عَنْ مُعاذٍ ﵁ قالَ: قُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ أخْبِرني بعَمَلٍ يُدخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي مِنَ النارِ، قالَ: "لقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظيمٍ وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ الله عَلَيهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْركُ بهِ شَيئًا، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمضانَ، وتَحُجُّ البَيتَ". ثمَّ قَالً: "ألا أدُلُّكَ على أبواب الخير؟ الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدقَةُ تُطفِيءُ الخَطَيئَةَ كَما يُطفئُ المَاءُ النَّارَ، وصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوفِ اللَّيلِ"، ثمَّ تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتَّى بلَغَ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]، ثم قالَ: "ألا أُخْبِرُكَ برَأْسِ الأَمْرِ وعَمودِه وذِرْوَة سِنامِهِ؟ " قُلتُ: بَلَى يا رَسولَ اللهِ، قالَ: "رَأسُ الأمْرِ الإسلامُ، وعَمُودُه الصَّلاةُ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجِهادُ"، ثمَّ قالَ: "ألا أخبِرُكَ بمَلاكِ ذلكَ كُلِّه؟ "، قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ، فأخذ بلسانه، قَالَ: "كُفَّ عَلَيكَ هذا"، قُلْتُ: يا نَبي اللهِ، وإنا لمُؤَاخَذُونَ بما نَتَكلَّمُ بهِ؟ فقَالَ: "ثَكِلتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلى وُجِوهِهِمْ، أَو على مَنَاخِرِهم إلَّا حَصائِدُ ألسِنَتِهِم". رواهُ الترمذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ (^١).
_________________
(١) حديث صحيح بطرقه، رواه أحمد ٥/ ٢٣٠ و٢٣٦ و٢٣٧ و٢٤٥، والترمذي (٢٦١٦)، والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" ٨/ ٣٩٩. ورواه أيضًا عبد الرزاق (٢٠٣٠٣) وابن ماجه (٣٩٧٣)، وابن أبي شيبة في "الإيمان" (١) و(٢)، والبيهقي ٩/ ٢٠، وهنَّاد بن السري في "الزهد" (١٠٩٠)، والطيالسي (٥٦٠)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٢٠٠) و(٢٩١) و(٢٩٤) و(٣٠٥)، و(٣٠٥)، والحاكم ٢/ ٤١٢ - ٤١٣، وابن حبان (٢١٤).
[ ٢ / ١٣٤ ]
هذا الحديث خرَّجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من رواية معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وفيما قاله ﵀ نظر من وجهين:
أحدهما: أنه لم يثبت سماعُ أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسِّنِّ، وكان معاذ بالشَّام، وأبو وائل بالكوفة، وما زال الأئمةُ - كأحمد وغيره - يستدلُّون على انتفاء السَّماع بمثل هذا، وقد قال أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: قد أدركه، وكان بالكُوفة، وأبو الدَّرداء بالشام، يعني: أنه لم يصحَّ له سماع (^١) منه. وقد حكى أبو زرعة الدِّمشقي عن قوم أنهم توقَّفُوا في سماعِ أبي وائل من عمر، أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعد.
والثاني: أنه قد رواه حمَّادُ بنُ سلمة عن عاصم بن أبي النجود، عن شهر بن حوشبٍ، عن معاذ، خرَّجه الإمام أحمد (^٢) مختصرًا، قال الدارقطني: وهو أشبهُ بالصَّواب؛ لأنَّ الحديثَ معروفٌ من رواية شهرٍ على اختلافٍ عليه فيه.
قلت: ورواية شهر عن معاذ مرسلةٌ يقينًا، وشهرٌ مختلفٌ في توثيقه وتضعيفه، وقد خرَّجه الإِمامُ أحمد من رواية شهر عن عبدِ الرحمن بن غَنْمٍ، عن معاذ، وخرَّجه الإمام أحمد أيضًا من رواية عُروة بن النزَّال أو النزال بن عروة، وميمون بن أبي شبيب، كلاهما عن معاذ، ولم يسمع عروةُ ولا ميمونُ من معاذ، وله طرق أخرى عن معاذ كلُّها ضعيفة.
وقوله: "أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنةَ، ويُباعدني من النَّار" قد تقدَّم في شرح الحديث الثاني والعشرين من وجوه ثابتة من حديث أبي هريرة وأبي أيوب
_________________
(١) انظر "المراسيل" لابن أبي حاتم ص ٨٨.
(٢) في "المسند" ٥/ ٢٤٨.
[ ٢ / ١٣٥ ]
وغيرهما أنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن مثل هذه المسألة، وأجاب بنحو ما أجاب به في حديث معاذ.
وفي رواية الإمام أحمد في حديث معاذ أنَّه قال: يا رسول الله، إنِّي أريدُ أن أسألَكَ عن كلمةٍ قد أمرضَتْنِي وأسقمتني وأحزنتني، قال: "سل عمَّا شئتَ"، قال: أخبرني بعمل يدخلُنِي الجنَّة لا أسألكَ غيرَه، وهذا يدلُّ على شدَّةِ اهتمام معاذٍ ﵁ بالأعمال الصَّالحة، وفيه دليلٌ على أن الأعمالَ سببٌ لدخولَ الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢].
وأما قولُه - ﷺ -: "لَنْ يدخُلَ أحدٌ منكُمُ الجنَّةَ بعمَلِه" (^١) فالمراد - والله أعلم - أن العملَ بنفسه لا يستحقُّ به أحدٌ الجنة لولا أن الله جعله - بفضله ورحمته - سببًا لذلك، والعملُ نفسُه من رحمة الله وفضله على عبده، فالجنَّةُ وأسبابُها كلٌّ من فضل الله ورحمته.
وقوله: "لقد سألتَ عن عظيم" قد سبق في شرح الحديثِ المشار إليه أن النَّبيَّ - ﷺ - قال لِرجل سأله عن مثل هذا: "لئن كُنتَ أوجزت المسألة، لقد أعظمتَ وأطولتَ" (^٢) "وذلك لأنَّ دخولَ الجنَّة والنَّجاةَ من النار أمرٌ عظيم جدًّا، ولأجله أنزل الله الكتب، وأرسلَ الرُّسلَ، وقال النبيُّ - ﷺ - لرجلٍ: "كيف تقولُ إذا صلَّيتَ؟ " قال: أسألُ الله الجنَّة، وأعوذُ به من النار، ولا أُحسِنُ دندنَتَك ولا دندنَةَ مُعاذ، يشير إلى كثرة دعائهما واجتهادهما في المسألة، فقال النبيُّ - ﷺ: "حَوْلَها نُدَندِن". وفي رواية: "هل تصير دندنتي ودندنةُ مُعاذٍ إلا أن نسأل الله الجنَّةَ،
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٤٥١، والبخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦)، وابن حبان (٣٤٨).
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٦٨.
[ ٢ / ١٣٦ ]
ونعوذ به من النار" (^١).
وقوله: "وإنَّه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه": إشارةٌ إلى أن التَّوفيقَ كُلَّه بيد اللهِ ﷿، فمن يسَّرَ الله عليه الهدى اهتدى، ومن لم يُيسره عليه، لم يتيسَّر له ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]، وقال - ﷺ -: "اعملوا فكل ميسَّرٌ لما خُلِقَ له، أمَّا أهل السَّعادة، فيُيسَّرون لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا أهل الشَّقاوة، فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة" ثم تلا - ﷺ - هذه الآية (^٢). وكان النبي - ﷺ - يقولُ في دعائه: "واهدني ويسِّر الهُدى لي" (^٣)، وأخبر الله عن نبيه موسى ﵇ أنه قال في دعائه: "رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْري. ويَسِّرْ لِي أَمري" [طه: ٢٥ - ٢٦]، وكان ابنُ عمر يدعو: اللهمَّ يسرني لليُسرى، وجنِّبني العُسرى.
وقد سبق في شرح الحديث المشار إليه توجيهُ ترتيب دخول الجنة على
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٩١٠) و(٣٨٤٧) من حديث أبي هريرة، ورجاله ثقات رجال الشيخين عدا شيخ ابن ماجه، فإنه من رجال البخاري، وصححه ابن حبان (٨٦٨)، ورواه أحمد ٣/ ٤٧٤، وأبو داود (٧٩٢) من طريق أبي صالح عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -. والدندنة: أن يتكلم الرجل بكلام يسمع نغمته ولا يفهم.
(٢) رواه من حديث علي أحمد ١/ ٨٢، والبخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧)، وأبو داود (٤٦٩٤)، والترمذي (٢١٣٦)، وابن ماجه (٧٨)، وصححه ابن حبان (٣٣٤) و(٣٣٥).
(٣) رواه من حديث ابن عباس أحمد ١/ ٢٢٧، وأبو داود (١٥١٠)، والترمذي (٣٥٥١)، وابن ماجه (٣٨٣٠)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٦٤) و(٦٦٥)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٦٠٧)، والحاكم ١/ ٥١٩ - ٥٢٠. وصححه ابن حبان (٩٤٧) و(٩٤٨).
[ ٢ / ١٣٧ ]
الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التَّوحيدُ، والصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصِّيام، والحجُّ.
وقوله: "ألا أدلُّكَ على أبواب الخير": لمَّا رتَّبَ دخولَ الجنَّة على واجبات الإسلام، دلَّه بعدَ ذلك على أبوابَ الخير مِنَ النَّوافِل، فإنَّ أفضلَ أولياءِ الله هُمُ المقرَّبون، الذين يتقرَّبون إليه بالنَّوافل بعَدَ أداءِ الفرائض.
وقوله: "الصومُ جنة" هذا الكلام ثابتٌ عن النبيِّ - ﷺ - من وجُوهٍ كثيرةٍ، وخرَّجاه في "الصحيحين" (^١) من حديث أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -، وخرجه الإمام أحمد (^٢) بزيادة، وهي: "الصِّيامُ جنَّةٌ وحِصْنٌ حصينٌ مِنَ النَّار".
وخرج من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "الصوم جنَّةٌ مِنَ النَّارِ، كجُنَّة أحدكم من القِتال" (^٣).
ومن حديث جابر عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "قال ربُّنا ﷿: الصِّيامُ جنَّةٌ يستجِنُّ بها العبدُ من النَّار" (^٤).
وخرَّج أحمد والنسائي من حديث أبي عُبيدة، عن النَّبي - ﷺ -، قال: "الصِّيامُ جنَّة ما لم يَخْرِقْها". (^٥)، وقوله: "ما لم يخرقها"، يعني: بالكلام السيِّئ ونحوه، ولهذا في حديث أبي هريرة المخرج في "الصحيحين" عن النبيِّ - ﷺ -: "الصيام
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١)، وصححه ابن حبان (٣٤١٦) و(٣٤٢٧).
(٢) ٢/ ٤٠٢، وله شاهد يتقوى به من حديث أبي أمامة عند الطبراني في "الكبير" (٧٦٠٨).
(٣) رواه أحمد ٤/ ٢٢، والنسائي ١٤/ ١٦٧، وابن ماجه (١٦٣٩)، وصححه ابن حبان (٣٦٤٩).
(٤) رواه أحمد ٣/ ٣٩٦، وحسن إسناده الهيثمي في "المجمع" ٣/ ١٨٠!
(٥) رواه أحمد ١/ ١٩٥ و١٩٦، والنسائي ٤/ ١٦٧، والدارمي ٢/ ١٥، وسنده محتمل للتحسين.
[ ٢ / ١٣٨ ]
جنة، فإذا كان يومُ صومِ أحدكم، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤٌ سابَّه فليقل: إني امرؤ صائم" (^١).
وقال بعضُ السَّلف: الغيبةُ تخرقُ الصِّيامَ، والاستغفارُ يرقَعُهُ، فمن استطاع منكم أن لا يأتي بصومٍ مخرَّقٍ فليفعل.
وقال ابنُ المنكدر: الصائمُ إذا اغتاب خرق، وإذا استغفر رقع.
وخرَّج الطبراني (^٢) بإسناد فيه نظرٌ عن أبي هريرة مرفوعًا: "الصِّيامُ جُنَّةٌ ما لم يخرقها"، قيل: بم يخرقه؟ قال: "بكذبٍ أو غيبةٍ".
فالجُنَّة: هي ما يستجنُّ بها العبد، كالمجنِّ الذي يقيه عندَ القتالِ من الضرب، فكذلك الصيام يقي صاحبه منَ المعاصي في الدُّنيا، كما قال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فإذا كان له جُنَّةٌ من المعاصي، كان له في الآخرة جُنَّةٌ من النار، وإن لم يكن له جُنَّةٌ في الدنيا من المعاصي، لم يكن له جُنَّةٌ في الآخرة من النار.
وخرَّجَ ابنُ مردويه من حديث عليٍّ مرفوعًا، قال: "بعث الله يحيى بن زكريا إلى بني إسرائيل بخمس كلماتٍ"، فذكر الحديثَ بطوله، وفيه: "وإنَّ الله يأمركُم أن تصُوموا، ومَثَلُ ذلك كمثل رجلٍ مشى إلى عدوِّه، وقد أخذَ للقتال جُنَّةً، فلا يخافُ من حيث ما أُتي". وخرَّجه من وجهٍ آخر عن عليٍّ موقوفًا، وفيه قال: "والصيامُ مَثَلُه كمثل رجلٍ انتصره النَّاسُ، فاستحدَّ في السِّلاح، حتَّى ظنّ أنه لن يصل إليه سلاحُ العدوِّ، فكذلك الصيامُ جنة" (^٣).
_________________
(١) انظر الصفحة السابقة ت (١)، (٢).
(٢) في "الأوسط" وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف كما قال الهيثمي في "المجمع" ٣/ ١٧١.
(٣) أورده السيوطي في "الجامع الكبير" ١/ ٤٥٩، ونسبه إلى أبي حامد البزار وقال: رجاله=
[ ٢ / ١٣٩ ]
وقوله: "والصدقةُ تُطفئ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ" هذا الكلامُ رُوي عن النبيِّ - ﷺ - مِن وجوهٍ أُخر، فخرجه الإمامُ أحمد والترمذي من حديث كعب بن عُجرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "الصَّومُ جُنة حصينة، والصَّدقةُ تُطفئ الخطيئةَ كما يُطفئ الماء النارَ" (^١).
وخرجه الطبراني وغيره من حديث أنس مرفوعًا بمعناه.
وخرجه الترمذي وابنُ حبان في "صحيحه" من حديث أنس عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّ صدقة السِّرِّ لتطفئُ غضبَ الربِّ، وتدفع مِيتةَ السُّوء" (^٢).
ورُوِي عن عليِّ بن الحسين أنه كان يحملُ الخبزَ على ظهرهِ باللَّيل يتَّبِعُ به المساكين في ظُلمة الليل، ويقول: إنَّ الصَّدقة في سواد الليل تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ ﷿ (^٣). وقد قال الله ﷿: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، فدل على أن الصدقة يُكفَّر بها من السيئات: إما مطلقًا، أو صدقة السر.
_________________
(١) = موثقون. وأورده أيضًا الهندي في "كنز العمال" ١٦/ ١٤١ - ١٤٢ ونسبه إلى العسكري في "المواعظ" وأبي نعيم، قلت: حديث الحارث الأشعري عند ابن حبان (٦٢٣٣): "إن الله جل وعلا أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل يعملوا بهن … ". وفيه: "وآمركم بالصيام، وإنما مثل ذلك كمثل رجل معه صرة، فيها مسك، وعنده عصابة يسره أن يجدوا ريحها، فإن الصيام عند الله أطيب من ريح المسك".
(٢) رواه الترمذي (٦١٤) وقال: حسن غريب، وهو في "معجم الطبراني الكبير" ١٩/ (٢١٢)، ورواه أحمد ٣/ ٣٩٩ وغيره من حديث جابر أن النبي - ﷺ - قال: "يا كعب بن عجرة … "، وصححه ابن حبان (١٧٢٣).
(٣) رواه الترمذي (٦٦٤) وصححه ابن حبان (٣٣٠٩).
(٤) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٣/ ١٣٥ - ١٣٦.
[ ٢ / ١٤٠ ]
وقوله: "وصلاةُ الرَّجُلِ في جوف الليل" يعني أنها تُطفئ الخطيئة أيضًا كالصَّدقة، ويدلُّ على ذلك ما خرجه الإمام أحمد (^١) من رواية عُروة بن النَّزّال عن معاذ قال: أقبلنا مع النَّبيِّ - ﷺ - من غزوة تبوك، فذكر الحديثَ، وفيه: "الصَّومُ جنةٌ، والصَّدقةُ وقيامُ العبد في جوف الليلُ يُكفر الخطيئة".
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبة قيامُ الليل".
وقد رُوي عن جماعة من الصحابة: أن الناس يحترقون بالنهار (^٣) بالذنوب، وكلَّما قاموا إلى صلاةٍ من الصَّلوات المكتوبات أطفؤوا ذنوبهم، ورُوى ذلك مرفوعًا من وجوهٍ فيها نظرٌ.
فكذلك قيامُ الليل يُكفر الخطايا، لأنه أفضلُ نوافل الصلاة، وفي "الترمذي" من حديث بلال عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "عليكم بقِيام الليل، فإنه دأبُ الصالحين قَبلَكُم، وإن قيامَ الليل قربةٌ إلى الله ﷿، ومنهاةٌ عن الإِثم، وتكفيرٌ للسيِّئات، ومطردة للدَّاءِ عن الجسد". وخرَّجه أيضًا من حديث أبي أُمامة، عن النبيِّ - ﷺ - بنحوه، وقال: هُوَ أصحُّ من حديث بلال. وخرجه ابنُ خزيمة والحاكم في "صحيحيهما" من حديث أبي أمامة أيضًا (^٤).
_________________
(١) في "المسند" ٥/ ٢٣٧.
(٢) رقم (١١٦٣).
(٣) في (أ): "بالنار".
(٤) حديث حسن، رواه الترمذي (٣٥٤٩) من حديث بلال، وفي سنده محمد بن سعيد الشامي وهو كذاب، وأخطأ من زاد نسبته إلى أحمد والحاكم. ورواه البيهقي في "السنن ٢/ ٥٠٢ عن بلال من طريق آخر ليس فيه هذا الكذاب. ورواه الترمذي من حديث أبي أمامة بأثر حديث بلال، والطبراني في "الكبير" (٧٤٦٦)، وابن خزيمة (١١٣٥)، والحاكم ١/ ٣٠٨، وفي سنده عبد الله بن صالح=
[ ٢ / ١٤١ ]
وقال ابن مسعود: فضلُ صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية. وخرجه أبو نعيم عنه مرفوعًا والموقوف أصح (^١).
وقد تقدَّم أن صدقة السِّرِّ تُطفئ الخطيئة، وتُطفئ غضبَ الرَّبِّ، فكذلك صلاةُ الليل.
وقوله: "ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]، يعني أن النبيّ - ﷺ - تلا هاتين الآيتين عندَ ذكره فضلَ صلاةِ الليل، ليبيِّنَ بذلك فضل صلاة الليل، وقد رُوي عن أنسٍ أن هذه الآية نزلت في انتظار صلاةِ العشاء، خرَّجه الترمذي وصححه (^٢). ورُوي عنه أنه قال في هذه الآية: كانوا يتنفلون بينَ المغرب والعشاء، خرَّجه أبو داود (^٣). وروي نحوه عن بلال، خرَّجه البزار (^٤) بإسنادٍ ضعيف.
وكلُّ هذا يدخل في عموم لفظ الآية، فإنَّ الله مدح الَّذين تتجافى جنوبُهم عن المضاجع لدعائه، فيشملُ ذلك كلَّ مَنْ تركَ النَّومَ باللَّيل لذكر الله ودُعائه،
_________________
(١) = كاتب الليث وحديثه حسن في المتابعات. وله شاهد من حديث سلمان عند الطبراني في "الكبير" (٦١٥٤)، وحسنه الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الأحياء" ١/ ٣٥٤.
(٢) رواه عبد الرزاق (٤٧٣٥)، والطبراني في "الكبير" (٨٩٩٨) و(٨٩٩٩) موقوفًا، وإسناده صحيح. ورواه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٦٧ و٥/ ٣٦ و٧/ ٢٣٨ مرفوعًا وموقوفًا، وفي سند المرفوع مخلد بن يزيد الحراني وهو صاحب أوهام، وقد وقفه من هو أوثق منه.
(٣) رواه الترمذي (٣١٩٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وهو كما قال.
(٤) برقم (١٣٢١)، وإسناده صحيح، ولفظه: كانوا يتيقظون ما بين صلاة المغرب والعشاء يصلون.
(٥) برقم (٢٢٥٠)، وضعفه الهيثمي في "المجمع ٧/ ٩٠ بشيخ البزار عبد الله بن شبيب.
[ ٢ / ١٤٢ ]
فيدخلُ فيه مَنْ صلَّى بين العشاءين، ومن انتظرَ صلاة العشاءِ فلم ينم حتَّى يُصليها لا سيما مع حاجته إلى النوم، ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة، وقد قال النبيُّ - ﷺ - لمنِ انتظرَ صلاةَ العشاء: "إنَّكم لن تَزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصَّلاة" (^١).
ويدخلُ فيه مَنْ نامَ ثمَّ قام مِنْ نومه باللَّيل للتهجُّدِ، وهو أفضلُ أنواع التطوُّع بالصَّلاة مطلقًا.
وربما دخل فيه من ترك النَّوم عندَ طُلوعِ الفجر، وقام إلى أداء صلاةِ الصُّبح، لا سيما مع غَلَبَةِ النَّوم عليه، ولهذا يُشرع للمؤدن في أذان الفجر أن يقولَ في أذانه: الصَّلاةُ خَيرٌ مِن النوم.
وقوله - ﷺ -: "وصلاةُ الرَّجُلِ من جوف الليل" ذكر أفضلَ أوقات التهجُّد بالليل، وهو جوفُ الليل، وخرَّج الترمذي والنسائي من حديث أبي أمامة، قال: قيل: يا رسولَ الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوفُ اللَّيل الآخرِ، ودُبُرُ الصَّلوات المكتوبات" (^٢).
وخرَّجه ابن أبي الدنيا، ولفظه: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ -، قال: أيُّ الصلاة
_________________
(١) قطعة من حديث رواه عن أنس أحمد ٣/ ٢٦٧، والبخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٤٠)، وصححه ابن حبان (١٥٣٧).
(٢) رواه الترمذي (٣٤٩٩)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٠٨)، وفي سنده انقطاعُ وعنعنةُ ابن جريج وشذوذه، فقد روى خمسة من أصحاب أبي أمامة أصل هذا الحديث من رواية أبي أمامة عن عمرو بن عبسة، ومع ذلك فقد حسنه الترمذي. قلت: رواه الترمذي (٣٥٧٩)، والنسائي ١/ ٢٧٩، والطبراني في "الدعاء" (١٢٨) و(١٢٩) من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة، وصححه ابن خزيمة (١١٤٧)، والحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٧٣/ أ) وقال: حديث صحيح. وسيأتي قريبًا.
[ ٢ / ١٤٣ ]
أفضل؟ قال: "جوفُ اللَّيل الأوسط"، قال: أيُّ الدُّعاء أسمع؟ قال: "دُبر المكتوبات".
وخرَّج النسائي من حديث أبي ذرٍّ قال: سألتُ النبيَّ - ﷺ - أي الليل خير؟ قال: "خير الليل جوفه" (^١). وخرَّج الإمام إحمد من حديث أبي مسلم قال: قلت لأبي ذرّ: أيُّ قيام الليل أفضل؟ قال: سألت النبيَّ - ﷺ - كما سألتني، فقال: "جوفُ اللَّيل الغابر أو نصف الليل، وقليلٌ فاعله" (^٢).
وخرَّج البزار، والطبرانيُّ من حديث ابن عمر، قالَ: سُئلَ النبيُّ - ﷺ -: أيُّ الليل أجوبُ دعوةً؟ قال: "جوف الليل" زاد البزار في روايته: "الآخر" (^٣).
وخرَّج الترمذي من حديثِ عمرو بن عبسة سمع النبيَّ - ﷺ - يقول: "أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكونَ ممَّن يذكر الله في تلك الساعة فكن"، وصححه، وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الساعات أفضلُ؟ قال: "جوفُ الليل الآخر" وفي رواية له أيضًا: قال: "جوف الليل الآخر أجوبُه دعوةً"، وفي رواية له: قلتُ: يا رسول الله، هل مِنْ ساعةٍ أقربُ إلى الله من أخرى؟ قال: "جوف الليل الآخر". وخرَّجه ابن ماجه، وعنده: "جوفُ اللَّيل الأوسط" وفي روايةٍ للإمام أحمد عن عمرو بن عبسة، قال: قلتُ: يا رسول الله، هل من ساعة أفضل من ساعة؟ قال: "إنَّ الله ليتدلَّى في جوف الليل، فيغفر إلَّا ما كان من الشرك" (^٤).
_________________
(١) رواه النسائي في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" ٩/ ١٥٦ - ١٥٧. ورواه أيضًا البخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٤٥ - ٤٦.
(٢) رواه أحمد ٥/ ١٧٩، وفيه مهاجر بن مخلد، وهو ضعيف.
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" و"الصغير" (٣٥٥)، والبزار (٣١٥١)، وقال الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١٥٥: ورجال البزار و"الكبير" رجال الصحيح.
(٤) صحيح، رواه أحمد ٢/ ١١٢ و١١٤ و٣٨٥ و٣٨٧، والترمذي (٣٥٧٩)، وابن ماجه=
[ ٢ / ١٤٤ ]
وقد قيل: إن جوف الليل إذا أطلق، فالمرادُ به وسطُه، وإن قيل: جوف الليل الآخر، فالمرادُ وسط النِّصف الثاني، وهو السدسُ الخامسُ من أسداس الليل، وهو الوقتُ الذي ورد فيه النُّزول الإلهي.
وقوله - ﷺ -: "ألا أُخبركُ برأسِ الأمرِ وعموده وذروة سنامه؟ " قلتُ: بلى يا رسول الله، قال: "رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاةُ، وذِروةُ سنامه الجهادُ" وفي رواية للإِمام أحمد من رواية شهر بن حوشب، عن ابن غَنْمٍ، عن معاذ قال: قال لي نبيُّ الله - ﷺ -: "إنَّ شئتَ حدَّثتُك برأسِ هذا الأمرِ وقِوام هذا الأَمرِ وذِروة السَّنام"، قلتُ: بلى، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ رأسَ هذا الأمرِ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأن محمَّدًا عبده ورسولُه، وإن قِوام هذا الأمر إقام الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزكاة، وإن ذِروة السَّنام منه الجهادُ في سبيل الله، إنما أُمِرْتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يُقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة، ويشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك، فقد اعتصموا وعصموا دماءَهم وأموالهم إلَّا بحقِّها، وحسابُهم على الله ﷿". وقال رسول الله - ﷺ: "والذي نفسُ محمدٍ بيده، ما شحب وجهٌ، ولا اغبرَّت قدمٌ في عملٍ يُبتغى فيه درجات الجنة بعدَ الصلاة المفروضة كجهادٍ في سبيل الله، ولا ثَقَّلَ ميزانَ عبدٍ كدابَّةٍ تنفق له في سبيل الله، أو يُحمل عليها في سبيل الله ﷿".
فأخبر النبيُّ - ﷺ - عن ثلاثة أشياء: رأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه.
فأمَّا رأس الأمر، ويعني بالأمر: الدين الذي بعث به وهو الإِسلام، وقد جاء تفسيرُه في الرواية الأخرى بالشهادتين، فمن لم يقرَّ بهما ظاهرًا وباطنًا، فليسَ من الإِسلام في شيء.
_________________
(١) = (١٢٥١) و(١٣٦٤)، والطبراني في "الدعاء" (١٢٨) - (١٣٤)، وصححه ابن خزيمة (١١٤٧).
[ ٢ / ١٤٥ ]
وأمَّا قِوام الدين الذي يقومُ به الدِّين كما يقومُ الفسطاطُ على عموده، فهو الصلاة، وفي الرواية الأخرى: "وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة" وقد سبق القولُ في أركان الإسلام وارتباط بعضها ببعض.
وأمَّا ذِروة سنامه - وهو أعلى ما فيه وأرفعه - فهو الجهاد، وهذا يدلُّ على أنه أفضلُ الأعمال بعدَ الفرائض، كما هو قولُ الإمام أحمد وغيره من العلماء.
وقوله في رواية الإمام أحمد: "والذي نفس محمَّدٍ بيده ما شحب وجهٌ ولا اغبرَّت قدمٌ في عمل يُبتغى به درجات الجنَّة بعدَ الصَّلاة المفروضة كجهادٍ في سبيلِ الله ﷿" يدلُّ على ذلك صريحًا.
وفي "الصحيحين" عن أبي ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ العمل أفضلُ؟ قال: "إيمان بالله وجهادٌ في سبيله" (^١).
وفيهما عن أبي هُريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "أفضلُ الأعمال إيمانٌ بالله، ثمَّ جهاد في سبيل الله" (^٢).
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا.
وقوله: "ألا أُخبرك بملاك ذلك كُلِّه؟ " قلتُ: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه فقال: "كُفَّ عليك هذا" إلى آخر الحديث. هذا يدل على أن كفَّ اللسان وضبطه وحبسه هو أصلُ الخير كُلّه، وأن من ملك لسانه، فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه، وقد سبق الكلامُ على هذا المعنى في شرح حديث "من كان يؤمن بالله
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤)، وأحمد ٥/ ١٥٠، والنسائي ٦/ ١٩، وصححه ابن حبان (١٥٢).
(٢) رواه البخاري (٢٦) و(١٥١٩)، ومسلم (٨٣)، ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٢٦٨، وصححه ابن حبان (١٥٣).
[ ٢ / ١٤٦ ]
واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت" (^١). وفي شرح حديث: "قل: آمنتُ باللهِ، ثم استقم" (^٢). وخرَّج البزار في "مسنده" (^٣) من حديث أبي اليسر أن رجلًا قال: يا رسول اللهِ، دلَّني على عملٍ يُدخلني الجنة، قال: "أمسك هذا"، وأشار إلى لسانه، فأعادها عليه، فقال: "ثكلتك أمُّك، هل يَكُبُّ النَّاسَ على مناخرهم في النَّار إلَّا حصائدُ ألسنتهم" وقال: إسناده حسن.
والمرادُ بحصائد الألسنة: جزاءُ الكلام المحرَّم وعقوباته؛ فإنَّ الإنسانَ يزرع بقوله وعمله الحسنات والسَّيِّئات، ثم يَحصُدُ يومَ القيامة ما زرع، فمن زرع خيرًا من قولٍ أو عملٍ، حَصَد الكرامةَ، ومن زرع شرًّا مِنْ قولٍ أو عملٍ، حصد غدًا النَّدامة.
وظاهرُ حديثِ معاذ يدلُّ على أن أكثر ما يدخل به النَّاسُ النار النُّطقُ بألسنتهم، فإنَّ معصية النُّطق يدخل فيها الشِّركُ وهو أعظمُ الذنوب عندَ اللهِ ﷿، ويدخل فيها القولُ على الله بغير علم، وهو قرينُ الشِّركِ، ويدخلُ فيه شهادةُ الزُور التي عدَلت الإِشراك باللهِ ﷿، ويدخلُ فيها السِّحر والقذفُ وغيرُ ذلك مِنَ الكبائرِ والصَّغائر؛ كالكذب والغيبةِ والنميمة، وسائرُ المعاصي الفعلية لا يخلو غالبًا من قول يقترن بها يكون معينًا عليها.
وفي حديث أبي هُريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "أكثرُ ما يُدخِلُ النَّاسَ النارَ الأجوفان: الفمُ والفرجُ" خرَّجه الإمام أحمد والترمذي (^٤).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ
_________________
(١) وهو الحديث الخامس عشر.
(٢) وهو الحديث الحادي والعشرون.
(٣) برقم (٣٥٧٢).
(٤) رواه أحمد ٢/ ٢٩١ و٣٩٢ و٤٤٢، والترمذي (٢٠٠٤)، وابن ماجه (٤٢٤٦)، والحاكم ٤/ ٣٢٤، وصححه ابن حبان (٤٧٦).
[ ٢ / ١٤٧ ]
بالكلمة ما يتبيَّنُ ما فيها، يَزِلُّ بها في النَّار أبعدَ ما بينَ المشرق والمغرب" وخرَّجه الترمذي، ولفظه: "إنَّ الرجلَ ليتكلَّم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، يهوي بها سبعين خريفًا في النار" (^١).
وروى مالك، عن زيد بن أسلم عن أبيه أنَّ عمرَ دخل على أبي بكر الصديق ﵄ وهو يجبذ لسانَه، فقال عمر: مه، غفر الله لك! فقال أبو بكرٍ: هذا أوردني الموارد (^٢).
وقال ابنُ بريدة: رأيتُ ابنَ عبَّاسٍ آخذًا بلسانه وهو يقول: ويحك، قُلْ خيرًا تغنم، أو اسكت عن سُوءٍ تسلم، وإلَّا فاعلم أنَّك ستندم، قال: فقيل له: يا أبا عبَّاس، لم تقولُ هذا؟ قال: إنه بلغني أن الإنسانَ - أراه قال - ليس على شيءٍ من جسده أشدُّ حنقًا أو غيظًا يَوْمَ القيامةِ منه على لسانه إلا ما قال به خيرًا، أو أملى به خيرًا (^٣).
وكان ابن مسعود يحلِفُ باللهِ الَّذي لا إله إلا هو: ما على الأرض شيء أحوج إلى طولِ سجنٍ من لسان (^٤).
وقال الحسن: اللسان أميرُ البدن، فإذا جنى على الأعضاء شيئًا، جنت، وإذا عفَّ عفت (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٧٧) و(٦٤٧٨) ومسلم (٢٩٨٨)، والترمذي (٢٣١٤)، وصححه ابن حبان (٥٧٥٦) و(٥٧٠٧).
(٢) "الموطأ" ٢/ ٩٨٨، وإسناده صحيح، ورواه أيضًا أبو يعلى (٥)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٧)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٣).
(٣) رواه أحمد في "الزهد" ص ١٨٩، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨، عن عبد الوهاب، عن سعيد الجريري عن رجل قال: رأيت ابن عباس …
(٤) رواه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ١٣٤.
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٥٩).
[ ٢ / ١٤٨ ]
وقال يونس بنُ عبيد: ما رأيتُ أحدًا لسانه منه على بال إلا رأيتُ ذلك صلاحًا في سائر عمله (^١).
وقال يحيى بن أبي كثير: ما صلح منطقُ رجل إلَّا عرفت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطقُ رجل قط، إلا عرفت ذلك في سائر عمله (^٢).
وقال المبارك بن فضالة، عن يونس بن عبيد: لا تجدُ شيئًا مِنَ البرِّ واحدًا يتَّبعه البِرُّ كله غيرَ اللسان، فإنك تَجِدُ الرجل يصومُ النهار، ويُفطر على حرام، ويقومُ الليل ويشهد بالزور بالنهار - وذكرَ أشياءَ نحو هذا - ولكن لا تجده لا يتكلَّم إلا بحقٍّ فَيُخالف ذلك عمله أبدًا (^٣).
_________________
(١) هو في "الصمت" لابن أبي الدنيا (٦٠) و(٦٥٣).
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٦٨.
(٣) الخبر في "الحلية" ٣/ ٢٠.
[ ٢ / ١٤٩ ]