عَنْ أبي هُرَيرة ﵁ قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: "ما نَهَيتُكُمْ عَنْهُ، فاجْتَنِبوهُ، وما أمرتُكم به، فأتُوا منة ما استطعتم، فإنَّما أهلَكَ الَّذين من قَبلِكُم كثْرَةُ مسائِلِهم واختلافُهم على أنبيائِهِم ". رواهُ البخاريُّ ومُسلمٌ (^١).
هذا الحديثُ بهذا اللفظ خرَّجه مسلم وحْدَهُ من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هُريرة، وخرَّجاه من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "دَعُوني ما تركتُكم، إنَّما أهلَكَ مَنْ كَانَ قَبلَكُم سؤالهم واختلافُهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتَنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم" وخرَّجه مسلم مِن طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه.
وفي رواية له ذكرُ سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: خطبنا رسولُ الله - ﷺ - فقال: "يا أيُّها النَّاس قد فرضَ الله عليكم الحجَّ فحجُّوا" فقال رجل أكُلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت حتَّى قالها ثلاثًا، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: "لو قلتُ: نعم، لوجبت، ولما استطعتُم" ثمَّ قال: "ذَرُوني ما تَركْتكُم، فإنَّما أُهْلِكَ مَنْ كانَ قبلَكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتُكم
_________________
(١) رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) ص ١٨٣١، وأحمد ٢/ ٢٥٨ و٤٢٨ و٥١٧، والنسائي ٥/ ١١٠ - ١١١، وصححه ابن حبان (١٨) - (٢١)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ١ / ٢٣٨ ]
بشيءٍ، فأتوا منه ما استطعتُم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ، فدعوه" (^١).
وخرًجه الدَّارقطني (^٢) من وجه آخر مختصرًا، وقال فيه: فنزل قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
وقد رُوِي مِن غير وجهٍ أن هذه الآية نزلت لمَّا سالوا النبيِّ - ﷺ - عن الحجِّ، وقالوا: أفي كلِّ عام؟
وفي "الصحيحين" عن أنس قال: خطبنا رسولُ الله - ﷺ -، فقال رجل: من أبي؟ فقال: "فلان "، فنزلت هذه الآية ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (^٣).
وفيهما أيضًا عن قتادة، عن أنسٍ قال: سالوا رسول اللهِ - ﷺ - حتى أَحْفَوهُ في المسأَلة، فغضب، فصَعِدَ المنبر، فقال: "لا تسألوني اليومَ عن شيءٍ إلا بيَّنته"، فقام رجل كان إذا لاحى الرجالَ دُعِيَ إلى غير أبيه، فقال؟ يا رسول الله من أبي؟ قال: "أبوك حُذافة"، ثم أنشأ عمرُ، فقال: رضينا بالله ربًا، وبالِإسلام دينًا، وبمحمَّد رسولًا، نعوذ بالله من الفتن. وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (^٤).
وفي "صحيح البخاري" (^٥) عن ابن عباسٍ قال: كان قومٌ يسألون رسولَ الله - ﷺ - استهزاءً، فيقولُ الرجلُ: من أبي؟، ويقول الرجلُ تَضِلُّ ناقته: أين ناقتي؟
_________________
(١) رواه مسلم (١٣٣٧)، وصححه ابن حبان (٣٧٠٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) في " السنن " ٢/ ٢٨٢، ورواه أيضًا الطبري في "جامع البيان" (١٢٨٠٤)، وفيه إبراهيم الهجري، وهو ضعيف.
(٣) رواه البخاري (٤٦٢١) ومسلم (٢٣٥٩).
(٤) رواه البخاري (٦٣٦٢) و(٧٠٨٩) و(٧٢٩٤)، ومسلم (٢٣٥٩) (١٣٧). ورواه أيضًا ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (١٢٧٩٥).
(٥) برقم (٤٦٢٢). ورواه أيضًا الطبري (١٢٧٩٤).
[ ١ / ٢٣٩ ]
فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾.
وخَرَّج ابن جرير الطبري في "تفسيره" في حديث أبي هريرة، قال: خرج رسول الله - ﷺ - وهو غضبانُ مُحمارًّا وجهه، حتَّى جلس على المنبرِ، فقام إليه رجل، فقال: أين أنا؟ فقال: "في النار"، فقام إليه آخر فقال: من أبي؟ قال: "أبوك حُذافة"، فقام عمر فقال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول الله حديثو عهدٍ بجاهلية وشركٍ، والله أعلم مَن آباؤنا، قال: فسكن غضبُه، ونزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^١).
وروى أيضًا في طريق العَوْفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال: إن رسول الله - ﷺ - أذَّن في الناس، فقال: "يا قوم كُتِبَ عليكُم الحجُّ "، فقام رجل، فقال: يا رسول اللهِ، أفي كلِّ عامٍ؟ فأُغْضِبَ رسولُ الله - ﷺ - غضبًا شديدًا، فقال: "والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم، لوجَبَت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذن لكفرتُم، فاتركُوني ما تركتُكم، فإذا أمرتكم بشيءٍ، فافعلوا، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فانتهوا عنه "، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، نهاهم عن أن يسألوا مثلَ الذي سألت النَّصارى في المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظٍ ساءكم، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآنُ، فإنكم لا تسألون عن شيءٍ إلا وجدتُم تبيانه (^٢).
فدلَّت هذه الأحاديثُ على النهي عن السُّؤال عمَّا لا يُحتاج إليه مما يسوءُ
_________________
(١) رواه الطبري (١٢٨٠٢)، وفيه عبد العزيز بن أبان الأموي، وهو متهم بالكذب، لكنْ تابعه الفريابي عند الطحاوي في. "مشكل الآثار"، وجوّد إسناده الحافظ ابن كثير في "تفسيره" ٣/ ١٩٩!.
(٢) رواه الطبري (١٢٨٠٨)، وإسناده مُسلسَلٌ بالضُّعفاء.
[ ١ / ٢٤٠ ]
السائلَ جوابُه مثل سؤال السائل؛ هل هو في النار أو في الجنة، وهل أبوه من ينتسب إليه أو غيره، وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء، كما كان يفعلُه كثيرُ من المنافقين وغيرهم.
وقريبٌ من ذلك سؤالُ الآيات واقتراحُها على وجه التعنتِ، كلما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب، وقد قال عكرمة وغيرُه: إن الآية نزلت في ذلك
ويقرب من ذلك السؤالُ عما أخفاه الله عن عباده، ولم يُطلعهم عليه، كالسؤال عن وقتِ الساعة، وعن الروح.
ودلَّت أيضًا على نص المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلالِ والحرام مما يُخشى أن يكون السؤال سببًا لنزول التشديد فيه، كالسُّؤال عَنِ الحجِّ: هل يجب كلَّ عامٍ أم لا؟ وفي "الصحيح" عن سعدٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: "إن أعظمَ المسلمين في المسلمين. جرمًا مَنْ سأل عن شيءٍ لم يحرَّم، فحُرِّمَ من أجل مسألته" (^١).
ولما سُئِلَ النبيُّ - ﷺ - عن اللِّعان كره المسائل وعابها حتى ابتُلى السائلُ عنه قبلَ وقوعه بذلك في أهله (^٢)، وكان النبيِّ - ﷺ - ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعةِ المال (^٣).
ولم يكن النبيُّ - ﷺ - يُرخِّصُ في المسائل إلَّا للأعراب ونجحوهم من الوُفود القادمين عليه، يتألَّفهم بذلك، فأمَّا المهاجرون والأنصارَ المقيمون بالمدينة
_________________
(١) رواه البخاري (٧٢٨٩) ومسلم (٢٣٥٨) وأبو داود (٤٦١٠) وأحمد ١/ ١٧٦ و١٧٩، وصححه ابن حبان (١١٠).
(٢) انظر: مسند أحمد ٢/ ١٩ و٤٢ و"صحيح مسلم" (١٤٩٣) و"سنن الترمذي" (١٢٠٢)، و"صحيح ابن حبان" (٤٢٨٦).
(٣) روى البخاري (١٤٧٧)، ومسلم (٥٩٣) ص ١٣٤١ عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "إنَّ الله كرِهَ لكم ثلاثًا: قِيلَ وقال، وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السُّؤال".
[ ١ / ٢٤١ ]
الذين رَسَخَ الإيمانُ في قلوبهم، فنُهُوا عَنِ المسألة، كما في "صحيح مسلم" (^١) عن النَّوَّاس بنِ سمعان، قال: أقمتُ مع رسول الله - ﷺ - بالمدينة سنة ما يمنعني منَ الهجرة إلَّا المسألةُ، كان أحدُنا إذا هاجر لم يسأل النبيِّ - ﷺ -.
وفيه أيضًا عن أنسٍ، قال: نُهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيءٍ، فكان يُعجِبُنا أن يجيءَ الرجلُ مِنْ أهل البادية العاقل، فيسأله ونحنُ نَسْمَعُ (^٢).
وفي "المسند" عن أبي أُمامة قال: كان الله قد أنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] قال: فكنَّا قد كرهنا كثيرًا مِنْ مسألته، واتَّقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه - ﷺ - قال: فأتينا أعرابيًا، فرشوناه بُردًا، ثمَّ قلنا له: سلَ النبيِّ - ﷺ - وذكر حديثًا (^٣)
وفي "مسند أبي يعلى" عن البراء بن عازب، قال: إنْ كان لتأتي عليَّ السنةُ أريد أن أسألَ رسولَ الله - ﷺ - عن شي، فَأتهيب منه، وإن كنَّا لنتمنَّى الأعرابَ (^٤).
وفي "مسند البزار" (^٥) عن ابن عباسٍ قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب
_________________
(١) برقم (٢٥٥٣).
(٢) رواه مسلم (١٢)، والنَّسائي ٤/ ١٢١، وصححه ابن حبان (١٥٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) رواه أحمد ٥/ ٢٦٦، والطبراني في "الكبير" (٧٨٦٧)، وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف.
(٤) في "مسنده الكبير" رواية الأصبهانيين، وليس في المختصر المطبوع، وهو في "المطالب العالية" الورقة ١٣٩: قال أبو يعلى: حدَّثنا أبو كريب، حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي سنان، عن أبي إسحاق عن البراء.
(٥) يغلب على ظني أن البزار لم يخرجه؛ فإن الهيثمي لم يوردْه في "زوائده" ولا في "مجمع الزوائد"، ورواه الدارمي ١/ ٥٠ - ٥١ والطبراني في "الكبير" (١٢٢٨٨)، وعندهما: "ثلاث عشرة مسألة"، ونسبه الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٥٨ - ١٥٩، إلى الطبراني، وقال: فيه عطاء بن السائب، وهو ثقة، ولكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات.
[ ١ / ٢٤٢ ]
محمَّدٍ - ﷺ - ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألةً، كلُّها في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وذكر الحديث.
وقد كان أصحابُ النبيِّ - ﷺ - أحيانًا يسألونه عن حكم حوادثَ قبلَ وقوعها، لكن للعمل بها عند وقوعها، كما قالوا له: إنَّا لاقو العدوِّ غدًا، وليس معنا مُدَىً، أفنذبح بالقصَب؟ (^١) وسألوه عَن الأُمراءِ الَّذينَ أخبر عنهم بعدَه، وعن طاعتهم وقتالهم، وسألهَ حذيفة عن الفتَنِ، وما يصنع فيها (^٢).
فهذا الحديث، وهو قولهُ - ﷺ -: "ذَرُوني ما تركتُكم، فإنَّما هلك مَنْ كان قبلَكُم بكثرةِ سُؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" يدلُّ على كراهة المسائل وذمِّها، ولكن بعضَ الناس يزعمُ أنَّ ذلك كان مختصًا بزمن النبيِّ - ﷺ - لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يُحرم، أو إيجاب ما يشقّ القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته - ﷺ -.
ولكن ليس هذا وحده هو سببَ كراهة المسائل، بل له سببٌ آخر، وهو الذي أشارَ إليه ابنُ عباسٍ في كلامه الذي ذكرنا بقوله: ولكنِ انتظرُوا، فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تَسألونَ عن شيءٍ إلا وجدتم تبيانه. ومعنى هذا: أنَّ جميعَ ما يَحتاجُ إليه المسلمون في دينهم لا بدَّ أن يُبينه الله في كتابه العزيز، ويبلِّغ ذلك رسوله عنه، فلا حاجةَ بعدَ هذا لأحدٍ في السؤال، فإنَّ الله تعالى أعلمُ بمصالح عباده منهم، فما كان فيه هدايتُهم ونفعُهُم، فإنَّ الله لا بدَّ أن يبيِّنَه لهمُ ابتداءً من غيرِ سؤال، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وحينئذٍ، فلا حاجة إلى السُّؤال عن شيءٍ، ولا سيما قبلَ وقوعه والحاجة إليه، وإنَّما الحاجةُ
_________________
(١) رواه من حديث رافع بن خديج البخاري (٢٤٨٨) و(٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨)، وتَمامُه: قال: "ما أنْهَرَ الدَّم وذُكر اسم الله عليه فكُلوا، ليس السَّنِّ والظُّفرَ، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظمُ، وأما الظفر فمدى الحبشة".
(٢) انظر نصه في البخاري (٧٠٨٤).
[ ١ / ٢٤٣ ]
المهمةُ إلى فهم ما أخبرَ الله به ورسولُه، ثمَّ اتباعُ ذلك والعملُ به، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يُسأَلُ عَنِ المسائل؛ فيُحيل على القرآن، كما سأله عمرُ عنِ الكَلالَةِ، فقال: "يَكفيك آيةُ الصيف" (^١).
وأشار - ﷺ - في هذا الحديث إلى أنَّ في الاشتغال بامتثالِ أمرِه، واجتنابِ نهيه شغلًا عن المسائل، فقال: "إذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم" فالذي يتعيَّنُ على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ أن يبحثَ عمَّا جاءَ عن الله ورسوله - ﷺ -، ثم يجتهدُ في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديقِ بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية، بذل وسْعَهُ في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما يُنهى عنه، وتكون همَّتُهُ مصروفةً بالكلية إلى ذلك؛ لا إلى غيره. وهكذا كان حالُ أصحابِ النبيِّ - ﷺ - والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع مِنَ الكتاب والسنة.
فأمَّا إن كانت همةُ السامعَ مصروفةً عند سماعِ الأمر والنهي إلى فرض أمورٍ قد تقع، وقد لا تقع، فإنَّ هذا مما يدخل في النَّهي، ويثبِّطُ عَن الجد في متابعة الأمر. وقد سألَ. رجلٌ ابنَ عمر عن استلام الحجر، فقال له: رأيتُ النبيَّ - ﷺ - يستلمه ويقبِّلُه، فقال له الرجل: أرأيتَ إن غُلِبْتُ عليه؟ أرأيت إن زُوحِمْتُ؟ فقال له ابن عمر: اجعل "أرأيت" باليمن، رأيتُ النبي - ﷺ - يستلِمُه ويقبِّلُه. خرَّجه الترمذي (^٢). ومرادُ ابن عمر أنَّه لا يكن لك همٌّ إلا في الاقتداء بالنبيِّ - ﷺ -، ولا حاجةَ إلى فرضِ العجزِ عنْ ذلك أو تعسُّره قبلَ وقوعه؛ فإنَّه قد يفتُرُ العزمُ عن التَّصميم على المتابعة، فإنَّ التَّفقُّهَ في الدِّين، والسُّؤالَ عن العِلم إنَّما يُحمَدُ إذا كان للعمل، لا لِلمراءِ والجدال.
_________________
(١) رواه مسلم (١٦١٧) وابن ماجه (٢٧٢٦).
(٢) في "السنن" (٨٦١). ورواه أيضًا البخاري (١٦١٠)، والنسائي ٥/ ٢٣١.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وقد روي عن عليٍّ ﵁ أنَّه ذكر فتنًا تكونُ في آخر الزَّمان، فقال له عمر: متَى ذلك يا عليُّ؟ قال: إذا تُفُقِّه لغير الدين، وتُعُلِّم لغير العمل، والتمست الدنيا بغير الآخرة.
وعن ابنِ مسعود أنه قال: كيف بكم إذا لَبستكم فتنةٌ يربو فيها الصغيرُ، ويَهْرَمُ فيها الكبيرُ، وتُتَّخَذُ سُنةً، فإنَّ غيرت يومًا قيل: هذا منكر؟ قالوا: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلَّت أمناؤكم، وكثرت أمراؤُكم، وقلَّت فقهاؤُكم، وكثر قُرَّاؤُكم، وتُفُقِّهَ لغير الدين، والتُمِسَتِ الدنيا بعمل الآخرة. خرجهما عبد الرزاق في كتابه (^١).
ولهذا المعنى كان كثيرٌ من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبلَ وقوعها، ولا يُجيبون عن ذلك، قال عمرو بن مُرة: خرج عمرُ على الناس، فقال: أُحرِّجُ عليكم أن تسألونا عن ما لم يكن، فإنَّ لنا فيما كان شغلًا (^٢).
وعن ابن عمر، قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعتُ عمر لعنَ السَّائل عمَّا لم يكن (^٣).
وكان زيدُ بنُ ثابتٍ إذا سُئِلَ عن الشَّيءِ يقول: كان هذا؟ فإنَّ قالوا: لا، قال: دعوه حتى يكون (^٤).
_________________
(١) وروى الثاني منهما بنحوه الدارمي ١/ ٦٤ عن يعلى، حدثنا الأعمش، عن شقيقٍ، قال: قال عبد الله. ورواه أيضًا عن عمرو بن عون، عن خالد بن عبد الله، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله.
(٢) رواه الدارمي ١/ ٥٠، ورواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ٢/ ١٤١ من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاووس عن عمر، ولم يسمع منه.
(٣) رواه ابن عبد البر ٢/ ١٣٩ و١٤٢.
(٤) رواه الدارمي ١/ ٥٠، وابن عبد البر ٢/ ١٤٢.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقال مسروقٌ: سألت أبيَّ بن كعبٍ عن شيءٍ، فقال: أكان بعدُ؟ فقلت: لا، فقال: أَجِمَّنا - يعني: أرحنا حتى يكونَ -، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا (^١).
وقال الشَّعبي: سئل عمارٌ عن مسألة فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا، قال: فدعونا حتَّى يكون، فإذا كان تجَشَّمْنَاهُ لكم (^٢).
وعن الصَّلتِ بنِ راشدٍ، قال: سألت طاووسًا عن شيءٍ، فانتهرني وقال: ممان هذا؟ قلت: نعم، قال: آلله؟ قلت: آلله. قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبلٍ أنَّه قال: أيُّها الناسُ، لا تعجلوا بالبلاء قبْلَ نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، فإنَّكم إن لم تعجَلوا بالبلاء قَبْلَ نزوله، لم ينفكَّ المسلمون أن يكونَ فيهم مَنْ إذا سُئِلَ سُدِّدَ، أو قال وُفِّقَ (^٣).
وقد خرَّجه أبو داود في كتاب "المراسيل" (^٤) مرفوعًا من طريق ابن عجلان عن طاووس عن معاذ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تعجَلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن لم تفعلوا لم ينفك المسلمون منهم من إذا قال سُدِّدَ أو وفق، وأنكم إن عجِلْتُم، تشتَّتُ بكمُ السُّبُلَ هاهنا وهاهنا. ومعنى إرساله أن طاووسًا لم يسمع من معاذ.
وخرَّجه أيضًا من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن النبيِّ - ﷺ - بمعناه مرسلًا (^٥).
_________________
(١) رواه الدارمي ١/ ٥٦، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ٢/ ١٤٢.
(٢) رواه الدارمي ١/ ٥٠، وذكره ابن حجر في "المطالب العالية" ٣/ ١٠٦، وقال في النسخة المسندة: هذا موقوف، رجاله ثقات إن كان الشعبي سمع من عمار.
(٣) رواه الدارمي ١/ ٥٦، والآجري في "أخلاق العلماء" ص ١٢١ - ١٢٢، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" ٣/ ١٠٦.
(٤) برقم (٤٥٧). ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٣٥٣)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ٢/ ١٤٢، وطاووس لم يدرك مُعاذًا ولم يسمع منه، فهو منقطع.
(٥) "المراسيل" (٤٥٨).
[ ١ / ٢٤٦ ]
وروى حجاج بن مِنهال: حدثنا جريرُ بنُ حازم أنَّه قال: سمعت الزبيرَ بنَ سعيد رجلًا من بني هاشم، قال: سمعت أشياخنا يحدثون: أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يزال في أمتي من إذا سُئل سُدِّدَ وأُرْشِدَ حتى يتساءلوا عن ما لم ينزل تبيينه، فإذا فعلوا ذلك، ذُهِبَ بهم هاهنا وهاهنا" (^١).
وقد رُوي عن الصَّنابحيِّ عن معاوية، عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه نهى عَنِ الأُغلوطات. خرَّجه الإمام أحمد (^٢). وفسرها الأوزاعي، وقال: هي شدادُ المسائل. وقال عيسى بنُ يونس: هي ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف.
ويُروى من حديث ثوبان عن النبيِّ - ﷺ - قال: "سيكون أقوام من أمتي يُغَلِّطُون فقهاءهم بِعُضَل المسائل، أولئك شرار أمتي" (^٣).
وقال الحسن: شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يَغُمُّونَ بها عبادَ الله.
وقال الأوزاعي: إن الله إذا أراد أن يحرِمَ عبدَه بركة العلم، ألقى على لسانه المغاليطَ، فلقد رأيتُهم أقلَّ الناسِ علمًا.
وقال ابنُ وهب عن مالك: أدركتُ هذه البلدة، وإنهم ليكرهُون هذا الإكثارَ الذي فيه الناس اليوم. يريد المسائل.
وقال أيضًا: سمعتُ مالكًا وهو يعيبُ كثرة الكلام وكثرة الفتيا، ثم قال: يتكلَّم كأنه جمل مُغْتَلِمٌ يقول: هو كذا، هو كذا يَهْدِرُ في كلامه.
_________________
(١) الزبير بن سعيد ليِّن الحديث، ومن فوقه مجاهيل. وأورد الحديث الحافظ في "الفتح" ١٣/ ٢٦٧.
(٢) في "المسند" ٥/ ٤٣٥. ورواه أيضًا أبو داود (٣٦٥٦).
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" (١٤٣١)، وفيه يزيد بن ربيعة، قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٥٥: وهو متروك.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقال: سمعتُ مالكًا يكره الجوابَ في كثرة المسائل، وقال: قال الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] فلم يأته في ذلك جواب.
وكان مالكٌ يكره المجادلة عَن السُّنن أيضًا. قال الهيثم بن جميل: قلت لمالك: يا أبا عبدِ الله، الرجلُ يكونُ عالمًا بالسُّنن يُجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يخبر بالسُّنَّةِ، فإن قُبِلَ منه، وإلَّا سكت. قال إسحاق بن عيسى: كان مالك يقول: المِراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل.
وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: المراء في العلم يُقسِّي القلوب، ويورِّث الضغن.
وكان أبو شريح الإسكندراني يومًا في مجلسه، فكثُرَتِ المسائلُ، فقال: قد دَرِنَتْ قلوبُكم منذُ اليوم، فقوموا إلى أبي حُميدٍ خالد بن حميد اصقُلوا قلوبكم، وتعلَّمُوا هذه الرغائب، فإنها تُجدِّدُ العبادة، وتُورث الزهادة، وتجرُّ الصداقة، وأقِلُّوا المسائلَ إلا ما نزل، فإنها تقسي القلوب، وتورث العداوة.
وقال الميمونيُّ: سمعتُ أبا عبد الله - يعني أحمد - يُسأل عن مسأَلة، فقال: وقعَت هذه المسألة؟ بُليتم بها بعدُ؟
وقد انقسم الناسُ في هذا الباب أقسامًا:
فمن أتباع أهلِ الحديث منْ سدَّ بابَ المسائل حتَّى قلَّ فقهه وعلمُه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامِلَ فقه غيرَ فقيه.
ومن فقهاء أهل الرأي من توسَّع في توليدِ المسائل قبلَ وقوعها، ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلُوا بتكلُّفِ الجواب عَنْ ذلك، وكثرة الخصومات فيه، والجدال عليه حتَّى يتولدَ مِنْ ذلك افتراقُ القلوب، ويستقرَّ فيها بسببه الأهواءُ والشحناء والعداوةً والبغضاءً، ويقترن ذلك كثيرًا بنية المغالبة، وطلب
[ ١ / ٢٤٨ ]
العلوِّ والمباهاة، وصرف وجوه الناس وهذا ممَّا ذمه العلماءُ الربانيون، ولَّتِ السُّنَّةُ على قبحه وتحريمه.
وأما فقهاء أهل الحديث العامِلُون به، فإنَّ معظمَ همِّهمُ البحثُ عن معاني كتاب الله ﷿، وما يُفسِّرُهُ من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سُنَّةِ رسول الله - ﷺ -، ومعرفة صحيحها وسقيمِها، ثم التفقه فيها وتفهمها، والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة والزهد والرقائق وغيرِ ذلك، وهذا هو طريقة الإمام أحمد ومَنْ وافقه من علماء الحديث الرَّبَّانيين، وفي معرفة هذا شغلٌ شاغلٌ عن التَّشاغُل بما أُحدثَ من الرأي ممَّا لا يُنتفع به، ولا يقع، وإنما يُورثُ التجادلُ فيه الخصوماتِ والجدالَ وكثرة القيل والقال. وكان الإمام أحمد كثيرًا إذا سُئِلَ عن شيء من المسائل المولدات التي لا تقع يقول: دعونا مِنْ هذه المسائل المحدثة.
وما أحسن ما قاله يونسُ بنُ سليمان السَّقَطِيُّ: نظرتُ في الأمر، فإذا هو الحديث والرأي، فوجدتُ في الحديث ذكرَ الرب ﷿ وربوبيتَه وإجلاله وعظمته، وذكرَ العرش وصفة الجنة والنار، وذكرَ النبيين والمرسلين، والحلال والحرام، والحثَّ على صلة الأرحام، وجماع الخير فيه، ونظرت في الرأي، فإذا فيه المكرُ، والغدرُ، والحيلُ، وقطيعة الأرحام، وجماع الشَّرِّ فيه.
وقال أحمد بن شبويه: من أراد علمَ القبرِ فعليه بالآثار، ومن أراد علم الخُبْزِ، فعليه بالرأي (^١).
ومن سلك طريقة طلبِ العلم على ما ذكرناه، تمكَّن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبًا؛ لأن أصولها تُوجد في تلك الأصول المشار إليها، ولا بدَّ
_________________
(١) انظر: "تهذيب الكمال" ١/ ٤٣٥، و"السير" ١١/ ٧ - ٨، و" تذكرة الحفاظ " ١/ ٤٦٤.
[ ١ / ٢٤٩ ]
أن يكون سلوكُ هذا الطريق خلف أئمة أهله المجمَعِ على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد ومن سلك مسلكَهم، فإنَّ مَنِ ادعى سلوكَ هذا الطريق على غير طريقهم، وقع في مفاوزَ ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذُ به، وترك ما يجب العملُ به.
ومِلاكُ الأمرِ كلَّه أن يقصِدَ بذلك وجهَ الله، والتقرُّب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوكِ طَريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إليه، ومَنْ كان كذلك، وفَّقه الله وسدَّده، وألهمه رشده، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، ومن الراسخين في العلم، فقد خرَّج ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" من حديث أبي الدرداء أن رسول الله - ﷺ - سُئِل عن الرَّاسخين في العلم، فقال: "من برّت يمينُه، وصدق لسانُه، واستقامَ قلبُه، ومَنْ عفَّ بطنُه وفرجُه، فذلك مِنَ الرَّاسخين في العلم" (^١).
وقال نافع بن يزيد: يقال: الرَّاسخونَ في العلم: المتواضعون لله، والمتذلِّلون لله في مرضاته لا يتعاطون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم (^٢).
ويشهد لهذا قول النبي - ﷺ -: "أتاكم أهلُ اليمن، هُمْ أبرُّ قلوبًا، وأرقُّ أفئدةً. الإيمان يمانٍ، والفِقه يمان، والحكمة يمانية" (^٣). وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري، ومن كان على طريقهِ من عُلَماء أهلِ اليمن، ثمَّ إلى مثل أبي مسلم
_________________
(١) ذكره ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٩ من رواية ابن أبي حاتم، ورواه أيضًا ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (٦٦٣٧) و(٦٦٣٨)، وفيه عبد الله بن يزيد بن آدم، قال أحمد: أحاديثه موضوعة.
(٢) رواه ابن المنذر في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" ٢/ ٩.
(٣) رواه من حديث أبي هريرة البخاري (٤٣٨٨)، ومسلم (٥٢)، وصححه ابن حبان (٥٧٤٤).
[ ١ / ٢٥٠ ]
الخولاني، وأويس القَرَنيِّ، وطاووس، ووهب بن منبه، وغيرِهم من عُلماء أهل اليمن، وكلُّ هؤلاء مِنَ العلماء الربانيين الخائفين لله، فكلهم علماءُ بالله يخشونه ويخافونه، وبعضُهم أوسعُ علمًا بأحكام الله وشرائع دينه من بعض، ولم يكن تميُّزهم عن الناس بكثرة قيلٍ وقالٍ، ولا بحثٍ ولا جدالٍ.
وكذلك معاذُ بنُ جبل ﵁ أعلم الناس بالحلال والحرام، وهو الذي يحشر يومَ القيامة أمام العلماء برتوة (^١)، ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها، بل قد سبق عنه كراهةُ الكلام فيما لا يقع، وإنما كان عالمًا بالله وعالمًا بأصول دينه. وقد قيل للِإمام أحمد: مَنْ نسالُ بعدَك؟ قال: عبد الوهَّاب الورَّاق، قيل له: إنه ليس له اتِّساعٌ في العلم، قال: إنه رجل صالح مثلُه يُوفَّقُ لِإصابة الحق.
وسئل عن معروف الكرخي، فقال: كان معه أصلُ العلم: خشية الله. وهذا يرجعُ إلى قولِ بعض السَّلف: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا. وهذا بابٌ واسع يطول استقصاؤه.
ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة ﵁ فنقول: مَنْ لم يشتغل بكثرة المسائل التي لا يوجدُ مثلُها في كتاب، ولا سنة، بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله، وقصدُه بذلك امتثالُ الأوامر، واجتنابُ النواهي، فهو ممَّنِ امتثلَ أمرَ رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث، وعَمِلَ بمقتضاه، ومن لم يكن اهتمامُه بفهم ما أنزل الكه على رسوله، واشتغل بكثرةِ توليدِ المسائل قد تقع وقد لا تقع، وتكلَّفَ أجوبتها بمجرَّد الرأي، خُشِيَ عليه أن يكونَ مخالفًا لهذا الحديث، مرتكبًا لنهيه، تاركًا لأمره.
_________________
(١) الرتوة: رمية سهم، وقيل: مدُّ البصر. وانظر تخريج الحديث في "سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٤٦ ترجمة معاذ بن جبل ﵁.
[ ١ / ٢٥١ ]
واعلم أن كثرةَ وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنما هو مِنْ ترك الاشتغال بامتثالِ أوامر الله ورسوله، واجتنابِ نواهي الله ورسوله، فلو أنَّ من أرادَ أن يعمل عملًا سأل عمَّا شرعه الله في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى عنه فاجتنبه، وقعت الحوادثُ مقيدةً بالكتاب والسنة. وإنما يعمل العاملُ بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادثُ عامَّتُها مخالفةً لما شرعه الله وربما عسر ردُّها إلى الأحكام المذكورةِ في الكتاب والسنة لبعدها عنها.
وفي الجملة: فمن امتثل ما أمر به النبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث، وانتهى عما نهى عنه، وكان مشتغلًا بذلك عن غيره، حَصَلَ له النجاةُ في الدنيا والآخرة، ومَنْ خالف ذلك، واشتغلَ بخواطرِه وما يستحسنه، وقع فيما حَّذرَ منه النبيُّ - ﷺ - من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، وعدمِ انقيادهم وطاعتهم لرسلهم،
وقوله - ﷺ -: "إذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتنبوه، وإذا أموتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم" قال بعضُ العلماء: هذا يُؤخذ منه أنَّ النَّهي أشدُّ من الأمر؛ لأن النهي لم يُرَخَّصْ في ارتكاب شيء منه، والأمر قُيِّدَ بحسب الاستطاعة، ورُويَ هذا عن الإمام أحمدِ.
ويشبه هذا قولُ بعضهم: أعمال البِرِّ يعملُها البر والفاجرُ، وأمَّا المعاصي، فلا يتركها إلَّا صِدِّيق (^١).
ورُوي عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ - قال له: "اتَّق المحارم، تَكُن أعبدَ الناس" (^٢).
_________________
(١) رواه من قول سهل بن عبد الله التُّستُري أبو نعيم في "الحلية" ١٠/ ٢١١.
(٢) هو قطعة من حديث رواه أحمد ٢/ ٣١٠، والترمذي (٢٣٠٥) والخرائطي في "مكارم الأخلاق" ص ٤٢ من طريق أبي طارق عن الحسن البصري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَن يأْخُذُ عني هذه الكلماتِ فيعملَ بهنَّ أو يُعلَّم من يعملُ بهنَّ؟، فقال أبو هريرة: فقلتُ: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي، فعدَّ خمسًا، فقال: "اتَّق المحارم=
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقالت عائشة ﵂: من سرّه أن يسبق الدائبَ المجتهدَ، فليكفَّ عن الذنوب، وروى عنها مرفوعًا (^١).
وقال الحسن: ما عُبِّدَ العابدون بشيءٍ أفضلَ من ترك ما نهاهم الله عنه.
والظاهر أنَّ ما ورد مِن تفضيل ترك المحرَّمات على فعل الطاعات، إنَّما أُريد به على نوافل الطَّاعات، وإلَّا فجنسُ الأعمال الواجبات أفضلُ مِنْ جنسِ ترك المحرَّمات؛ لأنَّ الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم المطلوبُ عدمها، ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمالِ، ولذلك كان جنسُ ترك الأعمال قد يكون كفرًا كتركِ التوحيد، وكتركِ أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق، بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا يقتضى الكفر بنفسه، ويشهد لذلك قولُ ابنِ عمر: لردُّ دانقٍ حرام أفضلُ مِنْ مئة ألف تُنْفَقُ في سبيل الله.
وعن بعض السلفِ قال: تركُ دانق مما يكره الله أحبُّ إلي من خمس مئة حجة.
وقال ميمون بن مِهران: ذكر اللهِ باللسان حسن وأفضلُ منه أن يذكر الله العبدُ
_________________
(١) = تكُن أعبد النَّاس، وارْضَ بِما قَسَم الله لكَ تكنْ أغنى النَّاس، وأحْسِنْ إلى جارك تكنْ مؤمنًا، وأحِبَّ للناس ما تُحبُّ لنفسك تكنْ مسلمًا، ولا تكثرِ الضَّحِكَ؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب". قلت: طارق لا يُعرف، والحسن البصري قد عنعن، ولذا استغربه الترمذي، لكن له إسنادٌ آخر يتقوى به عند ابن ماجه (٤٢١٧) والبيهقي في "الزهد" (٨١٨)، وأبي نعيم في "الحلية" ١٠/ ٣٦٥ وفي "أخبار أصبهان" ٢/ ٣٠٢. ولفظه: "يا أبا هريرة كنْ وَرعًا تكن أعبد النَّاس، وكن قنعًا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنًا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلمًا، وأقلَّ الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب". وحسنه البوصيري في "مصباح الزجاجة" ورقة ٢/ ٢٦٧.
(٢) رواه أبو يعلى (٤٩٥٠) وفي سنده سويد بن سعيد ويوسف بن ميمون، وكلاهما ضعيف.
[ ١ / ٢٥٣ ]
عندَ المعصية فيمسِكَ عنها.
وقال ابنُ المبارك: لأن أردَّ درهمًا من شبهة أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّقَ بمائة ألفٍ ومئة ألف، حتى بلغ ست مئة ألف.
وقال عمر بنُ عبد العزيز: ليست التقوى قيامَ الليل، وصِيام النهار، والتخليطَ فيما بَيْنَ ذلك، ولكن التقوى أداءُ ما افترض الله، وترك ما حرَّم الله، فإن كان مع ذلك عملٌ، فهو خير إلى خير، أو كما قال.
وقال أيضًا: وددتُ أني لا أصلي غيرَ الصَّلوات الخمس سوى الوتر، وأن أؤدِّي الزكاة، ولا أتصدّق بعدها بدرهم، وأن أصومَ رمضان ولا أصوم بعده يومًا أبدًا، وأن أحجَّ حجة الِإسلام ثم لا أحجَّ بعدها أبدًا، ثم أعمد إلى فضل قوتي، فأجعله فيما حرَّم الله عليَّ، فأمسك عنه.
وحاصل كلامهم يدلُّ عليَّ أن اجتناب المحرمات - وإن قلَّتْ - أفضلُ من الِإكثار من نوافل الطاعات فإنَّ ذاك فرضٌ، وهذا نفلٌ.
وقالت طائفة من المتأخرين: إنما قال - ﷺ -: "إذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم "؛ لأن امتثالَ الأمر لا يحصلُ إلَّا بعمل، والعملُ يتوقَّفُ وجودُه عليَّ شروط وأسباب، وبعضها قد لا يُستطاع، فلذلك قيَّده بالاستطاعة، كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة، قال تعالى: ﴿فاتَّقوا الله ما استَطَعْتُم﴾ [التغابن: ١٦]. وقال في الحجّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
وأما النهي: فالمطلوب عدمُه، وذلك هو الأصل، والمقصود استمرار العدم الأصلي، وذلك ممكن، وليس فيه ما لا يُستطاع، وهذا أيضًا فيه نظر، فإنَّ الداعي إلى فعل المعاصي قد يكون قويًا، لا صبر معه للعبد علي الامتناع مع فعل المعصية مع القدرة عليها، فيحتاج الكفُّ عنها حينئذٍ إلى مجاهدةٍ شديدة،
[ ١ / ٢٥٤ ]
ربما كانت أشقَّ عليَّ النفوس من مجرَّدِ مجاهدة النفس على فعل الطاعة، ولهذا يُوجَدُ كثيرًا من يجتهد فيفعل الطاعات، ولا يقوى عليَّ ترك المحرمات. وقد سئل عمرُ عن قومٍ يشتهون المعصية ولا يعملون بها، فقال: أولئِكَ قومُ امتحنَ الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيم (^١).
وقال يزيد بن ميسرة: يقولُ الله في بعض الكتب: أيُّها الشابُّ التارك شهوتَه، المتبذل شبابه لأجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي (^٢).
وقال: ما أشد الشهوة في الجسد، إنَّها مثلُ حريق النار، وكيف ينجو منها الحصوريون؟ (^٣)
والتحقيق في هذا أن الله لا يكلِّفُ العبادَ مِنَ الأعمال ما لا طاقةَ لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرًا من الأعمال بمجرَّدِ المشقة رخصةً عليهم، ورحمةً لهم، وأمَّا المناهي، فلم يَعْذِرْ أحدًا بارتكابها بقوَّةِ الدَّاعي والشَّهوات، بل كلَّفهم تركها على كلِّ حال، وأنَّ ما أباح أن يُتناول مِنَ المطاعم المحرَّمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة، لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما قاله الإمام أحمد: إن النهي أشدُّ من الأمر. وقد روي عن النبيِّ - ﷺ - من حديث ثوبان وغيره أنَّه قال: "استقيموا ولن تُحْصُوا" (^٤) يعني: لن تقدروا على الاستقامة كلها.
_________________
(١) رواه أحمد في "الزهد" كما في "تفسير ابن كثير" ٧/ ٢٤٨ عن مجاهد عن عمر، ولم يسمع منه، فالخبر منقطع.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٣٧.
(٣) "الحلية" ١/ ٢٤١.
(٤) حديث صحيح، رواه أحمد ٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧ و٢٨٢، والدارمي ١/ ١٦٨، وابن ماجه (٢٧٧) من طريق سالم بن أبي الجعد عن ثوبان، وصححه الحاكم ١/ ١٣٠، ووافقه الذهبي! ورواه أحمد ٥/ ٢٨٢، والدارمي ١/ ١٦٨ من طريق الوليد بن مسلم: حدثنا ابن ثوبان، حدثني حسان بن عطية أن أبا كبشة السلولي، حدثه أنه سمع ثوبان يقول.=
[ ١ / ٢٥٥ ]
وروى الحكم بن حزن الكُلَفي، قال: وفدت إلى رسول الله - ﷺ -، فشهدتُ معه الجمعة، فقام رسولُ الله - ﷺ - متوكئًا على عصًا أو قوسٍ، فحمِدَ الله، وأثنى عليه بكلماتٍ خفيفاتٍ طيبات مباركات، ثم قال: "أيُّها النَّاسُ إنَّكُم لن تُطيقُوا، أو لن تَفْعَلوا كُلَّ ما أَمَرْتُكم بهِ، ولكن سَدِّدُوا وأبشِرُوا" خرجه الإمام أحمد وأبو داود (^١).
وفي قوله - ﷺ -: "إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم" دليل عليَّ أنَّ من عَجَزَ عن فعل المأمور به كلَّه، وقدرَ عليَّ بعضه، فإنَّه يأتي بما أمكنه منه، وهذا مطرد في مسائل:
منها الطهارة، فإذا قدر على بعضها، وعجز عن الباقي: إما لعدم الماء، أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض، فإنَّه يأتي مِنْ ذلك بما قدر عليه، ويتيمم للباقي، وسواء في ذلك الوضوء والغسل عليَّ المشهور.
ومنها الصلاة، فمن عَجَزَ عن فعل الفريضة قائمًا صلى قاعدًا، فإنَّ عجز صلَّى مضطجعًا، وفي "صحيح البخاري" (^٢) عن عِمْرَانَ بن حصين أن النبيَّ - ﷺ - قال: "صَلِّ قائمًا، فإنَّ لم تستطع فقاعدًا، فإنْ لم تستطع فعلى جنبٍ ". ولو عجز عن ذلك كلَّه، أومأ بطرفه، وصلى بنيته، ولم تسقُط عنه الصلَاةُ على المشهور.
ومنها زكاة الفطر، فإذا قَدَرَ على إخراج بعضِ صاع، لزمه ذلك عليَّ
_________________
(١) = وله شاهدان ضعيفان من حديث عبد الله بن عمرو عند ابن أبي شيبة ١/ ٦، وابن ماجه (٢٧٨)، وآخر من حديث أبي أمامة عند ابن ماجه (٢٧٩). وانظر ابن حبان (١٠٣٧).
(٢) رواه أحمد ٤/ ٢١٢، وأبو داود (١٠٩٦)، وهو حديث حسن.
(٣) برقم (١١١٧)، وصححه ابن حبان (٢٥١٣)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ١ / ٢٥٦ ]
الصحيح، فأمَّا من قدر عليَّ صيام بعضِ النهار دُونَ تكملته، فلا يلزمه ذلك بغير خلاف؛ لأن صيامَ بعض اليوم لَيس بقُربَةٍ في نفسه، وكذا لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه؛ لأن تبعيض العتق غير محبوب للشارع بل يُؤْمَرُ بتكميله بكلِّ طريق.
وأما من فاته الوقوفُ بعرفةَ في الحج، فهل يأتي بما بقيَ منه من المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار أم لا؟ بل يقتصر على الطواف والسعي، ويتحلل بعمرة على روايتين عن أحمد، أشهرهما: أنَّه يقتصر عليَّ الطواف والسعي؛ لأن المبيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه، وإنما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام، وبذكره في الأيام المعدودات لمن أفاض من عرفات، فلا يؤمر به من لا يقف بعرفة كما لا يؤمر به المعتمر (^١).
_________________
(١) في (ب): "المعتمر المقيم ".
[ ١ / ٢٥٧ ]