عَنِ ابنِ عبَّاس ﵄، أنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسيانَ، وما استُكْرِهُوا عَليهِ". حديثٌ حسَنٌ رَواهُ ابنُ ماجهْ والبَيهَقيُّ وغيرهما.
هذا الحديثُ خرَّجه ابن ماجه (^١) من طريق الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبيِّ - ﷺ -، وخرَّجه ابنُ حبَّان في "صحيحه" (^٢) والدارقطني، وعندهما: عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ - ﷺ -.
وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمر، ورواتُه كلهم محتجٌّ بهم في "الصحيحين" وقد خرَّجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما (^٣). كذا قال، ولكن له علة، وقد أنكره الإِمام أحمد جدًا (^٤)، وقال: ليس يُروى فيه إلا عن الحسن، عن النبيِّ - ﷺ - مرسلًا. وقيل لأحمد: إن الوليد بن مسلم روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مثله (^٥)، فأنكره أيضًا.
_________________
(١) رقم (٢٠٤٥)، ورواه أيضًا ٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧، والعقيلي في "الضعفاء" ٤/ ١٤٥.
(٢) رقم (٧٢١٩)، والدارقطني ٤/ ١٧٠ - ١٧١، والبيهقي ٧/ ٣٥٦.
(٣) "المستدرك" ٢/ ١٩٨، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
(٤) انظر "العلل" ١/ ٢٢٧.
(٥) رواه العقيلي في "الضعفاء" ٤/ ١٤٥، وأبو نعيم في "الحلية" ٦/ ٣٥٢، والبيهقي ٦/ ٨٤، وقال أبو نعيم: غريب، وقال البيهقي فيما نقله عنه الحافظ في "التلخيص" =
[ ٢ / ٣٦١ ]
وذكر لأبي حاتم الرازي حديثُ الأوزاعي، وحديث مالك، وقيل له: إن الوليد روى أيضًا عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان، عن عقبة بن عامر، عن النبيِّ - ﷺ - مثله (^١)، فقال أبو حاتم: هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة، وقال: لم يسمع الأوزاعيُّ هذا الحديثَ من عطاءٍ، وإنَّما سمعه من رجل لم يسمه، أتوهَّمُ أنَّه عبدُ الله بن عامر، أو إسماعيل بن مسلم، قال: ولا يصحُّ هذا الحديث، ولا يثبت إسنادُه (^٢).
قلت: وقد رُوي عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عُبيد بن عُمَير مرسلًا من غير ذكر ابن عباس، وروى يحيى بنُ سليم، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: بلغنى أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: "إنَّ الله تجاوزَ لأمَّتي عَنِ الخطأ والنِّسيان، وما استُكرهوا عليه" خرَّجه الجوزجاني (^٣)، وهذا المرسلُ أشبه.
وقد ورد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا رواه مسلم بن خالد الزنجي عن سعيد العلاف، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تُجُوِّزَ لأمَّتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" خرَّجه الجوزجاني (^٤). وسعيد العلاف: هو سعيد بن أبي صالح، قال أحمد: هو مكي، قيل له: كيف حالُه؟ قال: لا أدري وما علمتُ أحدًا روى عنه غيرَ مسلم بن خالد، قال أحمد: وليس هذا مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس قوله. نقل ذلك عنه مهنا، ومسلم بن خالد ضعفوه.
_________________
(١) = ١/ ٢٨٢: ليس بمحفوظ عن مالك، ونقل الحافظ عن الخطيب قوله: الخبر منكر عن مالك.
(٢) رواه البيهقي ٧/ ٣٥٧، والطبراني في "الأوسط" كما في "المجمع" ٦/ ٢٥٠، وقال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف.
(٣) انظر "علل ابن أبي حاتم" ١/ ٤٣١.
(٤) ورواه أيضًا ابن أبي شيبة في "المصنف" ٥/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٥) ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" (١١٢٧٤) من هذا الطريق.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وروي من وجه ثالثٍ من رواية بقية بن الوليد، عن عليٍّ الهمداني، عن أبي جمرة عن ابن عباس مرفوعًا، خرَّجه حرب، ورواية بقية عن مشايخه المجاهيل لا تُساوي شيئًا.
ورُوي من وجه رابع خرَّجه ابن عدي (^١) من طريق عبد الرحيم بن زيد العَمِّي عن أبيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيِّ - ﷺ -، وعبد الرحيم هذا ضعيف (^٢).
وقد روي عن النبيِّ - ﷺ - من وجوهٍ أُخَر، وقد تقدَّم أنَّ الوليد بن مسلم رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وصححه الحاكم وغرَّبه (^٣)، وهو عند حُذَّاق الحفّاظ باطل على مالك، كما أنكره الإِمامُ أحمد وأبو حاتم، وكانا يقولان عن الوليد: إنه كثيرُ الخطأ. ونقل أبو عبيد الآجري عن أبي داود، قال: روى الوليدُ بن مسلم عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصلٌ، منها عن نافع أربعة. قلت: والظاهر أنَّ منها هذا الحديث، والله أعلم.
وخرَّجه الجوزجاني من رواية يزيد بن ربيعة سمعتُ أبا الأشعث يُحدث عن ثوبان عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إن الله - ﷿ - تجاوز عن أمتي عن ثلاثة: عن الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه". ويزيد بن ربيعة ضعيف جدًا (^٤).
_________________
(١) في "الكامل" ٥/ ١٩٢٠ - ١٩٢١، وقال: هذا حديث منكر، أي: بهذا الإِسناد، ورواه أيضًا الطبراني في "الأوسط" (٢١٥٨).
(٢) بل ضعيف جدًا، فقد تركه البخاري وأبو حاتم، وكذبه يحيى بن معين، وأبوه ضعيف أيضًا.
(٣) انظر "تلخيص الحبير" ١/ ٢٨٢.
(٤) ورواه من هذا الطريق الطبراني في "الكبير" (١٤٣٠)، وأورده الهيثمي في "المجمع" ٦/ ٢٥٠، وقال: وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي، وهو ضعيف، وضعفه أيضًا الحافظ في "التلخيص" ١/ ٢٨٢.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وخرَّج ابن أبي حاتم من رواية أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أمِّ الدرداء، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ الله تجاوزَ لأمَّتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان والاستكراه". قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال أجل، أما تقرأ بذلك قرآنًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (^١). وأبو بكر الهذلي متروك الحديث.
وخرَّجه ابن ماجه (^٢)، ولكن عنده عن شهر، عن أبي ذرٍّ الغفاري، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ولم يذكر كلام الحسن.
وأما الحديث المرسل عن الحسن، فرواه عنه هشام بن حسان، ورواه منصور، وعوف عن الحسن من قوله، لم يرفعه (^٣)، ورواه جعفر بن جسر بن فرقد (^٤)، عن أبيه، عن الحسن، عن أبي بكرة مرفوعًا (^٥)، وجعفر وأبوه ضعيفان.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" كما في "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٥٠. ورواه الطبراني كما في "نصب الراية" ٢/ ٦٥، وابن عدي في "الكامل" ٣/ ١١٧٢، من طريق أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، مرفوعًا، وليس عندهما قول أبي بكر للحسن.
(٢) برقم (٢٠٤٣)، وذكره الحافظ في "تلخيص الحبير" ١/ ٢٨٢، وقال: وفيه شهر بن حوشب، وفي الإِسناد انقطاع أيضًا.
(٣) رواه عبد الرزاق (١١٤١٦)، وابن أبي شيبة ٥/ ٤٩، وسعيد بن منصور في "سننه" (١١٤٥) من طريق هشام بن حسان، وسعيد بن منصور (١١٤٦) من طريق جعفر بن حيان العطاري، كلاهما عن الحسن، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. ورواه سعيد بن منصور (١١٤٤) من طريق منصور، وعوف، عن الحسن من قوله.
(٤) تحرف في (أ) و(ب) إلى: "الحسن".
(٥) رواه ابن عدي في "الكامل" ٢/ ٥٧٣، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" ١/ ٩٠ - ٩١ و٢٥١ - ٢٥٢، من طريق جعفر بهذا الإِسناد.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
قال محمدُ بنُ نصر المروزي (^١): ليس لهذا الحديث إسنادٌ يحتجُّ به حكاه البيهقي.
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن سعيد بنِ جُبير، عن ابن عباس، قال: لما نزل قولُه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله: قد فعلتُ.
وعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنَّها لما نزلت، قال: نعم (^٣)، وليس واحدٌ منهما مصرّحًا برفعه.
وخرَّج الدارقطني (^٤) من رواية ابنِ جُريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، وما أكرهوا عليه، إلَّا أن يتكلَّموا به أو يعملوا"، وهو لفظ غريب. وقد خرَّجه النسائي (^٥) ولم يذكر الإِكراه. وكذا رواه ابنُ عُيينة عن مِسعَرٍ، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، وزاد فيه: "وما استكرهوا عليه" خرَّجه ابن ماجه (^٦). وقد أنكرت هذه الزيادة على ابن عيينة، ولم يُتابعه عليها أحد. والحديث مخرَّجٌ من رواية قتادة في "الصحيحين" والسنن والمسانيد بدونها (^٧).
_________________
(١) في كتاب "الاختلاف" كما في "التلخيص" ١/ ٢٨٢.
(٢) رقم (١٢٦). ورواه الترمذي (٢٩٩٢) وصححه ابن حبان (٥٠٤٦).
(٣) رواه مسلم (١٢٥).
(٤) في "السنن" ٤/ ١٧١.
(٥) ٦/ ١٥٦.
(٦) رقم (٢٠٤٤)، قال الحافظ في "تلخيص الحبير" ١/ ٢٨٢: والزيادة هذه أظنها مدرجة، كأنها دخلت على هشام بن عمار، من حديث في حديث، والله أعلم.
(٧) رواه البخاري (٢٥٨٢)، ومسلم (١٢٧)، وأبو داود (٢٢٠٩)، والترمذي (١١٨٣)، والنسائي ٦/ ١٥٧، وابن ماجه (٢٠٤٠)، وأحمد ٢/ ٣٩٣ و٤٢٥، وابن حبان (٤٣٣٤).
[ ٢ / ٣٦٥ ]
ولنرجع إلى شرح حديث ابن عباس المرفوع، فقوله: "إن الله تجاوز لي عن أُمَّتي الخطأ والنِّسيان" إلى آخرهِ تقديره: إنَّ الله رفع لي عن أُمَّتي الخطأ، أو ترك ذلك عنهم، فإنَّ "تجاوز" لا يتعدَّى بنفسه.
وقوله: "الخطأ والنسيان، وما استُكرِهُوا عليه".
فأما الخطأ والنسيان، فقد صرّح القرآن بالتَّجاوُزِ عنهما، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
وفي "الصحيحين" عن عمرو بن العاص سمع النَّبي - ﷺ - يقول: "إذا حكمَ الحاكمُ، فاجتهد، ثم أصابَ، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر" (^١).
وقال الحسن: لولا ما ذَكَر الله من أمر هذين الرجلين - يعني داود وسليمان - لرأيت أنَّ القُضاةَ قد هلكوا، فإنَّه أثنى على هذا بعلمه، وعَذَرَ هذا باجتهاده: يعني قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآية.
وأما الإِكراه فصرَّح القرآن أيضًا بالتجاوز عنه، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٥٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] الآية.
ونحن نتكلم إن شاء الله في هذا الحديث في فصلين: أحدهما في حكم الخطأ والنسيان، والثاني في حكم الإِكراه.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦)، وأبو داود (٣٥٧٤)، وابن ماجه (٢٣١٤)، وصححه ابن حبان (٥٠٦١).
[ ٢ / ٣٦٦ ]