عَنْ أبي مالِكٍ الأشْعَريّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ للهِ تَملأُ المِيزانَ، وسُبحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، تَملآنِ أو تَملأُ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، والصَّلاةُ نورٌ، والصَّدقَةُ بُرهَانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والقُرآنُ حُجَّةٌ لك أو عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فبَائعٌ نَفْسَهُ، فمُعْتِقُها أو مُوبِقها". رواه مسلم (^١).
هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية يحيى بن أبي كثير أن زيدَ بن سلام حدثه أن أبا سلام حدثه عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسولُ الله - ﷺ - "الطهور شطر الإِيمان، والحمد لله تملأ الميزان"، فذكر الحديثَ. وفي أكثر نسخ صحيح مسلم "والصبرُ ضياء" وفي بعضها: "والصيامُ ضياء".
وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيدِ بن سلَّام، فأنكره يحيى بنُ معين، وأثبته الإِمامُ أحمدُ، وفي هذه الرواية التصريحُ بسماعه منه.
وخرَّج هذا الحديث النسائيُّ، وابنُ ماجه من رواية معاوية بن سلام عن أخيه زيدِ بن سلَّام، عن جدِّه أبي سلام عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي
_________________
(١) برقم (٢٢٣). ورواه أيضًا أحمد ٥/ ٣٤٢، و٣٤٣، والدارمي ١/ ١٦٧، والترمذي (٣٥١٧) والنسائي ٥/ ٥ - ٨، وفي "عمل اليوم والليلة" (١٦٨) و(١٦٩)، وابن ماجه (٢٨٠)، والبيهقي في "السنة" ١/ ٤٢، وفي "الاعتقاد" ص ١٧٦، والطبراني في "الكبير" (٣٤٢٣) و(٣٤٢٤)، وابن منده في "الإيمان" (٢١١)، وصححه ابن حبان (٨٤٤).
[ ٢ / ٥ ]
مالك، فزاد في إسناده عبد الرحمن بن غنم، ورجَّحَ هذه الرواية بعضُ الحفاظ، وقال: معاوية بن سلام أعلمُ بحديثِ أخيه زيدٍ من يحيى بن أبي كثير، ويقوِّي ذلك أنه قد روي عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك من وجهٍ آخر، وحينئذ فتكونُ روايةُ مسلمٍ منقطعةً.
وفي حديثِ معاويةَ بعضُ المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير، فإنَّ لفظ حديثه عند ابن ماجه: "إسباغ الوضوء شطرُ الإِيمان، والحمد لله مِلء الميزان، والتسبيحُ والتكبيرُ مِلء السماء والأرض، والصلاة نورٌ، والزكاة برهانٌ، والصبر ضياءٌ، والقرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك، كلُّ النَّاسِ يغدو، فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها".
وخرَّج الترمذي حديث يحيى بن أبي كثير الذي خرَّجه مسلم، ولفظ حديثه: "الوضوءُ شطرُ الإِيمانِ"، وباقي حديثه مِثلُ سياقِ مسلمٍ.
وخرَّج الإِمامُ أحمدُ والترمذي من حديث رجل من بني سليم، قال: عدَّهُنَّ رسولُ الله - ﷺ - في يدي أو (^١) في يده: "التسبيحُ نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصومُ نصفُ الصبر، والطهورُ نصفُ الإِيمان" (^٢).
_________________
(١) في (أ) و(ب): "و" والمثبت من (ج).
(٢) رواه أحمد ٥/ ٣٦٣، والترمذي (٣٥١٩)، وقال: هذا حديث حسن. ورواه أيضًا عبد الرزاق (٢٠٥٨٢) والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٤٣٢) - (٤٣٤)، والدارمي ١/ ١٦٧.
[ ٢ / ٦ ]
فقوله - ﷺ -: "الطهور شطرُ الإيمان" فسر بعضهم الطهورَ هاهنا بتركِ الذُّنوب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال: الإيمانُ نوعان: فعلٌ وترك، فنصفُه: فعلُ المأموراتِ، ونصفُه: ترك المحظورات، وهو تطهيرُ النفس بترك المعاصي، وهذا القولُ محتمل لولا أن رواية "الوضوء شطرُ الإيمان" تردُّه، وكذلك رواية "إسباغ الوضوء".
وأيضًا، ففيه نظرٌ من جهة المعنى، فإنَّ كثيرًا من الأعمال تُطَهِّرُ النفس مِنَ الذُّنوب السابقة، كالصلاة، فكيف لا تدخل في اسم الطُّهور، ومتى دخلت الأعمالُ، أو بعضُها، في اسم الطُّهور، لم يتحققْ كونُ تركِ الذنوبِ شَطْرَ الإيمان.
والصحيح الذي عليه الأكثرون: أن المراد بالطهور هاهنا: التَّطهُّر بالماء من الأحداث، وكذلك بدأ مسلمٌ بتخريجه في أبواب الوضوء، وكذلك خرَّجه النسائي وابن ماجه وغيرهما، وعلى هذا، فاختلف الناسُ في معنى كون الطهور بالماء شطرَ الإيمان.
فمنهم من قال: المرادُ بالشطر: الجزءُ، لا أنَّه النصفُ بعينه، فيكونُ الطهور جزءًا مِنَ الإيمان، وهذا فيه ضعف، لأنَّ الشطر إنَّما يُعْرَفُ استعمالُه لغة في النِّصف، ولأن في حديث الرجلِ من بني سُليم: "الطهورُ نصف الإيمان" كما سبق.
ومنهم من قال: المعنى أنه يُضاعَفُ ثوابُ الوضوء إلى نصف ثوابِ الإِيمان، لكن من غير تضعيف، وفي هذا نظرٌ، وبُعدٌ.
[ ٢ / ٧ ]
ومنهم من قال: الإيمانُ يكفِّرُ الكبائرَ كلَّها، والوضوء يكفِّر الصَّغائرَ، فهو شطرُ الإيمان بهذا الاعتبار، وهذا يردُّه حديث: "من أساءَ في الإِسلام أُخِذَ بما عمل في الجاهلية" (^١) وقد سبق ذكره.
ومنهم من قال: الوضوء يُكفِّرُ الذنوبَ مع الإِيمان، فصار نصفَ الإِيمانِ، وهذا ضعيف.
ومنهم من قال: المرادُ بالإِيمان هاهنا: الصلاة، كما في قوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والمراد: صلاتُكم إلى بيتِ المقدس (^٢)، فإذا كان المرادُ بالإِيمان الصلاةَ، فالصلاةُ لا تُقبل إلا بطهور، فصار الطُّهور شطر الصلاة بهذا الاعتبار، حكى هذا التفسير محمدُ بن نصر
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) قال البخاري في "صحيحه": باب الصلاة من الإيمان وقول الله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع أيمانكم﴾ يعني صلاتكم. . .، حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق عن البراء أن النبي - ﷺ - كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال: أخواله - من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله - ﷺ - قبل مكة، فداروا - كما هم - قبل البيت. وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يُصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبَل البيت أنكروا ذلك. قال زهير: حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا: أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجالٌ وقُتِلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣].
[ ٢ / ٨ ]
المروزي في "كتاب الصلاة" (^١) عن إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم، وأنه قال في معنى قولهم: لا أدري نصفُ العلم: إن العلم إنما هو: أدري ولا أدري، فأحدهما نصفُ الآخر.
قلت: كُلُّ شي كان تحته نوعان: فأحدُهما نصفٌ له، وسواءٌ كان عددُ النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الأخر، ويدلُّ على هذا حديثُ: "قسمتُ الصلاة بيني وبَينَ عبدي نصفين" (^٢) والمرادُ: قراءة الصلاة، ولهذا فسَّرها بالفاتحة، والمرادُ أنَّها مقسومة لِلعبادة والمسألة، فالعبادةُ حقُّ الربِّ والمسألةُ حقُّ العبد، وليس المرادُ قسمة كلماتها على السواء. وقد ذكر هذا الخطابيُّ (^٣)، واستشهد بقول العرب: نصف السنة سفر، ونصفها حَضَر، قال: وليس على تساوي الزمانين فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما، وإن تفاوتت مدَّتاهما، وبقول شريح - وقيل له: كيف أصبحت؟ - قال: أصبحت ونصفُ الناس عليَّ غضبان، يريد أن الناسَ بين محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان، والمحكوم له راضٍ عنه، فهما حزبان مختلفان. ويقول الشاعر؛
إذا مِتُّ كان الناسُ نصفينِ: شامتٌ … بموتي ومُثْنٍ بالذي كنتُ أفعلُ
ومراده أنهم ينقسمون قسمين.
_________________
(١) ١/ ٤٣٥.
(٢) قطعة من حديث مطول من حديث أبي هريرة رواه مالك ١/ ٨٤، وأحمد ٢/ ٢٤١، ومسلم (٣٩٥)، وأبو داود (٨٢١)، والترمذي (٢٩٥٣)، والنسائي ٢/ ١٣٥ - ١٣٦، وابن ماجه (٣٧٨٤)، وابن خزيمة (٥٠٢)، وصححه ابن حبان (٧٧٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) في "معالم السنن" ١/ ٢٠٤.
[ ٢ / ٩ ]
قلت: ومِنْ هذا المعنى: حديثُ أبي هريرة المرفوع في الفرائض "أنها نصف العلم" خرَّجه ابن ماجه (^١)، فإن أحكامَ المكلفين نوعان: نوع يتعلق بالحياة، ونوعٌ يتعلَّقُ بما بعدَ الموتِ، وهذا هو الفرائضُ. وقال ابنُ مسعود: الفرائضُ ثلث العلم. ووجه ذلك الحديث الذي خرَّجه أبو داود وابنُ ماجه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك، فهو فضلٌ: آية محكمة، أو سنَّةٌ قائمةٌ، أو فريضة عادلة" (^٢).
وروي عن مجاهدٍ أنه قال: المضمضةُ والاستنشاقُ نصفُ الوضوء (^٣)، ولعلَّه أراد أن الوضوء قسمان: أحدهما مذكور في القرآن، والثاني مأخوذٌ من السُّنَّةِ، وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أن المضمضةَ والاستنشاقَ يُطَهِّرُ باطنَ الجسدِ، وغسلَ سائرِ الأعضاء يُطهر ظاهره، فهما نصفان بهذا الاعتبار، ومنه قولُ ابن مسعود: الصبرُ نصفُ الإيمان واليقينُ الإِيمان كله (^٤). وجاء من رواية يزيد
_________________
(١) برقم (٢٧١٩) وفيه حفص بن عمر بن أبي العطاف، وهو ضعيف. ورواه أيضًا الدارقطني ٤/ ٦٧، والحاكم ٤/ ٣٣٢، والبيهقي ٦/ ٢٠٩، وضعفه الذهبي والبيهقي بحفص بن عمر.
(٢) رواه أبو داود (٢٨٨٥)، وابن ماجه (٥٤)، والبيهقي ٦/ ٢٠٨، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وعبد الرحمن بن رافع التنوخي، وهما ضعيفان.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨.
(٤) علق الشطر الثاني منه البخاري في أول كتاب الإيمان في ترجمة الباب، ووصله بشطريه الطبراني في "الكبير" (١٨٥٤٤)، وابن أبي خيثمة في "التاريخ"، وابن حجر في "تغليق التعليق" ٣/ ٢٢ من طريق الأعمش عن أبي ظبيان حصين بن جندب، عن علقمة، عن ابن مسعود، وصححه الحاكم ٢/ ٤٤٦، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر: هذا صحيح=
[ ٢ / ١٠ ]
الرقاشي عن أنس مرفوعًا: "الإِيمانُ نصفان: نصفٌ في الصَّبر، ونصفٌ في الشُّكر" (^١)، فلمَّا كان الإِيمانُ يشمل فعلَ الواجباتِ، وتركَ المحرَّمات، ولا يُنالُ ذلك كلُّه إلَّا بالصَّبر، كان الصبرُ نصفَ الإِيمانِ، فهكذا يقالُ في الوضوء: إنَّه نصف الصلاة.
وأيضًا فالصلاةُ تُكفر الذنوبَ والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه، فصار شطرَ الصلاة بهذا الاعتبار أيضًا، كما في "صحيح مسلم" (^٢) عن عثمان عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما مِنْ مسلم يتطهر فيُتِمُّ الطهورَ الذي كُتِبَ عليه، فيُصلي هذه الصلوات الخمْسَ إلَّا كانت كفَّارةً لما بينهنّ". وفي رواية له: "من أتمَّ الوُضوء كما أمره الله، فالصلواتُ المكتوبات كفاراتٌ لما بينهن".
_________________
(١) = موقوف، وكذا صححه في "الفتح" ١/ ٤٨، وأورده الهيثمي في "المجمع" ١/ ٥٧، وقال: رجاله رجال الصحيح. ورواه أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٣٤، والخطيب في "تاريخه" ١٣/ ٢٢٦، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٥٨)، وابن حجر في "تغليق التغليق" ١/ ٢٢ - ٢٣ من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب عن محمد بن خالد المخزومي، عن سفيان الثوري، عن زبيد اليامي، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود مرفوعًا. وقال ابن حجر: لا يثبت رفعه، ونقل عن البيهقي قوله: تفرد به يعقوب بن حميد، ثم حكى (أي البيهقي) عن الحافظ أبي علي النيسابوري قوله: هذا حديث منكر، لا أصل له من حديث زبيد، ولا من حديث الثوري.
(٢) رواه الخرائطي في "فضيلة الشكر" (١٨)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٥٩)، ويزيد الرقاشي ضعيف.
(٣) رقم (٢٣١).
[ ٢ / ١١ ]
وأيضًا، فالصلاةُ مفتاحُ الجنة، والوضوء مفتاح الصَّلاة، كما خرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي من حديث جابرٍ مرفوعًا (^١)، وكلٌّ من الصلاة والوضوء مُوجبٌ لفتح أبواب الجنَّة كما في "صحيح مسلم" (^٢) عن عُقبة بن عامر سمع النبيَّ - ﷺ - يقول: "ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة"، وعن عقبة، عن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: "ما مِنْكُم مِن أَحَدٍ يتوضأ فيُبْلغُ أو يُسبِغُ الوضوء، ثم يقولُ: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، إلا فُتحتْ له أبوابُ الجنة الثمانية يدخل من أيِّها شاء".
وفي "الصحيحين" عن عُبَادة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "من قال: أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله، وابنُ أمتِهِ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، وروحٌ منه، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ، وأن النار حقٌّ، أدخله الله مِنْ أيِّ أبوابِ الجنةِ الثمانيةِ شاءَ" (^٣).
فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجبًا لفتح أبواب الجنة، صار الوضوءُ نصفَ الإِيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار.
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٣٤٠، والترمذي (٤) والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١٧٥)، والطبراني في "الصغير" (٥٩٦)، وفيه أبو يحيى القتات، وهو ضعيف، وسليمان بن قرم سيء الحفظ.
(٢) رقم (٢٣٤) وصححه ابن حبان (١٠٥٠)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨). ورواه أيضًا أحمد ٥/ ٣١٤، وصححه ابن حبان (٢٠٧).
[ ٢ / ١٢ ]
وأيضًا، فالوضوء من خِصال الإِيمان الخفيَّة التي لا يُحافِط عليها إلَّا مُؤمنٌ، كما في حديث ثوبان وغيره عن النبيِّ - ﷺ -: "لا يُحافِظُ على الوضوء إلا مؤمن " (^١). والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة، كما خرَّجه العقيلي من حديث أبي الدرداء، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "خمسٌ من جاءَ بهنَّ مع إيمانٍ، دخل الجنَّةَ: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزَّكاةَ من ماله طيِّبَ النَّفسِ بها - قال: وكان يقول: - وايمُ اللهِ، لا يفعل ذلك إلا مؤمنٌ، وصام رمضان، وحجَّ البيتَ من استطاع إليه سبيلًا، وأدَّى الأمانة" قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداءُ الأمانة؟ قال: الغسلُ من الجنابة، فإن الله لم يأتمنِ ابنَ آدم على شيءٍ من دينه غيرها (^٢).
وخرَّج ابنُ ماجه (^٣) من حديث أبي أيوبَ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "الصلواتُ
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٢٨٠ والدارمي ١/ ١٩٨، وابن ماجه (٢٧٧)، والحاكم ١/ ١٣٠، رصححه ابن حبان (١٠٣٧) وقد تقدم.
(٢) رواه العقيلي في "الضعفاء" ٣/ ١٢٣ من رواية عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، وقال: لا يتابع عليه. قلت: روى له الشيخان، ووثقه ابن حبان والعجلي والدارقطني وغيرهم. وقال الذهبي في "الميزان" ٣/ ١٣: ذكره العقيلي في كتابه، وساق له حديثًا لا أرى به بأسًا.
(٣) رقم (٥٩٨) من طريق عتبة بن أبي حكيم، حدثني طلحة بن نافع، حدثني أبو أيوب قال: البوصيري في "مصباح الزجاجة" ٤٢/ ٢ - ٤٣/ ١: هذا إسناد فيه مقال: طلحة بن نافع لم يسمع من أبي أيوب، قاله ابن أبي حاتم، عن أبيه، وفيما قاله أبو حاتم نظر، فإن طلحة بن نافع - وإن وصفه الحاكم بالتدليس - فقد صرح بالتحديث، فزالت تهمة تدليسه، وهو ثقة وثقه النسائي والبزار، وابن عدي، وأصحاب السنن، وعتبة بن أبي=
[ ٢ / ١٣ ]
الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداءُ الأمانة كفَّارةٌ لما بينهنّ"، قيل: وما أداء الأمانة؟ قال: "الغسل من الجنابة، فإن تحتَ كُلِّ شعرة جنابة" وحديث أبي الدرداء الذي قبلَه جعل فيه الوضوءَ من أجزاءِ الصلاة.
وجاء في حديثٍ آخر خرَّجه البزار (^١) من رواية شبابة بن سوار: حدثنا المُغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "الصلاةُ ثلاثةُ أثلاث: الطهور ثُلُثٌ، والركوع ثُلُثٌ، والسجودُ ثلث، فمن أدَّاها بحقِّها، قُبلَتْ منه، وقُبِلَ منه سائرُ عمله، ومن رُدَّتْ عليه صلاتُه، رُدَّ عليه سائر عمله" وقالَ: تفرَّد به المغيرةُ، والمحفوظُ عن أبي صالح، عن كعب من قوله.
فعلى هذا التقسيم الوضوءُ ثُلُثُ الصلاة، إلَّا أن يجعل الركوع والسجود كالشيء الواحد، لتقاربهما في الصورة، فيكونُ الوضوءُ نصفَ الصلاة أيضًا.
ويحتمل أن يُقال: إنَّ خصالَ الإِيمان من الأعمال والأقوال (^٢) كُلّها تُطَهِّرُ القلبَ وتُزكيه، وأما الطهارةُ بالماء، فهي تختصُّ بتطهير الجسدِ وتنظيفه، فصارت خصالُ الإِيمان قسمين: أحدُهما يُطهّرُ الظاهر، والآخر يُطهر الباطن، فهما نصفان بهذا الاعتبار، والله أعلم بمراده ومراد رسوله في ذلك كُلِّه.
_________________
(١) = حكيم مختلف فيه، رواه أحمد بن منيع في "مسنده" حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا يحيى بن حمزة، عن عتبة بن أبي حكيم، حدثني طلحة بن نافع، حدثني أبو أيوب الأنصاري فذكره، وروى أبو داود والترمذي من الجملة الأخرى.
(٢) رقم (٣٤٩) وأورده الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٤٧، وقال: المغيرة ثقة، وإسناده حسن.
(٣) في (ج): "إن خصال الإِيمان من الأعمال والأقوال كلها".
[ ٢ / ١٤ ]
وقوله - ﷺ -: "والحمدُ لله تملأ الميزانَ، وسبحانَ اللهِ والحمد لله تملآن أو تملأُ ما بَيْنَ السماوات والأرض" فهذا شكٌّ مِن الراوي في لفظه، وفي رواية النسائي وابن ماجه: "والتسبيح والتكبير مِلءُ السماء والأرض". وفي حديث الرجل من بني سُليم: "التسبيحُ نصفُ الميزانِ، والحمد لله تملؤُه، والتكبيرُ يملأ ما بَيْنَ السماء والأرض" (^١).
وخرَّج الترمذي (^٢) من حديث الإِفريقي عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمروٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "التسبيحُ نصفُ الميزان، والحمدُ لله تملؤه، ولا إله إلَّا الله ليس لها دونَ اللهِ حجابٌ حتَّى تصلَ إليه"، وقال: ليس إسناده بالقويّ. قلت: اختلف في إسناده على الإِفريقي، فروي عنه عن أبي علقمة عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ -، وفيه زيادة: "والله أكبر ملء السماوات والأرض".
روى جعفر الفريابي في كتاب "الذكر" وغيره من حديث عليٍّ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "الحمد لله ملء الميزان، وسبحان الله نصف الميزان، ولا إله إلا الله والله أكبر ملء السماوات والأرض وما بينهن".
وخرَّج الفريابي أيضًا من حديث معاذ بن جبل عن النبيِّ - ﷺ - قال: "كلمتان إحداهما مَنْ قالها لم يكن لها ناهية دونَ العرش والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض: لا إله إلا الله والله أكبر" (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٤٧٩.
(٢) رقم (٣٥١٨)، والإفريقي - واسمه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - قاضي إفريقية، ضعيف في حفظه.
(٣) ورواه الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٣٣٤) من طريق سعيد بن أبي مريم، أخبرنا ابن =
[ ٢ / ١٥ ]
فقد تضمنت هذه الأحاديثُ فضلَ هذه الكلمات الأربع التي هي أفضلُ الكلام، وهي: سبحانَ اللهِ، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
فأما الحمدُ لله، فاتفقت الأحاديثُ كلُّها على أنه يملأ الميزانَ، وقد قيل: إنَّه ضربُ مثل، وإن المعنى: لو كان الحمدُ جسمًا لملأ الميزان، وقيل: بل الله ﷿ يُمثِّلُ أعمالَ بني آدم وأقوالهم صُوَرًا تُرى يومَ القيامة وتوزَنُ، كما قال النبيُّ - ﷺ -: "يأتي القرآنُ يومَ القيامة تقْدُمُه البقرةُ وآلُ عمران كأنَّهما غمامتان أو غَيَايَتانِ أو فِرقان من طيرٍ صَوَّاف" (^١).
وقال: "كلمتانِ حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزانِ، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحانَ الله العظيمِ" (^٢).
وقال: "أثقلُ ما يوضَع في الميزانِ الخُلُقُ الحسنُ" (^٣)، وكذلك المؤمن يأتيه
_________________
(١) = لهيعة، عن موسى بن جبير أن معاذ بن عبد الله بن رافع حدثه، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن معاذ، قال الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٨٦: معاذ بن عبد الله بن رافع لم أعرفه، وابن لهيعة حديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. قلت: وابن لهيعة ضعيف لاختلاطه بعد احتراق كتبه، وسعيد بن أبي مريم روى عنه بعد الاختلاط.
(٢) رواه مسلم (٨٠٤) من حديث أبي أمامة، ورواه مسلم (٨٠٥)، والترمذي (٢٨٨٣) من حديث النواس بن سمعان. والغمامة والغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه سحابة وغبرة وغيرهما، والمراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين، وفرقان: جماعتان من طير صواف جمع صافة: وهي من الطيور ما يبسط أجنحتها في الهواء.
(٣) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٣٢، والبخاري (٦٤٠٦) و(٦٦٨٢) و(٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤)، والترمذي (٣٤٦٧)، وابن ماجه (٣٨٠٦)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٣٠)، وأبو يعلى (٦٩٦)، وصححه ابن حبان (٨٣١) و(٨٤١).
(٤) رواه من حديث أبي الدرداء أحمد ٦/ ٤٤٢ و٤٤٦ و٤٤٨، والبخاري في "الأدب المفرد"=
[ ٢ / ١٦ ]
عملُه الصالحُ في قبره في أحسنِ صُورَةٍ والكافر يأتيه عملُه في أقبحِ صورةٍ (^١)، ورُوي أن الصلاة والزكاة والصيام وأعمال البرِّ تكونُ حَوْل الميت في قبره تُدافعُ عنه، وأنَّ القرآن يصعَد فيشفعُ له (^٢).
وأما سبحان الله، ففي رواية مسلم: "سبحان الله والحمد لله تملأ - أو تملآن - ما بَينَ السماء والأرض"، فشكَّ الراوي في الذي يملأ ما بين السماءِ والأرض: هل هو الكلمتان أو إحداهما؟ وفي رواية النسائي وابنِ ماجه: "التسبيحُ والتَّكبيرُ ملءُ السَّماءِ والأرض"، وهذه الروايةُ أشبه، وهل المرادُ أنَّهما معًا يملآن ما بينَ السماء والأرض، أو أنَّ كلًا منهما يملأُ ذلك؟ هذا محتمل. وفي حديث أبي هريرة والرجلِ الآخر أنَّ التكبير وحدَه يملأُ ما بينَ السَّماءِ والأرض.
وبكلِّ حال (^٣) فالتسبيح دونَ التحميد في الفضل كما جاء صريحًا في حديث عليّ وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، والرجل من بني سُليمٍ أن التسبيح نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه، وسببُ ذلك أن التحميدَ إثباتُ المحامدِ كلِّها لله،
_________________
(١) = (٢٧٠)، وأبو داود (٤٧٩٩)، والترمذي (٢٠٠٣)، وصححه ابن حبان (٤٨١).
(٢) روى أحمد ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨ و٢٩٥ - ٢٩٦ حديثًا مطولًا من حديث البراء بن عازب جاء فيه أن المؤمن يأتيه في قبره "رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه بجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح. . ." وأما الكافر فيأتيه "رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن البريح، فيقول؛ أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث". وصححه الحاكم ١/ ٣٧ - ٣٨ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٣/ ٤٩ - ٥٠، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه في حديث مطول عن أبي هريرة عبد الرزاق (٦٧٠٣)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤ والحاكم ١/ ٣٧٩، وصححه ابن حبان (٣١١٣).
(٤) في (ج): "وعلى كل حال".
[ ٢ / ١٧ ]
فدخل في ذلك إثباتُ صفاتِ الكمال ونعوتِ الجلال كلِّها، والتسبيحُ هو تنزيه اللهِ عن النقائص والعيوب والآفات، والإِثباتُ أكملُ من السلب، ولهذا لم يردِ التسبيحُ مجرَّدًا، لكنْ مقرونًا بما يدلُّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقرَنُ بالحمد، كقول: سبحان الله وبحمده وسبحان الله، والحمد لله، وتارة باسمٍ من الأسماء الدَّالَّةِ على العظمة والجلال، كقوله: سبحان الله العظيم، فإنْ كان حديثُ أبي مالكٍ يدلُّ على أن الذي يملأُ ما بَيْنَ السَّماء والأرض هو مجموعُ التسبيح والتكبير، فالأمرُ ظاهر، وإن كان المراد أنَّ كلًا منهما يملأُ ذلك، فإنَّ الميزان أوسعُ ممَّا بينَ السَّماء والأرض، فما يملأ الميزانَ هو أكبر (^١) ممَّا يملأ ما بينَ السَّماء والأرض، ويدلُّ عليه أنَّه صحَّ عن سلمانَ ﵁ أنه قال: يُوضعُ الميزانُ يوم القيامة، فلو وُزِنَ فيه السماواتُ والأرضُ لوسعت، فتقولُ الملائكة: يا ربّ لمن تزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئتُ من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك. وخرَّجه الحاكم (^٢) مرفوعًا وصححه، ولكن الموقوف هو المشهور.
وأمَّا التكبيرُ، ففي حديث أبي هريرة والرجل من بني سُليمٍ أنه وحده يملأ ما بين السماواتِ والأرض، وفي حديث عليَّ أن التكبير مع التهليل يملأ السماوات والأرض وما بينهن.
وأما التهليلُ وحده، فإنَّه يصلُ إلى اللهِ من غيرِ حجابٍ بينه وبينه. وخرَّج التِّرمذي من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ما قال عبدٌ لا إله إلا الله مخلصًا، إلَّا فُتِحَت له أبوابُ السَّماء، حتَّى تُفضيَ إلى العرش ما اجتُنِبَتِ الكبائر" (^٣).
_________________
(١) في (ج): "أكبر".
(٢) في "المستدرك" ٤/ ٥٨٦، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٣) رواه الترمذي (٣٥٩٠)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٣٣)، وحسنه الترمذي وهو=
[ ٢ / ١٨ ]
وقال أبو أمامة: ما من عبدٍ يُهلّل تهليلةً، فيُنهْنِهُها شيءٌ دونَ العرشِ. وورد أنه لا يعدِلُها شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور، وقد خرَّجه أحمد والترمذي والنسائي، وفي آخره عندَ الإِمامِ أحمد: "ولا يثقل شيءٌ باسم الله الرحمن الرحيم" (^١). وفي "المسند" (^٢) عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "إنَّ نوحًا ﵇ لمَّا حضرته الوفاةُ، قال لابنه: آمرك بلا إله إلا الله،
_________________
(١) = كما قال.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٢١٢، والترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والحاكم ١/ ٥٢٩، وصححه ابن حبان (٢٢٥)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله ﷿ يستخلِصُ رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينْشُرُ عليه تسعةً وتسعين سِجلًا، كُلّ سجلٍّ مَدُّ البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، فيقول: ألك عذرًا وحسنة؟ فيُبهَتُ الرجلُ، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنةً واحدة لا ظُلم اليوم عليك، فتُخرج له بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، قال: فطاشت السجلاتُ، وثقلت البطاقةُ، ولا يثقل شيءٌ بسم الله الرحمن الرحيم". قلت: وليس هو في "سنن النسائي" لا في الصغرى ولا في الكبرى. السجل: هو الكتاب الكبير، ومعنى يبهت الرجل: ينقطع ويسكت متحيرًا مدهوشًا، والبطاقة: رقعة صغيرة يثبت فيها مقدار ما يجعل فيه إن كان عينًا فوزنه أوعدده، وإن كان متاعًا، فثمنه، وقوله: "ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم" كذا جاءت الرواية في مسند أحمد، ورواية الترمذي "ولا يثقل مع اسم الله شيء" ورواية ابن حبان: "لا يثقل اسم الله شيء".
(٣) ٢/ ١٧٠ و٢٢٥، ورجاله ثقات، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ١/ ١١٢، وانظر "مجمع الزوائد" ٤/ ٢١٩ - ٢٢٠.
[ ٢ / ١٩ ]
فإن السماوات السبعَ والأرضين السبع لو وضعت في كفةٍ، ووضعت لا إله إلا الله في كفَّةٍ، رجحت بهنَّ لا إله إلا الله".
وفيه (^١) أيضًا عن عبد الله بن عمرو عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ موسى ﵇ قال: يا ربِّ علمني شيئًا أذكُرُكَ به وأدعوك به، قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله، قال: كلُّ عبادِكَ يقولُ هذا، إنَّما أُريدُ شيئًا تخصُّني به، قال: يا موسى، لو أن السماوات السبعَ وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفَّة ولا إله إلا الله في كفَّة مالت بِهِنَّ لا إله إلا الله".
وقد اختلف في أيِّ الكلمتين أفضلُ؟ أكلمةُ الحمدِ أم كلمةُ التَّهليلِ؟ وقد حكى هذا الاختلافَ ابنُ عبد البرِّ وغيره. وقال النَّخعي: كانوا يرون أن الحمدَ أكثرُ الكلام تضعيفًا، وقال الثوري: ليس يُضاعف من الكلام مثل الحمد لله.
والحمدُ يتضمَّنُ إثباتَ جميع أنواع الكمال لله، فيدخل فيه التوحيد. وفي "مسند" الإمام أحمد (^٢) عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: "إن الله اصطفى من الكلام أربعًا: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر،
_________________
(١) هذا وهم من المصنف ﵀ فالحديث ليس في "المسند"، ولا هو من حديث عبد الله بن عمر، وإنما هو من حديث أبي سعيد الخدري رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٣٤) و(١١٤١)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٣٩٣)، والطبراني في "الدعاء" (١٤٨٥)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ١٠٢ - ١٠٣، وصححه ابن حبان (٦٢١٨)، والحاكم ١/ ٥٢٨، ووافقه الذهبي، وابن حجر في "الفتح" ١١/ ٢٠٨، مع أن في سنده دراجًا أبا السمح، وهو ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، وهذا منها.
(٢) ٢/ ٣٠٢ و٣١٠ و٣/ ٣٥ و٣٧. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٢٨، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٤٠)، والبزار (٣٠٧٤)، وصححه الحاكم ١/ ٥١٢، ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٨٧ - ٨٨، ونسبه لأحمد والبزار، وقال: ورجالهما رجال الصحيح.
[ ٢ / ٢٠ ]
فمن قال: سبحان الله، كُتِبَتْ له عشرون حسنة، أو حُطّت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر مثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قال: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين من قبل نفسه، كتبت له ثلاثونَ حسنة، أو حطَّت عنه ثلاثون سيئة". وقد روي هذا عن كعبٍ من قوله، وقيل: إنَّه أصحُّ من المرفوع (^١).
وقولُه - ﷺ -: "والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصبرُ ضياءٌ"، وفي بعض نسخ "صحيح مسلم": "والصيام ضياءٌ"، فهذه الأنواع الثلاثةُ من الأعمال أنوارٌ كلُّها، لكن منها ما يختصُّ بنوع من أنواعِ النُّور، فالصَّلاةُ نورٌ مطلق، ويُروى بإسنادين فيهما نظر عن أنسٍ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "الصلاةُ نورُ المؤمنِ" (^٢)، فهي للمؤمنين في الدُّنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم، تُشرِق بها قلوبُهم، وتستنير بصائرُهم ولهذا كانت قرَّة عين المتقين، كما كان النبيّ - ﷺ - يقول: "جعلت قُرَّةٌ عيني في الصلاة" خرَّجه أحمد والنسائي (^٣).
وفي رواية: "الجائع يشبع، والظمآنُ يَروى، وأنا لا أشبع من حُبِّ
_________________
(١) رواه من قول كعب النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٤٣)، وذكره ابن حجر في "تغليق التعليق" ٥/ ٢٠١، وزاد نسبته إلى الفريابي.
(٢) رواه أبو يعلى (٣٦٥٥)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١٧٦) و(١٧٧)، والقضاعي (١٤٤)، وإسناده ضعيف. ورواه ابن ماجه (٤٢١٠)، وأبو يعلى (٣٦٥٦)، وابن عدي في "الكامل" ٧/ ٢٥٥٤ بلفظ: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة من النار". وإسناده ضعيف أيضًا.
(٣) رواه من حديث أنس أحمد ٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥، والنسائي ٧/ ٦١ - ٦٢، وصححه الحاكم ٢/ ١٦٠، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وحسّنه ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٣/ ١١٦، والحديث بتمامه: "حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة".
[ ٢ / ٢١ ]
الصلاة" (^١). وفي "المسند" (^٢) عن ابن عباس، قال: قال جبريلُ للنبيِّ - ﷺ -: إن الله قد حبَّبَ إليكَ الصَّلاةَ، فخُذْ منها ما شئت. وخرَّج أبو داود (^٣) من حديث رجلٍ من خزاعةَ أن النبيَّ - ﷺ - قال: "يا بلالُ، أقمِ الصَّلاةَ وأرِحْنا بها".
قال مالك بن دينار: قرأتُ في التوراة: يا ابن آدم، لا تَعْجِزْ أن تقومَ بين يديَّ في صلاتِك باكيًا، فأنا الذي اقتربتُ بقلبك وبالغيب رأيت نوري، يعني: ما يفتح للمصلي في الصلاة من الرِّقة والبكاء (^٤).
وخرَّج الطبراني من حديث عُبادة بن الصامت مرفوعًا: "إذا حافظ العَبْدُ على صلاته، فأقام وضوءها، وركوعها، وسجودها، والقراءة فيها، قالت له: حَفِظكَ الله كما حَفِظتني، وصُعِدَ بها إلى السَّماء، ولها نورٌ حتَّى تنتهي إلى الله ﷿، فتشفع لصاحبها" (^٥).
وهي نورٌ للمؤمنين في قبورهم، ولا سِيَّما صلاة الليل كما قال أبو الدرداء: صلُّوا ركعتين في ظُلَم اللَّيلِ لِظلمة القبور.
وكانت رابعةُ قد فَتَرَتْ عن وِرْدها باللَّيلِ مُدَّةً، فأتاها آت في منامها فأنشدها:
_________________
(١) لا يصح رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٢٦٢٢) بلا سند.
(٢) ١/ ٢٤٥ و٢٥٥ و٢٩٦، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
(٣) رقم (٤٩٨٥) و(٤٩٨٦)، وهو حديث صحيح.
(٤) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٣٥٩.
(٥) أورده الهيثمي في "المجمع" ٢/ ١٢٢، وقال: رواه الطبراني في "الكبير" والبزار (٣٥٠) بنحوه، وفيه الأحوص بن حكيم وثقه ابن المديني والعجلي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله موثقون، قلت: وفي الباب عن أنس بن مالك عند الطبراني في "الأوسط" قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ٣٠٢، وفيه عباد بن كثير وقد أجمعوا على ضعفه.
[ ٢ / ٢٢ ]
صلاتُك نورٌ والعبادُ رُقُودُ … ونومُكِ ضِدُّ للصَّلاةِ عنيدُ
وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإنَّ الأنوارَ تُقسم لهم على حسب أعمالهم. وفي "المسند" و"صحيح ابن حبان" عن عبد الله بن عمرو عن النبيِّ - ﷺ - أنه ذكر الصلاة، فقال: "من حافظ عليها، كانت له نورًا وبُرهانًا ونجاةً يَوْمَ القيامة، ومَنْ لم يُحافِظْ عليها، لم يكن له نور ولا نجاة ولا بُرهانٌ" (^١).
وخرَّج الطبراني بإسنادٍ فيه نظرٌ من حديث ابن عباس وأبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -: "من صلَّى الصلوات الخمسَ في جماعة، جاز على الصِّراط كالبرقِ اللَّامع في أوَّلِ زُمرةٍ من السابقين، وجاء يومَ القيامة ووجهُه كالقمر ليلَةَ البدرِ" (^٢).
وأمَّا الصدقة، فهي برهان، والبرهان: هو الشُّعاعُ الذي يلي وجهَ الشَّمس، ومنه حديثُ أبي موسى أن روحَ المؤمن تخرُج مِنْ جسده لها برهان كبرهانِ الشَّمس، ومنه سُمِّيَت الحُجَّةُ القاطعةُ برهانًا، لوضوح دلالتها على ما دلَّت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس بها علامة على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما في حديث عبد الله بن معاوية الغاضِري، عن النبي - ﷺ -: "ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طعْمَ الإيمان: مَنْ عَبَدَ الله وحدَه، وأنه لا إله إلا الله، وأدَّى زكاةَ ماله طيِّبَةً بها نفسُه رافِدةً عليه في كُلِّ عامٍ" وذكر الحديثَ، خرَّجه أبو داود (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ١٦٩، وصححه ابن حبان (١٤٦٧).
(٢) رواه الطبراني في "الأوسط"، قال الهيثمي في "المجمع" ٢/ ٣٩: وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد عنعنه.
(٣) في "السنن" (١٥٨٢) رجاله ثقات لكن في سنده انقطاع بين يحيى بن جابر، وبين جبير بن نفير، ورواه موصولًا بسند صحيح الطبراني في "الصغير" (٥٥٥)، والفسوي =
[ ٢ / ٢٣ ]
وقد ذكرنا قريبًا حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه، قال: وكان يقول: لا يفعلُ ذلك إلا مؤمن. وسبب هذا أنَّ المالَ تحبُّه النُّفوسُ، وتبخَلُ به، فإذا سمحت بإخراجه للهِ ﷿ دلَّ على صحَّة إيمانها بالله ووعده ووعيده، ولهذا منعت العربُ الزكاة بعدَ النبيِّ - ﷺ -، وقاتلهم الصدِّيقُ ﵁ على منعها، والصلاةُ أيضًا برهانٌ على صحة الإسلام.
وقد خرَّج الإمامُ أحمد والترمذي من حديث كعب بن عُجرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "الصلاة برهان" (^١).
وقد ذكرنا في شرح حديث: "أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتَّى يشهدوا أن لا إنه إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيمُوا الصلاة ويؤتوا الزَّكاة" (^٢) أن الصلاةَ هي الفارقةُ بين الكفرِ والإسلام، وهي أيضًا أوَّل ما يُحاسَبُ به المرءُ يومَ القيامةِ، فإن تمَّت صلاتُه، فقد أفلح وأنجح، وقد سبق حديث عبد الله بن عمرو فيمن حافظ عليها أنَّها تكونُ له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة (^٣).
وأمَّا الصبرُ، فإنَّه ضياء، والضياءُ: هو النُّورُ الذي يحصلُ فيه نوعُ حرارةٍ وإحراقٍ كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نورٌ محضٌ، فيه إشراقٌ بغير إحراقٍ، قال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] ومِن هُنا وصف الله شريعةَ موسى بأنَّها ضياءٌ، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ
_________________
(١) = في "المعرفة والتاريخ" ١/ ٢٦٩، ومن طريقه البيهقي ٤/ ٩٥ - ٩٦.
(٢) رواه الترمذي (٦١٤)، والطبراني في "الكبير" ١٩/ (٢١٢)، وقال الترمذي: حسن غريب. وليس هو في مسند أحمد من حديث كعب بن عجرة كما ذكر المصنف ﵀، وإنما هو عنده ٣/ ٣٩٩ من حديث جابر بلفظ: "الصلاة قربان" وهو في "صحيح ابن حبان" (١٧٢٣)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) تقدم تخريجه، وهو الحديث الثامن.
(٤) انظر الصفحة ٤٩٥.
[ ٢ / ٢٤ ]
الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وإن كان قد ذكر أن في التوراة نورًا كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولكن الغالب على شريعتهم الضياءُ لما فيها مِنَ الآصار والأغلال والأثقال.
ووصف شريعةَ محمَّدٍ - ﷺ - بأنَّها نورٌ لما فيها من الحَنيفيَّةِ السمحة، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس، يحتاجُ إلى مجاهدةِ النفس وحبسِها، وكفِّها عمَّا تهواهُ، كان ضياءً، فإنَّ معنى الصَّبر في اللغة: الحبسُ، ومنه قَتْلُ الصبر: وهو أن يُحبَسَ الرَّجلُ حتى يقتل.
والصبر المحمود أنواع: منه صبرٌ على طاعةِ الله ﷿، ومنه صبرٌ عن معاصي الله ﷿، ومنه صبرٌ على أقدار الله ﷿، والصبرُ على الطاعات وعنِ المحرَّماتِ أفضلُ من الصَّبرِ على الأقدار المؤلمة، صرّح بذلك السلف، منهم سعيدُ بنُ جبير، وميمون بن مهران وغيرهما. وقد روي بإسناد ضعيفٍ من حديث عليٍّ مرفوعًا "إنَّ الصَّبرَ على المصيبة يُكتب به للعبد ثلاث مئة درجة، وإنَّ الصَّبر على الطاعة يكتب له به ست مئة درجة، وإن الصبر عن المعاصي يُكتب له به تسع مئة درجة"، وقد خرَّجه ابنُ أبي الدنيا وابن جرير الطبري (^١).
_________________
(١) أورده السيوطي في "الجامع الكبير" ١/ ٤٢٣ - ٤٢٤، ونسبه إلى أبي الشيخ في "الثواب" والديلمي في "مسند الفردوس" (٣٨٤٦)، ورواه ابن الجوزي في "الموضوعات" ٣/ ١٨٤ فقال: هذا حديث موضوع، والمتهم به عبد الله بن زياد وهو ابن سمعان، قال =
[ ٢ / ٢٥ ]
ومن أفضل أنواع الصبر: الصيامُ، فإنَّه يجمعُ الصبرَ على الأنواع الثَّلاثةِ، لأنَّه صبرٌ على طاعةِ الله ﷿، وصبرٌ عن معاصي الله، لأنَّ العبدَ يتركُ شهواتِه لله ﷿ ونفسه قد تنازعه إليها، ولهذا في الحديث الصحيح: "إنَّ الله ﷿ يقولُ: كُلُّ عمل ابن آدمَ له إلَّا الصِّيامُ، فإنَّه لي، وأنا أجزي به، إنه تركَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه منَ أجلي" (^١)، وفيه أيضًا صبر على الأقدار المؤلمة بما قد يحصُلُ للصَّائم من الجوع والعطش، وكان النبيُّ - ﷺ - يسمِّي شهرَ الصِّيام شهرَ الصَّبر (^٢).
وقد جاء في حديث الرجل من بني سُليم عن النبيِّ - ﷺ -: أن الصوم نصفُ الصبر، وربما عُسر الوقوف على سرِّ كونه نصفَ الصبر أكثر من عُسر الوقوف على سرِّ كونِ الطهور شطر الإيمان، والله أعلم.
وقوله - ﷺ -: "والقرآنُ حجةٌ لك أو عليك"، قال الله ﷿: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. قال بعضُ السلف: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ، فقام عنه سالمًا؛ بل إمَّا أن يربح أو أن يخسرَ، ثمَّ تلا هذه الآية.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "يُمَثَّلُ
_________________
(١) = مالك ويحيى: كان كذابًا، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث، على أن علي بن زيد قد قال فيه أحمد ويحيى: ليس بشيء.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٧٣، والبخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١)، وصححه ابن حبان (٣٤٢٢) و(٣٤٢٣)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٦٣ و٣٨٤، والنسائي ٤/ ٢١٨، ٢١٩، وإسناده صحيح. ورواه من حديث النمر بن تولب أحمد ٥/ ٧٨ و٣٦٣، وصححه ابن حبان (٦٥٥٧).
[ ٢ / ٢٦ ]
القُرآن يومَ القيامة رجلًا، فيؤتى بالرَّجُلِ قد حمله، فخالف أمره، فيتمثَّلُ له خصمًا، فيقول: يا ربِّ حمَّلتَه إيَّاي فشَرُّ (^١): حامل تعدَّى حدودي، وضيَّع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحُجَجِ حتَّى يقالَ: شأنك به، فيأخذ بيده، فما يرسلُه حتَّى يكبَّه على مِنخَرِهِ في النَّار، ويُؤتى بالرَّجل الصَّالح كان قد حمله، وحفظ أمرَهُ، فيتمثَّلُ خصمًا دونه، فيقول: يا ربِّ، حمَّلتَه إيَّاي، فخيرُ حاملٍ: حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتَّبع طاعتي، فما يزالُ يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسلُه حتَّى يُلبسَه حلَّة الإستبرق، ويعقد عليه تاجَ المُلك، ويسقيه كأسَ الخمر" (^٢).
وقال ابنُ مسعود: القرآنُ شافع مُشفَّع وماحلٌ مصدَّق، فمن جعله أمامَه، قادَهُ إلى الجنَّةِ، ومن جعله خَلْفَ ظهره، قاده إلى النار (^٣).
وعنه قال: يجيءُ القرآنُ يومَ القيامة، فيشفع لِصاحبه، فيكون قائدًا إلى الجنة، أو يشهد عليه، فيكون سائقًا إلى النار.
_________________
(١) في الأصول: "فبئس" والمثبت من ابن أبي شيبة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٩١ - ٤٩٢، ومن طريقه ابن الضريس في "فضائل القرآن" (٩١)، والخطيب البغدادي في "اقتضاء العلم العمل" (١٢)، وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعن. ورواه أيضًا البزار (٢٣٣٧)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٦١، وقال: فيه ابن إسحاق، وهو ثقة، ولكنه مدلس، وبقية رجاله ثقات.
(٣) رواه عبد الرزاق (٦٠١٠) ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (٨٦٥٥) وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين، وقوله: "ماحِلٌ مصدق" قال ابن الأثير: أي: خصم مجادل مصدق، وقيل: ساع مصدق، من قولهم: محل بفلان: إذا سعى به إلى السلطان، يعني أن من اتبعه وعمل بما فيه، فإنه شافع له، مقبول الشفاعة، ومصدق عليه فيما يرفع مساويه إذا ترك العمل به.
[ ٢ / ٢٧ ]
وقال أبو موسى الأشعري: إنَّ هذا القرآن كائنٌ لكم أجرًا، وكائنٌ عليكم وِزرًا، فاتَّبِعوا القرآن، ولا يتبعُكُم القرآن، فإنَّه مَنِ اتَّبعَ القرآنَ، هبط به على رياضِ الجَنَّةِ، ومن اتَّبعه القرآنُ، زخَّ في قفاه، فقذفه في النار (^١).
قوله - ﷺ -: "كلُّ النَّاس يغدو، فبائعٌ نفسه فمعتِقُها أو موبقها" وخرَّج الإمامُ أحمد، وابنُ حبان من حديث كعب بن عُجرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "النَّاسُ غاديان، فمبتاعٌ نفسه، فمعتق نفسه وموبقها" (^٢). وفي رواية خرَّجها الطبراني (^٣): "الناس غاديان، فبائعٌ نفسه فموبِقُها، وفَادٍ نفسه فمُعتِقها". وقال الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]، والمعنى: قد أفلح من زكى نفسَه بطاعة الله، وخابَ من دسَّاها بالمعاصي، فالطاعةُ تُزكي النفس وتُطهرها، فترتفع، والمعاصي تُدسِّي النَّفس، وتقمعها، فتنخفض، وتصيرُ كالذي يُدسُّ في التراب.
ودلَّ الحديثُ على أن كلَّ إنسان فهو ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فِكاكِها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسَه للهِ، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصيةِ الله، فقد باعَ نفسَه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٥٧.
(٢) رواه ابن حبان (٥٥٦٧)، ورواه أحمد ٣/ ٣٩٩ من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: "يا كعب بن عجرة، لا يدخل الجنة من نبت لحمه من سحت، النار أولى به .. " وصححه ابن حبان (١٧٢٣) وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) في "المعجم الكبير" ١٩/ (٣٦١).
[ ٢ / ٢٨ ]
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥].
وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله - ﷺ - حين أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: "يا معشرَ قريشٍ، اشترُوا أنفسَكُم مِنَ اللهِ، لا أُغني عنكُم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم مِنَ اللهِ شيئًا"، وفي رواية للبخاري: "يا بني عبدِ مناف، اشترُوا أنفسَكُم من اللهِ، يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا عمَّة رسولِ الله، يا فاطمة بنت محمد، اشتريا أنفسكما مِنَ اللهِ، لا أملِكُ لكُما من الله شيئًا".
وفي رواية لمسلم أنَّه دعا قريشًا، فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: "يا بني كعب بن لؤي أنقِذُوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقِذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا" (^١).
وخرَّج الطبراني والخرائطي من حديث ابن عباس مرفوعًا: "مَنْ قال إذا أصبح: سبحان الله وبحمده ألفَ مرَّة، فقد اشترى نفسه مِنَ الله تعالى، وكان من آخر يومه عتيقًا مِنَ النَّار" (^٢).
وقد اشترى جماعةٌ من السَّلف أنفسَهم من الله ﷿ بأموالهم، فمنهم
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٥٣) و(٣٥٢٧) و(٤٧٧١) ومسلم (٢٥٤) و(٢٠٦)، وصححه ابن حبان (٦٤٦) و(٦٥٤٩) و(٦٥٥٠).
(٢) أورده الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١١٣ - ١١٤، وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه من لم أعرفه.
[ ٢ / ٢٩ ]
من تصدَّق بماله كحبيب أبي محمد (^١)، ومنهم مَنْ تصدَّق بوزنه فضة ثلاثَ مرَّاتٍ أو أربعًا، كخالد الطحَّان (^٢).
ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول: إنَّما أنا أسيرٌ أسعى في فكاك رقبتي، منهم عمرو بنُ عُتبة، وكان بعضُهم يسبِّحُ كلَّ يوم اثني عشر ألفَ تسبيحة بقدر دِيَتِه، كأنه قد قتل نفسه، فهو يَفْتَكُّها بديتها. قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمنُ شيئًا حتَّى يلقى الله ﷿. وقال: ابنَ آدم، إنَّك تغدو أو تروحُ في طلب الأرباح، فليكن همُّك نفسك، فإنك لن تربح مثلها أبدًا.
قال أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرَّة وأنا شابٌّ: خلِّص رقبتَك ما استطعتَ في الدنيا من رقِّ الآخرة، فإنَّ أسيرَ الآخرةِ غيرُ مفكوكٍ أبدًا، قال: فوالله ما نسيتُها بعد (^٣).
وكان بعضُ السَّلف يبكي، ويقول: ليس لي نفسان، إنَّما لي نفسٌ واحدةٌ، إذا ذهبت، لم أجد أخرى.
وقال محمد بن الحنفية: إن الله ﷿ جعل الجنَّة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعُوها بغيرها (^٤). وقال: من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر (^٥). وقيل له: من أعظمُ الناس قدرًا؟ قال: من لم ير الدُّنيا كُلَّها لنفسه خطرًا.
وأنشد بعضُ المتقدمين:
_________________
(١) انظر "الحلية" ٦/ ١٤٩.
(٢) انظر "تاريخ بغداد" ٨/ ٢٩٤، و"تهذيب الكمال" ٨/ ١٠٢.
(٣) الخبر في "الحلية" ٨/ ٣٠٤.
(٤) "حلية الأولياء" ٣/ ١٧٧.
(٥) "الحلية" ٣/ ١٧٦.
[ ٢ / ٣٠ ]
أثامِنُ بالنفس النفيسةِ ربَّها … ولَيسَ لها في الخلق كُلِّهم ثَمَنْ
بها تُملك الأخرى فإن أنا بِعتُهَا … بشيءٍ من الدُّنيا، فذَاكَ هُوَ الغَبَنْ
لَئِنْ ذَهَبَتْ نفسي بدُنيا أُصيبُها … لقَدْ ذَهَبَتْ نفسي وقد ذَهَبَ الثَّمنْ
[ ٢ / ٣١ ]