عن عبد اللهِ بن عُمرَ - ﵄ - قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: "بُنِي الإسلامُ عَلى خَمْسٍ: شَهادةِ أنْ لا إِلهَ إلَّا الله، وأنَّ مُحمَّدًا عَبْدُه ورَسولُهُ، وإقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزّكاةِ، وحَجِّ البيتِ، وصَومِ رَمضانَ" رَواهُ البُخارِي ومُسلمٌ (^١).
هذا الحديثُ خرَّجاه في "الصحيحين" من رواية عكرمة بن خالد عن ابن عمر، وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن ابن عمرَ، وله طرقٌ أخرى عنه (^٢).
وقد روي هذا الحديث من رواية جريرِ بن عبدِ الله البجلي، عن النبيِّ - ﷺ -، وخرج حديثَه الإمام أحمدُ (^٣).
وقد سبق في الحديث الذي قبله ذكرُ الإسلام.
_________________
(١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦). ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٢٦ و٩٣ و١٢٠ و١٤٣، والحميدي (٧٠٣)، والترمذي (٢٦٠٩)، والنسائي ٨/ ١٠٧، وصححه ابن حبان (١٥٨) و(١٤٤٦). وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) انظرها في "صحيح ابن حبان" (١٥٨).
(٣) في "المسند" ٤/ ٣٦٣ و٣٦٤، ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" (٢٣٦٣) و(٢٣٦٤)، وفي "الصغير" (٧٨٢)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٤١٩) - (٤٢٢). وذكره الهيثمي في "المجمع" ١/ ٤٧، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في "الكبير" و"الصغير". وإسناد أحمد صحيح.
[ ١ / ١٤٤ ]
والمرادُ من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه، وقد خرَّجه محمدُ بنُ نصر المروزي في "كتاب الصلاة" (^١)، ولفظه: "بُني الإسلام على خمس دعائم" فذكره. والمقصودُ تمثيل الإسلام ببنيانه ودعائم البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيانُ بدونها، وبقيةُ خصالِ الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فقد منها شيء، نقص البنيانُ وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقضِ هذه الدعائم الخمس؛ فإن الإسلام يزولُ بفقدها جميعِها بغير إشكال، وكذلك يزولُ بفقدِ الشهادتين، والمرادُ بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله. وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقًا: "بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله" (^٢)، وذكر بقية الحديث. وفي رواية لمسلم: "على خمس: على أن يُوحَّدَ الله" وفي رواية له: "على أن يُعبَد الله ويُكفَرَ بما دونه".
وبهذا يُعلم أن الإيمان باللهِ ورسوله داخل في ضمن الإسلام كما سبق تقريره في الحديث الماضي.
وأما إقام الصَّلاة، فقد وردت أحاديثُ متعددةٌ تدلٌ على أن من تركها، فقد خرج من الإسلام، ففي "صحيح مسلم" (^٣) عن جابر، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "بَيْنَ الرجل وبَينَ الشِّركِ والكفرِ تركُ الصلاة"، ورُوي مثلُه من حديث بُريدة (^٤)
_________________
(١) برقم (٤١٣). وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) البخاري (٤٥١٤).
(٣) برقم (٨٢). ورواه أيضًا أبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦١٨)، وابن ماجه (١٠٧٨)، وصححه ابن حبان (١٤٥٣)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) رواه أحمد ٥/ ٣٤٦ و٣٥٥، والترمذي (٢٦٢١)، والنسائي ١/ ٢٣١، وابن ماجه (١٠٧٩)، وصححه ابن حبان (١٥٥٤)، والحاكم ١/ ٦، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ١٤٥ ]
وثوبان (^١) وأنس (^٢) وغيرهم.
وخرج محمد بنُ نصر المروزيُّ من حديث عُبادة بن الصامت، عَنِ النبيّ - ﷺ - قال: "لا تتركِ الصَّلاةَ متعمدًا، فمن تركها متعمدًا، فقد خرج من الملة" (^٣).
وفي حديث معاذ، عن النبيّ - ﷺ -: "رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاةُ" (^٤) فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاطُ ولا يثبتُ إلا به، ولو سقط العمودُ، لسقط الفسطاط، ولم يثبت بدونه.
وقال عمر: لا حظَّ في الإسلام لمن تركَ الصلاة (^٥)، وقال سعد (^٦)
_________________
(١) رواه اللَّالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٥٢١)، وصححه على شرط مسلم، وذكره الحافظ المنذري ١/ ٣٧٩، وقال: رواه هِبةُ اللهِ الطبري بإسناد صحيح.
(٢) رواه ابن ماجه (١٠٨٠)، والمروزي (٨٩٧) و(٩٠٠)، وفي إسناده يزيد الرُّقاشي، وهو ضعيف.
(٣) هو في "تعظيم قدر الصلاة" (٩٢٠)، ورواه اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٥٢٢)، وإسناده ضعيف، وله شاهد من حديث أميمة عند المروزي (٩١٢)، وعن أمِّ أيمن عند أحمد ٦/ ٤٢١، والمروزي (٩١٣).
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) رواه مالك ١/ ٣٨ - ٣٩، وابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٣٥١، والمروزي (٩٢٣) و(٩٢٩)، واللالكائي (١٥٢٨) و(١٥٢٩)، والآجري في "الشريعة" ص ١٣٤، وابن أبي شيبة ١١/ ٢٥.
(٦) يغلب على الظنّ أنه سعد بن عمارة أحد بني سعد بن بكر. ذكره البخاري في الصحابة، وروى محمد بن نصر (٩٤٦) من طريق ابن إسحاق، قال: حدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن سعيد الأنصاري أنَّه حدَّث عن سعد بن عُمارة أخي بني سعد بن بكر - وكانت له صحبة - أن رجلًا قال له: عِظْني في نفسي، رحمك الله! قال: إذا أنت قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوءَ، فإنَّه لا صلاة =
[ ١ / ١٤٦ ]
وعليُّ بنُ أبي طالبٍ (^١): من تركها، فقد كفر.
وقال عبد الله بنُ شقيق: كانَ أصحابُ رسول الله - ﷺ - لا يَرَونَ من الأعمال شيئًا تركه كفر غير الصلاة (^٢).
وقال أيوب السختياني: تركُ الصَّلاةِ كفرٌ، لا يُختَلَفُ فيه.
وذهب إلى هذا القول جماعةٌ من السلف والخلف، وهو قولُ ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وحكى إسحاق عليه إجماعَ أهل العلم! وقال محمد بن نصر المروزي: هو قولُ جمهور أهل الحديث.
وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئًا من أركان الإِسلام الخمسة عمدًا أنه كافر بذلك، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم، وهو رواية عن أحمد اختارها طائفةٌ من أصحابه وهو قول ابن حبيبٍ من المالكية.
وخرَّج الدَّارقطني وغيرُه من حديثِ أبي هريرة قال: قيل: يا رسولَ الله الحج في كلِّ عام؟ قال: "لو قلتُ: نعم، لوجب عليكم، ولو وجب عليكم، ما أطقتُموه، ولو تركتموه لكفرتُم" (^٣).
_________________
(١) = لمن لا وضوء له، ولا إيمان لمن لا صلاة له، ثمَّ إذا صليت، فصلِّ صلاةَ مودِّعٍ، واترك طلب كثير من الحاجات، فإنَّه فقر حاضر، واجمع اليأسَ مما عندَ الناس، فإنه هو الغِنى، وانظر إلى ما يُعتذر منه من القول والفعل، فاجتنبه. وانظر "أسد الغابة" ٢/ ٣٦٢.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنَّف" ١١/ ٤٧، وفي "الإيمان" (١٢٦)، والمروزي (٩٣٣)، والآجري ص ١٣٥، وفيه معقل الخثعمي، وهو مجهول.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ١١/ ٤٩، والترمذي (٢٦٢٢)، والمروزي (٩٤٨)، وإسناده صحيح.
(٤) ورواه بهذا اللفظ عبد بن حميد في "مسنده" كما في "الدرّ المنثور" ٢/ ٢٧٣ عن الحسن مرسلًا. والحديث أصله في "صحيح مسلم" (١٣٣٧) دون قوله: "ولو تركتموه لكفرتم". =
[ ١ / ١٤٧ ]
وخرّج اللالكائي (^١) من طريق مؤمَّل، قال: حدثنا حمادُ بنُ زيد عن عمرو بن مالك النُّكري، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، ولا أحسبه إلا رفعه قال: "عُرى الإسلام وقواعدُ الدِّين ثلاثةٌ، عليهن أُسِّسَ الإسلامُ: شهادةُ أن لا إله إلَّا الله، والصَّلاةُ، وصومُ رمضانَ. من ترك منهنَّ واحدةً، فهو بها كافرٌ، حلالُ الدَّمِ، وتجدُه كثير المال لم يحجَّ، فلا يزالُ بذلك كافرًا ولا يحلُّ دَمُهُ، وتجده كثيرَ المال فلا يزكِّي، فلا يزالُ بذلك كافرًا ولا يحلُّ دمه" ورواه قتيبة بنُ سعيدٍ عن حماد بن زيد موقوفًا مختصرًا، ورواه سعيدُ بنُ زيد أخو حماد، عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعًا، وقال: "من ترك منهنّ واحدةً، فهو باللهِ كافرٌ، ولا يُقبَلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ، وقد حلَّ دمُه ومالهُ" ولم يذكر ما بعده.
وقد رُويَ عن عمر ضربُ الجزية على من لم يحجَّ، وقال: ليسوا بمسلمين (^٢). وعن ابن مسعود أن تارك الزَّكاة ليس بمسلم (^٣)، وعن أحمد رواية: أن ترك الصلاة والزكاة خاصَّةً كفرٌ دونَ الصيام والحج.
وقال ابن عيينة: المرجئة سَمَّوا تركَ الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوبِ المحارم، وليس سواء، لأنَّ ركوب المحارم متعمدًا من غير استحلالٍ معصيةٌ، وتركَ الفرائض من غير جهلٍ، ولا عذرٍ هو كفر. وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهودِ الذين أقرُّوا بنَعتِ النَّبي - ﷺ - بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه.
_________________
(١) = وله شاهد من حديث أنس عند ابن ماجه (٢٨٨٥)، وفيه: "ولو لم تقوموا بها عذِّبتُم"، وصححه البوصيري في "الزوائد"، وقال الحافظ في "التلخيص" ٢/ ٢٢٠: رجاله ثقات.
(٢) في "أصول الاعتقاد" (١٥٧٦)، ورواه أيضًا أبو يعلى (٢٣٤٩)، وإسناده ضعيف. مؤمَّل سيِّء الحفظ، وعمرو بن مالك النّكري صاحب أوهام.
(٣) تقدم تخريجه ص (٦٢) ت (١).
(٤) تقدم تخريجه ص (٦١) ت (٢).
[ ١ / ١٤٨ ]
وقد استدلَّ أحمد وإسحاق على كفرِ تاركِ الصَّلاةِ بكفر إبليسَ بترك السجودِ لآدمَ، وتركُ السُّجود لله أعظم.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: "إذا قرأ ابنُ آدم السَّجدةَ فسجدَ، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويلي أُمِرَ ابنُ آدْمَ بالسُّجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" (^١).
واعلم أن هذه الدعائم الخمسَ بعضُها مرتبطُ ببعض، وقد روي أنه لا يُقبل بعضُها بدون بعض كما في "مسند الإمام أحمد" (^٢) عن زياد بن نُعيم الحضرمي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أربعٌ فرضهنّ الله في الإسلام، فمن أتى بثلاثٍ لم يُغنين عنه شيئًا حتى يأتي بهنّ جميعًا: الصَّلاةُ، والزكاةُ، وصومُ رمضان، وحَجُّ البيتِ" وهذا مرسل، وقد روي عن زياد عن عُمارةَ بن حزم عن النبيّ - ﷺ - (^٣).
ورُوي عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الدِّين خمسٌ لا يقبلُ الله منهن شيئًا دون شيء: شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وإيمانٌ بالله وملائكته وكتبه ورُسُلِه، وبالجنة والنار، والحياةِ بعدَ الموتِ هذه واحدة، والصلواتُ الخمسُ عمود الدين لا يقبلُ الله الإيمان إلَّا بالصلاة، والزكاةُ طهور من الذنوب، ولا يقبلُ الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء، ثم جاء رمضان فترك صيامَه متعمدًا،
_________________
(١) هو في "صحيح مسلم" (٨١)، ورواه أحمد ٢/ ٤٤٣، وصححه ابن خزيمة (٥٤٩)، وعنه ابن حبان (٢٧٥٩)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) ٤/ ٢٠٠ - ٢٠١، وإسناده مرسل كما قال المصنِّف، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
(٣) رواه أحمد والطبراني في "الكبير" كما في "المجمع" ١/ ٤٧، وقال الهيثمي: وفي إسناده ابن لهيعة.
[ ١ / ١٤٩ ]
لم يقبل الله منه الإيمانَ، ولا الصلاةَ، ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثم تيسَّر له الحجّ، فلم يحجّ، ولم يُوص بحجة، ولم يحجَّ عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها" ذكره ابن أبي حاتم (^١)، وقال: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر يُحتمل أن هذا من كلام عطاء الخراساني.
قلت: الظاهر أنَّه من تفسيرِهِ لحديث ابن عمرَ، وعطاءٌ من جلَّةِ عُلَماءِ الشَّام.
وقال ابنُ مسعود: من لم يزكِّ، فلا صلاةَ له. ونفيُ القبولِ هنا لا يُراد به نفيُ الصِّحَّةِ، ولا وجوب الإعادة بتركه، وإنما يُراد بذلك انتفاء الرِّضا به، ومدح عامله، والثناء بذلك عليه في الملإ الأعلى، والمباهاة به للملائكة.
فمن قام بهذه الأركان على وجهها، حصل له القبول بهذا المعنى، ومن قام ببعضها دُونَ بعضٍ، لم يحصل له ذلك، وإن كان لا يُعاقَبُ على ما أتى به منها عقوبةَ تاركه، بل تَبرَأَ به ذمته، وقد يُثابُ عليه أيضًا.
ومن هنا يُعلَمُ أن ارتكابَ بعضِ المحرماتِ التي ينقص بها الإيمانُ تكونُ مانعةً من قبول بعض الطاعات، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه، كما قال النبي - ﷺ -: "مَنْ شرِبَ الخمرَ لم يقبل الله له صلاة أربعين يومًا" (^٢)، وقال: "مَنْ أتى عرَّافًا فصدَّقه بما يقولُ، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا" (^٣)، وقال: "أيما عبدٍ أبقَ من مواليه، لم تُقبَلْ له صلاةٌ" (^٤).
_________________
(١) في "العلل" ١/ ٢٩٤ و٢/ ١٥٦، ورواه أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٠١ - ٢٠٢، وقال: غريب من حديث ابن عمر من هذا اللفظ.
(٢) رواه مسلم (٢٠٠٣) عن ابن عمر.
(٣) رواه مسلم (٢٢٣٠).
(٤) رواه مسلم (٦٩) من حديث جرير.
[ ١ / ١٥٠ ]
وحديثُ ابن عمر يستدلُّ به على أن الاسمَ إذا شمل أشياءَ متعدِّدةً، لم يَلزم زوال الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قولُ من قال: إنَّ الإِيمانَ لو دخلت فيه الأعمال، للزم أن يزولَ بزوالِ عمل مما دخل في مسمَّاه، فإنَّ النبيَّ - ﷺ - جعل هذه الخمسَ دعائمَ الإِسلام ومبانيه، وفسر بها الإِسلام في حديث جبريل، وفي حديث طلحة بن عُبيد الله الذي فيه أن أعرابيًا سأل النبيَّ - ﷺ - عن الإِسلام، ففسره له بهذه الخمس (^١).
ومع هذا فالمخالفون في الإِيمان يقولون: لو زال من الإِسلام خَصلةٌ واحدةٌ، أو أربع خصالٍ سوى الشهادتين، لم يخرج بذلك من الإِسلام. وقد روى بعضهم أن جبريلَ ﵇ سأَل النبيّ - ﷺ - عن شرائع الإِسلام، لا عن الإِسلام، وهذه اللفظة لم تصحَّ عندَ أئمَّة الحديثِ ونُقَّاده، منهم أبو زُرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العُقيلي وغيرُهم.
وقد ضرب العلماءُ مثل الإِيمان بمثلِ شجرة لها أصلٌ وفروعٌ وشُعَبٌ، فاسمُ الشجرةِ يَشمَلُ ذلك كلَّه، ولو زال شيءٌ من شُعَبها وفروعها، لم يزُل عنها اسمُ الشجرة، وإنَّما يُقال: هي شجرة ناقصةٌ، أو غيرُها أتمُّ منها.
وقد ضربَ الله مثلَ الإِيمان بذلك في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥]. والمرَاد بالكلمة كلمةُ التَّوحيد، وبأصلها التَّوحيد الثَّابت في القلوب، وأُكُلها: هو الأعمال الصالحة الناشئة منه.
وضرب النبيُّ - ﷺ - مثل المؤمن والمسلمِ بالنَّخلة (^٢)، ولو زال شيءٌ من فروع
_________________
(١) رواه مالك ١/ ١٧٥، ومن طريقه أحمد ١/ ١٦٢، والبخاري (٤٦)، ومسلم (١١)، وابن حبان (١٧٢٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) حديث حسن بشواهده، رواه من حديث أبي رزين العقيلي البخاري في "التاريخ" =
[ ١ / ١٥١ ]
النخلة، أو من ثمرها، لم يزل بذلَك عنها اسمُ النخلة بالكلية، وإن كانت ناقصةَ الفروع أو الثَّمر.
ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا، مع أن الجهادَ أفضلُ الأعمال، وفي رواية: أن ابنَ عمر قيل له: فالجهاد؟ قال: الجهاد حسن، ولكن هكذا حدَّثنا رسول اللهِ - ﷺ -. خرَّجه الإِمام أحمد.
وفي حديث معاذ بن جبل: "إنَّ رأسَ الأمرِ الإِسلامُ، وعمودهُ الصَّلاةُ، وذِروةُ سنامه الجهاد" وذروةُ سنامه: أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي بُني عليها، وذلك لوجهين:
أحدهما: أن الجهادَ فرضُ كفاية عند جمهورِ العلماء، ليس بفرضِ عينٍ، بخلاف هذه الأركان.
والثاني: أن الجهاد لا يَستمِرُّ فعلُه إلى آخر الدَّهر، بل إذا نزل عيسى ﵇، ولم يبقَ حينئذٍ ملة غير ملةِ الإِسلام، فحينئذٍ تضعُ الحربُ أوزارَها، ويُستغنى عن الجهاد، بخلاف هذه الأركان، فإنَّها واجبةٌ على المؤمنين إلى أن يأتيَ أمرُ الله وهم على ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) = ٧/ ٢٤٨، والطبراني في "الكبير" ١٩/ (٤٦٠)، والقضاعي (١٣٥٣) و(١٣٥٤)، وصححه ابن حبان (٢٤٧). ورواه أحمد ٢/ ١٩٩، والرامهرمزي في "الأمثال" ص ٦٤ - ٦٥ من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه الحاكم ١/ ٧٥ - ٧٦، ووافقه الذهبي. ورواه أبو الشيخ في "الأمثال" (٣٥٣) و(٣٥٤) من حديث ابن عمر.
[ ١ / ١٥٢ ]