوقين لغرض دُنيويٍّ، كحالِ المنافِقين في صلاتهم، كما قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٦].
وكذلك وصف الله الكفار بالرِّياء في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧].
وهذا الرِّياءُ المحضُ لا يكاد يصدُرُ من مُؤمنٍ في فرض الصَّلاةِ والصِّيام، وقد يصدُرُ في الصَّدقةِ الواجبِة أو الحجِّ، وغيرهما من الأعمال الظاهرةِ، أو الَّتي يتعدَّى نفعُها، فإنَّ الإخلاص فيها عزيزٌ، وهذا العملُ لا يشكُّ مسلمٌ أنَّه حابِطٌ، وأنَّ صاحبه يستحقُّ المقتَ مِنَ اللهِ والعُقوبة.
وتارةً يكونُ العملُ للهِ، ويُشارِكُه الرِّياءُ، فإنْ شارَكَهُ مِنْ أصله، فالنُّصوص الصَّحيحة تدلُّ على بُطلانِهِ وحُبُوطه أيضًا.
وفي "صحيح مُسلم" عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "يقولُ الله ﵎: أنا أغنى الشُّركاءِ (^١) عن الشِّرك، مَنْ عَمِل عملًا أشركَ فيه معي غيري، تركته وشريكَه"، وخرَّجه ابنُ ماجه، ولفظه: "فأنا منه بريءٌ، وهوَ لِلّذي أشركَ" (^٢).
_________________
(١) في الأصول: "الأغنياء"، والمثبت من "صحيح مسلم".
(٢) رواه مسلم (٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢)، وأحمد ٢/ ٣٠١ و٤٣٥، وصححه ابن حبان =
[ ١ / ٧٩ ]
وخرَّج الإمام أحمد (^١) عن شدّاد بن أوس، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "مَنْ صَلَّى يُرائِي، فقد أشرَكَ، ومنْ صَامَ يُرائِي، فقد أشرَكَ، ومن تَصدَّقَ يُرائِي، فقد أشرك، وإنَّ الله ﷿ يقولُ: أنا خيرُ قسيمٍ لِمَنْ أشرَكَ بي شيئًا، فإنَّ جُدَّةَ عَمَلِهِ قليله وكثيره لشريكِهِ الَّذي أشركَ به أنا عنه غنيٌّ".
وخرَّج الإمام أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجه مِنْ حديث أبي سعيد بن أبي فضالةَ - وكانَ مِنَ الصَّحابة - قال: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: "إذا جمع الله الأوَّلين والآخِرين ليومٍ لا ريبَ فيه، نادَى مُنادٍ: مَنْ كانَ أشركَ في عمل عمِلَهُ للهِ ﷿، فليَطلبْ ثوابَهُ من عند غيرِ الله ﷿، فإنَّ الله أغنى الشُّركاءِ عن الشِّرك" (^٢).
وخرَّج البزّار في "مسنده" (^٣) من حديثِ الضَّحَّاكِ بن قَيس، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ الله ﷿ يقول: أنا خيرُ شريكٍ، فمن أَشركَ معي شريكًا، فهو لشرِيكي. يا أيُّها النَّاسُ أَخلِصوا أعمالَكُم للهِ ﷿، فإنَّ الله لا يقبَلُ مِنَ الأَعمالِ إلَّا ما أُخْلِصَ لَهُ، ولا تقولوا: هذا للهِ وللرَّحِمِ، فإنَّها للرَّحِم، وليس للهِ منها شيءٌ، ولا تقولوا: هذا للهِ ولوجُوهِكُم، فإنَّها لوجوهكم، وليس لله فيها شيءٌ".
_________________
(١) = (٣٩٥).
(٢) ٤/ ١٢٥ - ١٢٦، ورواه أيضًا الطيالسي (١١٢٠)، والطبراني في "الكبير" (٧١٣٩)، والحاكم ٤/ ٣٢٩، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف، وبعضهم حسّن حديثه، وانظر "مجمع الزّوائد" ١٠/ ٢٢١.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٤٦٦ و٤/ ٢١٥، والترمذي (٣١٥٤)، وقال: حسَن غريب - وابن ماجه (٤٢٠٣)، وصححه ابن حبان (٤٠٤).
(٤) برقم (٣٥٦٧)، وقال الهيثمي في "المجمع": ١٠/ ٢٢١ رواه البزّار عن شيخه إبراهيم بن مجشر. وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقيّة رجاله رجال الصّحيح. قلت: وقال الذهبي في إبراهيم بن مجشر: هو صويلح في نفسه. وأورده السّيوطي في "الدرّ المنثور" ٥/ ٤٧٢، وزاد نسبته لابن مردويه والبيهقي، وقال: إسناده لا بأس به.
[ ١ / ٨٠ ]
وخَرَّج النَّسائيُّ (^١) بإسنادٍ جيِّدٍ عن أبي أُمامةَ الباهليِّ أن رجُلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ رجُلًا غزا يلتَمِسُ الأجْرَ والذِّكْر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا شَيءَ لهُ" فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله - ﷺ -: "لا شيء له"، ثمَّ قال: "إنَّ الله لا يقبلُ منَ العَمَل إلَّا ما كانَ له خالِصًا، وابتُغِي به وجهُه".
وخَرَّج الحاكمُ (^٢) مِنْ حديث ابن عباس: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أُريد وجْه اللهِ، وأريدُ أنْ يُرى موطِني، فلم يردَّ عليه رسول الله - ﷺ - شيئًا حتَّى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وممَّن رُوي عنه هذا المعنى، وأنَّ العملَ إذا خالطه شيءٌ مِنَ الرِّياءِ كان باطلًا: طائفةٌ من السَّلفِ، منهم عبادةُ بنُ الصَّامتِ، وأبو الدَّرداءِ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ المسيِّبِ، وغيرُهم.
وفي مراسيلِ القاسم بن مُخَيمرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يَقبلُ الله عملًا فيه مثقالُ حبَّةِ خردلٍ مِنْ رياءٍ" (^٣).
ولا نعرفُ عن السَّلفِ في هذا خلافًا، وإنْ كانَ فيه خلافٌ عَنْ بعضِ المتأخِّرينَ.
فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلًا نيَّةٌ غيرُ الرِّياءِ، مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ، أو أخذ
_________________
(١) تقدّم تخريجه، ص ٢٥، ت (٣).
(٢) ٢/ ١١١ من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن طاووس، عن ابن عبّاس مرفوعًا. وهو في كتاب "الجهاد" لابن المبارك (١٢) عن طاووس مرسلًا، وكذا رواه من طريق ابن المبارك عن طاووس مرسلًا: الطبري ١٦/ ٤٠، والحاكم ٤/ ٣٢٩، وعبد الرزاق، وابن أبي الدنيا في "الإخلاص" وابن أبي حاتم، والطبراني، فيما ذكره السُّيوطي في "الدُّرِّ المنثور" ٥/ ٤٦٩.
(٣) ورواه أبو نعيم في "الحلية" ٨/ ٢٤٠ عن يوسف بن أسباط قولَه.
[ ١ / ٨١ ]
شيءٍ مِنَ الغنيمةِ، أو التِّجارة، نقصَ بذلك أجرُ جهادهم، ولم يَبطُل بالكلِّيَّة، وفي "صحيح مسلم" عن عبدِ اللهِ بن عمروٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ الغُزَاةَ إذا غَنِموا غنيمةً، تعجَّلوا ثُلُثي أجْرِهِم، فإنْ لم يغنَمُوا شيئًا، تمَّ لهُم أجرُهم" (^١).
وقد ذكرنا فيما مضى أحاديثَ تدلُّ على أن مَنْ أراد بجهاده عَرَضًا مِنَ الدُّنيا أنه لا أجرَ له، وهي محمولةٌ على أنه لم يكن له غرَضٌ في الجهاد إلَّا الدُّنيا.
وقال الإمامُ أحمدُ: التَّاجِرُ والمستأجر والمُكاري أجرهم على قدر ما يخلُصُ من نيَّتهم في غزاتِهم، ولا يكونُ مثل مَنْ جاهَدَ بنفسه ومالِه لا يَخلِطُ به غيرَهُ.
وقال أيضًا فيمن يأخذُ جُعْلًا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجلِ الدَّراهم، فلا بأس أن يأخذَ، كأنَّه خرجَ لدِينِه، فإنْ أُعطي شيئًا، أخذه.
وكذا رُوي عن عبد الله بن عمروٍ، قال: إذا أجمعَ أحدُكم على الغزوِ، فعوَّضَه الله رزقًا، فلا بأسَ بذلك، وأمَّا إنْ أَحدُكُم إنْ أُعطي درهمًا غزا، وإنْ مُنع درهمًا مكث، فلا خيرَ في ذلك.
وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نيَّةُ الغازي على الغزو، فلا أرى بأسًا.
وهكذا يُقالُ فيمن أخذَ شيئًا في الحَجِّ ليحُجَّ به: إمَّا عَنْ نفسه، أو عَنْ غيرِه، وقد رُويَ عنْ مُجاهد أنَّه قال في حجِّ الجمَّال وحجِّ الأجيرِ وحجِّ التَّاجِر: هو تمامٌ لا يَنقُصُ من أُجُورهم شيءٌ، وهو محمولٌ على أن قصدهم الأصليَّ كان هو الحجَّ دُونَ التَّكسُّب.
وأمَّا إنْ كان أصلُ العمل للهِ، ثم طرأت عليه نيَّةُ الرِّياءِ، فإنْ كان خاطرًا
_________________
(١) رواه مسلم (١٩٠٦)، ورواه أيضًا أحمد ٢/ ١٦٩، وأبو داود (٢٤٩٧)، والنّسائي ٦/ ١٧ - ١٨، وابن ماجه (٢٧٨٥).
[ ١ / ٨٢ ]
ودفَعهُ، فلا يضرُّه بغير خلافٍ، وإن استرسلَ معه، فهل يُحبَطُ به عملُه أم لا يضرُّه ذلك ويجازى على أَصلِ نيَّته؟ في ذلك اختلافٌ بين العُلماءِ مِنَ السَّلَف قد حكاه الإِمامُ أحمدُ وابنُ جريرٍ الطَّبريُّ، ورجَّحا أن عمله لا يبطلُ بذلك، وأنَّه يُجازى بنيَّتِه الأُولى، وهو مرويٌّ عن الحسنِ البصريِّ وغيره.
ويُستدلُّ لهذا القولِ بما خَرَّجه أبو داود في "مراسيله" (^١) عن عطاءٍ الخُراسانيِّ أن رجلًا قال: يا رسولَ الله، إنَّ بنِي سلِمةَ كُلَّهم يقاتلُ، فمنهم من يُقاتِلُ للدُّنيا، ومِنهم من يُقاتِلُ نَجدةً، ومنهم مَنْ يُقاتلُ ابتغاءَ وجهِ الله، فأيُّهُم الشَّهيد؟ قال: "كلُّهم إذا كان أصلُ أمرِه أن تكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا".
وذكر ابنُ جريرٍ أنَّ هذا الاختلافَ إنَّما هو في عمل يرتَبطُ آخرُه بأوَّلِه، كالصَّلاةِ والصِّيام والحجِّ، فأمَّا ما لا ارتباطَ فيه كالقراءةِ والذِّكر وإنفاقِ المالِ ونشرِ العلم، فإنَّه ينقطعُ بنيَّةِ الرِّياءِ الطَّارئةِ عليه، ويحتاجُ إلى تجديدِ نَيَّةٍ.
وكذلك رُوي عن سُليمانَ بن داود الهاشميّ (^٢) أنَّه قال: ربَّما أُحَدِّثُ بحديثٍ ولي نيَّةٌ، فإذا أتيتُ على بعصه، تغيَّرت نيَّتي، فإذا الحديثُ الواحدُ يحتاج إلى نيَّاتٍ.
ولا يَرِدُ على هذا الجهادُ، كما في مُرسل عطاءٍ الخراساني، فإنَّ الجهادَ يلزَم بحُضورِ الصَّفِّ، ولا يجوزُ تركُه حينئذٍ، فيصيرُ كالحجِّ.
فأمَّا إذا عَمِلَ العملَ للهِ خالصًا، ثم ألقى الله لهُ الثَّناء الحسنَ في قُلوبِ المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشَرَ بذلك، لم يضرَّه ذلك.
_________________
(١) برقم (٣٢١)، وهو على إرساله ضعيف من جهة إسناده.
(٢) هو أبو أيوب سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عبّاس، الهاشمي. فقيه ثقة جليل، من رجال التهذيب، توفي سنة ٢١٩ هـ. وقوله هذا ذكره الخطيب البغدادي في "تاريخه" ٩/ ٣١، والمزي في "تهذيب الكمال" ١١/ ٤١٢، والذهبي في "السّير" ١٠/ ٦٢٥.
[ ١ / ٨٣ ]
وفي هذا المعنى جاء حديثُ أبي ذرٍّ عن النَّبيِّ - ﷺ -، أنه سُئِلَ عن الرَّجُل يعملُ العمَلَ لله مِنَ الخير ويحمَدُه النَّاسُ عليه (^١)، فقال: "تلكَ عاجلُ بُشرى المؤمن" خرَّجه مسلم، وخرَّجه ابن ماجه، وعندَه: الرَّجُلُ يعمَلُ العملَ للهِ فيحبُّه النَّاسُ عليه. وبهذا المعنى فسَّره الإِمامُ أحمدُ، وإسحاقُ بن راهويه، وابنُ جريرٍ الطَّبريّ وغيرهم.
وكذلك الحديثُ الذي خرَّجه الترمذيُّ وابنُ ماجه مِنْ حديثِ أبي هريرةَ أن رجُلًا قال: يا رسول الله، الرَّجُلُ يعملُ العملَ، فيُسِرُّهُ، فإذا اطُّلع عليه، أَعجَبهُ، فقال: "له أجران: أجرُ السِّرِّ، وأجرُ العلانيَةِ" (^٢).
ولنقتَصِر على هذا المقدار مِنَ الكلامِ على الإِخلاصِ والرِّياء، فإنَّ فيه كفايةً.
وبالجملةِ، فما أحسن قولٍ سهلِ بن عبد الله التُّستري: ليس على النَّفس شيءٌ أشقَّ مِنَ الإخلاصِ، لأنَّه ليس لها فيه نصيبٌ.
وقال يوسفُ بنُ الحسينِ الرازيُّ: أعزّ شيءٍ في الدُّنيا الإخلاصُ، وكم أَجتهد في إسقاطِ الرِّياءِ عَنْ قلبي، وكأنه ينبُتُ فيه على لون آخر.
وقال ابنُ عيينةَ: كان من دُعاءِ مطرِّف بن عبد الله: اللَّهمَّ إنِّي أستغفرُكَ ممَّا تُبتُ إليكَ منه، ثمّ عُدتُ فيه، وأستغفرُكَ ممَّا جعلتُهُ لكَ على نفسي، ثمَّ لم أَفِ لكَ به، وأستغفركَ ممَّا زعمتُ أنِّي أردتُ به وجهَك، فخالطَ قلبي منه ما قد علمتَ.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٤٢)، وابن ماجه (٤٢٢٥)، وأحمد ٥/ ١٥٦ و١٥٧ و١٦٨، وصححه ابن حبان (٣٦٦) و(٣٦٧).
(٢) رواه الترمذي (٢٣٨٤)، وابن ماجه (٤٢٢٦)، وصححه ابن حبان (٣٧٥) مع أن فيه حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلِّس، وقد عنعن.
[ ١ / ٨٤ ]