عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ عَنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: "لا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسه". رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ (^١).
هذا الحديث خرجاه في "الصحيحين" من حديث قتادة عن أنسٍ، ولفظُ مسلم "حَتَّى يُحِبَّ لجاره أو لأخيه" بالشَّكِّ.
وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه: "لا يبلغُ عبدٌ حقيقةَ الإيمان حتَّى يحبَّ للناس ما يُحِبُّ لنفسه من الخِير".
وهذه الرواية تبيِّنُ معنى الرِّواية المخرجة في "الصحيحين"، وأنَّ المرادَ بنفي الِإيمان نفيُ بلوغِ حقيقته ونهايته، فإنَّ الِإيمانَ كثيرًا ما يُنفى لانتفاءِ بعض أركانِهِ وواجباته، كقوله - ﷺ -: "لا يزني الزَّاني حِينَ يَزني وهو مؤمن، ولا يسرِقُ السارقُ حين يسرقُ وهو مؤمنٌ، ولا يشربُ الخمرَ حين يشربها وهو مؤمنٌ" (^٢)، وقوله: "لا يُؤْمِنُ مَنْ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بوائِقَه" (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) وأحمد ٣/ ١٧٦ و٢٥١ و٢٧٢ و٢٨٩، والترمذي (٥٢١٥)، وابن ماجه (٦٦)، والنسائي ٥/ ١١٨، وصححه ابن حبان (٢٣٤) و(٢٣٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٣٧٦، والبخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧)، وصححه ابن حبان (١٦٨).
(٣) رواه من حديث أبي هريرة البخاري (٦٠١٦) ومسلم (٤٦) وأحمد ٢/ ٢٨٨، ومن=
[ ١ / ٣٠٢ ]
وقد اختلف العلماءُ في مرتكب الكبائر: هل يُسفى مؤمنًا ناقصَ الإِيمان، أم لا يُسمى مؤمنًا؟ وإنَّما يُقالُ: هو مسلم، وليس بمؤمنٍ على قولين، وهما روايتان عن الإمام أحمد.
فأمَّا من ارتكبَ الصَّغائرَ، فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية، بل هو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكبَ من ذلك.
والقولُ بأنَّ مرتكب الكبائر يقال له: مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ مرويٌّ عن جابرِ بنِ عبد الله، وهو قولُ ابن المبارك وإسحاق وأبي عُبيد وغيرهم، والقول بأنه مسلمٌ، ليس بمؤمنٍ مرويٌّ عنَ أبي جعفر محمد بن علي، وذكر بعضُهم أنَّه المختارُ عندَ أهلِ السُّنَّةِ.
وقال ابنُ عباسٍ: الزاني يُنزَعُ منه نورُ الإيمان (^١). وقال أبو هريرة: يُنْزَعُ منه الإيمانُ، فيكون فوقَه كالظُّلَّةِ، فإذا تابَ عاد إليه.
وقال عبدُ الله بن رواحة وأبو الدرداء: الإيمانُ كالقميصِ، يَلبَسُه الإنسانُ تارةً، ويخلعه أخرى، وكذا قال الِإمام أحمد ﵀ وغيره (^٢)، والمعنى: أنَّه إذا كمَّل خصالَ الإيمان، لبسه، فإذا نقصَ منها شيئًا نزعه، وكلُّ هذا إشارةٌ إلى الإيمان الكامل التام الذي لا يَنْقُصُ من واجباته شيءٍ.
والمقصودُ أن مِن جملة خِصال الِإيمانِ الواجبةِ أن يُحِبَّ المرءُ لأخيه المؤمنِ ما يدب لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه، فإذا زالَ ذلك عنه، فقد نَقَصَ إيمانُهُ بذلك. وقد رُوِيَ أنَّ النبيِّ - ﷺ - قال لأبي هريرة: "أَحِبَّ للناسِ ما تُحبُّ لنفسِك
_________________
(١) = حديث أبي شريح الكعبي البخاري (٦٠١٦)، وأحمد ٤/ ٣١، ومن حديث أنس ابن حبان (٥١٠).
(٢) رواه الآجري في "الشريعة" ص ١١٥.
(٣) وكذا قال سفيان الثوري كما في "الحلية" ٧/ ٣٢.
[ ١ / ٣٠٣ ]
تكن مسلمًا" خرَّجه الترمذي وابن ماجه (^١).
وخرَّج الإمام أحمد في حديث معاذٍ أنَّه سألَ النبيِّ - ﷺ - عن أفضلِ الإيمان، قال: "أفضل الإيمانِ أن تُحِبَّ للهِ وتُبغِضَ للهِ، وتعْملَ لسانَك في ذكر الله"، قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: "أنْ تُحِبَّ للنَّاس ما تَحبُّ لنفسك، وتكرَه لهم ما تكرة لنفسك، وأن تقول خيرًا أو تَصمُت" (^٢).
وقد رتَّب النبيُّ - ﷺ - دخولَ الجنة على هذه الخَصْلَةِ؛ ففي "مسند" الإِمام أحمد ﵀ عن يزيد بن أسدٍ القَسْرِي، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "أتحبُّ الجنَّةَ"؟ قلت: نعم، قال: "فأحبَّ لأخيكَ ما تُحبُّ لنفسك" (^٣).
وفي "صحيح مسلم" من حديث عبد الله بن عمرو بنِ العاص، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ أحبَّ أن يُزَحْزَحَ عن النَّارِ ويُدخَلَ الجنة، فلتدركه منيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ، ويأتي إلى الناسِ الذي يحبُّ أن يُؤْتَى إليه" (^٤).
وفيه أيضًا عن أبي ذرٍّ، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا أبا ذرٍّ، إني أراكَ ضعيفًا، وإني أحب لك ما أُحبُّ لنفسي لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولَّينَّ مالَ يتيم" (^٥).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٢٠٢ ت (٢).
(٢) رواه أحمد ٥/ ٢٤٧، وفيه زبان بن فائد وابن لهيعة، وهما ضعيفان.
(٣) هو في "المسند" ٤/ ٧٠، ورواه الحاكم ٤/ ١٦٨ وصححه ووافقه الذهبي! وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٨٦، وقال: رجاله ثقات، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٣١٠، والترمذي (٢٣٠٥)، وفي سنده مجهول.
(٤) هو في "صحيح مسلم" (١٨٤٤)، ورواه أحمد ٢/ ١٦١، وأبو داود (٤٢٤٨) والنسائي ٧/ ١٥٣، وابن ماجه (٣٩٥٦).
(٥) هو في "صحيح مسلم" (١٨٢٦)، ورواه أبو داود (٢٨٦٨)، والنسائي ٦/ ٢٥٥، وصححه ابن حبان (٥٥٦٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وإنما نهاه عن ذلك، لما رأى من ضعفه، وهو - ﷺ - يحبُّ هذا لكلٍّ ضعيفٍ، وإنما كان يتولَّى أمورَ النَّاس؛ لأنَّ الله قوَّاه على ذلك، وأمره بدعاء الخلْقِ كلّهم إلى طاعته، وأن يتولَّى سياسةَ دينهم ودنياهم.
وقد رُويَ عن علي قال: قال لي النبيِّ - ﷺ -: "إنِّي أرضى لك ما أرضى لِنفسي، وأكره لك ما أكرهُ لنفسي، لا تقرأ القرآنَ وأنتَ جنبٌ، ولا وأنتَ راكعٌ، ولا أنت ساجد" (^١).
وكان محمَّدُ بنُ واسعٍ يبيع حمارًا له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه، وهذه إشارةٌ منه إلى أنَّه لا يرضى لأخيه إلَّا ما يرضى لنفسه، وهذا كلُّه من جملة النصيحة لعامة المسلمين التي هي مِنْ جملة الدين كما سبق تفسيرُ ذلك في موضعه.
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ الدارقطني ١/ ١١٨ - ١١٩ من حديث أبي موسى الأشعري، وفيه أبو نعيم النخعي، واسمه عبد الرحمن بن هانئ، قال أحمد: ليس بشيء، ورماه يحيى بالكذب، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وكذبه الحافظ في "التلخيص" ١/ ٢٤١. ورواه عبد الرزاق (٢٨٣٦) من حديث علي، وإسناده ضعيف جدًا، فيه الحسن بن عمارة، وهو متروك، وأبو إسحاق السبيعي اختلط، والحارث الأعور ضعيف. ويُغني عنه ما رواه مالك ١/ ٨٠، وعبد الرزاق (٢٨٣٣) ومسلم (٤٨٠) وصححه ابن حبان (١٨٩٥) عن علي ﵁: "نهاني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ راكعًا وساجدًا". وروى أحمد ١/ ٨٣ و٨٤ و١٠٧ و١٢٤ و١٣٤ والترمذي (٤٦) وأبو داود (٢٢٩) والنسائي ١/ ١٤٤ وابن ماجه (٥٩٤) عن علي ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - يُقرئنا القرآن على كلِّ حال ما لم يكن جُنُبًا. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم ٤/ ١٠٧، ووافقه الذهبي!
[ ١ / ٣٠٥ ]
وقد ذكرنا فيما تقدَّم حديثَ النعمان بنِ بشير، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "مَثَلُ المؤمنِينَ في توادِّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عُضوٌ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهر" خرجاه في "الصحيحين" (^١)، وهذا يدلُّ على أنَّ المؤمنَ يسوؤه ما يسوءُ أخاه المؤمن، ويُحزِنُه ما يُحزنه.
وحديثُ أنس الذي نتكلَّمُ الآن فيه يدلُّ على أنَّ المؤمن يَسُرُّهُ ما يَسرُّ أخاه المؤمن، ويُريد لأخيه المؤمن ما يُريده لنفسه من الخير، وهذا كُلُّه إنَّما يأتي من كمالِ سلامةِ الصدر من الغلِّ والغشِّ والحسدِ، فإنَّ الحسدَ يقتضي أن يكره الحاسدُ أن يَفوقَه أحدٌ في خير، أو يُساويَه فيه؛ لأنَّه يُحبُّ أن يمتازَ على الناسِ بفضائله، وينفردَ بها عنهم، والإيمانُ يقتضي خلافَ ذلك، وهو أن يَشْرَكَه المؤمنون كُلُّهم فيَما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء.
وقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يُريد العلوَّ في الأرض ولا الفساد، فقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]. وروى ابنُ جريرٍ بإسنادٍ فيه نظرٌ عن عليٍّ ﵁، قال: إنَّ الرَّجُلَ ليُعْجبُهُ مِن شِراكِ نعله أن يكونَ أجودَ من شراكِ صاحبه فَيَدْخُلُ في قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٢). وكذا رُوي عن الفَضيل بنِ عياض في هذه الآية، قال: لا يُحِبُّ أن يكونَ نعلُه أجودَ من نعل غيره، ولا شِراكُهُ أجودَ مِنْ شراك غيره.
وقد قيل: إن هذا محمولٌ على أنَّه إذا أراد الفخر على غيره لا مجرَّدَ التجمل (^٣)، قال عكرمةُ وغيرُه من المفسرين في هذه الآية: العلوُّ في الأرض:
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه الطبري ٢٠/ ١٢٢، وفي إسناده أشعث السمان، وهو متروك.
(٣) وإلى ذلك ذهب الحافظ ابن كثير في "تفسيره" ٦/ ٢٦٩.
[ ١ / ٣٠٦ ]
التكبُّر، وطلبُ الشرف والمنزلة عند ذي سلطانها، والفساد: العمل بالمعاصي (^١).
وقد ورد ما يَدُلُّ على أنَّه لا يأثم مَنْ كره أن يفوقَه من الناسِ أحدٌ في الجمال، فخرَّج الإمامُ أحمدُ ﵀ والحاكم في "صحيحه" من حديث ابن مسعود ﵁، قال: أتيتُ النبيِّ - ﷺ - وعنده مالكُ بن مرارةَ الرَّهَاوِيُّ، فأدركتُه وهو يقول: يَا رسولَ الله، قد قُسِمَ لي من الجمال ما ترى، فما أحبُّ أحدًا من الناس فضلني بشِراكَيْن فما فوقهما، أليس ذلك هو من البَغي؟ فقال: "لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بَطِرَ - أو قال: - سفه الحقَّ وغَمَصَ الناس" (^٢).
وخرَّج أبو داود (^٣) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ - ﷺ - معناه، وفي حديثه: "الكبر" بدل "البغي".
فنفى أن تكونَ كراهتُه لأن يَفوقَهُ أحدٌ في الجمال بغيًا أو كبرًا، وفسَّر الكبر والبغي ببطر الحقِّ، وهو التكبُّر عليه، والامتناع مِن قبوله كِبرًا إذا خالف هواه. ومن هنا قال بعض السلف: التواضُعُ أن تَقْبَلَ الحق مِن كل من جاء به، وإن كان صغيرًا، فمن قَبِلَ الحقَّ ممَّن جاء به، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان يحبُّه أولا يحبه، فهو متواضع، ومن أبى قَبُولَ الحقّ تعاظُمًا عليه، فهو متكبِّرٌ.
وغمصُ الناس: هو احتقارُهم وازدراؤهم، وذلك يحصُل مِنَ النَّظرِ إلى النفس بعينِ الكمالِ، وإلى غيره بعينِ النَّقص.
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٢٠/ ١٢٢ و"الدر المنثور" ٦/ ٤٤٤.
(٢) رواه أحمد ١/ ٣٨٥ عن إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن، قال ابن مسعود … وهذا سند رجاله ثقات لكن في سماع حميد من ابن مسعود وقفة، وصححه الحاكم ٤/ ١٨٢ ووافقه الذهبي.
(٣) في "السنن" (٤٠٩٢) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وفي الجملة، فينبغي للمؤمن أن يُحِبَّ للمؤمنين ما يُحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لِنفسه، فإن رأى في أخيه المسلم نقصًا في دينه، اجتهدَ في إصلاحه. قال بعضُ الصالحين مِنَ السلف: أهلُ المحبة لله نظروا بنور الله، وعطَفُوا على أهلِ معاصي الله، مَقَتُوا أعمالهم، وعطفوا عليهم ليزيلوهُم بالمواعظ عن فِعالهم، وأشفقوا على أبدانِهم من النار، لا يكون المؤمنُ مؤمنًا حقًا حتى يرضى للناسِ ما يرضاه لنفسه، وإن رأى في غيره فضيلةً فاق بها عليه فتمنى لنفسه مثلها، فإنَّ كانت تلك الفضيلةً دينية، كان حسنًا، وقد تمنى النبيُّ - ﷺ - لنفسه منزلةَ الشَّهادة (^١).
وقال - ﷺ -: "لا حسدَ إلَّا في اثنتين: رجل آتاهُ الله مالًا، فهو يُنفقهُ آناء الليلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجُلٌ آتاهُ الله القرآن، فهو يقرؤهُ آناءَ الليل وآناءَ النهار" (^٢).
وقال في الذي رأى مَنْ ينفق مالَه في طاعة الله، فقال: "لو أنَّ لي مالًا، لفعلتُ فيه كما فعل، فهما في الأجر سواءٌ" (^٣) وإن كانت دنيويةً، فلا خيرَ في تمنيها، كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
_________________
(١) روى البخاري (٣٦) - واللفظ له - ومسلم (١٨٧٦)، وأحمد ٢/ ٤٢٤، وابن ماجه (٢٧٥٣) عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لولا أن أشقَّ على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولَوددتُ أني أقتل في سبيل الله ثم أُحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل". وصححه ابن حبان (٤٧٣٦).
(٢) رواه من حديث ابن مسعود أحمد ١/ ٣٥٨، والبخاري (٧٣) ومسلم (٨١٦) وابن ماجه (٤٢٠٨)، وصححه ابن حبان (٩٠). ورواه من حديث أبي هريرة البخاري (٥٠٢٦)، ومن حديث ابن عمر البخاري (٥٠٢٥) ومسلم (٨١٥)، وابن ماجه (٤٢٠٩)، وصححه ابن حبان (١٢٥) و(١٢٦).
(٣) رواه البخاري (٥٠٢٦) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٠]. وأما قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، فقد فُسِّرَ ذلك بالحسد، وهو تمنِّي الرجَل نفس ما أُعطي أخوه من أهل ومال، وأن ينتقل ذلك إليه، وفُسِّرَ بتمني ما هو ممتنع شرعًا أو قدرًا، كتمني النِّساءِ أن يكنَّ رجالًا، أو يعَون لهن مثلُ ما للرجالِ من الفضائل الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراثِ والعقلِ والشهادةِ ونحو ذلك. وقيل: إنَّ الآية تشمل ذلك كُلَّه.
ومع هذا كُلِّه، فينبغي للمؤمن أَنْ يحزنَ لفواتِ الفضائل الدينية، ولهذا أُمِرَ أن ينظر في الدين إلى مَنْ فوقَه، وأن يُنافِسَ في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ولا يكره أن أحدًا يُشارِكُه في ذلك، بل يُحِبُّ للناس كُلِّهم المنافسةَ فيه، ويحثُّهم على ذلك، وهو من تمام أداءِ النصيحة للإخوان. قال الفضيلُ: إن كنتَ تحبُّ أن يكونَ الناسُ مثلَك، فما أديتَ النَّصيحة لربِّك، كيف وأنت تحبُّ أن يكونوا دونك؟! يشير إلى أنَّ أداء النَّصيحة لهم أن يُحبَّ أن يكونوا فوقَه، وهذه منزلةٌ عالية، ودرجةٌ رفيعةٌ في النُّصح، وليس ذلك بواجبٍ، وإنَّما المأمورُ به في الشرع أن يُحبَّ أن يكونوا مثلَه، ومع هذا، فإذا فاقه أحدٌ في فضيلة دينية، اجتهد على لَحاقه، وحزن على تقصيرِ نفسه، وتخلُّفِهِ عن لحاق السابقين، لا حسدًا لهم على ما آتاهُم الله، بل منافسةً لهم، وغبطةً وحزنًا على النَّفس بتقصيرها وتخلُّفها عن درجات السابقين.
وينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسَه مقصِّرًا عن الدَّرجات العالية، فيستفيد بذلك أمرين نفيسين: الاجتهاد في طلب الفضائل، والازدياد منها، والنظر إلى نفسه بعينِ النَّقص، وينشأ مِنْ هذا أن يُحِبَّ للمؤمنين أن يكونوا خيرًا منه؛ لأنَّه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثلِ حاله، كما أنَّه لا يرضى لنفسه بما هي عليه،
[ ١ / ٣٠٩ ]
بل هو يجتهد في إصلاحها. وقد قالَ محمدُ بنُ واسع لابنه: أمَّا أبوكَ، فلا كثَّرَ الله في المسلمين مثلَه (^١).
فمن كان لا يرضى عن نفسه، فكيف يُحبُّ للمسلمين أن يكونوا مثلَه مع نصحه لهم؟ بل هو يحبُّ للمسلمين أن يكونوا خيرًا منه، ويحبُّ لنفسه أن يكونَ خيرًا ممَّا هو عليه.
وإن عَلِمَ المرءُ أن الله قد خصَّه على غيره بفضل، فأخبر به لمصلحة دينية، وكان إخباره على وجه التحدُّث بالنِّعمِ، ويرى نفسه مقصرًا في الشُّكر، كان جائزًا، فقد قال ابنُ مسعود: ما أعلم أحدًا أعلمَ بكتاب الله مني، ولا يمنع هذا أن يُحِبَّ للنَّاسِ أنْ يُشاركوه فيما خصَّهُ الله به، فقد قال ابنُ عبَّاسٍ: إنِّي لأمرُّ على الآيةِ من كِتاب الله، فأودُّ أنَّ النَّاسَ كُلَّهم يعلمُون منها ما أعَلم. وقال الشافعيُّ: وددتُ أنَّ النَّاسَ تعلَّموا هذا العلمَ، ولم يُنسَبْ إليَّ منه شيءٍ (^٢). وكان عتبةُ الغلامُ إذا أراد أن يُفطر يقول لبعض إخوانه المطَّلِعين على أعماله: أَخرِج إليَّ ماءً أو تمراتٍ أُفطر عليها؛ ليكونَ لك مثلُ أجري (^٣).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٣٥٠.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٩/ ١١٩، وانظر "السير" ١٠/ ٥٥.
(٣) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٦/ ٢٣٥.
[ ١ / ٣١٠ ]