عَنْ العِرْبَاض بن ساريةَ ﵁ قالَ: وَعَظَنا رسولُ الله - ﷺ - مَوعِظَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا القُلوبُ، وذَرَفَتْ مِنها العُيونُ، فَقُلْنا: يَا رَسولَ اللهِ، كأنَّهَا مَوعِظَةُ مُودِّعٍ، فأوْصِنا، قال: "أوصيكُمْ بتَقوى اللهِ، والسَّمْعِ والطَّاعةِ، وإنْ تَأمَّرَ عَليكُم عَبْدٌ، وإنَّه من يَعِشْ مِنكُمْ بعدي فَسَيرى اختلافًا كَثيرًا، فعَليكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلفاء الرَّاشدينَ المهديِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُم ومُحْدَثاتِ الأمورِ، فإنَّ كُلَّ بِدعةٍ ضَلالَةٌ" رواه أبو داود والتِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ (^١).
هذا الحديث خرَّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من رواية ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، زاد أحمد في رواية له، وأبو داود: وحُجْر بن حجر الكلاعي، كلاهما عن العِرباض بن سارية، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين، قال: ولم يتركه البخاري ومسلم من جهة إنكارٍ منهما له، وزعم الحاكمُ أن سبَبَ تركهما له أنهما توهَّما أنَّه ليس له
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦). ورواه أيضًا أحمد ٤/ ١٢٦ - ١٢٧، والدارمي ١/ ٤٤، وابن ماجه (٤٣) و(٤٤)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢٧)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" ٢/ ٦٩، والبغوى (١٠٢)، والآجري في "الشريعة" ص ٤٦، والبيهقي ٦/ ٥٤١، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٨١)، والمروزي في "السنة" (٦٩) - (٧٢)، وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٢٠ و١٠/ ١١٥، والحاكم ١/ ٩٥ - ٩٧، وصححه ابن حبان (٥).
[ ٢ / ١٠٩ ]
راوٍ عن خالد بن معدان غيرَ ثور بن يزيد، وقد رواه عنه أيضًا بحير بن سعد ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهما.
قلتُ: ليس الأمرُ كما ظنَّه، وليس الحديثُ على شرطهما، فإنهما لم يخرِّجا لعبد الرحمن بن عمرو السُّلمي، ولا لحُجْرٍ الكلاعي شيئًا، وليسا ممَّن اشتهر بالعلم والرواية.
وأيضًا، فقد اختُلِفَ فيه على خالد بن معدان، فروي عنه كما تقدَّم، وروي عنه عن ابن أبي بلال عن العِرباض، وخرَّجه الإِمام أحمد مِنْ هذا الوجه أيضًا، وروي أيضًا عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العِرباض، خرَّجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه، وزاد في حديثه: "فقد تركتُكم على البيضاءِ، ليلُها كنهارها، لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالكٌ"، وزاد في آخر الحديث: "فإنَّما المؤمن كالجمل الأنِفِ، حيثما قيدَ انقاد".
وقد أنكر طائفةٌ مِنَ الحُفَّاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مدرجةٌ فيه، وليست منه، قاله أحمد بن صالح المصري وغيره، وقد خرَّجه الحاكم، وقال في حديثه: وكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: "فإنَّ المؤمن كالجملِ الأنِفِ، حيثما قيد انقاد".
وخرَّجه ابن ماجه أيضًا من رواية عبد الله بن العلاء بن زبر، حدثني يحيى بن أبي المطاع، سمعتُ العرباض فذكره، وهذا في الظاهر إسناد جيد متَّصلٌ، ورواته ثقات مشهورون، وقد صرَّح فيه بالسَّماع، وقد ذكر البخاري في "تاريخه" (^١) أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العِرباض اعتمادًا على هذه الرواية، إلَّا أن حفَّاظ أهلِ الشَّام أنكروا ذلك، وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض، ولم يلقه، وهذه الرواية غلطٌ، وممَّن ذكر ذلك أبو زرعة
_________________
(١) ٨/ ٣٠٦.
[ ٢ / ١١٠ ]
الدِّمشقي، وحكاه عن دُحيم (^١)، وهؤلاء أعرفُ بشيوخهم من غيرهم، والبخاري ﵀ يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام، وقد رُوي عن العِرباض من وجوه أخر، ورُوي من حديث بُريدة عن النبيِّ - ﷺ -، إلَّا أن إسنادَ حديث بُريدة لا يثبت، والله أعلم.
فقولُ العِرباض: وعظنا رسولُ الله - ﷺ - موعظة، وفي رواية أحمد وأبي داود والترمذي: "بليغة"، وفي روايتهم أن ذلك كان بعد صلاةِ الصُّبح، وكان النبيُّ - ﷺ - كثيرًا ما يَعِظُ أصحابَه في غير الخُطَب الرَّاتبة، كخطب الجمع والأعياد، وقد أمره الله تعالى بذلك، فقال: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، ولكنه كان لا يُديم وَعظهم، بل يتخولُهُم به أحيانًا، كما في "الصحيحين" عن أبي وائل، قال: كان عبدُ الله بنُ مسعودٍ يذكِّرنا كلَّ يوم خميسٍ، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إنَّا نحبُّ حديثَك ونشتهيه، ولَودِدْنا أنك حدَّثتنا كلَّ يومٍ، فقال: ما يمنعني أن أحدِّثكم إلَّا كراهةَ أن أمِلَّكم، إن رسول الله - ﷺ - كان يتخوَّلنا بالموعظة كراهة السآمة علينا (^٢).
والبلاغةُ في الموعظة مستحسنةٌ، لأنها أقربُ إلى قَبولِ القلوب واستجلابها، والبلاغةُ: هي التَّوصُّل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسنِ صُورِة مِنَ الألفاظ الدَّالَّةِ عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع، وأوقعها في القلوب. وكان ﷺ يقصر خطبتها، ولا يُطيلُها، بل كان يُبلغُ ويُوجزُ.
وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن جابر بن سمُرَة قال: كنتُ أصلِّي معَ النَّبيِّ - ﷺ -،
_________________
(١) انظر "تهذيب الكمال" للمزي - ترجمة يحيى بن أبي المطاع.
(٢) رواه البخاري (٦٨)، ومسلم (٢٨٢١)، ورواه أيضًا أحمد ١/ ٣٧٧، والترمذي (٢٨٥٥)، وصححه ابن حبان (٤٥٢٤).
(٣) رقم (٨٦٦)، وصححه ابن حبان (٢٨٠٢).
[ ٢ / ١١١ ]
فكانت صلاتُه قصدًا، وخطبته قصدًا.
وخرَّجه أبو داود (^١) ولفظه: كان رسولُ الله - ﷺ - لا يُطيلُ الموعظةَ يومَ الجمعة، إنَّما هو كلمات يسيرات.
وخرَّج مسلم من حديث أبي وائل قال: خطبنا عمارٌ فأوْجَزَ وأبْلغَ، فلما نزل، قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفَّستَ، فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنَّ طُولَ صلاة الرَّجُلِ، وقِصَر خُطبتِهِ، مَئِنَّة من فقهه، فأطيلوا الصَّلاة، وأقصروا الخطبة، فإنَّ من البيان سحرًا (^٢) ".
وخرَّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث الحكم بن حزن، قال: شهدتُ مع رسولِ الله - ﷺ - الجمعة فقام متوكئًا على عصا أو قوس، فحمِدَ الله، وأثنى عليه كلماتٍ خفيفاتٍ طيِّباتٍ مباركاتٍ (^٣).
وخرَّج أبو داود عن عمرو بن العاص أن رجلًا قام يومًا، فأكثر القولَ، فقال عمروٌ: لو قَصَد في قوله، لكان خيرًا له، سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: "لقد رأيتُ - أو أمرتُ - أن أتجوَّزَ في القول، فإنَّ الجواز هو خير" (^٤).
وقوله: "ذرفت منها العيونُ ووَجِلت منها القلوب" هذان الوصفان بهما مدح الله المؤمنين عندَ سماع الذكر كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥] وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ
_________________
(١) رقم (١١٠٧).
(٢) رواه مسلم (٨٦٩)، وأحمد ٤/ ٢٦٣، والدارمي ١/ ٣٦٥، وصححه ابن حبان (٢٩٧١).
(٣) رواه أحمد ٤/ ٢١٢، وأبو داود (١٠٩٦)، ورواه أيضًا أبو يعلى (٦٨٢٦)، والطبراني في "الكبير" (٣١٦٥)، والبيهقي ٣/ ٢٠٦، وإسناده حسن.
(٤) رواه أبو داود (٥٠٠٨)، وإسناده حسن.
[ ٢ / ١١٢ ]
قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣].
وكان ﷺ يتغيَّرُ حالُه عند الموعظةِ، كما قال جابر: كان النبي - ﷺ - إذا خطبَ، وذكر الساعةَ، اشتدَّ غضبه، وعلا صوتُه، واحمرَّت عيناه، كأنه منذرُ جيش يقول: صبَّحَكُم ومسَّاكم. خرَّجه مسلم بمعناه (^١).
وفي "الصحيحين" عن أنس أنَّ النبيَّ - ﷺ - خرج حين زاغت الشَّمسُ، فصلى الظُّهرَ، فلمَّا سلم، قام على المنبر، فذكر السَّاعة، وذكر أن بَيْنَ يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: "من أحبَّ أن يسألَ عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلَّا أخبرتُكم به في مقامي هذا"، قال أنس: فأكثر النَّاسُ البكاءَ، وأكثر رسولُ الله - ﷺ - أن يقول: "سلوني"، فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسولَ الله، قال: "النار" وذكر الحديث (^٢).
وفي "مسند" الإِمام أحمد (^٣) عن النُّعمان بن بشير أنه خطب، فقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يَخْطُبُ يقول: "أنذرتكم النَّار، أنذرتكم النار، حتَّى لو أن رجلًا كان بالسُّوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه.
وفي "الصحيحين" عن عدي بن حاتمٍ، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "اتقوا
_________________
(١) رواه مسلم (٨٦٧)، ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٣١٠، وابن ماجه (٤٥)، وصححه ابن حبان (١٠).
(٢) رواه البخاري (٩٣)، ومسلم (٢٣٥٩)، وأحمد ٣/ ١٦٢، وصححه ابن حبان (١٠٦).
(٣) ٤/ ٢٦٨ و٢٧٢. ورواه أيضًا الدارمي ٢/ ٣٣٠، وصححه ابن حبان (٦٤٤) و(٦٦٧).
[ ٢ / ١١٣ ]
النَّار"، قال: وأشاح، ثم قال: "اتقوا النَّار"، ثم أعرض وأشاح ثلاثًا حتى ظننا أنَّه ينظر إليها، ثم قال: "اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمة طيِّبةٍ" (^١).
وخرَّج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سلمة عن عليٍّ، أو عن الزُّبير بن العوام، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - يخطُبنا، فيذكِّرُنا بأيَّام الله، حتَّى يُعرَف ذلك في وجهه، وكأنه نذيرُ قوم يُصبِّحهم الأمرُ غُدوةً، وكانَ إذا كان حديثَ عهدٍ بجبريلَ لم يتبسَّمْ ضاحكًا حتَّى يرتفع عنه (^٢).
وخرَّجه الطبراني والبزارُ من حديث جابر، قال: كان النبيُّ - ﷺ - إذا أتاه الوحيُ، أو وعظَ، قلت: نذير قوم أتاهُم العذابُ، فإذا ذهبَ عنه ذلك، رأيت أطلقَ الناس وجهًا، وأكثَرهم ضَحِكًا، وأحسنهم بِشرًا - ﷺ - (^٣).
وقولهم: "يا رسول الله كأنَّها موعظةُ مودِّع، فأوصنا" يدلُّ على أنَّه كان - ﷺ - قد أبلغَ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها، فلذلك فَهموا أنَّها موعظةُ مودِّع، فإن المودِّع يستقصي ما لا يستقصي غيرُه في القول والفعل، ولذلك أمر النبيُّ - ﷺ - أن يُصلي صلاة مودِّع، لأنَّه مَنِ استشعر أنَّه مودع بصلاته، أتقنها على أكمل وجوهها. ولرُبما كان قد وقع منه - ﷺ - تعريضٌ في تلك الخطبة بالتَّوديع، كما عرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال: "لا أدري، لعلي لا ألقاكم
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٢٣)، ومسلم (١٠١٦)، وصححه ابن حبان (٢٨٠٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رواه أحمد ١/ ١٦٧، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٢/ ١٨٨، وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" بنحوه، وأبو يعلى عن الزبير وحده، ورجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه البزار (٢٤٧٧) واقتصر الهيثمي في "المجمع" ٩/ ١٧ على نسبته إلى البزار فقط وحسن إسناده.
[ ٢ / ١١٤ ]
بعد عامي هذا" (^١)، وطفق يودِّعُ الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، ولمَّا رجع من حجِّه إلى المدينة، جمع الناس بماءٍ بين مكة والمدينة يُسمى خُمًّا، وخطبهم، فقال: "يا أيُّها النَّاس، إنَّما أنَا بَشرٌ يوشِكُ أن يأتينِي رسولُ ربِّي فأجيب"، ثم حضَّ على التمسُّك بكتابِ الله، ووصَّى بأهل بيته، خرَّجه مسلم (^٢).
وفي "الصحيحين" ولفظه لمسلم عن عقبةَ بن عامرٍ، قال: صلى رسول الله - ﷺ - على قتلى أحدٍ، ثم صَعِدَ المنبر كالمودِّع للأحياء والأموات، فقال: "إنِّي فَرَطُكُم على الحوض، فإنَّ عَرْضَهُ، كما بين أيلةَ إلى الجُحفةِ، وإنِّي لست
_________________
(١) في "صحيح مسلم" (١٢٩٧) من حديث جابر رفعه: "لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحجُّ بعد عامي هذا". وروى ابن سعد في "الطبقات" ٨/ ٣١٠ عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن ربيعة بن عبد الرحمن الغنوي قال: حدثتني جدتي سراء بنت نبهان وكانت ربة بيت في الجاهلية أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول في اليوم الذي يدعون يوم الرؤوس الذي يلي يومَ النحر: "أي يوم هذا؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا أوسط أيام التشريق". قال: "أتدرون أي بلد هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا المشعر الحرام"، ثم قال: "لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام بعضكم على بعض كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، فليُبلغ أدناكم أقصاكم حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم". قالت: ثم خرج إلى المدينة فلم يمكث إلا أيامًا حتى مات، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته. وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ٢٤/ (٧٧٧) من طريق أبي مسلم الكشي عن أبي عاصم به. وروى البيهقي في "دلائل النبوة" ٥/ ٤٤٨ من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، فذكر قصة الحج، وفيه أنه - ﷺ - قال: "يا أيُّها الناس اسمعوا ما أقول لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في هذا الموقف".
(٢) برقم (٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم.
[ ٢ / ١١٥ ]
أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكُم الدُّنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك مَنْ كان قبلكم". قال عقبة: فكانت آخرَ ما رأيت رسولَ الله - ﷺ - على المنبر (^١).
وخرَّجه الإمام أحمد (^٢) ولفظه: صلَّى رسولُ الله - ﷺ - على قتلى أحُدٍ بعد ثمانِ سنين كالمودِّعِ للأحياء والأموات، ثم طلَع المنبرَ، فقال: "إنِّي فرطُكم، وأنا عليكم شهيدٌ، وإنَّ موعدَكم الحوضُ، وإنِّي لأنظرُ إليه، ولستُ أخشى عليكمُ الكُفر، ولكن الدُّنيا أن تنافسوها".
وخرَّج الإمام أحمد أيضًا عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسولُ الله - ﷺ - يومًا كالمودِّع، فقال: "أنا محمد النبيُّ الأميُّ - قال ذلك ثلاث مرّات - ولا نبيَّ بعدي، أوتيتُ فواتِحَ الكَلِم وخواتمَه وجوامعه، وعلمت كم خزنةُ النَّار، وحملةُ العرش، وتَجوَّزَ لي ربِّي وعُوفيتُ وعُوفِيَتْ أمَّتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمتُ فيكم، فإذا ذُهِبَ بي، فعليكم بكتاب الله، أحلُّوا حلاله، وحرِّموا حرامه" (^٣).
فلعلَّ الخطبة التي أشار إليها العرباضُ بنُ سارية في حديثه كانت بعضَ هذه الخطب، أو شبيهًا بها ممَّا يشعر بالتوديع.
وقولهم: "فأوصنا": يعنون وصيةً جامعةً كافية، فإنهم لمَّا فهموا أنَّه مودِّعٌ، استوصوهُ وصيَّةً ينفعهم التمسُّك بها بعدَه، ويكون فيها كفايةٌ لمن تمسَّك بها، وسعادةٌ له في الدنيا والأخرة.
وقوله - ﷺ -: "أوصيكم بتقوى الله، والسَّمع والطَّاعة"، فهاتان الكلمتان
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٤٤)، ومسلم (٢٢٩٦)، ورواه أيضًا أحمد ٤/ ١٤٩، وأبو داود (٣٢٢٣)، والنسائي ٤/ ٦١ - ٦٢، وصححه ابن حبان (٣١٩٨).
(٢) ٤/ ١٥٤.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤.
[ ٢ / ١١٦ ]
تجمعان سعادةَ الدُّنيا والأخرة.
أمَّا التَّقوى، فهي كافلةٌ بسعادة الآخرة لمن تمسَّك بها، وهي وصيةُ الله للأوَّلين والأخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وقد سبق شرح التقوى بما فيه كفاية في شرح حديث وصية النبيِّ - ﷺ - لمعاذ (^١).
وأمَّا السَّمع والطَّاعة لوُلاة أُمور المسلمين، ففيها سعادةُ الدُّنيا، وبها تنتظِمُ مصالحُ العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعةِ ربِّهم، كما قال عليٌّ ﵁: إنَّ الناسَ لا يُصلحهم إلَّا إِمامٌ بَرٌّ أو فاجر، إِن كان فاجرًا عبدَ المؤمنُ فيه ربَّه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله (^٢).
وقال الحسن في الأمراء: هم يلونَ من أمورنا خمسًا: الجمعةَ والجماعة والعيد والثُّغور والحدود، والله ما يستقيم الدِّينُ إلَّا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لَمَا يُصْلحُ الله بهم أكثرُ ممَّا يُفسدون، مع أن - والله - إن طاعتهم لغيظ، وإن فرقتهم لكفر.
وخرَّج الخلال في "كتاب الإِمارة" من حديث أبي أمامة قال: أمرَ النبي - ﷺ - أصحابَه حينَ صلَّوا العشاء "أن احشُدوا، فإن لي إليكم حاجةً"، فلمَّا فرغ مِنْ صلاةِ الصُّبح، قال: "هل حشدتم كما أمرتكم؟ " قالوا: نعم، قال: "اعبدوا الله، ولا تُشركوا به شيئًا، هل عقلتم هذه؟ " ثلاثًا، قلنا: نعم، قال: "أقيموا الصَّلاةَ، وآتوا الزَّكاة، هل عقلتم هذه؟ " ثلاثًا. قلنا: نعم، قال: "اسمعوا وأطيعوا" ثلاثًا، "هل عقلتم هذه؟ " ثلاثًا، قلنا: نعم، قال: فكنَّا نرى أن رسول الله - ﷺ - سيتكلَّم كلامًا طويلًا، ثم نظرنا في كلامه، فإذا هو قد جمع لنا الأمرَ كلَّه (^٣).
_________________
(١) وهو الحديث الثامن عشر.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ١٥/ ٣٢٨ بنحوه.
(٣) ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" (٧٦٧٨)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١/ ٤٦ وقال: =
[ ٢ / ١١٧ ]
وبهذين الأصلين وصَّى النبيُّ - ﷺ - في خطبته في حجة الوداع أيضًا، كما خرَّج الإمامُ أحمد والترمذي من رواية أمِّ الحصين الأحمسية، قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يخطُبُ في حَجةِ الوداع، فسمعتهُ يقول: "يا أيُّها النَّاسُ، اتَّقوا الله، وإن أُمِّرَ عليكم عبد حبشيٌّ مجدَّعٌ، فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتابَ الله" (^١). وخرَّج مسلم منه ذكرَ السمعِ والطاعة (^٢).
وخرَّج الإمام أحمد والترمذي أيضًا من حديث أبي أمامة، قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يخطُبُ في حَجَّةِ الوداع، يقول: "اتَّقوا الله، وصلُّوا خمسَكُم، وصوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخُلُوا جنَّةَ ربِّكم"، وفي رواية أخرى أنه قال: "يا أيُّها النَّاس، إنَّه لا نبيَّ بعدي، ولا أمَّةَ بعدكم" وذكر الحديث بمعناه (^٣).
وفي "المسند" (^٤) عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "من لقِيَ الله لا يشركُ به شيئًا، وأدَّى زكاةَ مالهِ طيِّبةً بها نفسُه محتسبًا، وسمع وأطاع، فله الجنة، أو دخل الجنة".
وقوله - ﷺ -: "وإن تأمَّرَ عليكم عبدٌ" وفي رواية: "حبشي" هذا مما تكاثرت به الرِّوايات عن النبيِّ - ﷺ -، وهو مما اطلع عليه النبيُّ - ﷺ - من أمرِ أمته بعده،
_________________
(١) = في إسناده إسحاق بن إبراهيم بن زبريق، وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم وضعفه النسائي وأبو داود.
(٢) رواه أحمد ٦/ ٤٠٢، والترمذي (١٧٠٦)، وقال: حسن صحيح.
(٣) مسلم (١٢٩٨).
(٤) رواه أحمد ٥/ ٢٥١، والترمذي (٦١٦) والحاكم ١/ ٩، والطبراني في "الكبير" (٧٥٣٥)، وصححه ابن حبان (٤٥٦٣).
(٥) ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٠٣، وقال: فيه بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد عنعنه، وذكره أيضًا ١٠/ ١٨٨ - ١٨٩، وقال: فيه بقية، وهو ضعيف.
[ ٢ / ١١٨ ]
وولاية العبيد عليهم، وفي "صحيح البخاري" (^١) عن أنس، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "اسمعوا وأطيعوا، وإنِ استُعمِلَ عَليكُمْ عبدُ حبشيٌّ، كأنَّ رأسه زبيبة".
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: إن خليلي - ﷺ - أوصاني أن أسمع وأطيع، ولو كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف. والأحاديث في المعنى كثيرة جدًّا.
ولا يُنافي هذا قولَه - ﷺ -: "لا يزالُ هذا الأمرُ في قريش ما بقي في النَّاس اثنان" (^٣)، وقوله: "النَّاسُ تبعٌ لقريش" (^٤)، وقوله: "الأئمة من قريش" (^٥)، لأنَّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قرشي، ويشهد لذلك ما خَرجَه الحاكمُ من حديث عليٍّ ﵁، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "الأئمة من قريش أبرارُها أمراءُ أبرارها، وفجارُها أمراءُ فجارها، ولكلٍّ حقٌّ، فآتوا كل ذي حق حقه، وإن أمرت عليكم قريش عبدًا حبشيًا مجدعًا، فاسمعوا له وأطيعوا" (^٦) وإسناده جيد، ولكنه
_________________
(١) رقم (٧١٤٢).
(٢) (٦٤٨)، وصححه ابن حبان (١٧١٨).
(٣) رواه من حديث ابن عمر أحمد ٢/ ٢٩، والبخاري (٢١٩٥)، ومسلم (١٨٢٥)، وصححه ابن حبان (٦٢٦٦).
(٤) رواه من حديث أبي هريرة البخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨)، ورواه من حديث جابر أحمد ٣/ ٣٣١، ومسلم (١٨١٩)، وصححه ابن حبان (٦٢٦٣).
(٥) صحيح، رواه أحمد ٣/ ١٩٢، والطيالسي في "مسنده" (٢١٣٣) والنسائي في القضاء في "الكبرى" كما في "التحفة" ١/ ١٠٢، وصححه الحاكم ٤/ ٥٠١ من حديث أنس رفعه "الأئمة من قريش إذا حكموا عدلوا، وإذا عاهدوا وفَوْا، وإن استرحموا رحموا، فمن لم يفعل ذلك منهم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منهم صرف ولا عدل".
(٦) رواه الحاكم ٤/ ٧٥ - ٧٦. ورواه أيضًا الطبراني في "الصغير" (٤٢٥)، والبزار في "البحر الزخار" (٧٥٩)، و"كشف الأستار" (١٥٧٥)، والبيهقي ٨/ ١٤٣، وأبو نعيم في=
[ ٢ / ١١٩ ]
روي عن عليٍّ موقوفًا، وقال الدارقطني (^١): هو أشبه.
وقد قيل: إن العبدَ الحبشيَّ إنما ذكر على وجه ضرب المثل وإن لم يصحَّ وقوعُه، كما قال: "مَن بنى مسجدًا ولو كَمَفْحَصِ قطاة" (^٢).
وقولُه - ﷺ: "فمن يعِشْ منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ". هذا إخبارٌ منه - ﷺ - بما وقع في أُمَّته بعدَه من كثرة الاختلاف في أصول الدِّين وفروعه، وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراقِ أُمَّته على بضعٍ وسبعين فرقة، وأنها كلّها في النَّار إلَّا فرقة واحدة، وهي من كان على ما هو عليه وأصحابُه، وكذلك في هذا الحديث أمر عندَ الافتراق والاختلاف بالتمسُّك بسنته وسنةِ الخلفاء الرَّاشدين من بعده، والسنة: هي الطريقة المسلوكةُ، فيشمل ذلك التمسُّك بما كان عليه هو وخلفاؤه الرَّاشدونَ مِنَ الاعتقاداتِ والأعمالِ والأقوال، وهذه هي السنةُ الكاملةُ، ولهذا كان السلف قديمًا لا يُطلقون اسم السُّنَّةِ إلا على ما يشمل ذلك كلَّه، ورُوي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفُضيل بن عياض.
وكثيرٌ من العُلماء المتأخرين يخصُّ اسم السنة بما يتعلق بالاعتقادات، لأنها أصلُ الدِّين، والمخالفُ فيها على خطرٍ عظيم، وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر بالسَّمع والطاعة لأُولي الأمر إشارةٌ إلى أنَّه لا طاعةَ لأولي الأمر إلَّا في طَاعةِ
_________________
(١) = "الحلية" ٧/ ٢٤٢، وقال: غريب، وفي إسناده الفيض بن الفضل، وهو مجهول.
(٢) في "العلل ٣/ ١٩٩.
(٣) رواه من حديث أبي ذرّ ابن أبي شيبة ١/ ٣١٠، والبزار (٤٠١)، وصححه ابن حبان (١٦١٠).
[ ٢ / ١٢٠ ]
اللهِ، كما صحَّ عنه أنه قال: "إنَّما الطَّاعةُ في المعروف" (^١).
وفي "المسند" (^٢) عن أنس أن معاذَ بن جبل قال: يا رسول الله، أرأيتَ إن كان علينا أمراءُ لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمركَ، فما تأمرُ في أمرهم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا طاعة لمن لم يُطع الله ﷿".
وخرَّج ابن ماجه من حديث ابن مسعود أن النبيَّ - ﷺ - قال: "سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون من السنة ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها" فقلت: يا رسول الله إن أدركتُهم، كيف أفعلُ؟ قال: "لا طاعة لمن عصى الله" (^٣).
وفي أمره - ﷺ - باتِّباع سنَّته، وسنّة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لوُلاةِ الأمور عمومًا دليل على أن سنةَ الخلفاء الراشدين متَّبعة، كاتِّباع سنته، بخلاف غيرهم من وُلاة الأمور.
وفي "مسند الإمام أحمد"، و"جامع الترمذي" عن حُذيفة قال: كنَّا عند النبيِّ - ﷺ - جُلوسًا، فقال: "إني لا أدري ما قَدْرُ بقائي فيكم، فاقتدوا باللَّذيْنِ من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر - وتمسَّكوا بعهدِ عمَّار، وما حدّثكم ابنُ
_________________
(١) رواه من حديث علي أحمد ١/ ٩٤، والبخاري (٤٣٤٠)، ومسلم (١٨٤٠)، وأبو داود (٢٦٢٥)، وصححه ابن حبان (٤٥٦٧).
(٢) ٣/ ٢١٣، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٥/ ٢٢٥، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه عمرو بن زينب ولم أعرفه، كذا قال ﵀. وعمرو بن زينب ذكره البخاري في "تاريخه" ٦/ ٣٣٢ - ٣٢٣، وأخرج له حديثه هذا، وذكره أيضًا ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٦/ ٢٢٣، وأشار إلى هذا الحديث، ووثقه ابن حبان ٥/ ١٧٤.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٨٦٥)، ورواه أيضًا أحمد وابنه عبد الله ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠، والطبراني في "الكبير" (١٠٣٦١) وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ١٢١ ]
مسعودٍ، فصدقوه" وفي رواية: "تمسَّكوا بعهد ابن أم عبدٍ، واهتدوا بهدي عمار" (^١). فنصَّ - ﷺ - في آخر عمره على من يُقتدى به مِنْ بعده، والخُلفاء الراشدون الذين أمر بالاقتداء بهم: هم أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ، فإنَّ في حديث سفينة عن النبيِّ - ﷺ: "الخلافةُ بعدي ثلاثونَ سنة، ثم تكونُ ملكًا" (^٢)، وقد صححه الإمام أحمد، واحتجّ به على خلافة الأئمة الأربعة (^٣).
ونصَّ كثيرٌ من الأئمة على أن عمر بنَ عبد العزيز خليفةٌ راشد أيضًا، ويدلُّ عليه ما خرّجه الإمام أحمد من حديث حُذيفة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "تكونُ فيكم النبوَّةُ ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكونُ خلافة على منهاج النبوَّةِ، فتكونُ ما شاءَ الله أن تكونَ، ثم يرفعُها الله إذا شاء أن يرفَعها، ثم تكون مُلكًا عاضًّا ما شاء الله أن تكونَ، ثمَّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكونُ مُلكًا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوَّة" ثم سكت. فلما ولي عمر بن عبد العزيز، دخل عليه رجلٌ، فحدَّثه بهذا الحديث، فسُرَّ به، وأعجبه (^٤).
وكان محمد بن سيرين أحيانًا يُسأل عن شيءٍ مِنَ الأشربةِ، فيقول: نهى
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٣٨٢ و٣٩٩ و٤٠٠، والترمذي (٣٦٦٣)، وابن ماجه (٩٧)، وصححه ابن حبان (٦٩٠٢).
(٢) رواه أحمد في "المسند" ٥/ ٢٢٠ و٢٢١، وفي "السنة" (١٤٠١) و(١٤٠٥)، وأبو داود (٤٦٣٧)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١١٤١) والطبراني في "الكبير" (٦٩٦٥)، وهو حديث حسن.
(٣) قال عبد الله بن أحمد في "كتاب السنة" (٤٠٠): سمعت أبي ﵀ يقول: .. أما الخلافة، فنذهب إلى حديث سفينة، فنقول: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الخلفاء.
(٤) حديث حسن، رواه أحمد ٤/ ٢٧٣، والبزار (١٥٨٨)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٥/ ١٨٨ - ١٨٩، وقال: رواه أحمد في ترجمة النعمان والبزار أتم منه، والطبراني ببعضه في "الأوسط"، ورجاله ثقات.
[ ٢ / ١٢٢ ]
عنه إمامُ هدى: عمرُ بن عبد العزيز (^١).
وقد اختلف العلماء في إجماع الخُلفاء الأربعة: هل هو إجماعٌ، أو حُجَّةٌ، مع مخالفة غيرهم مِنَ الصَّحابة أم لا؟ وفيه روايتان عن الإمام أحمد، وحكم أبو خازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام، ولم يعتدَّ بمن خالف الخُلفاء، ونفذ حكمه بذلك في الآفاق.
ولو قال بعضُ الخلفاء الأربعة قولًا، ولم يُخالفه منهم أحدٌ، بل خالفه غيرُه من الصَّحابة، فهل يقدم قولُه على قول غيره؟ فيه قولان أيضًا للعلماء، والمنصوصُ عن أحمد أنه يُقدمُ قولُه على قولِ غيرِه من الصَّحابةِ، وكذا ذكره الخطابي وغيره، وكلامُ أكثرِ السَّلفِ يدلُّ على ذلك، خصوصًا عمر بن الخطاب ﵁، فإنه روي عن النبيِّ - ﷺ - من وجوه أنه قال: "إنَّ الله جعل الحقَّ على لسان عمرَ وقلبه" (^٢). وكان عمرُ بن عبد العزيز يتَّبع أحكامَه، ويستدلُّ بقولِ النبيِّ - ﷺ -: "إنَّ الله جعلَ الحقَّ على لسانِ عمرَ وقلبه".
وقال مالكٌ: قال عمرُ بنُ عبد العزيز: سنَّ رسولُ الله - ﷺ - وولاةُ الأمر من بعده سُننًا، الأخذُ بها اعتصامٌ بكتاب اللهِ، وقوَّةٌ على دينِ اللهِ، ليس لأحدٍ تبديلُها، ولا تغييرُها، ولا النظرُ في أمرٍ خَالفَها، مَنِ اهتَدى بها، فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها، فهو منصور، ومن تركها واتَّبع غيرَ سبيل المؤمنين، ولَّاه الله ما تولَّى، وأصلاه جهنَّم، وساءت مصيرًا (^٣). وحكى عبدُ الله بن عبد الحكم عن
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٥٧.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٤٠١، وابن أبي شيبة ١٢/ ٢٥، وصححه ابن حبان (٦٨٨٩). ورواه من حديث ابن عمر أحمد ٢/ ٩٥، والترمذي (٣٦٨٢)، وصححه ابن حبان (٦٨٩٥).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" ٢/ ٦٨٦.
[ ٢ / ١٢٣ ]
مالك أنه قال: أعجبني عَزْمُ عمرَ على ذلك، يعني: هذا الكلام. وروى عبدُ الرحمن بنُ مهدي هذا الكلام عن مالكٍ، ولم يحكِه عن عمرَ.
وقال خلَفُ بنُ خليفة: شهدتُ عمر بن عبد العزيز يخطبُ الناس وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سنَّ رسول الله - ﷺ - وصاحباه، فهو وظيفةُ دينٍ، نأخذ به، وننتهي إليه (^١). وروى أبو نعيم من حديث غرْزب الكندي أن رسول الله - ﷺ - قال: "إنه سيحدث بعدي أشياء، فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر" (^٢).
وكان عليٌّ يتبع أحكامه وقضاياه، ويقول: إن عمرَ كان رشيدَ الأمر (^٣).
وروى أشعثُ عن الشَّعبيِّ، قال: إذا اختلف النَّاسُ في شيءٍ، فانظر كيف قضى فيه عمرُ، فإنه لم يكن يقضي في أمر لم يُقْضَ فيه قبلَه حتى يُشاوِرَ (^٤).
وقال مجاهد: إذا اختلف الناسُ في شيءٍ، فانظروا ما صنع عمر، فخُذُوا به. وقال أيوب عن الشعبيِّ: انظروا ما اجتمعت عليه أمَّةُ محمد، فإن الله لم يكن ليجمعها على ضلالةٍ، فإذا اختلفت، فانظروا ما صنعَ عُمَر بنُ الخطاب، فخذوا به.
وسئل عكرمة عن أم الولد، فقال: تَعْتِقُ بموت سيدها، فقيل له: بأيِّ شيء تقولُ؟ قال: بالقرآن، قال: بأيّ القرآن؟ قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وعمرُ من أولي الأمر (^٥).
_________________
(١) رواه أبو نعيم - في "الحلية" ٥/ ٢٩٨.
(٢) عزرب مختلف في صحبته، والخبر رواه ابن منده في "الصحابة" كلما في "الإصابة" ٢/ ٤٦٦.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٢.
(٤) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٣٢٠.
(٥) رواه سعيد بن منصور كما في "الدر المنثور" ٢/ ٥٧٦.
[ ٢ / ١٢٤ ]
وقال وكيع: إذا اجتمع عمرُ وعليٌّ على شيءٍ، فهو الأمر.
وروي عن ابن مسعود أنه كان يحلف بالله: إنَّ الصِّراط المستقيم هو الذي ثبت عليه عمر حتى دخل الجنة.
وبكلِّ حالٍ، فما جمع عمرُ عليه الصَّحابةَ، فاجتمعوا عليه في عصره، فلا شكَّ أنه الحقُّ، ولو خالف فيه بعدَ ذلك مَنْ خالف، كقضائه في مسائلَ مِنَ الفرائض كالعول، وفي زوج وأبوين وزوجة وأبوين أن للأمِّ ثلث الباقي، وكقضائه فيمن جامعَ في إحرامه أنَّه يمضي في نسكه وعليه القضاءُ والهديُ، ومثل ما قضى به في امرأةِ المفقودِ، ووافقه غيره مِنَ الخلفاء أيضًا، ومثل ما جمع عليه النَّاسَ في الطَّلاق الثلاث، وفي تحريم متعة النِّساء، ومثل ما فعله من وضع الدِّيوان، ووضع الخراج على أرض العنوة، وعقد الذمة لأهل الذمة بالشُّروط التي شرطها عليهم ونحو ذلك.
ويشهد لصحة ما جمع عليه عمرُ لصحابة، فاجتمعوا عليه، ولم يُخالف في وقته قولُ النبيِّ - ﷺ -: "رأيتني في المنام أنزِع على قليبٍ، فجاء أبو بكرٍ، فنزع ذَنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعفٌ، والله يغفر له، ثم جاءَ ابنُ الخطاب، فاستحالت غَرْبًا، فلم أرَ أحدًا يفري فَرْيَهُ حتَّى رَوِيَ النَّاس، وضربوا بعَطَنٍ"، وفي رواية: "فلم أر عبقريًا من النَّاسِ يَنْزِعُ نزعَ ابن الخطاب" وفي رواية: "حتَّى تولَّى والحوض يتفجَّرُ" (^١).
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٣/ ٣٦٨، والبخاري (٣٦٦٤)، ومسلم (٢٣٩٢)، وصححه ابن حبان (٦٨٩٨). ورواه من حديث ابن عمر أحمد ٢/ ٢٧، والبخاري (٣٦٣٣)، ومسلم (٢٣٩٣)، والترمذي (٢٢٨٩). والقليب: بئر تحفر فيقلب ترابها قبل أن تُطوى، والذنوب: الدلو الممتلئة، ومعنى قوله: "في نزعه ضعف" قصر مدته وعجلة موته، وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح=
[ ٢ / ١٢٥ ]
وهذا إشارةٌ إلى أن عمرَ لم يمت حتَّى وضع الأمورَ مواضعها، واستقامت الأمورُ، وذلك لِطول مدَّته، وتفرُّغه للحوادث، واهتمامه بها، بخلاف مدَّةِ أبي بكر فإنها كانت قصيرةً، وكان مشغولًا فيها بالفُتوح، وبعث البُعوث للقتال، فلم يتفرَّع لكثيرٍ من الحوادث، وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلُغه، ولا يُرفَعُ إليه، حتَّى رفعت تلك الحوادثُ إلى عمرَ، فردَّ الناس فيها إلى الحقِّ وحملهم على الصَّواب.
وأمَّا ما لم يجمع عمرُ النَّاسَ عليه، بل كان له فيه رأيٌ، وهو يسوِّغ لغيره أن يرى رأيًا يُخالف رأيه، كمسائل الجَدِّ مع الإخوة، ومسألة طلاق البتة، فلا يكونُ قولُ عمر فيه حجَّةً على غيره مِنَ الصَّحابة والله أعلم.
وإنَّما وصف الخلفاء بالراشدين، لأنَّهم عرفوا الحقِّ، وقَضَوا به، فالراشدُ ضدُّ الغاوي، والغاوي مَنْ عَرَفَ الحقَّ، وعمل بخلافه.
وفي رواية: "المهديين" يعني: أن الله يهديهم للحقِّ، ولا يُضِلُّهم عنه، فالأقسام ثلاثة: راشدٌ وغاوٍ وضالٌ، فالراشدُ عرف الحقَّ واتَّبعه، والغاوي: عرفه ولم يتَّبعه، والضالُّ: لم يعرفه بالكليَّة، فكل راشدٍ، فهو مهتد، وكل مهتدٍ هدايةً تامَّةً، فهو راشد، لأنَّ الهدايةَ إنَّما تتمُّ بمعرفة الحقِّ والعمل به أيضًا.
وقوله: "عَضُّوا عليها بالنواجذ" كناية عن شدَّةِ التَّمسُّك بها، والنواجذ: الأضراس.
_________________
(١) = والازدياد الذي بلغه عمر في طول مدته. والغرب: دلو السانية، وهي أكبر من الذنوب. والعبقري: يوصف به كل شيء بلغ النهاية في معناه، والعطن: مناخ الإبل إذا صدرت عن الماء رواء، وقوله: "حتى ضرب الناس بعطن" معناه: حتى رووا، ورووا إبلهم، فأبركوها، وضربوا لها عطنًا، ضرب مثلًا لاتساع الناس في زمن عمر وما فتح الله عليهم من الأمصار.
[ ٢ / ١٢٦ ]
قوله: "وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة" تحذيرٌ للأمة مِنَ اتِّباعِ الأمور المحدَثَةِ المبتدعَةِ، وأكَّد ذلك بقوله: "كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ"، والمراد بالبدعة: ما أُحْدِثَ ممَّا لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأمَّا ما كان له أصلٌ مِنَ الشرع يدلُّ عليه، فليس ببدعةٍ شرعًا، وإن كان بدعةً لغةً، وفي "صحيح مسلم" (^١) عن جابر، أن النبيَّ - ﷺ - كان يقول في خطبته: "إنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة".
وخرَّج الترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن عبد الله المزني - وفيه ضعف - عن أبيه عن جده، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "من ابتدع بدعة ضلالةٍ لا يرضاها الله ورسولهُ، كان عليه مثلُ آثام مَنْ عمل بها، لا يَنْقُصُ ذلك مِنْ أوزارهم شيئًا" (^٢).
وخرَّج الإمام أحمد من رواية غضيف بن الحارث الثُّمالي قال: بعث إليَّ عبدُ الملك بنُ مروان، فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يومَ الجمعة، والقصص بعد الصُّبحِ والعصر، فقال: أما إنهما أمثلُ بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيءٍ منها، لأنَّ النبيَّ - ﷺ، قال: "ما أَحْدَثَ قومٌ بدعةً إلا رُفِعَ مثلُها منَ السُّنَّة" فتمسُّكٌ بسنّةٍ خيرٌ من إحداثِ بدعةٍ (^٣).
_________________
(١) رقم (٨٦٧)، وصححه ابن حبان (١٠)، وقد تقدم.
(٢) رواه الترمذي (٢٦٧٧)، وابن ماجه (٢٠٩)، وهو ضعيف لضعف كثير بن عبد الله كما ذكر المؤلف.
(٣) رواه أحمد ٤/ ١٠٥، ومحمد بن نصر المروزي في "السنة" (٩٧)، ورواه أيضًا البزار (١٣١) دون قصة عبد الملك بن مروان، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٨٨، وقال: وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو منكرُ الحديث. قلت: هو ضعيف عندهم، وقال الدارقطني: متروك، ومع ذلك فقد جوَّدَ حديثه هذا الحافظُ في "الفتح" ١٣/ ٢٥٣.
[ ٢ / ١٢٧ ]
وقد رُوي عن ابن عمر من قوله نحو هذا.
فقوله - ﷺ -: "كلُّ بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيءٌ، وهو أصل عظيمٌ من أصول الذين، وهو شبيهٌ بقوله: "مَنْ أحْدَثَ في أمْرنا ما لَيسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ" (^١)، فكل من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدِّين، ولم يكن له أصلٌ من الذين يرجع إليه، فهو ضلالةٌ، والدِّينُ بريءٌ منه، وسواءٌ في ذلك مسائلُ الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة.
وأما ما وقع في كلام السَّلف مِنَ استحسان بعض البدع، فإنَّما ذلك في البدع اللُّغوية، لا الشرعية، فمِنْ ذلك قولُ عمر ﵁ لما جمعَ الناسَ في قيام رمضان على إمامٍ واحدٍ في المسجد، وخرج ورآهم يصلُّون كذلك فقال: نَعمت البدعةُ هذه. وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة (^٢). وروي أن أبيَّ بن كعب، قال له: إنَّ هذا لم يكن، فقال عمرُ: قد علمتُ، ولكنه حسن. ومرادُه أن هذا الفعلَ لم يكن على هذا الوجه قبلَ هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يُرجع إليها، فمنها أن النبيَّ - ﷺ - كان يحُثُّ على قيام رمضان، ويُرَغِّبُ فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقةً ووحدانًا، وهو - ﷺ - صلَّى بأصحابه في رمضانَ غيرَ ليلةٍ، ثم امتنع مِنْ ذلك معلِّلًا بأنَّه خشي أن يُكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمِنَ بعده - ﷺ - (^٣). ورُوِيَ عنه أنه كان يقومُ بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه، وهو الحديث الخامس.
(٢) رواه مالك في "الموطأ" ١/ ١١٤، والبخاري (٢٠١٠).
(٣) رواه البخاري (٢٠١٢) من حديث عائشة.
(٤) رواه من حديث أبي ذر أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي ٣/ ٢٠٢، وهو حديث حسن.
[ ٢ / ١٢٨ ]
ومنها أنَّه - ﷺ - أمر باتِّباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإنَّ النَّاس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمانَ وعليٍّ.
ومن ذلك: أذانُ الجمعة الأوَّل (^١)، زاده عثمانُ لحاجةِ النَّاسِ إليه، وأقرَّه عليٌّ، واستمر عملُ المسلمينَ عليه، وروي عن ابن عمر أنه قال: هو بدعة (^٢)، ولعلَّه أرادَ ما أراد أبوه في قيام رمضان.
ومِنْ ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقَّف فيه زيدُ بنُ ثابتٍ، وقال لأبي بكر وعمر: كيف تفعلان ما لم يفعلْهُ النبيَّ - ﷺ -؟ ثم علم أنَّه مصلحةٌ، فوافق على جمعه (^٣)، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يأمرُ بكتابة الوحي، ولا فرق بَيْنَ أن يُكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعُه صار أصلح.
وكذلك جمعُ عثمان الأمة على مصحف واحد وإعدامه لما خالفه خشيةَ تفرق الأمة، وقد استحسنه عليٌّ وأكثرُ الصحابة، وكان ذلك عينَ المصلحة.
وكذلك قتال من منع الزكاة: توقف فيه عمر وغيرُه حتى بيَّن له أبو بكر أصلَه الذي يرجعُ إليه مِنَ الشَّريعة، فوافقه الناسُ على ذلك.
ومنْ ذلك القصص، وقد سبق قولُ غضيف بن الحارث: إنَّه بدعةٌ، وقال الحسن: القصص بدعةٌ، ونعِمَت البدعةُ، كم من دعوة مستجابة، وحاجة مقضية، وأخ مستفاد. وإنما عنى هؤلاء بأنَّه بدعة الهيئة الاجتماعية عليه في وقت
_________________
(١) روى أحمد ٣/ ٤٥٠، والبخاري (٩١٢)، وأبو داود (١٠٨٧)، والترمذي (٥١٦)، والنسائي ٣/ ١٠٠، وابن ماجه (١١٣٥)، عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء. وصححه ابن حبان (١٦٧٣).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٠.
(٣) انظر "البخاري" (٤٩٨٦)، والترمذي (٣١٠٣)، وابن حبان (٤٥٠٦).
[ ٢ / ١٢٩ ]
معين، فإنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يكن له وقت معيَّنٌ يقصُّ على أصحابه فيه غير خطبه الراتبة في الجُمَعِ والأعياد، وإنما كان يذكرهم أحيانًا، أو عندَ حدوث أمرٍ يحتاجُ إلى التَّذكير عنده، ثم إنَّ الصحابة اجتمعوا على تعيين وقتٍ له كما سبق عن ابن مسعودٍ أنَّه كان يُذَكِّرُ أصحابه كل يوم خميس.
وفي "صحيح البخاري" (^١) عن ابن عبَّاسٍ قال: حدِّث الناس كلَّ جمعة مرة، فإن أبيتَ، فمرَّتين، فإن أكثرت، فثلاثًا، ولا تُمِلَّ الناس.
وفي "المسند" (^٢) عن عائشة أنها وصَّت قاصَّ أهلِ المدينة بمثل ذلك. وروي عنها أنها قالت لعُبيد بن عُميرٍ: حدِّثِ النَّاسَ يومًا، ودعِ الناس يومًا (^٣)، لا تُملَّهم. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاصَّ أن يقصَّ كلَّ ثلاثة أيام مرَّة. ورُوي عنه أنه قال له: روِّح الناسَ ولا تُثقِلْ عليهم، ودَعِ القَصَصَ يوم السبت ويوم الثلاثاء.
_________________
(١) رقم (٦٣٣٧).
(٢) ٦/ ٢١٧، وإسناده صحيح، ولفظه: عن الشعبي قال: قالت عائشة لابن أبي السائب قاص أهل المدينة: ثلاثًا لتبايعني عليهن أو لأناجزنَّك، فقال: ما هُنَّ؟ بل أنا أبايعك يا أمَّ المؤمنين، قالت: اجتنب السجعَ من الدعاء، فإن رسول الله - ﷺ - وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك، وقال إسماعيل مرة: فقالت: إني عهدت رسول الله - ﷺ - وأصحابه وهم لا يفعلون ذاك، وقُصَّ على الناس في كل جمعة مرةً، فإن أبيت فثنتين، فإن أبيت فثلاثًا، فلا تمل الناسَ هذا الكتاب ولا ألفينك تأتي القومَ وهم في حديثٍ من حديثهم فتقطع عليهم، ولكن اتركهم فإذا جرؤوك عليه وأمروك به، فحدثهم. ورواه بنحوه وبأخصر منه الطبراني في "الدعاء" (٥٤)، واختصره ابن أبي شيبة ١٠/ ١٩٩.
(٣) في "طبقات ابن سعد" ٥/ ٤٦٣ - ٤٦٤ عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة، فقالت: من هذا؟ فقال: أنا عُبيد بن عمير، قالت: قاص أهل مكة؟ قال: نعم، قالت: خفف، فإن الذكر ثقيل.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وقد روى الحافظ أبو نعيم (^١) بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد، [حدثنا حرملة بن يحيى] قال: سمعتُ الشافعي رحمة الله عليه يقول: البدعة بدعتان: بدعةٌ محمودةٌ، وبدعة مذمومةٌ، فما وافق السنة، فهو محمودٌ وما خالف السنة، فهو مذمومٌ. واحتجّ بقول عمر: نعمت البدعة هي.
ومراد الشافعي ﵀ ما ذكرناه مِنْ قبلُ: أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصل من الشريعة يُرجع إليه، وهي البدعةُ في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة، يعني: ما كان لها أصل مِنَ السنة يُرجع إليه، وإنما هي بدعةٌ لغةً لا شرعًا، لموافقتها السنة.
وقد روي عَنِ الشَّافعي كلام آخر يفسِّرُ هذا، وأنَّه قال: والمحدثات ضربان: ما أُحدِث مما يُخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلال، وما أُحدِث مِنَ الخير، لا خِلافَ فيه لواحدٍ مِنْ هذا، وهذه محدثة غيرُ مذمومة (^٢).
وكثير من الأمور التي حدثت، ولم يكن قد اختلفَ العلماءُ في أنَّها هل هي بدعةٌ حسنةٌ حتَّى ترجع إلى السنة أم لا؟ فمنها كتابةُ الحديث، نهى عنه عمرُ وطائفةٌ مِنَ الصَّحابة، ورخص فيه الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السُّنَّة.
ومنها: كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قومٌ من العُلماء، ورخَّصَ فيه كثيرٌ منهم.
وكذلك اختلافُهم في كتابة الرَّأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسِعَةِ الكلام في المعاملات وأعمالِ القلوب التي لم تُنقل عَنِ الصَّحابة والتابعين. وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك.
_________________
(١) في "الحلية" ٩/ ١١٣، وهو صحيح عن الإمام الشافعي ﵀.
(٢) صحيح، رواه البيهقي في "مناقب الشافعي" ١/ ٤٦٨ - ٤٦٩.
[ ٢ / ١٣١ ]
وفي هذه الأزمان التي بَعُدَ العهد فيها بعُلوم السلف يتعيَّن ضبطُ ما نُقِلَ عنهم مِنْ ذلك كلِّه، ليتميَّزَ به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم، وما حدث من ذلك بعدَهم، فيُعْلَمُ بذلك السنةُ من البدعة.
وقد صحَّ عن ابن مسعود أنه قال: إنكم قد أصبحتُم اليومَ على الفطرة، وإنَّكم ستُحدِثونَ ويُحدَثُ لكم، فإذا رأيتم محدثةً، فعليكم بالهَدْيِ الأوّل (^١). وابنُ مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين.
وروى ابن مهدي عن مالك قال: لم يكن شيءٌ من هذه الأهواء في عهد النبيِّ - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان (^٢). وكان مالكًا يُشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرُّق في أُصول الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة ونحوهم ممَّن تكلَّم في تكفيرِ المسلمين، واستباحةِ دمائهم وأموالهم، أو في تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواصِّ هذه الأمة، أو عكس ذلك، فزعم أن المعاصي لا تضرُّ أهلَها، أو أنه لا يدخلُ النَّار مِنْ أهل التوحيدِ أحدٌ.
وأصعبُ من ذلك ما أُحدِث من الكلام في أفعال الله تعالى من قضائه وقدره، فكذب بذلك من كذب، وزعم أنه نزَّه الله بذلك عن الظلم.
وأَصعبُ من ذلك ما أُحدِث مِنَ الكلام في ذات الله وصفاته، ممَّا سكتَ عنهُ النبيُّ - ﷺ - وأصحابه والتَّابعونَ لهم بإحسانٍ. فقومٌ نَفَوا كثيرًا مما ورَدَ في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوه تنزيهًا لله عمَّا تقتضي العقولُ تنزيهه عنه، وزعموا أن لازِمَ ذلك مستحيلٌ على الله ﷿، وقومٌ لم يكتفوا بإثباته، حتَّى أثبتوا بإثباته ما يُظَنَّ أنَّه لازمٌ له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللَّوازم نفيًا
_________________
(١) رواه محمد بن نصر المروزي في "السنة" (٨٠) بإسناد صحيح.
(٢) نقله الحافظ في "الفتح" ١٣/ ٢٥٣ جازمًا بثبوته عنه، وفسره بقوله: يعنى بدع الخوارج والروافض والقدرية.
[ ٢ / ١٣٢ ]
وإثباتًا دَرَجَ صدْرُ الأمَّة على السُّكوت عنها.
ومما أُحدِث في الأمة بعْدَ عصر الصحابة والتابعين الكلامُ في الحلال والحرام بمجرَّدِ الرَّأي، وردُّ كثيرٍ ممَّا وردت به السُّنَّة في ذلك لمخالفته للرأي والأقيسة العقلية.
ومما حدث بعد ذلك الكلامُ في الحقيقة بالذَّوق والكشف، وزعم أنَّ الحقيقة تُنافي الشريعة، وأنَّ المعرفة وحدَها تكفي مع المحبَّة، وأنَّه لا حاجةَ إلى الأعمالِ، وأنَّها حجابٌ، أو أن الشَّريعة إنما يحتاجُ إليها العوامٌّ، وربما انضمَّ إلى ذلك الكلامُ في الذَّات والصِّفات بما يعلم قطعًا مخالفتُه للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
[ ٢ / ١٣٣ ]