عَنْ أبي ذَرٍّ ومعاذِ بن جَبَلٍ - ﵄ -، أنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "اتَّقِ الله حَيثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (^١). رواه التَّرمِذيُّ وقَالَ: حَديثٌ حَسنٌ، وفي بعضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحيحٌ.
هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن أبي ذرٍّ، وخرجه أيضًا بهذا الِإسناد عن ميمون عن معاذ، وذكر عن شيخه محمود بن غيلان أنه قال: حديثُ أبي ذرٍّ أصحُّ.
فهذا الحديثُ قد اختلف في إسناده وقيل فيه: عن حبيب، عن ميمون: أن النبيَّ - ﷺ - وصَّى بذلك، مرسلًا، ورجَّحَ الدارقطني هذا المرسل.
وقد حسَّن الترمذي هذا الحديثَ، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه، فبعيد، ولكن الحاكم خرجه، وقال: صحيح على شرطِ الشيخين، وهو وهم مِن وجهين: أحدُهما: أن ميمونَ بنَ أبي شبيب، ويقال: ابنُ شبيب لم يخرج له البخاري في "صحيحه" شيئًا، ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه حديثًا عن
_________________
(١) حديث حسن رواه أحمد ٥/ ١٥٣ و١٥٨ و١٧٧ و٢٣٦، والترمذي (١٩٨٧)، والدارمي ٢/ ٣٢٣، والحاكم ١/ ٥٤، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٢٩٥) و(٢٩٦) و(٢٩٧) و(٢٩٨) وفي "الصغير" (٥٣٠)، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٣٣٦ والقضاعي في "مسند الشهاب" (٦٥٢).
[ ١ / ٣٩٥ ]
المغيرة بن شعبة. والثاني: أن ميمون بن أبي شبيب لم يصحّ سماعه من أحد من الصحابة، قال الفلاس: ليس في شيء من رواياته عن الصحابة "سمعتُ"، ولم أخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبيّ - ﷺ -. وقال أبو حاتم الرازي: روايته عن أبي ذر وعائشة غير متصلة. وقال أبو داود: لم يدرك عائشة، ولم ير عليًا، وحينئذ فلم يدرك معاذًا بطريق الأولى.
ورأْيُ البخاري وشيخهِ عليّ بن المديني، وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم أن الحديثَ لا يَتَّصِلُ إلا بصحة اللقي (^١)، وكلامُ الإمام أحمد يدلُّ على ذلك، ونصَّ عليه الشافعي في "الرسالة" وهذا كُلُّه خلاف رأي مسلم ﵀.
وقد رُوي عن النبي - ﷺ - أنه وصَّى بهذه الوصية معاذًا وأبا ذرٍّ من وجوهٍ أخَر، فخرج البزارُ (^٢) من حديث ابن لهيعة عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذٍ: أن النبيَّ - ﷺ - بعثه إلى قوم، فقال: يا رسول الله أوصني، قال: "أفش السَّلام، وابذل الطعام، واستحي من الله استحياء رجل ذا هيئةٍ من أهلك، وإذا أسأتَ فأحسن، وليحسن خلقك ما استطعت".
وخرج الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بنِ العاص: أن
_________________
(١) الخلاف في هذه المسألة منحصر في الحديث المعنعن، وهو الذي فيه عن فلان، عن فلان، وقد ادعى الإمام مسلم في مقدمة "صحيحه" إجماع العلماء قديمًا وحديثًا على أنه محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضِهم بعضًا مع براءتهم من التدليس، وخالف مسلمًا في ذلك إماما هذه الصنعةِ عليُّ بن المديني والبخاري وغيرهما فقالوا: لا يحمل على الاتصال إلا إذا ثبت أنهما التقيا مرة فأكثر، ولا يكفي إمكانُ تلاقيهما. انظر "شرح مسلم" ١/ ١٢٧ وما بعدها و"توضح الأفكار" ١/ ٣٣٠ و٣٣٥.
(٢) رقم (١٩٧٢). قال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ٢٣: وفيه ابن لهيعة، وفيه لين، وبقية رجاله ثقات.
[ ١ / ٣٩٦ ]
معاذَ ين جبل أراد سفرًا، فقال: يا رسولَ الله أوصني، قال: "اعبد الله، ولا تشرك به شيئًا" قال: يا رسول الله زِدني، قال: "إذا أسأت فأحسن" قال: يا رسول الله زدني " قال: "استقم ولتُحسِنْ خلقك" (^١).
وخرج الإمامُ أحمدُ (^٢) من حديث درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي ذرٍّ: أن رسول الله - ﷺ - قال له: "أُوصيك بتقوى الله في سِرٍّ أمرك وعلانيته، وإذا أسأتَ فأحسِنْ، ولا تسألنَّ أحدًا شيئًا وإن سقط سوطُك، ولا تَقبضْ أمانةً، ولا تقض بين اثنين".
وخرج أيضًا من وجه آخر عن أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسول اللُه علِّمني عملًا يقرِّبني من الجنة ويُباعدني من النار، فال: "إذا عملت سيئة، فاعْمَلْ حسَنَةً، فإنَّها عشرُ أمثالها" قال: قلتُ: يا رسول الله أمِنَ الحسناتِ لا إله إلَّا الله؟ قال: "هي أحسنُ الحسناتِ".
وخرج ابن عبد البرّ في "التمهيد" بإسناد فيه نظر عن أنسٍ قال: بعث النبيُّ - ﷺ - معاذًا إلى اليمن، فقال: "يا معاذ اتَّق الله، وخالِقِ النَّاس بخُلُقٍ حَسَن، وإذا عملتَ سيئةَّ، فأتْبِعْهَا حسنة" فقال: قلتُ: يا رسولَ الله لا إله إلا الله مِن الحسنات؟ قال: "هي من أكبرِ الحسناتِ". وقد رويت وصية النبيِّ - ﷺ - لمعاذ من حديثِ ابنِ عمر وغيره بسياق مطول من وجوه فيها ضعف.
ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - أنه سُئِلَ: ما أكْثَرُ ما يُدخِلُ الناسٌ الجنة؟ قال: "تقوى الله وحسنُ الخُلُقِ" خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وابن حبان في "صحيحه" (^٣).
_________________
(١) رواه الحاكم ١/ ٥٤ و٤/ ٢٤٤ وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) ٥/ ١٨١، ودرّاج عن أبي الهيثم ضعيف.
(٣) رقم (٤٧٦) وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ١ / ٣٩٧ ]
فهذه الوصية وصيةٌ عظيمةٌ جامعة لحقوق الله وحقوق عباده، فإن حقَّ الله على عباده أن يتقوه حقَّ تقاته، والتقوى وصيةُ الله للأوّلين والأخرين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
وأصلُ التقوى: أن يجعل العبدُ بينَه وبينَ ما يخافُه ويحذره وقايةً تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبينَ ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك وهو فعلُ طاعته واجتنابُ معاصيه.
وتارة تُضافُ التقوى إلى اسم اللُهِ ﷿، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] و[المجادلة: ٩]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]، فإذا أضيفت التقوى إليه ﷾، فالمَعنىَ: اتقوا سخطه وغضبه، وهو أعظم ما يتقى، وعن ذلك ينشأ عقابُه الدنيوي والأخروي، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، فهو سبحانه أهل أن يُخشى ويُهاب ويُجل ويُعَظَّمَ في صدورِ عباده حتَّى يعبدوه ويُطيعوه، لما يستحقُّه من الإجلالِ والإكرامِ، وصفاتِ الكبرياءِ والعظمة وقوَّة البطش، وشِدَّةِ البأس. وفي الترمذيَ عن أنس عن النبيِّ - ﷺ - في هذه الآية ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قال: "قال الله تعالى: أنا أهل أن اتَّقى، فمن اتَّقاني فلم يَجْعَل معي إلهًا آخر، فأنا أهلٌ أن أغفِرَ له" (^١).
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٣٢٨) من طريق زيد بن حباب، أخبرنا سهيل بن عبد الله القُطَعي، عن ثابت، عن أنس. ورواه أحمد ٣/ ١٤٢ و٢٤٣ والدارمي ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣ والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" ١/ ١٣٩، وابن ماجه (٤٢٩٩) وأبو يعلى (٣٣١٧) والبغوي ٤/ ٤٢٠ من=
[ ١ / ٣٩٨ ]
وتارةً تُضافُ التقوى إلى عقاب الله وإلى مكانه، كالنار، أو إلى زمانه، كيوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨، ١٢٣].
ويدخل في التقوى الكاملة فعلُ الواجبات، وتركُ المحرمات والشبهات، وربما دَخَلَ فيها بعد ذلك فعلُ المندوبات، وتركُ المكروهات، وهو أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٤].
_________________
(١) = طرق عن سهيل، بهذا الإسناد، وصححه الحاكم ٢/ ٥٠٨ ووافقه الذهبي! وكره السيوطي في "الدرّ المنثور" ٨/ ٣٤٠، وزاد نسبته إلى البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي في الحديث قد تفرّد بهذا الحديث عن ثابت. قلت: في "التهذيب" في ترجمته قال أحمد: روى عن ثابت أحاديث منكرة، وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، يتكلمون فيه ليس بالقوي عندهم، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يُكتبُ حديثه ولا يُحتج به، وقال النَّسَائِي: ليس بالقوي. وأخرج ابن مردويه فيما ذكره السيوطي في "الدر المنثور" عن عبد الله بن دينار قال: سمعت أبا هريرة، وابن عمرَ وابن عباس - ﵃ - يقولون: سُئل رسول الله - ﷺ - عن قول الله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: "يقول: "أنا أهلٌ أن أُتَّقى، فلا يُجعل معي شريكٌ، فإذا أتقيتُ ولم يُجعل معي شريك، فأنا أهلٌ أن أغفر ما سوى ذلك".
[ ١ / ٣٩٩ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
قال مُعاذُ بنُ جبل: يُنادى يوم القيامة: أين المتقون؟ فيقومون في كَنَفٍ من الرحمن لا يحتجِبُ منهم ولا يستترُ، قالوا له: مَنِ المتَّقون؟ قال: قومٌ اتَّقوا الشِّركَ وعبادةَ الأوثان، وأخلصوا للهِ بالعبادة.
وقال ابنُ عباس: المتَّقون الذين يَحْذَرون من اللُه عقوبتَه في ترك ما يعرفون من الهدى، ويَرجون رحمَته في التصديق بما جاءَ به.
وقال الحسن: المتقون اتَّقَوا ما حُرِّم عليهم، وأذوا ما افْتُرِض عليهم.
وقال عُمَر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليطِ فيا بَيْنَ ذلك، ولكن تقوى اللهِ تركُ ما حرَّم الله، وأداءُ ما افترضَ الله، فمن رُزِقَ بعدَ ذلك خيرًا، فهو خيرٌ إلى خير.
وقال طلقُ بنُ حبيب: التقوى أن تعملَ بطاعةِ الله على نورٍ من الله ترجو ثوابَ الله، وأن تتركَ معصيةَ الله على نورٍ من اللُه تخافُ عقابَ الله.
وعن أبي الدرداء قال: تمامُ التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرِّةٍ، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلالٌ خشيةَ أن يكون حرامًا يكون حجابًا بينه وبينّ الحرام، فإن الله قد بَيَّن للعباد الذي يُصيرهم إليه فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، فلا تحقرن شيئًا من الخير أن تفعله، ولا شيئًا من الشرِّ أن تتقيه.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقال الحسنُ: ما زالت التقوى بالمتقين حتَّى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.
وقال الثوري: إنما سُمُّوا متقينَ، لأنهم اتقوا ما لا يُتقى.
وقال موسى بنُ أَعْيَن: المتقون تنزَّهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام، فسماهم الله متقين.
وقد سبق حديثُ "لا يَبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتقين حتى يدعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأس" (^١). وحديث: "من اتقى الشبُهاتِ استبرأ لِدينه وعِرْضه" (^٢).
وقال ميمونُ بنُ مِهران: المُتَّقي أشدُّ محاسبةً لنفسه من الشريكِ الشحيحِ لِشريكه.
وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قال: أن يُطاع، فلا يُعصى، ويُذكر، فلا ينسى، وأن يُشكر، فلا يُكفر. وخرجه الحاكم مرفوعًا (^٣) والموقوف أصحّ، وشكرُه يدخلُ فيه جميعُ فعل الطاعات.
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) كذا قال المؤلف ﵀ مع أن الذي في "المستدرك" ٥/ ٢٩٤ موقوف، فقد رواه من طريقين عن مسعر، عن زبيد، عن مرة بن شراحيل، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، في قول الله ﷿: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: "أنْ يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى". ورواه الطبراني في "الكبير" (٨٥٠٣) من طريق يوسف بن محمد الفريابي، عن سفيان بهذا الإسناد، وزاد في متنه: "وأنْ يشكر فلا يُكفر".
[ ١ / ٤٠١ ]
ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها.
وقد يغلِبُ استعمالُ التقوى على اجتناب المحرمات كما قال أبو هريرةَ وسئل عن التقوى، فقال: هل أخذتَ طريقًا ذا شوكٍ؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعتَ؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلْتُ عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابنُ المعتز فقال:
خلِّ الذُّنوبَ صَغِيرَها … وكَبيرَها فَهْوَ التُّقَى
واصْنَعْ كماشٍ فَوْقَ أَرْ … ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ ما يَرَى
لا تَحْقِرَنَّ صَغِيرةً … إنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصَى
وأصلُ التقوى: أن يعلم العبدُ ما يُتقى ثم يتقي، قال عونُ بنُ عبد الله: تمامُ التقوى أن تبتغي علمَ ما لم يُعلم منها إلى ما عُلِمَ منها.
وذكر معروفٌ الكرخيُّ عن بكر بن خُنيسٍ، قال: كيف يكون متقيًا من لا يدري ما يَتَّقي؟ ثم قال معروفٌ: إذا كنت لا تحسن تتقي أكلتَ الربا، وإذا كنت لا تُحسن تتقي لقيتك امرأة فلم تَغُضَّ بصرك، وإذا كنت لا تُحسن تتقي وضعتَ سيفك على عاتقك، وقد قال النبي - ﷺ - لمحمد بن مسلمة: "إذا رأيتَ أمتي قد اختلفَتْ، فاعمد إلى سيفِكَ فاضْرِبْ به أُحُدًا" ثم قال معروف: ومجلسي هذا لعله كان ينبغي لنا أن نتَّقِيَهُ، ثم قال: ومجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أن نتقيه، أليس جاء في الحديث: "إنه فتنة للمتبوع مذلة للتابع" (^١)؟ يعني: مشي الناس خلف الرجل.
_________________
(١) الخبر بطوله في "حلية الأولياء" ٨/ ٣٦٥. وحديث محمد بن مسلمة رواه ابن أبي شيبة ١٥/ ٣٧، وعنه ابن ماجه (٣٩٦٢) عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت أو على بن زيد بن جدعان، شكَّ أبو بكر، عن أبي بردة قال: دخلت على محمد بن مسلمة =
[ ١ / ٤٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إنها ستكونُ فتنةٌ وفُرقةٌ واختلاف، فإذا كان كذلكَ فأْتِ بسَيفِك أُحُدًا، فاضرِبهُ حتى ينقطِعَ، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يدٌ خاطئة أو منيَّةٌ قاضية" فقد وقعتْ وفعلتُ ما قال رسول الله - ﷺ -. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢٤٧): هذا إسناد صحيح إن كان من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني. قلت: ورواه أحمد ٣/ ٤٩٣ عن يزيد بن هارون ومؤمل، كلاهما عن حماد عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي بردة، وعلي بن زيد ضعيف. ورواه محمد بن سعد في "الطبقات" ٣/ ٤٤٥ عن سعيد بن محمد الثقفي عن إسماعيل بن رافع، عن زيد بن أسلم ومحمد بن مسلمة. وسعيد بن محمد ضعيف وكذا إسماعيل بن رافع. ورواه ابن سعد ٣/ ٤٤٤ عن يزيد بن هارون، أخبرنا هشام بن حسان عن الحسن أن رسول الله - ﷺ -، أعطى محمد بن مسلمة سيفًا فقال: "قاتل به المشركين ما قوتلوا، فإذا رأيت المسلمين قد أقبلَ بعضُهم على بعض فأْتِ به أُحدًا فاضربْه بهِ حتى تقطعه، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية". قلت: وهذا سند رجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من محمد بن مسلمة فهو منقطع. ورواه أحمد ٤/ ٢٢٥ عن زيد بن الحباب، أخبرني سهل بن أبي الصلت: سمعت الحسن يقول: إن عليًا بعث إلى محمد بن مسلمة، فجيء به، فقال: ما خلَّفك عن هذا الأمر؟ قال: دفع إليَّ ابن عمك، يعني النبي - ﷺ -، سيفًا فقال: "قاتل به ما قوتل العدوُّ، فإذا رأيت الناس يقتل بعضهم بعضًا، فاعمَدْ بِهِ إلى صخرة فاضربه بها، ثم الزمْ بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو خاطئة" قال: حُلُّوا عنه. قلت: ومحمد بن مسلمة: هو محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري الأوسي الحارثي أبو عبد الرحمن المدني، حليف بني عبد الأشهل. شهد بدرًا وأُحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، إلَّا تبوكَ، وهو أحد الذين قتلوا كعب بن الأشرف، واستخلفه =
[ ١ / ٤٠٣ ]
وفي الجملة، فالتقوي هي وصيةُ الله لجميع خلقه، ووصيةُ رسول الله - ﷺ - لأمته، وكان - ﷺ - إذا بَعَثَ أميرًا على سَرِيَّةٍ أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا (^١).
ولما خطبَ رسول الله - ﷺ - في حَجَّةِ الوداع يومَ النحر وصى الناس بتقوى الله وبالسمع والطاعة لأئمتهم (^٢).
ولما وَعَظَ الناسَ، وقالوا له: كأنَّها موعِظَةُ مودِّع فأوصنا، قال: "أوصيكم
_________________
(١) = رسول الله، - ﷺ - على المدينة في بعض غزواته، واستعمله عمر بن الخطاب على صدقات جهينة، وهو كان صاحب العمال أيام عمر، كان عمر إذا شُكي إليه عاملٌ، أرسل محمدًا يكشفُ الحال، وهو الذي أرسله عمر إلى عماله ليأخذ شطر أموالهم لثقته به، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان، ﵁. وتوفي بالمدينة سنة ٤٦ أو ٤٧ هـ، وقيل غير ذلك. انظر "أسد الغابة" ٥/ ١١٢ - ١١٣. وقوله: أليس جاء في الحديث "إنه فتنة للمتبوع مذلة للتابع" قلت: هو من قول عمر، فقد روى الدارمي ١/ ١٣٢ - ١٣٣ عن محمد بن العلاء، حدثنا ابنُ إدريسَ قال: سمعت هارون بن عنترة، عن سليمان بن حنظلة قال: أتينا أُبي بن كعب لنحدِّث إليه، فلما قام قمنا ونحن نمشي خلفَه، فرَهَقَنا عمر، فتبعه، فضربه عمر بالدِّرة قال: فاتقاه بذراعية فقال: يا أمير المؤمنين، ما تصنع؟ قال: أَوَ ما ترى فتنة للمتبوع مذلة للتابع؟
(٢) قطعة من حديث مطول رواه مسلم في "صحيحه" (١٧٣١) من حديث بريدة ﵁.
(٣) رواه من حديث أبي أمامة أحمد ٥/ ٢٥١ والترمذي (٦١٦) وصححه ابن حبان (٤٥٦٣). ورواه من حديث أم الحصين الأحمسية مسلم (١٢٩٨) (٣١١) و(٣١٢) و(١٨٣٨) وأحمد ٦/ ٤٠٢، والترمذي (١٧٠٦) أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب في حجة الوداع: "يا أيها الناس اتقوا الله وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله" وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان (٤٥٦٤).
[ ١ / ٤٠٤ ]
بتقوى اللهِ والسَّمْعِ والطَّاعة" (^١).
وفي حديث أبي ذرٍّ الطويل الذي خرجه ابنُ حبان (^٢) وغيره: قلتُ: يا رسولَ الله أوصني، قال: "أوصيكَ بتقوى الله، فإنه رأسُ الأمرِ كله".
وخرج الإِمام أحمد (^٣) من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قلتُ: يا رسولَ الله أوصني، قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنه رأسُ كل شيء، وعليكَ بالجهاد، فإنه رهبانيةُ الإسلام"، وخرجه غيرُه ولفظه: قال: "علَيكَ بتقوى الله فإنها جِماع كل خيرٍ".
وفي الترمذي (^٤) عن يزيد بن سلمة: أنه سأل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني سمعتُ منك حديثًا كثيرًا فأخَاف أن ينسيني أوَّلَه آخرُه، فحدثني بكلمة تكون جماعًا، قال: "اتَّق الله فيما تَعْلَمُ".
ولم يزل السلفُ الصالح يتَواصَوْنَ بها، كان أبو بكر الصديق ﵁ يقول في خطبته: أما بعد، فإني أُوصيكم بتقوى الله، وأن تُثنوا عليه بما هو أهلُه،
_________________
(١) قطعة من حديث العرباض بن سارية ﵁، وسيأتي في هذا الكتاب، وهو الحديث الثامن والعشرون.
(٢) رقم (٣٦١) وهو حديث ضعيف. انظر تخريجه فيه. وروى هذه القطعة منه أحمد ٥/ ١٨١ ولفظه: "أوصيك بتقوى الله في سرِّ أمرك وعلانيته، وإذا أسات فأحسِن، ولا تسألنَّ أحدًا شيئًا، ولا تقبض أمانة ولا تقض بين اثنين" وفيه ابن لهيعة ودرَّاج.
(٣) ٣/ ٨٢ عن حسين بن الوليد القرشي النيسابوري، عن إسماعيل بن عياش، عن الحجاج بن مروان الكلاعي، وعقيل بن مدرك السلمي، عن أبي سعيد الخدري. وهذا سند حسن، وله طريق آخر عند أبي يعلى (١٠٠٠) والطبراني في "الصغير" (٩٤٩) يتقوى به.
(٤) رقم (٢٦٨٣) وقال: ليس إسناده بمتصل هو عندي مرسل سعيد بن عمرو بن أشوع راويه عن يزيد بن سلمة لم يدركه.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وأن تَخلِطُوا الرغبةَ بالرهبة، وتجمعوا الإلحافَ بالمسألة، فإن الله ﷿ أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^١) [الأنبياء: ٩٥].
ولمَّا حضرته الوفاةُ، وعهد إلى عمر، دعاه، فوصَّاهُ بوصيةٍ، وأوَّلُ ما قالَ له: اتقِ الله يا عمر.
وكتب عُمَرُ إلى ابنه عبد الله: أما بعدُ، فإني أوصيك بتقوى الله ﷿، فإنه من اتقاه وقاه، ومَنْ أقرضه جزاه، ومَنْ شكره زاده، فاجعل التقوى نصبَ عينيك وجلاء قلبك.
واستعمل عليُّ بن أبي طالب رجلًا على سَريَّة، فقال له: أوصيك بتقوى الله الذي لا بُدَّ لك من لقائه، ولا منتهى لك دونَه وهو يَملِكُ الدنيا والآخرة.
وكتب عُمَرُ بنُ عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله ﷿ التي لا يقبلُ غَيْرَها، ولا يَرحَمُ إلَّا أهلَها، ولا يُثيبُ إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإيَّاك من المتقين.
ولما وُلِّي خطب، فحَمِد الله، وأثنى عليه، وقال: أوصيكُم بتقوى الله ﷿، فإن تقوى الله ﷿ خَلفٌ من كلِّ شيءٍ، وليس من تقوى الله خَلَفٌ.
وقال رجل ليونس بن عُبيد: أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله والإحسانِ.
فإن الله مَعَ الذين اتَّقَوا والَّذينَ هُمْ مُحسِنُون.
وقال له رجل يُريدُ الحجّ: أوصني، فقال له: اتَّقِ الله، فمن اتقى الله، فلا وحشة عليه.
وقيل لرجل من التابعين عندَ موته: أوصنا، فقال: أوصيكم بخاتمة سورةِ
_________________
(١) الخبر في "المصنف" لابن أبي شيبة ١٣/ ٢٥٨، ورواه من طريقه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٨٣، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٣٥، وصححه الحاكم، ورده الذهبي بقوله: عبد الرحمن بن إسحاق كوفي ضعيف.
[ ١ / ٤٠٦ ]
النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
وكتب رجلٌ من السلف إلى أخٍ له: أوصيك بتقوى الله، فإنها أكرم ما أسررتَ، وأزينُ ما أظهرتَ، وأفضلُ ما ادَّخرتَ، أعاننا الله وإيَّاكَ عليها، وأوجب لنا ولك ثوابَها.
وكتب رجلٌ منهم إلى أخٍ له: أُوصيكَ وأنفسَنا بالتقوى، فإنها خيرُ زادِ الآخِرَةِ والأولى، واجعلها إلى كلِّ خيرٍ سبيلَك، ومِن كلِّ شرٍّ مهرَبك، فقد توكل الله ﷿ لأهلها بالنجاة مما يحذرون، والرزق من حيث لا يحتسبون.
وقال شعبة: كنتُ إذا أردتُ الخروجَ، قلتُ للحكم: ألك حاجةٌ، فقال: أوصيك بما أوصى به النبيُّ - ﷺ - معاذَ بنَ جبل: "اتَّقِ الله حيثُما كُنتَ، وأتْبِع السَّيِّئة الحَسَنة تَمحُها، وخَالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ". وقد ثبت عن النبيِّ - ﷺ - أنه كان يقولُ في دعائه: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعِفَّةَ والغِنَى" (^١).
وقال أبو ذرٍّ: قرأ رسولُ الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، ثم قال: "يا أبا ذرٍّ لو أن النَّاسَ كُلَّهم أخذوا بها لكَفَتهم" (^٢).
فقوله - ﷺ -: "اتق الله حيثما كُنت" مراده في السير والعلانية حيث يراه الناسُ وحيث لا يرونه، وقد ذكرنا من حديث أبي ذر أن النبيَّ - ﷺ - قال له: "أُوصيك بتقوى الله في سرِّ أمرك وعلانيته"، وكان النبيُّ - ﷺ - يقول في دعائه: "أسألك خشيتَك في الغَيبِ والشَّهادة" (^٣) وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٢١) من حديث عبد الله بن مسعود، وفيه "العفاف بدل العفة.
(٢) رواه أحمد ٥/ ١٧٨ - ١٧٩، وابن ماجه (٤٢٢٠) من طريقين، عن كَهمس بن الحسين، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذر، وهذا سند رجاله ثقات إلا أن أبا السليل لم يدرك أبا ذر، فهو منقطع.
(٣) قطعة من حديث صحيح مطول رواه النسائي ٣/ ٥٤ - ٥٥ وغيره من حديث عمار بن ياسر، وصححه ابن حبان (١٩٧١).
[ ١ / ٤٠٧ ]
وقد سبق من حديث أبي الطفيل عن معاذ أن - ﷺ - قال له: "استحي من الله استحياءَ رجل ذي هيبةٍ من أهلك" وهذا هو السببُ الموجب لخشية الله في السير، فإن مَنْ عَلِمَ أن الله يراه حيث كان، وأنه مُطَّلِعٌ على باطنه وظاهره، وسرة وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك تركَ المعاصي في السر، وإلى هذا المعنى الإشارةُ في القرآن بقوله ﷿: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
كان بعضُ السلف يقولُ لأصحابه: زهَّدنا الله وإيَّاكم في الحرام زهد مَنْ قَدَرَ عليه في الخلوة، فَعَلِم أن الله يراه، فتركه من خشيته، أو كما قال.
وقال الشافعي: أعزُّ الأشياء ثلاثة: الجودُ من قِلَّة، والورعُ في خَلوة، وكلمةُ الحقِّ عندَ من يُرجى ويُخاف.
وكتب ابنُ السّماك الواعظ إلى أخ له: أما بعدُ، أُوصيكَ بتقوى الله الذي هو نَجِيُّكَ في سريرتك ورقيبُك في علانيتك، فاجعلِ الله من بالك على كُلِّ حالك في ليلك ونهارك، وخفِ الله بقدر قُربه منك، وقُدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تَخرُجُ من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى مُلك غيره، فليعظم منه حَذَرُك، وليكثر منه وَجَلُكَ والسلام.
وقال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبيٍّ من الأنبياء: قُلْ لقومك: ما بالكم تسترون الذنوبَ من خلقي، وتُظهرونها لي؛ إن كنتم ترون أني لا أراكم، فأنتم مشركون بي، وإن كنتم تَرَونَ أني أراكم فلم جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟
وكان وهيبُ بن الورد يقول: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قُربه منك، وقال له رجل: عِظني، فقال: اتَّقِ الله أن يكونَ أهونَ الناظرين إليك. كان بعضُ السلف يقول: أتراك ترحم مَنْ لم تقرّ عينيه بمعصيتك حتَّى علم أن لا عين تراه غيرك؟
[ ١ / ٤٠٨ ]
وقال بعضُهم: ابنَ آدم إن كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تَصْفُ لك مِن عينٍ ناظرةٍ إليك، فلما خلوتَ بالله وحده صَفَتْ لك معصيتُهُ، ولم تستحي منه حياءَك من بعض خلقه، ما أنت إلا أحدُ رجلين: إن كنت ظننتَ أنه لا يراك، فقد كفرتَ، وإن كنت علمتَ أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك مِن أضعف خلقه لقد اجترأت عليه.
دخل بعضُهم غَيضةً (^١) ذات شجر، فقال: لو خلوتُ هاهنا بمعصيةٍ مَنْ كان يراني؟ فسمع هاتفًا بصوت ملأ الغَيْضَةَ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
راود بعضُهم أعرابيةً، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكبُ، قالت: فأين مُكوكِبُها؟
رأى محمد بن المنكدر رجلًا واقفًا مع امرأة يُكلمها فقال: إن الله يراكما سترنا الله وإياكما.
قال الحارثُ المحاسبي: المراقبةُ علمُ القلب بقرب الربِّ. وسُئِل الجنيد بما يُستعانُ على غضِّ البصر، قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره. وكان الإمامُ أحمد يُنشِدُ:
إذا ما خلَوْت الدَّهرَ يومًا فلا تَقُلْ … خَلَوتُ ولكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
ولا تَحْسَبَنَّ الله يَغْفُلُ سَاعةً … ولا أن ما يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
وكان ابنُ السَّماك (^٢) ينشد:
_________________
(١) الغيضة بالفتح: مجتمع الشجر، والشجر الكثير الملتف.
(٢) هو الزاهد القدوة سيد الوعاظ أبو العباس محمد بن صبيح العجلي المتوفى سنة (١٩٣) هـ مترجم في "سير أعلام النبلاء" ٨/ ٣٢٨ - ٣٣٠.
[ ١ / ٤٠٩ ]
يا مُدمِنَ الذَّنْبِ أما تَستَحِي … والله في الخَلْوَةِ ثَانِيكَا
غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إمْهَالُهُ … وسَتْرُهُ طُولَ مَساوِيكَا
والمقصود أن النبيَّ - ﷺ - لما وصَّى معاذًا بتقوى الله سِرًّا وعلانيةً، أرشده إلى ما يُعينه على ذلك وهو أن يستحيَ من الله كما يستحي من رجلٍ ذي هيبةٍ من قومه. ومعنى ذلك أن يستشعِرَ دائمًا بقلبه قُرْبَ الله منه واطلاعه عليه فيستحيي من نظره إليه.
وقد امتثل معاذُ ما وصَّاه به النبي - ﷺ -، وكان عمر قد بعثه على عَمَلٍ، فقدم وليس معه شيء، فعاتبته امرأتُه، فقال: كان معي ضاغط، يعني: من يُضيق عليّ، ويمنعني من أخذ شي وإنما أراد معاذ ربَّه ﷿، فظنت امرأتُه أن عُمَر بعث معه رقيبًا، فقامت تشكوه إلى الناس.
ومن صار له هذا المقام حالًا دائمًا أو غالبًا، فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنَّهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحِشَ إلا اللممَ.
وفي الجملة فتقوى الله في السرِّ هو علامةُ كمالِ الإيمانِ، وله تأثيرٌ عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناءَ في قلوب المؤمنين. وفي الحديث: "ما أسَرَّ عبدٌ سَريرةً إلا ألبسه الله رِداءَها علانيةً إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا" (^١) رُوي هذا مرفوعًا، ورُوي عن ابن مسعود من قوله.
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير" (١٧٢) من حديث جندب بن سفيان، وفي سنده حامد بن آدم المروزي كذبه غير واحد، ورواه ابن أبي الدنيا في "الإخلاص" فيما ذكره العجلوني في كشف الخفا" عن عثمان، وروى أحمد ٣/ ٢٨، وأبو يعلى (١٣٧٨)، وأبو نعيم من طريق ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائنًا من كان"، وابن لهيعة ضعيف وكذا دراج في روايته عن أبي الهيثم.
[ ١ / ٤١٠ ]
وقال أبو الدرداء: لِيَتَّقِ أحدُكم أن تلعنه قلوبُ المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله له البغضَ في قلوب المؤمنين.
قال سليمانُ التيميُّ: إن الرجل لَيُصيب الذنبَ في السير فيصبح وعليه مذلتُه، وقال غيره: إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبينَ الله، ثم يجيءُ إلى إخوانه، فيرون أثَرَ ذلك عليه، وهذا مِن أعظم الأدلة على وجودِ الإِله الحقِّ المجازي بذرَّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عندَه عملُ عاملٍ، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار، فالسعيدُ مَنْ أصلح ما بينَه وبينَ الله، فإنه من أصلح ما بينه وبينَ الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامدَ الناسِ بسخط الله، عاد حامده من النَّاس له ذامًا.
قال أبو سليمان: الخاسرُ من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقربُ إليه من حبل الوريد.
ومِنْ أعجب ما رُوي في هذا ما رُوي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيبٌ أبو محمد تاجرًا يَكْرِي الدراهمَ، فمرَّ ذات يوم، فإذا هو بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكِلُ الربا، فنكس رأسه، وقال: يا ربِّ، أفشيت سرِّي إلى الصبيان، فرجع فجمع ماله كُلَّه، وقال: يا ربِّ إنِّي أسيرٌ، وإني قد اشتريتُ نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح، تصدَّق بالمال كلّه وأخذ في العبادة، ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيبٌ العابد، فبكى وقال: يا رب أنتَ تذم مرَّةً وتحمد مرَّةً، وكله من عندك.
قوله - ﷺ -: "وأتْبِع السَّيِّئة الحَسنَة تَمحُها" لما كان العبد مأمورًا بالتقوى في السرِّ والعلانية مع أنه لا بُدَّ أن يقع منه أحيانًا تفريط في التقوى، إما بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره أن يفعل ما يمحو به هذه
[ ١ / ٤١١ ]
السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة، قال الله ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
وفي "الصحيحين" عن ابنِ مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قُبلَةً، ثم أتى النبيَّ - ﷺ -، فذكر ذلك له، فسكت النبي - ﷺ - حتى نزلت هذه الآية، فدعاه فقرأها عليه، فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: "بل للناس عامة" (^١).
وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبي - ﷺ - في هذه الوصية في قوله ﷿: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦].
فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم بالإنفاق، وكظمِ الغيظ، والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل النَّدى، واحتمال الأذى، وهذا هو غايةُ حسن الخلق الذي وصى به النبي - ﷺ - لمعاذ، ثم وصفهم بأنهم: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ولم يُصرُّوا عليها، فدل على أن المتقين قد يَقَع منهم أحيانًا كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظُلمُ النفس، لكنهم لا يُصرون عليها، بل يذكرون الله عَقِبَ وقوعها، فيستغفرونه ويتوبون إليه منها، والتوبة: هي تركُ الإصرار.
ومعنى قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أي: ذكروا عظمته وشِدَّة بطشه وانتقامِه، وما
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦٨٧) ومسلم (٢٧٦٣) (٤٢).
[ ١ / ٤١٢ ]
توعد به على المعصية من العقابِ، فيوجب ذلك لهم الرجوعَ في الحال والاستغفارَ وتركَ الإصرار، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
وفي "الصحيحين" (^١) عن النبيِّ - ﷺ - قال: "أَذْنَبَ عبدٌ ذنبًا، فقال: رَبِّ إنِّي عملتُ ذنبًا فاغْفِر لي فقال الله: عَلِمَ عبدي إن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرتُ لعبدي، ثم أذنب ذنبًا آخر - إِلى أن قال في الرابعة: - فليعمل ما شاء" يعني ما دام على هذه الحال كلما أذنب ذنبًا استغفر منه. وفي الترمذي (^٢) من حديث أبي بكر الصدِّيق ﵁ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما أصرَّ من استَغْفَر ولو عادَ في اليومَ سَبْعِينَ مرة".
وخرَّج الحاكم (^٣) من حديث عُقبة بن عامر أن رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ - فقال: يا رسولَ الله أحدُنا يُذنب، قال: "يُكتب عليه"، قال: ثم يستغفرُ منه، قال: "يغفر له، ويُتاب عليه"، قال: فيعود فيذنب، قال: "يكتب عليه"، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: "يغفر له، ويتاب عليه، ولا يَمَلُّ الله حتى تملُّوا".
وخرّج الطبراني (^٤) بإسنادٍ ضعيفٍ عن عائشة ﵂ قالت: جاء حبيبُ بنُ الحارث إلى النبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله إني رجل مِقْرافٌ للذنوب، قال: "فتب إلى اللهِ ﷿"، قال: أتوبُ، ثم أعودُ، قال: "فكلما أذنبتَ، فتُبْ"، قال: يا رسول الله إذًا تكثرُ ذنوبي، قال: "فعفو الله أكثرُ من ذنوبك يا
_________________
(١) البخاري (٧٥٠٧) ومسلم (٢٧٥٨) من حديث أبي هريرة.
(٢) برقم (٣٥٥٩) من طريق أبي نُصَيرة، عن مولى لأبي بكر، وقال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي، وهو في سنن أبي داود (١٥١٤).
(٣) ١/ ٥٩، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي مع أن في سنده عبد الله بن صالح كاتب الليث وفي حفظه شيء.
(٤) كما في "المجمع" ١٠/ ٢٠٠، وفيه نوح بن ذكوان وهو ضعيف.
[ ١ / ٤١٣ ]
حبيب بن الحارث". وخرَّجه بمعناه من حديث أنس مرفوعًا بإسناد ضعيفٍ.
وبإسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: من ذكر خطيئةً عَمِلَها، فوَجِلَ قلبُه منها، واستغفر الله، لم يحبسها شيءٌ حتى يمحاها (^١).
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عليٍّ قال: خياركُم كُلُّ مُفَتَّنٍ (^٢) توَّاب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: حتى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور (^٣).
وخرَّج ابن ماجه (^٤) من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "التائبُ مِنَ الذَنْبِ كَمَنْ لَا ذَنبَ لَهُ".
_________________
(١) ورواه البزار (٣٢٤٩) عن محمد بن المثنى، حدثنا عمر بن أبي خليفة، سمعت أبا بدر (هو بشار بن الحكم الضبي) عن ثابت، عن أنس، ورجاله ثقات إلا أبا بدر فقد قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال ابن حبان: يتفرد عن ثابت بأشياء ليست من حديثه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
(٢) المفتَّن: كمعظم ومكرم، الممتحن يمتحِنُه الله بالذنب ثم يتوب، ثم يعود، ثم يتوب.
(٣) المحسور: هو الذي بلغ الغاية في التعب والإعياء، أي: أن الشيطان ييأس من إغواء الذي يدوم على التوبة.
(٤) رقم (٤٢٥٠) ورواه الطبراني في "الكبير" (١٠٢٨١)، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٢١٠، والشهاب القضاعي في "مسنده" (١٠٨) من طريق عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود رفعه، وهذا سند رجاله ثقات إلا أنه منقطع، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وقد رواه عبد الرزاق - كما في "موضح أوهام الجمع" للخطيب ١/ ٢٥٧، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا. وحسنه الحافظ ابن حجر بشواهده فيما نقله عنه السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص ١٥٢.
[ ١ / ٤١٤ ]
وقيل للحسن: ألا يستحيي أحدُنا من ربه يستغفِرُ من ذنوبه، ثم يعود، ثم يستغفر، ثم يعود، فقال: ودَّ الشيطانُ لو ظَفِرَ منكم بهذه، فلا تملُّوا من الاستغفار. وروي عنه أنه قال: ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين، يعني: أن المؤمن كلما أذنب تاب، وقد رُوي "المؤمن مُفَتَّنٌ توَّاب" (^١). وروي من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعًا: "المؤمن واهٍ راقعٌ فسعيدٌ من هلك على رقعه" (^٢).
وقال عمرُ بنُ عبد العزيز في خطبته: من أحسن منكم، فليَحْمَدِ الله، ومن أساء، فليستغفر الله، فإنه لا بُدَّ لأقوامٍ من أن يعملوا أعمالًا وظَّفها الله في رقابهم، وكتبها عليهم. وفي رواية أخرى عنه أنَّه قال: أيها الناسُ مَنْ ألمَّ بذنبٍ، فليستغفرِ الله وليتب، فإن عادَ، فليستغفر الله وليتب، فإن عاد، فليستغفر الله وليتب، فإنما هي خطايا مطوَّقة في أعناقِ الرجال، وإن الهلاك كُل الهلاك في الإصرار عليها.
ومعنى هذا أن العبدَ لا بُدَّ أن يفعل ما قُدِّرَ عليه من الذنوب كما قال النبيُّ - ﷺ -: "كُتِبَ على ابن آدمَ حَظهُ من الزنى، فهو مُدركُ ذلك لا محالةَ" (^٣). ولكن الله جعل للعبد مخرجًا مما وقع فيه من الذنوب، ومحاه بالتوبة والاستغفار، فإن فعل، فقد تخلص من شر الذنب، وإن أصر على الذنب، هلك.
وفي "المسند" (^٤) من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ - ﷺ - قال:
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد ١/ ٨٠ وأبو يعلى (٤٨٣) من حديث علي ﵁ بلفظ: "إن الله يحب العبد المؤمن المفتّن التواب" وسنده غاية في الضعف.
(٢) رواه الطبراني في "الصغير" (١٧٩)، وفي سنده سعيد بن خالد الخزاعي، وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات.
(٣) قطعة من حديث رواه البخاري (٦٢٤٣) و(٦٦١٢) ومسلم (٢٦٧٥) وأبو داود (٢١٥٢) من حديث أبي هريرة.
(٤) ٢/ ١٦٥ وإسناده صحيح، ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٣٨٠) وعبد بن حميد =
[ ١ / ٤١٥ ]
"ارحَمُوا تُرْحَموا، واغْفِروا يُغْفَرْ لكُم، وَيلٌ لأقْماعِ القولِ، وَيلٌ للمُصِرِّين الذين يُصرون على ما فعلوا وهُمْ يَعْلَمون" وفسر أقماعُ القول بمن كانت أذناه كالقمع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه خرج من الأخرى، ولم ينتفع بشيء مما سمع (^١).
وقوله - ﷺ -: "أَتْبِعِ السَّيِّئَة الحَسَنة" قد يُراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث مرسَل خرجه ابنُ أبي الدنيا من مراسيل محمدِ بن جُبيرٍ (^٢) أن النبيَّ - ﷺ - لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: "يا معاذ اتَّقِ الله ما استطعتَ، واعمل بقوَّتِكَ لله ﷿ ما أطقت، واذكرِ الله ﷿ عند كلِّ شجرةٍ وحجر، وإن أحدثت ذنبًا، فأحدث عنده توبة، إن سرًّا فسرٌّ وإن علانية فعلانية". وخرجه أبو نعيم (^٣) بمعناه من وجهٍ آخرَ ضعيف عن معاذ. وقال قتادة: قال سلمان: إذا أسأتَ سيئةً في سريرةٍ، فأحسن حسنة في سريرةٍ، وإذا أسأتَ سيئةً في علانية، فأحسن حسنةً في علانية، لكي تكونَ هذه بهذه. وهذا يحتمِلُ أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعمَّ منها.
وقد أخبر الله في كتابه أن من تاب من ذنبه، فإنه يغفر له ذنبه أو يتاب عليه
_________________
(١) = في "المنتخب" (٣٢٠)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٨/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٢) قال ابن الأثير: الأقماع جمع قمع، كضلع: وهو الإناء الذي يُترك في رؤوس الظروف لتُملأ بالمائعات من الأشربة والأدهان، شبه أسماع الذين يستمعون القولَ، ولا يعونه، ويحفظونه ويعملون به كالأقماع التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجازًا كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازًا، وقال الزمخشري في "أساس البلاغة": وتقول: ما لكم أسماع إنما هي أقماع.
(٣) هو محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل النوفلي، ذكره ابن سعد ٥/ ٢٠٥ في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة وهو ثقة عارف بالنسب مات على رأس المئة، روى حديثه الشيخان وأصحاب السنن.
(٤) في "الحلية" ١/ ٢٤٠ - ٢٤١.
[ ١ / ٤١٦ ]
في مواضع كثيرةٍ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧]، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآيتين.
قال عبدُ الرزاق: أخبرنا جعفرُ بنُ سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: بلغني أن إبليسَ حين نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية، بكى (^١). ويُروى عن ابن مسعور قال: هذه الآية خيرٌ لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها (^٢). وقال ابنُ سيرين: أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لبني إسرائيل في كفارات ذنوبهم.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله لو كانت كفاراتُنا ككفاراتِ بني إسرائيل، فقال النبيُّ - ﷺ -: "اللهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة، وجدها مكتوبة على بابه وكفارَتها، فإن كفرها كانت خزيًا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة، فما
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري (٧٨٥٢)، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٦ وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.
(٢) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٦، ونسبه إلى ابن المنذر.
[ ١ / ٤١٧ ]
أعطاكم الله خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^١) [النساء: ١١٠].
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، قال: هو سعةُ الإسلامِ، وما جعل الله لأمة محمد من التوبة والكفارة (^٢).
وظاهر هذه النصوص تدلُّ على أن من تاب إلى الله توبةً نصوحًا، واجتمعت شروطُ التوبة في حقه، فإنه يُقطع بقبولِ الله توبته، كما يُقطع بقبول إسلام الكافر إذا أسلم إسلامًا صحيحًا، وهذا قولُ الجمهور، وكلامُ ابن عبدِ البرِّ يدلُّ على أنَّه إجماع.
ومِنَ الناسِ مَنْ قال: لا يقطع بقبول التوبة، بل يُرجى، وصاحبُها تحت المشيئة وإن تاب، واستدلوا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فجعل الذنوبَ كُلَّها تحت مشيئته، وربما استدلَّ بمثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨]، وبقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، وقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢].
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري (١٧٨٣) وأبو جعفر الرازي سيء الحفظ، ثم هو مرسل، أبو العالية - واسمه رفيع بن مهران الرياحي - من كبار التابعين وهو ثقة إلا أنه كثير الإرسال.
(٢) رواه ابن أبي حاتم فيما نقله عنه السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٧٨ - ٧٩ من طريق ابن شهاب أن ابن عباس.
[ ١ / ٤١٨ ]
والظاهر أن هذا في حقِّ التائبِ، لأن الاعترافَ يقتضي الندم، وفي حديث عائشة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إن العبدَ إذا اعترف بذنبه، ثم تابَ، تاب الله عليه" (^١)، والصحيح قولُ الأكثرين.
وهذه الآيات لا تدلُّ على عدم القطع، فإن الكريمَ إذا أطمع، لم يقطع من رجائه المطمع، ومِنْ هنا قال ابنُ عباس: إن "عسى" من الله واجبة، نقله عنه عليُّ بن أبي طلحة (^٢). وقد ورد جزاءُ الإيمان والعمل الصالح بلفظ: "عسى" أيضًا، ولم يدل ذلك على أنه غيرُ مقطوع به، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨].
وأما قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فإنَّ التائب ممن شاء أن يغفرَ له، كما أخبر بذلك في مواضع كثيرة من كتابه.
وقد يُراد بالحسنة في قول النبيِّ - ﷺ -: "أتبع السَّيئة الحسنة" ما هو أعمُّ من التوبة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقد رُوي من حديث معاذ أن الرجل الذي نزلت بسببه هذه الآية أمره النبيُّ - ﷺ - أن يتوضَّأ ويُصلِّي (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٤١٤١) و(٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠) وأحمد ٦/ ١٩٦.
(٢) رواه ابن جرير (١٦٥٥) وعلي بن أبي طلحة روايته عن ابن عباس مرسلة، فإنه لم يره.
(٣) رواه أحمد ٥/ ٢٤٤ والترمذي (٣١١٣) والطبري (١٨٦٧٨) و(١٨٦٨٢) من طريقين عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ست سنين وقد روى عن عمر.
[ ١ / ٤١٩ ]
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابنُ ماجه من حديث أبي بكر الصديق ﵁، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذنِبُ ذنبًا ثم يقومُ فيتطهَّر ثم يُصلِّي، ثم يستغفر الله إلَّا غَفَرَ الله له" ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] (^١).
وفي "الصحيحين" (^٢) عن عثمانَ أنه توضأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: "مَنْ توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتين لا يُحدِّثُ فيهما نفسَه، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه".
وفي "مسند الإمام أحمد" (^٣) عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: "مَنْ توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ ثم قام فصلَّى ركعتين أو أربعًا يُحسِنُ فيهما الركوعَ والخشوعَ، ثم استغفرَ الله غُفِرَ له".
وفي "الصحيحين" (^٤) عن أنس قال: كُنتُ عندَ النبيِّ - ﷺ -، فجاءه رجل،
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ٢ و١٠، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٨٧، وأبو داود (١٥٢٠) والترمذي (٣٠٠٦) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤١٤) و(٤١٧)، وابن ماجه (١٣٩٥)، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (٩) و(١٠) وصححه ابن حبان (٦٢٣).
(٢) البخاري (١٥٩) و(١٦٤) ومسلم (٢٢٧)، وقوله: "يحدث فيهما نفسه" قال الحافظ ابن حجر: المراد به ما تسترسل النفس معه، ويمكن المرء قطعه، لأن قوله: "يحدث" يقتضي تكسبًا منه، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس، ويتعذر دفعه، فذلك معفو عنه.
(٣) ٦/ ٤٤٣ و٤٥٠، ورواه الطبراني "كتاب الدعاء" (١٨٤٨) وهو حديث حسن.
(٤) البخاري (٦٨٢٣) ومسلم (٢٧٦٤) وقوله: "أصبت حدًا" قال النووي: هذا الحد معناه معصية من المعاصي الموجبة للتعزير وهى هنا من الصغائر، لأنها كفرتها الصلاة ولو كانت كبيرة موجبة لحد أو غير موجبة له لم تسقط بالصلاة.
[ ١ / ٤٢٠ ]
فقال: يا رسولَ الله إني أصبتُ حدًا، فأقمه عليَّ، قال: ولم يسأله عنه، فحضرتِ الصلاةُ فصلى مع النبيِّ - ﷺ -، فلما قضى النبيُّ - ﷺ - الصلاةَ قام إليه الرجلُ فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا، فأقم فيَّ كتاب الله، قال: "أليس قد صلَّيت معنا؟ " قال: نعم، قال: "فإنَّ الله قد غَفرَ لك ذنبك - أو قال: - حدَّك" وخرّجه مسلم (^١) بمعناه من حديث أبي أمامة، وخرجه ابنُ جرير الطبري (^٢) من وجه آخر عن أبي أُمامة، وفي حديثه قال: "فإنَّك مِنْ خطيئتك كما ولدتك أمُّك فلا تَعُدْ"، وأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وفي "الصحيحين" (^٣) عن أبي هُريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "أرأيتُم لو أن نهرًا ببابِ أحدكم يَغْتَسِلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ هل يبقى من درنه شيء؟ " قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: "فذلك مَثَلُ الصَّلواتِ الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا".
وفي "صحيح مسلم" (^٤) عن عثمان، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من تَوضَّأ فأحسنَ الوضوءَ، خرجت خطاياه من جسده حتى تَخرجَ من تحت أظفاره".
وفيه (^٥) عن أبي هُريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدَّرجات؟ "قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: "إسباغُ الوضوءِ على المكارهِ، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصَّلاةِ، فذلكُم الرباطُ، فذلكُمُ الرباط".
_________________
(١) رقم (٢٧٦٥).
(٢) (١٨٦٨١) وإسناده ضعيف.
(٣) البخاري (٥٢٨) ومسلم (٦٦٧).
(٤) برقم (٢٤٥).
(٥) برقم (٢٥١).
[ ١ / ٤٢١ ]
وفي "الصحيحين" (^١) عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ صَامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومَنْ قَام لَيلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه".
وفيهما (^٢) عن أبي هُريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ حَجَّ هذا البيتَ، فلم يَرفُثْ، ولَمْ يَفسُقْ، خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أُمُّه".
وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن عمرو بن العاص، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ الإسلام يَهدِمُ ما كان قبله، وإن الهِجرةَ تَهدِمُ ما كان قبلها، وإنَّ الحجَّ يَهدِمُ ما كانَ قبله".
وفيه (^٤) من حديث أبي قتادة، عن النبيِّ - ﷺ - قال في صوم عاشوراء: "أحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّر السنة التي قبله"، وقال في صوم يوم عرفة: "أحتسِبُ على اللهِ أن يُكفِّر السنة التي قبله والتي بعده".
وخرَّج الإمامُ أحمد (^٥) من حديث عُقبة بن عامر، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَثَلُ الذي يعمل السيئاتِ، ثم يعمل الحسناتِ، كمثل رجلٍ كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عَمِلَ حسنة فانفكت حلقة، ثم عَمِلَ حسنة أخرى، فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض".
ومما يُكفِّرُ الخطايا ذكرُ الله ﷿، وقد ذكرنا فيما تقدَّم أن النبي - ﷺ - سُئِلَ
_________________
(١) البخاري (١٩٠١) و(٢٠٠٨) و(٢٠١٤) ومسلم (٧٥٩).
(٢) البخاري (١٨١٩) و(١٨٢٠) ومسلم (١٣٥٠).
(٣) رقم (١٢١).
(٤) رقم (١١٦٢).
(٥) ٤/ ١٤٥، وسنده حسن، فإن راويه عن ابن لهيعة عبد الله بن المبارك.
[ ١ / ٤٢٢ ]
عن قول: "لا إله إلَّا الله" أمِنَ الحسنات هي؟ قال: "هي أحسن الحسنات" (^١).
وفي "الصحيحين" (^٢) عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من قال: سبحان اللهِ وبحمده في يومه مئة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ".
وفيهما (^٣) عنه، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ قالَ: لا إله إلَّا الله وحدَه لا شَريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ يُحيي ويُميت وهو على كل شي قدير في يوم مئة مرة، كانت له عِدْلَ عشرِ رقابٍ، وكتبت له مئةُ حسنةٍ، ومُحِيت عنه مئةُ سيئة، وكانت له حِرزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسيَ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضَلَ مما جاء به إلا أحدٌ عمل أفضلَ مِنْ ذلك".
وفي "المسند" وكتاب ابن ماجه عن أمِّ هانئ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا إله إلا الله لا تترك ذنبًا، ولا يسبقُها عمل" (^٤).
وخرَّج الترمذيُّ (^٥) عن أنس، عن النبيِّ - ﷺ - أنه مرَّ بشجرةٍ يابسة الورق، فضربها بعصاه، فتناثر الوَرَقُ، فقال: "إنَّ الحمدَ للهِ، وسبحان الله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر لتساقط من ذنوبِ العبد كما يتساقط ورقُ هذه الشجرة".
وخرجه الإمام أحمد (^٦) بإسَنادٍ صحيح عن أنسٍ أن رسولَ الله - ﷺ - قال: "إنَّ
_________________
(١) تقدم.
(٢) البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩٢).
(٣) البخاري (٣٢٩٣) و(٦٤٠٣)، ومسلم (٢١٩١).
(٤) رواه أحمد ٦/ ٤٢٥، وفي سنده أبو معشر المدني وهو ضعيف، وصالح مولى وجزة وهو مجهول، ورواه ابن ماجه (٣٧٩٧) وفي سنده زكريا بن منظور وهو ضعيف.
(٥) برقم (٣٥٣٣) عن محمد بن حميد، عن الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن أنس، وقال: هذا حديث غريب، ولا نعرف للأعمش سماعًا من أنس.
(٦) في "مسنده" ٣/ ١٥٢.
[ ١ / ٤٢٣ ]
سبحانَ اللهِ، والحمد للّه، ولا إله إلا الله، والله أكبر تَنفُضُ الخطايا كما تنفُضُ الشَّجرةُ ورقَها".
والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا يطولُ الكتاب بذكرها.
وسئل الحسن عن رجل لا يتحاشى من معصية إلا أن لسانه لا يفتر من ذكر الله، فقال: إن ذلك لَعَوْن حَسَنٌ.
وسُئِلَ الإِمام أحمد عن رجلٍ اكتسب مالًا من شبهةٍ: صلاتُه وتسبيحُهُ يَحُطُّ عنه شيئًا من ذلك؟ فقال: إن صلَّى وسبَّح يريد به ذلك، فأرجو، قال الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢].
وقال مالكُ بنُ دينارٍ: البكاءُ على الخطيئة يحطُّ الخطايا كما تحطُّ الريحُ الورقَ اليابسَ.
وقال عطاء: من جلس مجلسًا من مجالس الذِّكر، كَفَّر به عشرة مجالس من مجالس الباطل (^١).
وقال شويس العدوي (^٢) - وكان من قدماء التابعين -: إن صاحبَ اليمين أمير - أو قال: أمين - على صاحب الشمال، فإذا عَمِلَ ابنُ آدم سيئة، فأراد صاحبُ الشمال أن يكتبها، قال له صاحبُ اليمين: لا تَعْجَلْ لعلَّه يعمل حسنة، فإن
_________________
(١) وتمامه كما في "الحلية" ٣/ ٣١٣ قال أبو هزان راويه عن عطاء: ما مجلس الذكر؟ قال: مجلس الحلال والحرام، وكيف تصلي، وكيف تصوم، وكيف تنكح، وكيف تطلق، وتبيع وتشتري.
(٢) هو شويس بن جياش العدوي أبو الرقاد البصري روى عن عتبة بن غزوان وعمر بن الخطاب، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات" وروى له الترمذي في "الشمائل" حديثًا واحدًا، وكلامه هذا أورده أبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٢٥٥.
[ ١ / ٤٢٤ ]
عَمِلَ حسنةً، ألقى واحدةً بواحدة، وكتب له تسع حسنات، فيقول الشيطانُ: يا وَيلَه من يدرك تضعيف ابن آدم.
وخرَّج الطبراني (^١) بإسنادٍ فيه نظر عن أبي مالك الأشعري عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إذا نام ابنُ آدمَ، قال الملك للشيطان: أعطني صحيفَتك، فيعطيه إيَّاها، فما وجد في صحيفته من حسنةٍ، محى بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسناتٍ، فإذا أراد أن ينامَ أحدُكم، فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكبيرة ويحمد الله أربعًا وثلاثين تحميدة، وسبح ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، فتلك مئة" وهذا غريبٌ منكر.
وروى وكيع: حدَّثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: قال عبدُ الله، يعني ابنَ مسعود: وددتُ أني صُولحت على أن أعمل كُلَّ يوم تسع خطيئات وحسنة. وهذا إشارة منه إلى أن الحسنة يُمحى بها التسع خطيئات، ويَفضُلُ له ضعفٌ واحدٌ من ثواب الحسنة، فيكتفي به، والله أعلم.
وقد اختلف الناسُ في مسألتين: إحداهما: هل تُكفِّرُ الأعمالُ الصالحةُ الكبائرَ والصغائرَ أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تُكفر سوى الصغائر، وقد رُوي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يُكفر الصغائر، وقال سلمان الفارسي في الوضوء: إنه يكفر الجراحات الصِّغار، والمشي إلى المساجد يُكفر أكبرَ من ذلك، والصلاة تكفر أكبرَ من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي (^٢).
وأما الكبائر، فلا بدَّ لها من التوبة، لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من
_________________
(١) رقم (٣٤٥١) وفي سنده محمد بن إسماعيل بن عياش حدث عن أبيه بغير سماع، وأبوه قد اختُلِطَ.
(٢) في كتاب الصلاة رقم (٩٩).
[ ١ / ٤٢٥ ]
لم يتب ظالمًا، واتفقت الأمةُ على أن التوبة فرض، والفرائضُ لا تُؤدى إلا بنيةٍ وقصدٍ، ولو كانت الكبائرُ تقع مكفرةً بالوضوء والصلاة، وأداء بقية أركان الإسلام، لم يُحْتَجْ إلى التوبة، وهذا باطلٌ بالإجماع.
وأيضًا فلو كُفِّرَت الكبائرُ بفعل الفرائض، لم يبق لأحدٍ ذنبٌ يدخل به النار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه قولَ المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البرّ في كتابه "التمهيد" وحكى إجماع المسلمين على ذلك، واستدلَّ عليه بأحاديث:
منها قولُ النبي - ﷺ -: "الصَّلواتُ الخمسُ، والجمعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورمضانُ إلى رمضان مُكفراتٌ لما بَينَهُنَّ ما اجتُنِبت الكبائرُ" وهو مخرَّج في "الصحيحين" (^١)، من حديث أبي هريرة، وهذا يدلُّ على أن الكبائرَ لا تكفرها هذه الفرائضُ.
وقد حكى ابنُ عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين: أحدُهما - وحكاه عن جمهور أهل السنة -: أن اجتنابَ الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تُجتنب، لم تُكفر هذه الفرائض شيئًا بالكلية.
والثاني: أنها تُكفر الصغائر مطلقًا، ولا تُكفر الكبائر وإن وجدت، لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدمِ الإصرار عليها، ورجَّح هذا القول، وحكاه عن الحذاق.
وقوله: بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، مرادُه أنه إذا أصرَّ عليها، صارت كبيرةً، فلم تكفرها الأعمالُ. والقولُ الأوَّل الذي حكاه غريب، مع أنه قد حُكِيَ عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا مثلُه.
_________________
(١) هو من أفراد مسلم (٢٣٣) ولم يخرجه البخاري، وصححه ابن حبان (١٧٣٣) و(٢٤١٨).
[ ١ / ٤٢٦ ]
وفي "صحيح مسلم" (^١) عن عثمان، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَا مِن امرئٍ مسلمٍ تحضُرُه صلاةٌ مكتوبة، فيُحسِنُ وضوءَها وخُشوعَها ورُكوعها إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب ما لم يؤتِ كبيرةً، وذلك الدهر كُلَّه".
وفي "مسند" الإِمام أحمد (^٢) عن سلمان، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا يتطهَّرُ الرجلُ - يعني يوم الجمعة - فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فَيُنْصِتَ حتى يقضي الإمامُ صلاته، إلا كان كفَّارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة".
وخرَّج النسائي، وابنُ حبان، والحاكمُ من حديث أبي سعيدٍ وأبي هُريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "والَّذي نفسي بيده ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس، ويصومُ رمضان، ويُخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبعَ، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام" (^٣). وخرج الإمامُ أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب، عن النبيِّ - ﷺ - معناه أيضًا (^٤). وخرج الحاكم (^٥) معناه من حديث عبيد بن عمير، عن أبيه، عن النبيِّ - ﷺ -.
ويُروى من حديث ابن عمر مرفوعًا: "يقولُ الله ﷿: ابنَ آدمَ اذكُرني من أوَّلِ النهار ساعةً ومن آخرِ النهار ساعةً، أَغفِر لكَ ما بَينَ ذلك، إلا الكبائر، أو تتوب منها" (^٦).
_________________
(١) برقم (٢٢٨).
(٢) "المسند" ٥/ ٤٣٩، ورجاله ثقات.
(٣) رواه النسائي ٨/ ٥ والحاكم ١/ ٢٠٠ و٢/ ٢٤٠، وصححه ابن حبان (١٧٤٨).
(٤) رواه النسائي ٧/ ٨٨، وأحمد ٥/ ٤١٣ وإسناده حسن.
(٥) في "المستدرك" ١/ ٥٩ و٤/ ٢٥٩، وفي سنده عبد الحميد بن سنان لم يوثقه غير ابن حبان، ونقل العقيلي عن البخاري قوله: في حديثه نظر.
(٦) ضعيف، ورواه أبو نعيم في "الحلية" ٨/ ٢١٣ عن الحسن، عن أبي هريرة عن رسول =
[ ١ / ٤٢٧ ]
وقال ابن مسعود: الصلواتُ الخمس كفَّاراتٌ لما بينهن ما اجتنبت الكبائر (^١).
وقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس، فإنهن كفارات لهذه الجراح ما لم تُصب المقتلة (^٢).
قال ابنُ عمر لرجل: أتخاف النارَ أن تدخلها، وتحبُّ الجنَّةَ أن تدخلها؟ قال: نعم، قال: برَّ أمَّك، فواللهِ لَئِنْ ألنتَ لها الكلام وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات. وقال قتادة: إنما وعد الله المغفرةَ لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أن النبيَّ - ﷺ - قال: "اجتنبوا الكبائرَ وسدِّدوا وأبشروا" (^٣).
وذهب قومٌ من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمالَ تُكفِّرُ الكبائرَ، ومنهم ابن حزم الظاهري، وإيَّاه عنى ابنُ عبد البرّ في كتاب "التمهيد" بالردِّ عليه وقال: قد كنتُ أرغبُ بنفسي عن الكلام في هذا الباب، لولا قولُ ذلك القائل، وخشيتُ أن يغترَّ به جاهلٌ، فينهمِكَ في الموبقاتِ، اتِّكالًا على أنَّها تكفرُها الصلواتُ دونَ الندم والاستغفار والتوبة، والله نسألُه العصمة والتوفيقَ.
قلتُ: وقد وقع مثلُ هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه، ووقع مثلُه في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر، قال: يُرجى لمن قامها
_________________
(١) = الله - ﷺ - فيما يذكر عن ربه ﷿: "يا ابن آدم اذكرني بعد الفجر وبعد العصر ساعة أكفك ما بينهما". وفي سنده ضعيف ومجهول. وعنعنه الحسن.
(٢) انظر "تعظيم قدر الصلاة" للمروزي ١/ ٢٢٤.
(٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٤٨) و(٤٧٣٧) ومن طريقه الطبراني (٦٠٥١).
(٤) رواه أحمد ٣/ ٣٩٤ من حديث جابر، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وأبو الزبير، وهو مدلس، وقد عنعنه.
[ ١ / ٤٢٨ ]
أن يغفر له جميعُ ذنوبه صغيرها وكبيرها. فإن كان مرادهم أن مَنْ أتى بفرائض الإسلام وهو مُصرٌّ على الكبائر تغفر له الكبائرُ قطعًا، فهذا باطلٌ قطعًا، يُعْلَمُ بالضرورة من الدِّين بطلانه، وقد سبق قولُ النبي - ﷺ -: "مَنْ أساءَ في الإسلام أُخِذَ بالأوَّلِ والآخر" (^١) يعني: بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذا أظهرُ من أن يحتاجَ إلى بيانٍ، وإن أرادَ هذا القائلُ أنَّ من ترك الإصرارَ على الكبائرِ، وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه، كُفِّرَت ذنوبه كلُّها بذلك، واستدلَّ بظاهر قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. وقال: السيئات تشملُ الكبائرَ والصغائر، فكما أن الصغائرَ تُكفَّرُ باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نيَّةٍ، فكذلك الكبائرُ، وقد يستدلُّ لذلك بأنَّ الله وعد المؤمنين والمتقين بالمغفرة وبتكفير السَّيِّئات، وهذا مذكورٌ في غير موضع من القرآن، وقد صار هذا من المتَّقين، فإنَّه فعل الفرائضَ، واجتنبَ الكبائرَ، واجتنابُ الكبائر لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ وقصدٍ، فهذا القولُ يمكن أن يُقال في الجملة.
والصَّحيح قول الجمهور: إنَّ الكبائر لا تُكفَّرُ بدون التوبة، لأنَّ التوبة فرضٌ على العباد، وقد قال ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. وقد فسرت الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود التوبة بالندم، ومنهم من فسَّرها بالعزم على أن لا يعود، وقد روي ذلك مرفوعًا من وجه فيه ضعفٌ، لكن لا يعلم مخالفٌ من الصحابة في هذا، وكذلك التابعون ومَنْ بعدهم، كعمر بن عبد العزيز، والحسن وغيرهما.
وأما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات للمتقين، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤٢٩ ]
[الأنفال: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التغابن: ٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]، فإنه لم يُبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح، ومن جملة ذلك: التوبة النصوح، فمَنْ لم يتب، فهو ظالم، غيرُ متّقٍ.
وقد بين في سورة آل عمران خصالَ التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنة، فذكر منها الاستغفار، وعدم الإصرار، فلم يضمن تكفيرَ السيئات ومغفرة الذنوب إلَّا لمن كان على هذه الصفة، والله أعلم.
ومما يستدل به على أن الكبائر لا تُكَفَّرُ بدونِ التوبة منها، أو العقوبة عليها حديثُ عُبادةَ بن الصامت، قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - فقال: "بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا"، وقرأ عليهم الآية، "فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فعُوقِبَ به، فهو كفَّارَةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له خرجاه في "الصحيحين"، وفي رواية لمسلم: "من أتى منكم حدًا فأقيم عليه فهو كفارته" (^١). وهذا يدل على أن الحدود كفارات. قال الشافعي: لم أسمع في هذا الباب أن الحدَّ يكونُ كفارةً لأهله شيئًا أحسنَ مِنْ حديث عُبادةَ بن الصامت.
وقوله: "فعوقب به" يعمُّ العقوبات الشرعية، وهي الحدود المقدَّرةُ أو غير المقدَّرة، كالتعزيرات، ويشمل العقوبات القدرية، كالمصائب والأسقام والآلام، فإنَّه صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "لا يصيبُ المسلمَ نصبٌ ولا وَصَبٌ
_________________
(١) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩).
[ ١ / ٤٣٠ ]
ولا هَمٌّ ولا حزن حتَّى الشَّوكة يُشاكها إلا كفَّر الله بها خطاياه" (^١). ورُوي عن عليٍّ أن الحدَّ كفَّارةٌ لمن أقيم عليه (^٢)، وذكر ابنُ جرير الطبري في هذه المسألة اختلافًا بين الناس، ورجَّحَ أن إقامة الحدِّ بمجرَّده كفارة، ووهَّنَ القول بخلاف ذلك جدًّا.
قلت: وقد رُوِي عن سعيد بن المسيب وصفوانَ بن سليم أن إقامة الحدِّ ليس بكفَّارة، ولا بدَّ معه من التَّوبة، ورجَّحه طائفةٌ من المتأخِّرين، منهم البغويُّ، وأبو عبد الله بن تيمية (^٣) في "تفسيريهما"، وهو قولُ ابن حزم
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، البخاري (٥٦٤١) و(٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣) و(٢٥٧٤) والترمذي (٩٦٦) وأحمد ٣/ ٣٠٢، ٣٣٥، و٣/ ١٨ - ١٩ و٤٨، وصححه ابن حبان (٢٩٠٥).
(٢) رواه أحمد ١/ ٩٩، و١٥٩ والترمذي (٢٦٢٦) وابن ماجه (٢٦٠٤) عن علي رفعه، عن النبي - ﷺ - قال: "من أصاب حدًا فعجل عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حدًا فستره الله عليه، وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه". وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم على شرط الشيخين ١/ ٧ و٢/ ٤٤٥ و٤/ ٢٦٢ ووافقه الذهبي. وفي الباب عن أبي تميمة الهجيمي بلفظ: "إن الله ﷿ إذا أراد بعبد خيرًا عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا، وربنا ﵎ أكرم من أن يعاقب على ذنب مرتين" قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه هشام بن لاحق ترك أحمد حديثه، وضعفه ابن حبان، وقال الذهبي: قواه النسائي. وعن خزيمة بن ثابت عند أحمد ٥/ ٢١٤ - ٢١٥ ولفظه: "من أصاب ذنبًا أقيم عليه حد ذلك الذنب، فهو كفارته وسنده حسن كما قال الحافظ في "الفتح".
(٣) هو الشيخ الإمام فخر الدين أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن تيمية الحراني، وكتابه في التفسير غير مطبوع، يقع في عدة مجلدات، توفي سنة ٦٢٢ انظر ترجمته في "السير" ٢٢/ ٢٨٨ - ٢٩٠.
[ ١ / ٤٣١ ]
الظاهري، والأوّل قولُ مجاهد وزيد بن أسلم والثوري وأحمد.
وأما حديث أبي هريرة المرفوع: "لا أدري: الحدودُ طهارة لأهلها أم لا؟ " فقد خرجه الحاكم وغيره (^١)، وأعله البخاري، وقال (^٢): لا يثبت، وإنما هو من مراسيل الزهريِّ، وهي ضعيفةٌ، وغلط عبد الرزاق فوصله، قال: وقد صحّ عن النبيِّ - ﷺ - أن الحدود كفارة.
ومما يستدلّ به من قال: الحدّ ليس بكفارة قولُه تعالى في المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤] وظاهره أنه تجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة. ويُجابُ عنه بأنه ذكر عقوبتهم في الدنيا وعقوبتهم في الآخرة، ولا يلزم اجتماعهما، وأما استثناء "من تاب" فإنما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة، فإن عقوبة الآخرة تسقط بالتوبةِ قبل القُدرة وبعدها.
وقوله - ﷺ -: "ومن أصابَ شيئًا مِنْ ذلك، فستره الله عليه، فهو إلى الله إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له" صريحٌ في أن هذه الكبائر من لقي الله بها، كانت تحتَ مشيئتِهِ، وهذا يدلى على أن إقامةَ الفرائضِ لا تكفِّرُها ولا تمحوها، فإنَّ عموم المسلمين يُحافظون على الفرائض، لا سيما مَنْ بايعهُم النبيُّ - ﷺ -، وخرج مِنْ ذلك مَنْ لقي الله وقد تاب منها بالنصوص الدَّالَّةِ من الكتاب والسنة على أن
_________________
(١) رواه الحاكم ١/ ٣٦ و٢/ ١٤ و٤٥٠، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وكذا صححه الحافظ في "الفتح" ١/ ٦٦ على شرط الشيخين، وانظر تعليق الحافظ عليه فيه. ورواه البيهقي ٨/ ٣٢٩، والبزار (١٥٤٢) و(١٥٤٣) بإسناد صحيح.
(٢) في "التاريخ الكبير" ١/ ١٥٣.
[ ١ / ٤٣٢ ]
من تابَ إلى الله، تاب الله عليه، وغفر له، فبقي مَنْ لم يتُبْ داخلًا تحت المشيئة.
وأيضًا، فيدلُّ على أن الكبائرَ لا تكفِّرُها الأعمالُ: أنَّ الله لم يجعلْ للكبائر في الدُّنيا كفَارة واجبةً، وإنما جعلَ الكفارةَ للصغائر ككفَّارةِ وطءِ المُظاهِرِ، ووطءِ المرأة في الحيض على حديث ابن عباس (^١) الذي ذهب إليه الإمامُ أحمد وغيرُه، وكفارة من ترك شيئًا من واجبات الحج، أوِ ارتكب بعضَ محظوراته، وهي أربعةُ أجناس: هديٌ، وعِتقٌ، وصدقةٌ، وصيامٌ، ولهذا لا تجب الكفارة في قتل العمدِ عندَ جمهور العلماءِ، ولا في اليمين الغموس (^٢) أيضًا عند أكثرهم، وإنَّما يؤمرُ القاتلُ بعتق رقبة استحبابًا، كما في حديث واثلة بن الأسقع أنَّهم جاؤوا إلى النبيِّ - ﷺ - في صاحبٍ لهم قد أوجب، فقال: "أعتِقُوا عنه رقبةً يعتقه الله بها مِن النار" (^٣). ومعنى أوجب: عَمِلَ عملًا يجب له به النارُ، ويقال: إنه كان قتل قتيلًا. وفي "صحيح مسلم" (^٤) عن ابن عمر أنه ضرب عبدًا له، فأعتقه وقال:
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٦٤) والنسائي ١/ ١٥٣، والترمذي (١٣٦) و(١٣٧) وابن ماجه (٦٤٠) وأحمد ١/ ٢٣٠، والدارمي ١/ ٢٥٤، وابن الجارود في "المنتقى" (١٠٨) والدارقطني في "سننه" ٣/ ٢٨٧ عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: "يتصدق بدينار أو نصف دينار" وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ١/ ١٧١ - ١٧٢ ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا ابن القطان، وابن دقيق العيد، والحافظ في تلخيص الحبير" ١/ ١٦٥ - ١٦٦، وقد ثبت تفسيره عن ابن عباس عند أبي داود (٢٦٥) فقال: إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم، فنصف دينار.
(٢) اليمين الغموس: هي أن يحلف الرجل وهو يعلم أنه كاذب، ليقتطع بها مال أخيه، وسميت غموسًا، لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٤٩٠ - ٤٩١ و٤/ ١٠٧، وأبو داود (٣٩٦٤)، وصححه ابن حبان (٤٣٠٧).
(٤) برقم (١٦٥٧).
[ ١ / ٤٣٣ ]
ليس لي فيه مِنَ الأجرِ مثل هذا - وأخذ عودًا من الأرض - إني سمعت النبيَّ - ﷺ - يقول: "مَنْ لطَمَ مملوكَه، أو ضربه، فإن كفارتَه أن يَعتِقَهُ".
فإن قيل: فالمجامِعُ في رمضان يُؤمَرُ بالكفَّارةِ، والفطرُ في رمضان مِنَ الكبائرِ، قيل: ليست الكفارة للفطر، ولهذا لا تجب عندَ الأكثرين على كلِّ مفطر في رمضان عمدًا، وإنَّما هي لِهَتْكِ حُرمةِ نهار رمضان بالجِماع، ولهذا لو كان مفطرًا فطرًا لا يجوزُ له في نهار رمضان، ثمَّ جامع، للزمته الكفارةُ عند الإِمام أحمد لما ذكرنا.
وممَّا يدلُّ على أن تكفيرَ الواجبات مختصٌّ بالصَّغائر ما خرَّجه البخاري عن حُذيفة، قال: بَيْنا نحن جلوسٌ عند عمرَ، إذ قال: أيكم يحفظُ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ قال: قلتُ: "فتنةُ الرجل في أهله وماله وولده وجارِه يُكَفِّرُها الصلاةُ والصدقةُ والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر" قال: ليس عن هذا أسألُك. وخرجه مسلم بمعناه، وظاهر هذا السياق يقتضي رفعَه، وفي رواية للبخاري أن حذيفة قال: سمعتُه يقول: "فتنة الرجل" فذكره، وهذا كالصريح في رفعه، وفي رواية لمسلم أن هذا من كلام عمر (^١).
وأما قولُ النبيِّ - ﷺ - للذي قال له: أصبتُ حدًّا، فأقمه عليَّ، فتركه حتى صلى، ثم قال له: "إن الله غفر لك حَدَّك" (^٢)، فليس صريحًا في أن المراد به شيء مِنَ الكبائر، لأن حدود الله تعالى محارمه كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ
_________________
(١) رواه البخاري (٥٢٥) و(١٤٣٥) و(١٨٩٥) و(٣٥٨٦) و(٧٠٩٦) ومسلم (١٤٤) وص ٢٢١٨، وصححه ابن حبان (٥٩٦٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) تقدم تخريجه، وهو صحيح.
[ ١ / ٤٣٤ ]
جَنَّاتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وفي حديث النواس بن سمعان (^١)، عن النبيِّ - ﷺ - في ضرب مثل الإسلام بالصراط المستقيم الذي على جنبتيه سُوران، قال: "والسورانِ حُدودُ الله". وقد سبق ذكره بتمامه (^٢).
فكلُّ من أصاب شيئًا من محارم الله، فقد أصابَ حدودَه، وركبها، وتعدَّاها. وعلى تقديرِ أن يكونَ الحدُّ الذي أصابه كبيرةً، فهذا الرجل جاء نادمًا تائبًا، وأسلم نفسه إلى إقامةِ الحدِّ عليه، والندمُ توبة، والتوبةُ تكفرُ الكبائرَ بغير تردد، وقد رُوي ما يُستدلُّ به على أن الكبائر تكفَّرُ ببعض الأعمال الصالحة، فخرَّجَ الإمامُ أحمد والترمذيُّ من حديث ابن عمر أن رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، إني أصبتُ ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ قال: "هل لك مِنْ أمٍّ؟ " قال: لا، قال: "فهل لك من خالةٍ؟ " قال: نعم، قال: "فبِرَّها" (^٣)، وخرجه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم، وقال: على شرط الشيخين، لكن خرَّجه الترمذي من وجهٍ آخر مرسلًا، وذكر أن المرسلَ أصحُّ من الموصول، وكذا قال عليُ بنُ المديني والدارقطني.
وروي عن عمرَ أن رجلًا قال له: قتلتُ نفسًا، قال: أمُّك حية؟ قال: لا، قال: فأبوك؟ قال: نعم، قال: فبِرَّه وأحسن إليه، ثم قال عمر: لو كانت أمُّه حيَّةً فبرَّها، وأحسن إليها، رجوتُ أن لا تطعَمه النارُ أبدًا. وعن ابن عباس معناه أيضًا (^٤).
_________________
(١) في الأصول كلها "العرباض بن سارية" وهو سبق قلم من المؤلف ﵀.
(٢) حديث حسن وقد تقدم تخريجه.
(٣) رواه أحمد ٣/ ١٢ - ١٤، والترمذي (١٩٠٥) وابن حبان (٤٣٥) والحاكم ٤/ ١٥٥.
(٤) رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٤) وإسناده صحيح على شرط الشيخين ولفظه: عن =
[ ١ / ٤٣٥ ]
وكذلك المرأة التي عَمِلَت بالسحر بدُومَة الجندلِ، وقدمت المدينةَ تسألُ عن توبتها، فوجدت النبيَّ - ﷺ - قد توفي، فقال لها أصحابُه: لو كان أبواك حَيَّيْنِ أو أحدهما كانا يكفيانك. خرَّجه الحاكم (^١) وقال: فيه إجماعُ الصحابة حِدْثَان وفاةِ الرسول - ﷺ - على أن برَّ الأبوين يكفيانها. وقال مكحول والإمام أحمد: برُّ الوالدين كفارةٌ للكبائر. وروي عن بعض السلف في حمل الجنائز أنه يَحطُّ الكبائر، وروي مرفوعًا من وجوهٍ لا تَصِحُّ (^٢).
وقد صحَّ من رواية أبي بُردة أن أبا موسى لما حضرته الوفاةُ قال: يا بَنِيَّ، اذكروا صاحبَ الرَّغيف: كان رجلٌ يتعبَّدُ في صومعةٍ أُراه سبعينَ سنة، فشبَّه الشيطانُ في عينه امرأةً، فكان معها سبعةَ أيامٍ وسبعَ ليال، ثم كُشِفَ عن الرجل غطاؤه، فخرج تائبًا، ثمَّ ذكر أنه باتَ بين مساكين، فتُصُدِّقَ عليهم برغيف
_________________
(١) = ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: "إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمك حية؟ قال: لا، قال: تب إلى الله ﷿ وتقرب إليه ما استطعت، فذهبت فسألت ابن عباس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله ﷿ من برِّ الوالدة".
(٢) في "المستدرك" ٤/ ١٥٥ - ١٥٦ وصححه ووافقه الذهبي، وأورده ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٢٠٤ من طريق ابن أبي حاتم، وجوَّد إسناده.
(٣) روى الطبراني في "الأوسط" وابن عدي في "الكامل" ٥/ ١٨٤٦، وابن حبان في "المجروحين" ٢/ ١٠٤ من طريق علي بن أبي سارة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من حمل قوائم السرير الأربع إيمانًا واحتسابًا حط الله عنه أربعين كبيرة". وقال ابن حبان: علي بن أبي سارة يروي عن ثابت البناني ما لا يُشبه حديث ثابت حتى غلب على روايته المناكير التي يرويها عن المشاهير، فاستحق الترك. وأورده الهيثمي في "المجمع" ٣/ ٢٦ من رواية الطبراني وقال: فيه علي بن أبي سارة وهو ضعيف.
[ ١ / ٤٣٦ ]
رغيف، فأعطوه رغيفًا، ففقده صاحبُه الذي كان يُعطاه، فلمَّا علم بذلك، أعطاه الرغيفَ وأصبح ميتًا، فوُزِنَتِ السَّبعونَ سنة بالسَّبع ليال، فرجحت الليالي، ووُزِنَ الرَّغيفُ بالسَّبع اللَّيال، فرجح الرغيف (^١).
وروى ابنُ المبارك بإسناده في كتاب "البر والصلة" عن ابن مسعود، قال: عبدَ الله رجلٌ سبعين سنةً ثم أصاب فاحشةً، فأحبطَ الله عملَه، ثم أصابته زَمَانةٌ وأُقْعِدَ، فرأى رجلًا يتصدَّقُ على مساكين، فجاء إليه، فأخذ منه رغيفًا، فتصدَّقَ به على مسكينٍ، فغفرَ الله له، وردَّ عليه عملَ سبعين سنة.
وهذه كلها لا دِلالةَ فيها على تكفير الكبائر بمجرد العمل، لأن كل من ذكر فيها كان نادمًا تائبًا من ذنبه، وإنما كان سؤاله عن عمل صالح يتقرَّب به إلى الله بعد التوبة حتى يمحوَ به أَثَرَ الذنب بالكلية، فإن الله شرط في قبول التوبة ومغفرةِ الذنوب بها العملَ الصالح، كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٦٠]، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، وفي هذا متعلَّقٌ لمن يقول: إن التائب بعد التوبة في المشيئة، وكان هذا حال كثير من الخائفين مِنَ السَّلف. وقال بعضهم لرجلٍ: هل أذنبت ذنبًا؟ قال: نعم، قال: فعلمتَ أن الله كتبه عليك؟ قال: نعم، قال: فاعمل حتى تعلمَ أن الله قد محاه. ومنه قولُ ابن مسعود: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبَه كذُبابٍ طار على أنفه، فقال به هكذا. خرَّجه البخاري (^٢).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٦٣.
(٢) برقم (٦٣٠٨). ورواه أحمد ١/ ٣٨٣، والترمذي (٢٤٩٧) وابن المبارك في "الزهد" (٦٨) و(٦٩).
[ ١ / ٤٣٧ ]
وكانوا يتَّهمُون أعمالهم وتوباتِهم، ويخافون أن لا يكونَ قد قُبِلَ منهم ذلك، فكان ذلك يُوجبُ لهم شدَّةَ الخوف، وكثرةَ الاجتهاد في الأعمال الصالحة. قال الحسن: أدركَتُ أقوامًا لو أنفق أحدهم ملءَ الأرض ما أَمنَ لِعظم الذنب في نفسه. وقال ابنُ عون: لا تَثِقْ بكثرة العمل، فإنك لا تدري أيُقبل منك أم لا، ولا تأمن ذنوبك، فإنك لا تدري كُفِّرَتْ عنك أم لا، إن عملك مُغَيَّبٌ عنك كله.
والأظهر - والله أعلم - في هذه المسألة - أعني مسألة تكفير الكبائر بالأعمالِ - أنه إن أُريدَ أن الكبائر تُمحى بمجرَّد الإتيان بالفرائضِ، وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما تُكفَّرُ الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل. وإن أريد أنه قد يُوازن يومَ القيامة بين الكبائرِ وبينَ بعض الأعمال، فتُمحَى الكبيرة بما يُقابلها من العمل، ويَسقُطُ العمل، فلا يبقى له ثوابٌ، فهذا قد يقع.
وقد تقدَّم عن ابن عمرَ أنه لمَّا أعتق مملوكَه الذي ضربه، قال: ليس لي فيه مِنَ الأجرِ شيءٌ، حيث كان كفارةً لذنبه، ولم يكن ذنبُه مِنَ الكبائر، فكيف بما كان من الأعمال مكفرًا للكبائر؟
وسبق أيضًا قولُ مَنْ قالَ مِنَ السلف: إنَّ السيئة تمحى، ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل، فإذا كان هذا في الصغائر، فكيف بالكبائر؟ فإن بعضَ الكبائر قد يُحبِطُ بعضَ الأعمال المنافية لها، كما يُبطل المنُّ والأذى الصدقةَ، وتُبطلُ المعَاملة بالرِّبا الجهادَ كما قالت عائشة (^١). وقال
_________________
(١) روى الدارقطني في "سننه" ٣/ ٥٢ والبيهقي ٥/ ٣٣٠ من طريق معمر بن راشد، عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية أنها دخلت على عائشة، فدخلت معها ولد أم زيد بن أرقم الأنصاري وامرأة أخرى، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمئة درهم نسيئة، وإني ابتعته بستمئة درهم نقدتها، فقالت لها عائشة: بئسما اشتريت وبئسما شريت إن جهادَه مع رسول الله - ﷺ - قد بطل إلا أن يتوب. قال الدارقطني: العالية مجهولة، ورده ابن التركماني بقوله: العالية معروفة روى =
[ ١ / ٤٣٨ ]
حذيفةُ: قذفُ المحصنة يَهْدِمُ عملَ مئة سنة، وروي عنه مرفوعًا خرَّجه البزار (^١)، وكما يبطل ترك صلاة العصر العمل، فلا يستنكر أن يبطل ثواب العمل الذي يكفر الكبائر.
وقد خرَّج البزار في "مسنده" والحاكم من حديث ابن عباس عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "يُؤتَى بحسناتِ العبد وسيِّئاتِه يَوْمَ القيامة، فَيُقص أو يُقضى بعضُها من بعض، فإن بقيت له حسنةٌ، وُسِّعَ له بها في الجنة" (^٢).
وخرج ابنُ أبي حاتم من حديث ابن لَهيعة، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ دينار، عن سعيد بن جُبير في قولِ الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، قال: كان المسلمون يرون أنهُم لا يُؤجرون على الشيءِ القليلِ إذا أعطوه، فيجيءُ المسكينُ، فيستقلُّون أن يُعطوه تمرةً وكِسرة وجَوزةً ونحو ذلك، فيردُّونه، ويقولون: ما هذا بشيء، إنما نُؤجر على ما نُعطي ونحن نحبُّه، وكان آخرون يرون أنَّهم لا يُلامون على الذنب اليسير مثل الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: إنما وعد الله النارَ على الكبائر، فرغَّبهم الله في القليل من الخير أن يعملوه، فإنَّه يُوشِكُ أن يَكثُرَ، وحذَّرهم اليسيرَ من الشرِّ، فإنَّه يُوشِكُ أن يَكْثُر، فنزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، يعني وزن أصغر النمل ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ يعني في كتابه، ويَسُرُّهُ ذلك قال: يُكتب لكلِّ برٍّ وفاجر بكل سيئةٍ سيئة واحدة، وبكلِّ حسنة عشر حسنات، فإذا كان يومُ القيامة، ضاعف الله حسناتِ
_________________
(١) = عنها زوجها وابنها وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في "الثقات"، وذهب إلى حديثها هذا الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك، وابن حنبل، والحسن بن صالح.
(٢) برقم (١٠٥) ورواه الطبراني في "الكبير" (٣٠٢٣)، وفيه ليث بن أبي سليم رهو ضعيف.
(٣) رواه البزار (٣٤٥٦) والحاكم ٤/ ٢٥٢، ورواه البخاري في "تاريخه" ٧/ ١١٣ وفي سنده الغطريف بن عبيد الله أبو هارون العماني لم يوثقه غير ابن حبان.
[ ١ / ٤٣٩ ]
المؤمن أيضًا بكلِّ واحدةٍ عشرًا، فيمحو عنه بكل حسنةٍ عشرَ سيئات، فمن زادت حسناتُه على سيئاتِه مِثقالَ ذرَّةٍ، دخل الجنة (^١).
وظاهرُ هذا أنه تقع المقاصةُ بين الحسناتِ والسيئات، ثم تسقط الحسناتُ المقابلة للسيئات، ويُنظر إلى ما يَفضُلُ منها بعدَ المقاصة، وهذا يُوافق قولَ مَنْ قال بأنَّ من رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاته بحسنة واحدةٍ أُثيب بتلك الحسنة خاصة، وسَقَطَ باقي حسناته في مقابلة سيئاته، خلافًا لمن قال: يُثاب بالجميع، وتسقُط سيئاتُه كأنَّها لم تكن، وهذا في الكبائر، أما الصغائر، فإنه قد تُمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها، كما قال - ﷺ -: "ألا أدُلُّكُم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفعُ به الدرجات: إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرَةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصَّلاة بعد الصلاة" (^٢) فأثبت لهذه الأعمال تكفيرَ الخطايا ورَفْعَ الدَّرجات، وكذلك قولُه - ﷺ -: "مَنْ قَالَ: لا إله إلا الله وحيدَه لا شريكَ له مئة مرَّةٍ، كُتِبَ له مئة حسنةٍ، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له عَدْلَ عشر رقاب" (^٣)، فهذا يدلُّ على أن الذكر يمحو السيئات، ويبقى ثوابُه لِعامله مضاعفًا.
وكذلك سيئاتُ التائب توبةً نصوحًا تُكفِّرُ عنه، وتبقى له حسناتُه، كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن ابن لهيعة كما في "تفسير ابن كثير" ٨/ ٤٨٤ - ٤٨٥، وابن لهيعة سيء الحفظ.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة مالك ١/ ١٧٦، ومسلم (٢٥١) وصححه ابن حبان (١٠٣٨).
(٣) رواه مالك ١/ ٢٠٩، والبخاري (٣٢٩٣) و(٦٤٠٣)، ومسلم (٢٦٩١)، وأحمد ٢/ ٣٠٢ و٣٧٥، والترمذي (٣٤٦٨)، والنسائي في "اليوم والليلة" (٢٥)، وابن ماجه (٣٧٩٨)، وصححه ابن حبان (٨٤٩).
[ ١ / ٤٤٠ ]
نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٥ - ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥]، فلمَّا وصف هؤلاء بالتقوى والإحسان، دلَّ على أنهم ليسوا بمصرِّين على الذُّنوب، بل هم تائبون منها.
وقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يدخل فيه الكبائر، لأنها أسوأ الأعمال، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]، فرتَّب على التقوى المتضمنة لفعلِ الواجبات وتركِ المحرَّمات تكفيرَ السيئات وتعظيمَ الأجر، وأخبرَ الله عَنِ المؤمنين المتفكِّرين في خلق السماوات والأرض أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار﴾ [آل عمران: ١٩٣]، فأخبر أنَّه استجاب لهم ذلك، وأنه كفر عنهم سيئاتهم، وأدخلهم الجنات.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ فخصَّ الله الذنوبَ بالمغفرة، والسيئاتِ بالتكفير. فقد يقال: السيئات تخصُّ الصغائرَ، والذنوبُ يرادُ بها الكبائر، فالسيئاتُ تكفر، لأن الله جعل لها كفاراتٍ في الدنيا شرعية وقدرية، والذنوب تحتاجُ إلى مغفرة تقي صاحبَها مِنْ شرِّها والمغفرة والتكفير متقاربان، فإنَّ المغفرة قد قيل: إنها سَتْرُ الذَّنوب، وقيل: وقاية شرّ الذنب مع ستره، ولهذا يسمَّى ما ستر الرأسَ ووقاه في الحرب مِغْفَرًا، ولا يسمَّى كلُّ ساترٍ للرأس مغفرًا، وقد أخبر الله عَنِ الملائكة أنهم يدعون للمؤمنين التائبين بالمغفرة ووقايةِ السيئات
[ ١ / ٤٤١ ]
والتكفير مِنْ هذا الجنس، لأن أصل الكفر السترُ والتغطيةُ أيضًا.
وقد فرَّق بعضُ المتأخرين بينهما بأنَّ التكفير محوُ أثر الذنب، حتَّى كأنه لم يكن، والمغفرة تتضمن - مع ذلك - إفضالَ اللهِ على العبد وإكرامه، وفي هذا نظر.
وقد يفسر بأنَّ مغفرةَ الذنوب بالأعمَال الصالحة تَقلِبُها حسناتٍ، وتكفيرها بالمكفرات تمحوها فقط، وفيه أيضًا نظر، فإنَّه قد صحَّ أن الذنوبَ المعاقَب عليها بدخول النار تُبَدَّلُ حسناتٍ فالمكفرة بعمل صالح يكون كفارةً لها أولى.
ويحتمل معنيين آخرين:
أحدهما: أن المغفرة لا تحصلُ إلا مع عدم العقوبة والمؤاخذة، لأنها وقاية شر الذنب بالكلية، والتكفير قد يقع بعد العقوبة، فإن المصائبَ الدنيوية كلَّها مكفراتٌ للخطايا، وهي عقوبات، وكذلك العفوُ يقع مع العقوبة وبدونها، وكذلك الرَّحمة.
والثاني: أن الكفاراتِ من الأعمال ما جعلها الله لمحو الذنوب المكفرةِ بها، ويكون ذلك هو ثوابَها، ليس لها ثوابٌ غيرُه، والغالبُ عليها أن تكون من جنس مخالفة هوى النفوسِ، وتَجَشُّم المشقة فيه، كاجتنابِ الكبائر الذي جعله الله كفارةً للصغائر.
وأما الأعمال التي تُغفر بها الذنوبُ، فهي ما عدا ذلك، ويجتمع فيها المغفرةُ والثوابُ عليها، كالذكر الذي يُكتب به الحسنات، ويُمحى به السيئات، وعلى هذا الوجه فَيُفرَّقُ بين الكفارات من الأعمال وغيرها، وأما تكفيرُ الذنوب ومغفرتها إذا اضيف ذلك إلى الله، فلا فرق بينهما، وعلى الوجه الأوَّل يكونُ بينهما فرق أيضًا.
ويشهد لهذا الوجه الثاني أمران:
[ ١ / ٤٤٢ ]
أحدهما: قولُ ابن عمر لمَّا أعتق العبد الذي ضربه: ليس لي في عتقه مِنْ الأجر شيء، واستدلَّ بأنَّه كفارة.
والثاني: أن المصائب الدنيوية كُلَّها مكفراتٌ للذنوب، وقد قال كثير من الصحابة وغيرهم مِنَ السَّلف: إنه لا ثواب فيها مع التكفير، وإن كان بعضهم قد خالف في ذلك، ولا يقال: فقد فسر الكفارات في حديث المنام (^١) بإسباغ الوضوء في المكروهات، ونقلِ الأقدام إلى الصلوات، وقال: مَنْ فَعل ذلك، عاش بخير، وماتَ بخير، وكان من خطيَئته كيومَ ولدته أمه.
وهذه كلها مع تكفيرها للسيئات ترفعُ الدرجات، ويحصل عليها الثوابُ، لأنا نقول: قد يجتمع في العمل الواحد شيئانِ يُرفعُ بأحدهما الدرجات، ويُكفر بالآخر السيئات، فالوضوء نفسه يُثاب عليه، لكن إسباغَه في شدَّة البردِ من جنس الآلام التي تحصل للنفوس في الدنيا، فيكون كفارةً في هذه الحال، وأما في غير هذه الحالة، فتغفر به الخطايا، كما تغفر بالذكر وغيره، وكذلك المشي إلى الجماعات هو قُربةٌ وطاعةٌ، ويُثاب عليه، ولكن ما يحصل للنفس به مِنَ المشقة والألم بالتعب والنصب هو كفارة، وكذلك حبسُ النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مألوفاتها من الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إليها، إما لكسب الدنيا أو للتنزُّه، هو مِنْ هذه الجهة مؤلم للنفس، فيكون كفارةً.
وقد جاء في الحديث أن إحدى خطوتي الماشي إلى المسجد ترفعُ له درجةً، والأخرى تحط عنه خطيئة (^٢). وهذا يُقوِّي ما ذكرناه، وأن ما حصل به
_________________
(١) قطعة من حديث مطول رواه أحمد ٥/ ٢٤٣، والترمذي (٣٢٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عائشة، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل، وقال الترمذي: حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عنه، فقال: حديث حسن صحيح.
(٢) قطعة من حديث رواه أحمد ٢/ ٢٥٢، والبخاري (٤٧٧)، ومسلم (٦٤٩) ص (٤٥٩)، وأبو داود (٥٥٩)، والترمذي (٦٠٣)، وابن ماجه (٢٨١)، وصححه ابن =
[ ١ / ٤٤٣ ]
التَّكفيرُ غيرُ ما حَصل به رفعُ الدَّرجات، والله أعلم.
وعلى هذا، فيجتمع في العمل الواحد تكفيرُ السيئات، ورفعُ الدرجات من جهتين، ويُوصَفُ في كل حال بكلا الوصفين، فلا تنافيَ بين تسميته كفارةً وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به، أو وصفه برفع الدرجات، ولهذا قال - ﷺ -: "الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ مُكَفِّراتٌ لما بينهن ما اجتُنِبت الكبائرُ" (^١). فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائضِ من مخالفة هواها وكَفِّهَا عما تميلُ إليه ما يُوجبُ ذلك تكفير الصغائر.
وكذلك الشهادةُ في سبيل الله تكفِّرُ الذنوب بما يحصُل بها من الألم، وترفعُ الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن، فتبيَّن بهذا أن بعضَ الأعمال يجتمع فيها ما يُوجِبُ رفع الدرجات وتكفير السيئات من جهتين، ولا يكونُ بينهما منافاة، وهذا ثابت في الذنوب الصَّغائر بلا ريب، وأمَّا الكبائر، فقد تُكَفَّر بالشَّهادة مع حصولِ الأجر للشَّهيد، لكن الشهيد ذو الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء، كذا رُوي عن النبي - ﷺ - من حديث فضالة بن عُبيد خرجه الإِمام أحمد والترمذي (^٢).
وأما مغفرة الذنوب ببعض الأعمال مع توفير أجرها وثوابها، فقد دلَّ عليه الأحاديثُ الصحيحة في الذِّكر، وقد قيل: إنَّ تلك السيئات تُكتب حسنات أيضًا، كما في حديث أبي مالك الأشعري الذي سبق ذكرُه (^٣)، وذكرنا أيضًا عن
_________________
(١) = حبان (٢٠٤٣) من حديث أبي هريرة، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٤٠٠، ومسلم (٢٣٣)، وانظر صحيح ابن حبان (١٧٣٣).
(٣) رواه أحمد ١/ ٢٣، والترمذي (١٦٤٤) من حديث فضالة بن عبيد عن عمر، وقد تقدم تخريجه.
(٤) انظر الصفحة ٣٧٥.
[ ١ / ٤٤٤ ]
بعض السَّلف أنه يُمحى بإزاء السيئة الواحدة ضعفٌ واحدٌ من أضعاف ثواب الحسنة، وتبقى له تسع حسنات. والظاهر أن هذا مختصٌّ بالصغائر، وأمَّا في الآخرة، فيُوازَنُ بين الحسنات والسيئات، ويُقَصُّ بعضُها من بعضٍ، فمن رجحت حسناتُه على سيئاته، فقد نجا، ودخل الجنة، وسواء في هذا الصغائر والكبائر، وهكذا من كانت له حسنات وعليه مظالم، فاستوفى المظلومون حقوقَهم من حسناته، وبقي له حسنةٌ، دخل بها الجنة. قال ابن مسعود: إن كان وليًا لله ففضل له مثقال ذرَّةٍ، ضاعفها الله له حتَّى يدخل الجنة، وإن كان شقيًا قال الملك: ربِّ فَنِيَتْ حسناتُه، وبقي له طالبون كثير، قال: خُذوا من سيئاتهم، فأضعِفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكًا إلى النار، خرجه ابن أبي حاتم وغيرُه.
والمرادُ أنّ تفضيلَ مثقالِ ذرَّةٍ مِنَ الحسنات إنما هو بفضل الله ﷿، لمضاعفته لحسنات المؤمن وبركته فيها، وهكذا حالُ مَنْ كانت له حسناتٌ وسيئاتٌ، وأرادَ الله رحمته، فضل له من حسناته ما يُدخِلُه به الجنةَ، وكُلُّه من فضل الله ورحمته، فإنه لا يدخل أحدٌ الجنَّةَ وإلَّا بفضل الله ورحمته.
وخرَّج أبو نعيم (^١) بإسنادٍ ضعيفٍ عن عليٍّ مرفوعًا: "أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل: قُلْ لأهل طاعتي مِنْ أُمتِّك: لا يَتَّكِلوا على أعمالهم، فإنِّي لا أُقاصُّ عبدًا الحساب يومَ القيامةِ أشاءُ أن أُعذِّبه إلَّا عذبتُه، وقل لأهل معصيتي من أمتك: لا يُلقوا بأيديهم، فإني أغفرُ الذَّنب العظيمَ ولا أُبالي"، ومصداقُ هذا قول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: "مَنْ نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ" وفي رواية "هلك" (^٢) والله أعلم.
_________________
(١) في "الحلية" ٤/ ١٩٥.
(٢) رواه من حديث عائشة أحمد ٦/ ٤٧، والبخاري (١٠٣)، ومسلم (٢٨٧٦)، وأبو داود (٣٠٩٣)، والترمذي (٣٣٣٧)، وصححه ابن حبان (٧٣٦٩) و(٧٣٧٠).
[ ١ / ٤٤٥ ]
المسألة الثانية: أن الصغائر هل تجبُ التوبةُ منها كالكبائرِ أم لا؟ لأنها تقع مكفرةً باجتناب الكبائر، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. هذا ممَّا اختلف الناسُ فيه.
فمنهم من أوجب التوبة منها، وهو قولُ أصحابنا وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم.
وقد أمرَ الله بالتوبةِ عَقيبَ ذكر الصغائرِ والكبائرِ، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ إلىَ قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١].
وأمر بالتوبة من الصغائر بخصوصها في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
ومن الناس من لم يُوجب التوبة منها، وحكي في طائفةٍ من المعتزلة ومن المتأخرين من قال: يجبُ أحدُ أمرين، إما التوبة منها، أو الإتيانُ ببعض المكفِّرات للذُّنوب من الحسنات.
وحكى ابنُ عطية في "تفسيره" في تكفير الصَّغائر بامتثالِ الفرائض واجتناب الكبائر قولين:
أحدهما - وحكاه عن جماعة من الفقهاء وأهل الحديث -: أنَّه يُقطع بتكفيرها بذلك قطعًا، لظاهر الآية والحديث.
والثاني - وحكاه عن الأصوليين -: أنه لا يُقطع بذلك، بل يُحمل على غلبة الظنِّ وقوَّة الرجاء، وهو في مشيئة الله ﷿، إذ لو قطع بتكفيرها، لكانتِ
[ ١ / ٤٤٦ ]
الصغائرُ في حكم المباح الذي لا تَبِعَةَ فيه، وذلك نقضٌ لِعُرى الشريعة.
قلت: قد يقال: لا يُقطع بتكفيرها، لأنَّ أحاديث التَّكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيَّدة بتحسين العمل، كما ورد ذلك في الوضوء والصَّلاة، وحينئذ فلا يتحقق وجودُ حسن العملِ الذي يوجب التكفير، وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابنُ عطيةَ ينبني الاختلافُ في وجوب التوبة من الصغائر.
وقد خرَّج ابنُ جرير من رواية الحسن أن قومًا أتوا عمر، فقالوا: نرى أشياءَ من كتاب الله لا يُعْمَلُ بها، فقال لرجل منهم: أقرأتَ القرآن كُلَّه؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته (^١) في نفسك؟ قال: اللهمَّ لا، قال: فهل أحصيتَه في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثَرِك؟ ثم تتبَّعهم حتَّى أتى على آخرهم، ثم قال: ثكِلَت عمرَ أمُّه، أتكلفونه أن يُقيمَ على الناس كتاب الله؟ قد علم ربُّنا أنه سيكون لنا سيئات، قال: وتلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] (^٢).
وبإسناده (^٣) عن أنس بن مالك أنه قال: لم أرَ مثلَ الذي بلغنا عن ربِّنا تعالى، ثم لم نَخْرُجْ له عن كل أهلٍ ومالٍ، ثم سكت، ثم قال: والله لقد كلَّفنا
_________________
(١) يقال: أحصى الشيء: إذا أحاط به وحفظه، يعني: هل استوفيتم القيام بكل ما أمر به في ذلك وحفظتموه وضبطتم العمل به؟ ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]: أي: لن تطيقوا القيام به.
(٢) الطبري في "جامع البيان" (٩٢٣)، وأورده من طريقه ابن كثير ٢/ ٢٤٥، وقال: إسناد حسن ومتن حسن، وإن كان من رواية الحسن عن عمر، وفيها انقطاع، إلا أن مثل هذا اشتهر، فتكفي شهرته.
(٣) أي الطبري (٩٢٣١) وإسناده صحيح، وأورد الهيثمي في "كشف الأستار" (٢٢٠٠) الرواية الموقوفة عن البزار، وفيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ١٤٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد مرفوعًا عند البزار.
[ ١ / ٤٤٧ ]
ربنا أهونَ من ذلك، لقد تجاوزَ لنا عمَّا دونَ الكبائر، فما لنا ولها، ثم تلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وخرجه البزار في "مسنده" مرفوعًا، والموقوف أصحّ.
وقد وصف الله المحسنينَ باجتناب الكبائر قال تعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].
وفي تفسير اللمم قولان للسَّلف:
أحدهما: أنَّه مقدمات الفواحش كاللمس والقبلة (^١). وعن ابن عباس: هو ما دُونَ الحدِّ من وعيد الآخرة بالنار وحدِّ الدُّنيا (^٢).
_________________
(١) روى أحمد ٢/ ٢٧٦، والبخاري (٦٦١٢) ومسلم (٢٦٥٧) عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - ﷺ -: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه". قلت: ففسر ابن عباس اللمم بما في هذا الحديث من النظر واللمس ونحوها، قال النووي: وهو كما قال، هذا هو الصحيح في تفسير اللمم. وروى ابن جرير الطبري في "جامع البيان" ٢٧/ ٦٥ عن محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال: زنى العينين النظر، وزنى الشفتين التقبيل، وزنى اليدين البطش وزنى الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيًا، وإلا فهو اللمم. قلت: وكذا قال مسروق والشعبي. وروى ابن جرير ٢٧/ ٦٦ بسند حسن عن أبي هريرة أنه سئل عن قول الله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] قال: القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة، فإذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل وهو الزنى.
(٢) رواه الطبري في "جامع البيان" ٢٧/ ٦٨ من طريق محمد بن جعفر وابن أبي عدي، =
[ ١ / ٤٤٨ ]
والثاني: أنه الإلمامُ بشيء من الفواحش والكبائر مرَّةً واحدةً، ثم يتوبُ منه، وروي عن ابن عباس (^١) وأبي هريرة، وروي عنه مرفوعًا بالشَّكِّ في رفعه، قال: اللمة من الزنى ثم يتوب فلا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب فلا يعود، واللمة من السرقة ثم يتوب فلا يعود (^٢).
ومن فسَّر الآية بهذا قال: لا بدَّ أن يتوبَ منه بخلاف مَنْ فسَّره بالمقدِّمات، فإنه لم يشترط توبة.
والظاهر أن القولين صحيحان، وأنَّ كليهِمَا مرادٌ من الآية، وحينئذ فالمحسن: هو من لا يأتي بكبيرة إلا نادرًا ثم يتوبُ منها، ومن إذا أتى بصغيرةٍ كانت مغمورةً في حسناته المكفرة لها، ولا بدَّ أن لا يكون مُصِرًا عليها، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وروي عن ابن عباس أنَّه قال: لا صَغيرة مع الإصرار، ولا كبيرةَ مع الاستغفار، وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة (^٣).
_________________
(١) = كلاهما عن شعبة عن الحكم وقتادة، عن ابن عباس، ولم يصرح الحكم وقتادة بالتحديث، وهما متهمان بالتدليس.
(٢) رواه الطبري ٢٧/ ٦٦، وصححه الحاكم ٢/ ٤٦٩ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٧/ ٦٥٦، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن مردويه، وابن المنذر، والبيهقي في "الشعب".
(٣) رواه الطبري ٢٧/ ٦٦ - ٦٧ من طريق الحسن عن أبي هريرة، والحسن مدلس وقد رواه بالعنعنة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٧/ ٦٥٦ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "الشعب".
(٤) وهو كما قال فقد رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٨٥٣) والديلمي في "مسند الفردوس" (٧٩٤٤) من طريق أبي شيبة الخراساني، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس رفعه، وأبو شيبة الخراساني قال البخاري فيما نقله عنه المناوي: لا يتابع على حديثه، وقال الذهبي في "الميزان" ٤/ ٥٣٧: أتى بخبر منكر، وذكر هذا الحديث. =
[ ١ / ٤٤٩ ]
وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها، فلا بُدَّ للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش، وقال الله ﷿: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٤٠].
فهذه الآيات تضمَّنت وصفَ المؤمنين بقيامهم بما أوجب الله عليهم مِنَ الإيمانِ والتوكلِ، وإقام الصَّلاةِ، والإنفاق مما رزقهمُ الله، والاستجابة لله في جميع طاعاته، ومع هذا، فهم مجتنبون كبائرَ الإثم والفواحش، فهذا هو تحقيقُ التقوى، ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عندَ الغضبِ، وندبهم إلى العفو والإصلاح. وأمَّا قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ فليس منافيًا للعفو، فإنَّ الانتصارَ يكون بإظهار القُدرة على الانتقام، ثم يقعُ العفوُ بعد ذلك، فيكون أتمَّ وأكملَ. قال النخعي في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يُستذلُّوا، فإذا قَدَرُوا عَفَوا (^١). وقال مجاهد: كانوا يكرهون للمؤمن أن يذلَّ نفسه،
_________________
(١) = وقال السخاوي في المقاصد الحسنة" ص ٤٦٧ رواه أبو الشيخ والديلمي والعسكري في "الأمثال" من حديث ابن عباس مرفوعًا بسند ضعيف، ومثله موقوفًا عند ابن المنذر في "تفسيره" والبيهقي في "الشعب" وله شاهد عند البغوي والديلمي من حديث أنس مرفوعًا. ورواه إسحاق بن بشر أبو حذيفة في "المبتدأ" من حديث عائشة، وإسحاق حديثه منكر، ورواه الطبراني في "مسند الشاميين" من حديث أبي هريرة، وفي إسناده بشر بن عبيد الدارمي، وهو متروك.
(٢) نسبه السيوطي في "الدر المنثور" ٧/ ٣٥٧ إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
[ ١ / ٤٥٠ ]
فيجترئ عليه الفُسَّاق (^١)، فالمؤمن إذا بُغِي عليه، يُظهر القدرة على الانتقام، ثم يعفو بعد ذلك، وقد جرى مثلُ هذا لكثيرٍ من السَّلف، منهم قتادة (^٢) وغيرُه.
فهذه الآياتُ تتضمن جميعَ ما ذكره النبيُّ - ﷺ - في وصيته لمعاذ، فإنَّها تضمنت أصولَ خصالِ التَّقوى بفعل الواجبات، والانتهاء عن كبائر المحرَّمات ومعاملة الخلق بالإِحسان والعفو، ولازِمُ هذا أنَّهم إن وقع منهم شيءٌ من الإِثم من غير الكبائر والفواحش، يكونُ مغمورًا بخصالِ التَّقوى المقتضية لتكفيرها ومحوها.
وأما الآياتُ التي في سورة آل عمران، فوَصَفَ فيها المتقين بالإِحسان إلى الخلق، وبالاستغفار من الفواحش وظلم النفس، وعدمِ الإِصرار على ذلك، وهذا هو الأكمل، وهو إحداثُ التوبة، والاستغفار عَقِيبَ كلِّ ذنب مِنَ الذُّنوب صغيرًا كان أو كبيرًا، كما رُوي أن رسولَ الله - ﷺ - وصَّى بذلك معاذًا، وقد ذكرناه فيما سبق (^٣).
وإنَّما بسطنا القولَ في هذا، لأنَّ حاجةَ الخلق إليه شديدة، وكلُّ أحد يحتاجُ إلى معرفة هذا، ثم إلى العمل بمقتضاه، والله الموفقُ والمعينُ.
وقوله - ﷺ -: "أتبع السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحها" ظاهرُه أن السيِّئات تُمحى بالحسنات، وقد تقدَّم ذكرُ الآثار التي فيها أن السَّيِّئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها. قال عطيّة العَوفي: بلغني أنَّه من بكى على خطيئة مُحيت عنه، وكُتِبت له حسنة. وعن عبد الله بن عمرو، قال: من ذكر خطيئةً عمِلَها، فَوَجِلَ قلبُه منها، فاستغفر الله ﷿ لم يحبسها شيءٌ حتَّى يمحوها
_________________
(١) ذكره السيوطي ٧/ ٣٥٨ من قول النخعي، ونسبه لعبد بن حميد.
(٢) انظر "الحلية" ٢/ ٣٤٠.
(٣) انظر ص ٣٤٥.
[ ١ / ٤٥١ ]
عنه الرَّحمن. وقال بِشْرُ بنُ الحارث: بلغني عن الفضيل بن عياض قال: بكاءُ النَّهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاءُ اللَّيل يمحو ذنوبَ السِّرِّ. وقد ذكرنا قول النبيِّ - ﷺ -: "ألا أدلُّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " (^١) الحديث.
وقالت طائفة: لا تُمحى الذُّنوب من صحائف الأعمال بتوبةٍ ولا غيرها، بل لا بدَّ أن يُوقف عليها صاحبُها ويقرأها يوم القيامة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر، لأنه إنَّما ذكر فيها حال المجرمين، وهم أهل الجرائم والذنوب العظيمة، فلا يدخل فيهم المؤمنون التائبون من ذنوبهم، أو المغمورة ذنوبهم بحسناتهم. وأظهرُ من هذا الاستدلالُ بقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقد ذكر بعضُ المفسرين أن هذا القول هو الصحيحُ عند المحققين، وقد روي هذا القولُ عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي، قال الحسن: في العبدُ يذنب، ثم يتوبُ، ويستغفِرُ: يُغفر له، ولكن لا يُمحاه من كتابه دونَ أن يَقِفَه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسن بكاءً شديدًا، وقال: لو لم نَبكِ إلَّا للحياء من ذلك المقام، لكان ينبغي لنا أن نبكي.
وقال بلالُ بن سعد: إنَّ الله يغفرُ الذُّنوبَ، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتَّى يُوقِفَهُ عليها يومَ القيامة وإن تاب (^٢).
وقال أبو هريرة: يُدني الله العبدَ يومَ القيامة، فيضع عليه كَنَفَهُ، فيسترُه مِنَ الخلائق كُلِّها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ يا ابنَ آدم كتابَك، فيقرأ، فيمر بالحسنة، فيبيضُّ لها وجهُهُ، ويُسرُّ بها قَلبُه، فيقولُ الله: أتعرِفُ يا
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٢٦.
(٢) رواه مالك في "الموطأ" ١/ ١٦١ ومسلم (٢٥١) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٤٥٢ ]
عبدي؟ فيقول: نعم، فيقول: إنِّي قبلتها منك، فيسجد، فيقول: ارفع رأسكَ وعُد في كِتابك، فيمر بالسَّيِّئة، فيسودُّ لها وجهه، ويَوْجَلُ منها قلبُه، وترتعدُ منها فرائصُهُ، ويأخذه من الحياء من ربِّه ما لا يعلمُه غيرُه، فيقول: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إنِّي قد غفرتُها لك، فيسجدُ، فلا يرى منه الخلائقُ إلَّا السُّجودَ حتَّى ينادي بعضهم بعضًا: طوبى لهذا العبد الذي لم يَعصِ الله قطُّ، ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبينَ ربِّه ممَّا قد وَقفَهُ عليه (^١).
وقال أبو عثمان النهدي عن سلمان: يُعطى الرجل صحيفتهُ يوم القيامة، فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه، نظر في أسفلها، فإذا حسناته، ثم نظر في أعلاها فإذا هي قد بُدِّلت حسنات. ورُوي عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، وعن أبي عثمان من قوله وهو أصح (^٢).
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن بعض أصحاب معاذ بن جبل قال: يدخل أهلُ الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين،
_________________
(١) وروى البخاري (٤٦٨٥)، ومسلم (٢٧٦٨) عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: "يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربه ﷿، حتَّى يضع عليه كَنَفَهُ، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدُّنيا وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته. وأما الكفار والمنافقون، فيُنادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله".
(٢) رواه الحسين المروزي في زيادات "الزهد" لابن المبارك (١٤١٥)، وابن أبي حاتم في ما نقله عنه ابن كثير ٨/ ٢٤١ من طريق بزيد بن هارون، أخبرنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي قوله .. وهذا سند صحيح، رجاله رجال الشيخين، وأبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن ملّ، ثقة، ثبت، مخضرم، مُعمَّرٌ، أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد الرسول - ﷺ - ولم يلقه، ومات سنة ٩٥ وقيل: بعدها، وهو ابن ثلاثين ومائة سنة.
[ ١ / ٤٥٣ ]
ثم أصحاب اليمين. قيل: لم سُمُّوا أصحابَ اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرؤوا سيئاتهم حرفًا حرفًا قالوا: يا ربَّنا هذه سيِّئاتنا فأين حسناتُنا؟ فعندَ ذلك محا الله السيِّئات، وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] فهم أكثرُ أهل الجنة. وأهلُ هذا القول قد يحملون أحاديث محو السيئات بالحسنات على محو عقوباتها دون محو كتابتها من الصحف والله أعلم.
وقوله - ﷺ -: "وخالق النَّاسَ بخُلُقٍ حَسن" هذا من خصال التقوى، ولا تَتِمُّ التقوى إلا به، وإنما أفرَده بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإنَّ كثيرًا من النَّاسِ يظنُّ أن التقوى هي القيامُ بحقِّ اللهِ دونَ حقوق عباده، فنصَّ له على الأمر بإحسان العشرة للنَّاس، فإنه كان قد بعثه إلى اليمن معلمًا لهم ومفقهًا وقاضيًا، ومَنْ كان كذلك، فإنَّه يحتاج إلى مخالقَةِ النَّاسِ بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيرُه ممن لا حاجةَ للنَّاس به ولا يُخالطهم، وكثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمالُ حقوق العباد بالكُلِّيَّة أو التقصير فيها، والجمعُ بَيْنَ القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جدًّا لا يَقوى عليه إلَّا الكُمَّلُ مِنَ الأنبياءِ والصديقين.
وقال الحارث المحاسبي: ثلاثةُ أشياء عزيزة أو معدومة: حسنُ الوجه مع الصِّيانة، وحُسْنُ الخلق مع الدِّيانة، وحُسنُ الإِخاء مع الأمانة.
وقال بعضُ السلف: جلس داود ﵇ خاليًا، فقال الله ﷿: ما لي أراك خاليًا؟ قال: هجرتُ الناسَ فيك يا ربَّ العالمين، قال: يا داود ألا أدُلُّك على ما تستبقي به وجوه الناس، وتبلغ فيه رضاي؟ خالِقِ النَّاسَ بأخلاقهم، واحتجز الإِيمانَ بيني وبينك.
وقد عدَّ الله في كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى، بل
[ ١ / ٤٥٤ ]
بدأ بذلك في قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤].
وروى ابنُ أبي الدُّنيا بإسناده عن سعيدٍ المقبري قال: بلغنا أن رجلًا جاء إلى عيسى ابن مريمَ ﵇، فقال: يا معلِّمَ الخير، كيف أكون تقيًا للهِ ﷿ كما ينبغي له؟ قال: بيسيرٍ من الأمر: تُحِبُّ الله بقلبك كُلِّه، وتعمل بكدحك وقوَّتك ما استطعت، وترحمُ ابن جنسك كما ترحم نفسَك، قال: من ابنُ جنسي يا معلِّم الخير؟ قال: ولَدُ آدم كلهم، وما لا تُحب أن يؤتى إليك، فلا تأته لأحدٍ وأنت تقيٌّ للهِ ﷿ كما ينبغي له.
وقد جعل النبيُّ - ﷺ - حسن الخلق أكمل خصالِ الإِيمانِ، كما خرج الإِمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" (^١) وخرَّجه محمد بن نصر المروزي (^٢)، وزاد فيه: "وإن المرءَ ليَكُونُ مؤمنًا وإنَّ في خُلُقه شيئًا فيَنقُصُ ذلك من إيمانه".
وخرَّج أحمد وأبو داود والنسائي وابنُ ماجه، من حديث أسامة بن شريك قال: قالوا يا رسولَ الله، ما أفضلُ ما أُعطي المرءُ المسلمُ؟ قال: "الخُلق الحَسَنُ" (^٣).
وأخبر النبيُّ - ﷺ - أن صاحبَ الخلق الحسن يَبلُغُ بِخلقِه درجةَ الصَّائم القائم
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٧٢ و٢٥٠، وأبو داود (٤٦٨٢)، والترمذي (١١٦٢)، وصححه ابن حبان (٤٧٩) و(٤١٧٦).
(٢) في "تعظيم قدر الصلاة" (٤٥٤)، وفيه ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ.
(٣) رواه أحمد ٤/ ٢٧٨، والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" ١/ ٦٢، وابن ماجه (٣٤٣٦) وليس هو في "سنن أبي داود"، وصححه ابن حبان (٤٧٨) و(٤٨٦).
[ ١ / ٤٥٥ ]
لئلا يشتغِلَ المريدُ للتقوى عن حسن الخلق بالصَّوم والصلاة، ويَظُنُّ أن ذلك يقطعه عن فضلهما، فخرج الإِمام أحمد وأبو داود من حديث عائشة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ المؤمن ليُدرِكُ بحُسْنِ خُلُقه درجاتِ الصَّائم القائم" (^١).
وأخبر أن حسن الخُلق أثقلُ ما يُوضَعُ في الميزان، وأن صاحبَه أحبُّ الناسِ إلى الله وأقربهم من النبيين مجلسًا، فخرج الإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث أبي الدرداء، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ما مِنْ شيءٍ يوضَعُ في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإنَّ صاحبَ حسن الخلق ليَبلُغُ به درجةَ صاحب الصَّوم والصلاة" (^٢).
وخرَّج ابن حبان في "صحيحه" (^٣) من حديث عبدِ الله بن عمرو، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ألا أخبركم بأحبِّكُم إلى الله وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامة؟ " قالوا: بلى، قال: "أحسَنُكُم خُلُقًا". وقد سبق حديث أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -: "أكثرُ ما يُدخِلُ الجنَّة تقوى الله وحُسنُ الخلق" (^٤).
وخرَّج أبو داود من حديث أبي أمامة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "أنا زعيمٌ ببيتٍ في أعلى الجنة لمن حَسُنَ خُلُقُه" (^٥)، وخرَّجه الترمذي وابنُ ماجه بمعناه من حديث أنس (^٦).
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ٩٤ وأبو داود (٤٧٩٨) وصححه ابن حبان (٤٨٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رواه أحمد ٦/ ٤٤٢ و٤٤٦ و٤٤٨، وأبو داود (٤٧٩٩)، والترمذي (٢٠٠٢) و(٢٠٠٣)، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان (٤٨١).
(٣) برقم (٤٨٥)، وإسناده حسن.
(٤) تقدم تخريجه
(٥) رواه أبو داود (٤٨٠٠) وسنده حسن، وله شاهد من حديث معاذ بن جبل عند الطبراني في "الكبير" (٢١٧) وفي "الصغير" (٨٠٥) وآخر من حديث أنس وهو المذكور بعد هذا هنا.
(٦) رواه الترمذي (١٩٩٣)، وابن ماجه (٥١)، وفي سنده سلمة بن وردان، وهو ضعيف، =
[ ١ / ٤٥٦ ]
وقد رُوِيَ عَن السَّلف تفسيرُ حُسنِ الخُلق، فعن الحسن قال: حُسنُ الخلق: الكرمُ والبذلة والاحتمالُ.
وعن الشعبي قال: حسن الخلق: البذلة والعطية والبشرُ الحسن، وكان الشعبي كذلك.
وعن ابن المبارك قال: هو بسطُ الوجه، وبذلُ المعروف، وكفُّ الأذى (^١).
وسئل سلامُ بن أبي مطيع عن حسن الخلق، فأنشد:
تراهُ إذا ما جئته متهلِّلًا … كأنَّك تُعطيه الذي أنت سائِلُه
ولَوْ لَم يَكُنْ فِي كَفِّه غيرُ رُوحِهِ … لَجَادَ بِها فَليَتَّق الله سائِلُه
هُوَ البَحرُ مِنْ أيِّ النَّواحِي أتيتَهُ … فَلُجَّتُه المعروفُ والجُودُ سَاحِلُه (^٢)
وقال الإِمامُ أحمد: حُسنُ الخلق أن لا تَغضَبَ ولا تحْتدَّ، وعنه أنه قال: حُسنُ الخلق أن تحتملَ ما يكونُ من الناس.
وقال إسحاق بنُ راهويه: هو بسطُ الوجهِ، وأن لا تغضب، ونحو ذلك قال محمد بن نصر.
_________________
(١) = وحسنه الترمذي بشاهده المتقدم.
(٢) رواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٨٧٥).
(٣) البيت الأول لزهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها حصن بن حُذيفة بن عمرو الفَزاري مطلعها: صحا القلب عن سلمى وأقصرَ باطِلُهْ … وعُرِّي أفراسُ الصِّبا ورَواحِلُه انظر الديوان ص ١١٣ بشرح ثعلب، والثاني والثالث لأبي تمام حبيب بن أوس من قصيدة يمدح بها المعتصم بالله مطلعها: أجَلْ أيها الربعُ الذي خَفَّ آهِلُه … لقد أَدْرَكَتْ فيك النَّوى ما تُحاوِلُه انظر الديوان ٣/ ٢١٩.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وقال بعضُ أهل العلم: حُسنُ الخلق: كظمُ الغيظِ لله، وإظهار الطلاقة والبشر إلا للمبتدع والفاجر، والعفوُ عن الزَّالين إلا تأديبًا أو إقامة حدٍّ وكفُّ الأذى عن كلّ مسلم أو معاهَدٍ إلا تغييرَ منكر أو أخذًا بمظلمةٍ لمظلومٍ من غير تعدٍّ.
وفي "مسند الإِمام أحمد" من حديث معاذ بن أنس الجُهَني، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "أفضلُ الفضائلِ أن تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وتُعطي من حَرمك، وتصفحَ عمَّن شَتَمكَ" (^١).
وخرَّج الحاكم من حديث عُقبة بن عامر الجهني، قال: قال لي رسولُ الله - ﷺ -: "يا عقبةُ، ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدُّنيا والآخرة؟ تَصِلُ مَنْ قَطعَكَ، وتُعطِي مَنْ حَرَمَك، وتَعْفو عَمَّن ظَلَمك" (^٢).
وخرَّج الطبراني من حديث عليٍّ أن النبيَّ - ﷺ - قال: "ألا أدلُّكَ على أكرم أخلاقِ أهلِ الدُّنيا والآخرة؟ أن تَصِلَ من قطعك، وتعطي من حرمك، وتَعفو عمَّن ظلمك" (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٤٣٨، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٤١٣) وفيه زبان بن فائد، وابن لهيعة، وهما ضعيفان، ورواه الطبراني ٢٠/ (٤١٤) وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف أيضًا.
(٢) حديث حسن رواه الحاكم ٤/ ١٦١ - ١٦٢ وأحمد ٤/ ١٤٨ و١٥٨، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٨٨، وقال: رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات.
(٣) رواه الطبراني في "الأوسط"، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٨٨ - ١٨٩، وقال: فيه الحارث (يعني الأعور) وهو ضعيف.
[ ١ / ٤٥٨ ]