عَنْ عُمرَ بن الخَطَّاب ﵁، قالَ: بَينَمَا نَحْنُ عِندَ رَسولِ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَومٍ، إذْ طَلَعَ علينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَياضِ الثِّياب، شَدِيدُ سَوادِ الشَّعْرِ، لا يُرىَ عليهِ أثَرُ السَّفَر، ولا يَعرِفُهُ مِنَّا أحدٌ، حتَّى جَلَسً إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فأسنَدَ رُكْبَتَيهِ إلى رُكْبَتَيهِ، ووَضَعَ كَفَّيهِ على فَخِذيهِ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ، أخبِرنِي عَنِ الإِسلامِ.
فقال رَسولُ اللهِ - ﷺ -: "الإِسلامُ: أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيِ الزَّكاةَ، وتَصومَ رمضَانَ، وتَحُجَّ البَيتَ إنِ استَطَعتَ إليهِ سَبيلًا". قال: صَدَقت، قال: فَعَجِبنا لَهُ يسأْلُهُ ويصدِّقُهُ.
قال: فأخْبرني عَنِ الإيمان. قالَ: "أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وملائِكَته وكُتُبِه، ورُسُله، واليَومَ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ". قالَ: صَدَقتَ.
قالَ: فأخْبِرنِي عن الإِحْسَانِ، قال: "أنْ تَعبُدَ الله كَأَنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ. فإنَّهُ يَراكَ.
قالَ: فأخبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ؟.
قالَ: "مَا المَسؤُولُ عَنْهَا بأعلَمَ مِنَ السَّائِل".
قالَ: فأخبِرني عَنْ أمارَتِها؟.
قالَ: "أنْ تَلِد الأمَةُ رَبَّتَها، وأَنْ تَرى الحُفاةَ العُراةَ العَالةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتطاوَلونَ فِي البُنيانِ".
[ ١ / ٩٣ ]
ثُمَّ انْطَلَقَ، فلبثْتُ مَليًّا، ثمَّ قالَ لي: "يا عُمَرُ، أتَدرِي مَنِ السَّائل؟ ".
قُلتُ: الله ورَسولُهُ أعلَمُ.
قالَ: "فإنَّهُ جِبريلُ أتاكُم يُعَلِّمُكُم دِينَكُم".
رواهُ مُسلِم (^١).
هذا الحديثُ تفرَّد مسلمٌ عن البُخاريِّ بإخراجِهِ، فخرَّجه مِنْ طريقِ كهمسٍ عَنْ عبد اللهِ بن بُريدةَ، عن يَحيى بن يَعْمَرَ، قال: كانَ أوَّلَ مَنْ قَالَ في القَدرِ بالبصرةِ معبدٌ الجهنيُّ (^٢)، فانطلقْتُ أنا وحميدُ بنُ عبد الرحمنِ الحِميريُّ حَاجَّين أو مُعتَمِرينِ، فقلنَا: لو لَقِينَا أَحدًا مِنْ أصحاب رسولِ اللهِ - ﷺ -، فسألناه عمَّا يقولُ هؤلاءِ في القدرِ، فوُفِّقَ لنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بن الخطَّاب داخلًا المَسجدَ، فاكتَنَفتُهُ أنا وصاحبي، أحدُنا عَنْ يمينه، والآخرُ عَنْ شِمالِهِ، فظننتُ أنَّ صاحبي سيَكِلُ الكلامَ إليَّ، فقلتُ: أبا عبدِ الرَّحمنِ، إنَّه قد ظهر قِبلَنا ناسٌ يقرؤون القُرآن، ويتقفَّرُونَ العلمَ (^٣)، وذكر مِنْ شأنهم، وأنَّهم يزعُمون أنْ لا قدرَ، وأنَّ الأمرَ أُنُفٌ (^٤). فقال: إذا لقيتَ أولئِكَ، فأخبرهم أنِّي بريءٌ منهم، وأنهم بُرآءُ منِّي،
_________________
(١) برقم (٨). ورواه أيضًا أحمد ٨/ ٢٧ و٥١ - ٥٢ و٥٣، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، النّسائي ٨/ ٩٧، وابن ماجه (٦٣)، وابن منده في "الإِيمان" (١) - (١٤)، والطيالسي ص ٢٤، وابن حبان (١٦٨) و(١٧٣)، والآجري في "الشريعة" ص ١٨٨ - ١٨٩، وأبو يعلى (٢٤٢)، والبيهقي في "دلائل النبوة" ٧/ ٦٩ - ٧٠، والبغوي في "شرح السنة" (٢)، والمروزي في "تعظيم قدر الصّلاة" (٣٦٣) - (٣٦٧)، وعبد الله بن أحمد في "السنّة" (٩٠١) و(٩٠٨).
(٢) هو معبد بن عبد الله بن عويمر، وقيل: ابن عبد الله - ابن عُكيم الجهني، كان ممن ثار مع ابن الأشعث، وقتله الحجاج سنة ٨٠ هـ. انظر ترجمته في "السّيَر" ٤/ ١٨٥.
(٣) أي: يتتبعونه، وقيل: يجمعونه. انظر "شرح مسلم" ١/ ١٥٥.
(٤) أي: مستأنف، لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى، وإنّما يعلمه بعد وقوعه. قاله =
[ ١ / ٩٤ ]
والَّذي يحلفُ به عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، لو أن لأحدهم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، فأنفقه، ما قَبِلَ الله منه حتَّى يُؤْمِنَ بالقدرِ. ثمَّ قال: حدَّثني أبي عُمرُ بنُ الخطَّاب، قال: بينما نحنُ عند رسولِ اللهِ - ﷺ -، فذكر الحديث بطولهِ.
ثمَّ خرَّجه من طُرقٍ أُخرى، بعضُها يرجِعُ إلى عبدِ الله بن بريدةَ، وبعضُها يرجع إلى يحيى بن يعمر، وذكر أن في بعض ألفاظها زيادةً ونقصًا.
وقد خرَّجه ابنُ حبَّان في "صحيحه" (^١) من طريق سليمانَ التَّيميِّ عن يحيى بن يعمَر، وقد خرَّجه مسلمٌ مِنْ هذه الطَّريق، إلَّا أنَّه لم يذكر لفظَه، وفيه زياداتٌ منها: في الإِسلام، قال: "وتحجَّ، وتعتمر وتغتسلَ مِنَ الجَنابةِ، وأنْ تُتمَّ الوُضوء، [وتصوم رمضان] " قال: فإذا أنا فعلتُ ذلكَ، فأنا مسلمٌ؟ قال: "نعم".
وقال في الإِيمان: "وتُؤمِن بالجَنَّةِ والنَّارِ والمِيزانِ"، وقال فيه: فإذا فعلتُ ذلك، فانا مؤمنٌ؟ قال: "نعم".
وقال في آخره: "هذا جبريلُ أتاكُم ليعلِّمكُم أمرَ دينكم، خذوا عنه، والَّذي نفسي بيده ما شُبِّه عليَّ منذُ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفتُه حتَّى ولَّى".
وخرَّجاه في "الصَّحيحينِ" من حديث أبي هُريرة، قال: كان النبي - ﷺ - يومًا بارزًا للنَّاسِ، فأتاهُ رجلٌ، فقال: ما الإِيمان؟ قال: "الإِيمانُ: أنْ تُؤمِنَ باللهِ وملائكتِهِ وكتابه، وبلقائه، ورُسله، وتُؤمِن بالبعثِ الآخِر".
قال: يا رسولَ اللهِ، ما الإِسلام؟ قال: "الإسلامُ: أنْ تعبدَ الله لا تشرِك به شيئًا، وتقيمَ الصَّلاةَ المكتوبةَ، وتُؤَدِّي الزَّكاةَ المفروضةَ، وتصومَ رمضان".
_________________
(١) = النّووي في "شرح مسلم" ١/ ١٥٦.
(٢) برقم (١٧٣)، وقال بإثره: تفرّد سليمان التيمي بقوله: "خذوا عنه"، وبقوله: "تعتمر وتغتسل وتتمّ الوضوء".
[ ١ / ٩٥ ]
قال: يا رسولَ اللهِ، ما الإِحسانُ؟ قال: "أن تَعبدَ الله كأنَّكَ تراهُ، فإنَّك إنْ لا تراه، فإنَّه يراكَ".
قال: يا رسولَ اللهِ، متى السَّاعةُ؟ قال: "ما المسؤولُ عنها بأعلمَ مِنَ السَّائِلِ، ولكِن سأُحدِّثكَ عَنْ أشراطِها: إذا وَلَدتِ الأَمَةُ ربَّتها، فذاك من أشراطها، وإذا رأيتَ (^١) العُراة الحُفاة رُؤوسَ النَّاس، فذاك مِنْ أشراطِها، وإذا تطاولَ رِعاءُ البَهْم (^٢) في البُنيان، فذاك من أشراطِها في خمس لا يعلمُهُنَّ إلَّا الله، ثمَّ تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
قال: ثمَّ أدبَرَ الرَّجُلُ، فقال رسول الله - ﷺ -: "عليَّ بالرَّجُلِ" (^٣)، فأخذوا ليردُّوه، فلم يَروا شيئًا، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: "هذا جبريلُ جاءَ ليعلِّمَ النَّاس دينهم" (^٤).
وخرَّجه مسلم (^٥) بسياقٍ أتمَّ مِنْ هذا، وفيه في خصال الإِيمان: "وتؤمِن
_________________
(١) في "صحيح مسلم": "وإذا كانت".
(٢) البَهْمُ جمع بَهْمَة: وهي الصغيرُ من أولاد الضَّأن، وفي شعرِ المجنون: تعشَّقْتُ ليلى وهْيَ غِرُّ صَغِيرَةٌ … ولَمْ يَبْدُ للأتراب من ثَديها حَجْمُ صَغِيرين نرعى البَهْمَ يا لَيْتَ أننا … إلى اليومِ لم نَكْبَرْ ولم تَكْبَرِ البَهْمُ
(٣) في "البخاري": "ردُّوا علي"، وفي "مسلم": "ردُّوا عليَّ الرَّجل"، وفي (أ) و(ب): "عليَّ الرَّجل".
(٤) رواه البخاري (٥٠) و(٤٧٧٧)، ومسلم (٩) - واللفظ له، وابن أبي شيبة ١١/ ٥ - ٦، وابن ماجه (٩)، والنسائي ٨/ ١٠١، وابن منده في "الإِيمان" (١٥) و(١٦)، وابن حبان (١٥٩)، وأحمد ٢/ ٤٢٦، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٣٧٨) - (٣٨٠).
(٥) برقم (١٠).
[ ١ / ٩٦ ]
بالقَدرِ كلّه"، وقال في الإِحسان: "أنْ تخشى الله كأنَّكَ تراهُ".
وخَرَّجهُ الإمامُ أحمد في "مسنده" (^١) من حديث شهر بن حوشب عن ابن عباس. ومِنْ حديث شهرِ بن حوشب أيضًا عن ابن عامرٍ أو أبي عامرٍ، أو أبي مالكٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، وفي حديثه قال: ونسمع رَجْعَ النَّبيِّ - ﷺ -، ولا نرى الَّذي يكلِّمُهُ، ولا نسمعُ كلامَه (^٢)، وهذا يردُّه حديثُ عمرَ الَّذي خرّجه مسلمٌ، وهو أصحُّ.
وقد رُوي الحديث عن النَّبيِّ - ﷺ - مِنْ حديثِ أنسِ بن مالكٍ (^٣) وجرير بن عبد الله البجليِّ (^٤) وغيرهما.
وهو حديثٌ عظيمٌ جدًّا، يشتملُ على شرحِ الدِّين كُلِّه، ولهذا قال النبيُّ - ﷺ - في آخره: "هذا جبريلُ أتاكُم يعلِّمكم دينَكُم" بعد أنْ شرحَ درجةَ الإِسلامِ، ودرجةَ الإِيمانِ، ودرجة الإِحسانِ، فجعلَ ذلكَ كُلَّه دينًا.
واختلفتِ الرواية في تقديمِ الإِسلامِ على الإيمان وعكسه، ففي حديث
_________________
(١) ١/ ٣١٩، ورواه أيضًا البزّار (٢٤).
(٢) "المسند" ٤/ ١٢٩ و١٦٤.
(٣) رواه البزّار (٢٢)، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (١٩١)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٣٨١). وقال البزّار: غريب من حديث أنس، لا نَعلمُه إلّا بهذا الإسناد. والضحاك بن نَبَرَاس (أحد رواته) ليس به بأس، قد روى عن ثابت غير حديث. وقال الهيثمي في "المجمع" ١/ ٤٠: فيه الضحاك بن نبراس، قال البزّار: ليس به بأس وضعفه الجمهور. قلت: وحسّن الحديث الحافظ بن حجر في "الفتح" ١/ ١١٦.
(٤) رواه الآجري في "الشريعة" ص ١٨٩ - ١٩٥، وأبو عوانة في "صحيحه" كما في "الفتح" ١/ ١١٦. وقال الحافظ: في إسناده خالد بن يزيد القسري، ولا يصلح للصحيح.
[ ١ / ٩٧ ]
عمرَ الَّذي خرَّجه مسلمٌ أنَّه بدأ بالسُّؤال عن الإسلام، وفي التِّرمذي وغيره أنَّه بدأ بالسُّؤال عن الإيمان، كما في حديث أبي هريرة، وجاء في بعضِ روايات حديثِ عمرَ أنَّه سألَ عَنِ الإحسان بينَ الإِسلام والإيمان.
فأمَّا الإسلامُ، فقد فسَّره النَّبيُّ - ﷺ - بأعمالِ الجوارح الظَّاهرة مِنَ القولِ والعملِ، وأوَّلُ ذلك: شهادةُ أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، وهو عملُ اللِّسانِ، ثمَّ إقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وصومُ رمضانَ، وحجُّ البيت لمن استطاعَ إليه سبيلًا.
وهي منقسمةٌ إلى عمل بدنيٍّ: كالصَّلاةِ والصَّوم، وإلى عمل ماليٍّ: وهو إيتاءُ الزَّكاةِ، وإلى ما هو مركَّبٌ منهما: كالحجِّ بالنِّسبةَ إلى البعيدِ عَنْ مَكَّة.
وفي روايةِ ابن حبَّان أضاف إلى ذلك الاعتمارَ، والغُسْلَ مِنَ الجَنابةِ، وإتمامَ الوُضوءِ، وفي هذا تنبيهٌ على أن جميعَ الواجباتِ الظاهرةِ داخلةٌ في مسمَّى الإسلامِ.
وإنَّما ذكر هاهنا أصولَ أعمالِ الإسلام الَّتي ينبني الإسلام عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديثِ ابن عمرَ: "بُنِي الإِسلامُ على خَمسٍ" في مَوضِعه إنْ شاءَ الله تعالى (^١).
وقوله في بعضِ الرِّوايات: فإذا فعلتُ ذلك، فأنا مسلمٌ؟ قال: "نعم" يدلُّ على أنَّ مَنْ كمَّلَ الإتيانَ بمباني الإسلام الخمسِ، صار مسلمًا حقًّا، مع أن مَنْ أقرَّ بالشَّهادتين، صار مسلمًا حُكمًا، فإذا دخلَ في الإسلام بذلك، أُلزم بالقِيام ببقيَّة خِصالِ الإسلام، ومَنْ تركَ الشَّهادتين، خرج مِنَ الإِسلام، وفي خُروجِه مِنَ الإسلام بتركِ الصَّلاةِ خلافٌ مشهورٌ بينَ العُلماء، وكذلك في ترك بقيَّة مباني الإسلام الخمس، كما سنذكُره في موضعه إنْ شاء الله تعالى.
_________________
(١) وهو الحديث الثالث.
[ ١ / ٩٨ ]
وممَّا يدلُّ على أن جميعَ الأعمالِ الظَّاهرةِ تدخُلُ في مسمَّى الإِسلام قولُ النبيِّ - ﷺ -: "المُسلم مَنْ سَلِمَ المُسلمُونَ من لِسانِه ويده" (^١).
وفي "الصَّحيحين" عن عبدِ اللهِ بن عمروٍ أن رجلًا سألَ النَّبيَّ - ﷺ -: أيُّ الإِسلامِ خيرٌ؟ قال: "أنْ تُطعِمَ الطَّعامَ، وتقرأ السَّلام على مَنْ عرفت ومَنْ لم تعرف" (^٢).
وفي "صحيح الحاكم" (^٣) عن أبي هريرةَ، عن النبي - ﷺ - قال: "إنَّ للإِسلام
_________________
(١) رواه من حديث عبد الله بن عمرو: أحمد ٢/ ١٦٣ و١٩٢ و٢٠٥ و٢١٢، والبخاري (١٠) و(٦٤٨٤)، ومسلم (٤٠)، وأبو داود (٢٤٨١)، والنسائي ٨/ ١٠٥، والدارمي ٢/ ٣٠٠، وابن ماجه (١٩٦) و(٢٣٠) و(٣٩٩) و(٤٠٠). ورواه من حديث جابر: مسلم (٤١)، وابن حبان (١٩٧)، والحاكم ١/ ١٠. ورواه من حديث أبي هريرة: الترمذي (٢٦٢٧) وقال: حسن صحيح، والنّسائي ٨/ ١٠٤ - ١٠٥، وصححه ابن حبان (١٨٠)، والحاكم ١/ ١٠. ورواه من حديث أبي موسى الأشعري: البخاري (١١)، ومسلم (٤٢). ورواه من حديث فضالة بن عبيد: أحمد ٦/ ٢١ و٢٢، وابن ماجه (٣٩٣٤)، والبغوي (١٤)، وصححه البوصيري، والحاكم ١/ ١٠ - ١١. ورواه من حديث أنس أحمد ٣/ ١٥٤، وصححه ابن حبان (٥١٠)، والحاكم ١/ ١١، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه البخاري (١٢) و(٢٨) و(٦٢٣٦)، ومسلم (١٠١٣)، وأحمد ٢/ ١٦٩، وأبو داود (٥١٩٤)، وابن ماجه (٣٢٥٣)، وصححه ابن حبان (٥٠٥).
(٣) ١/ ٢١. وإطلاق الصحة على مستدرك الحاكم تساهل غير مَرضيّ عند الحذّاق في هذا الفنّ، ولا يحسن من مثل الحافظ ابن رجب، فإنه القدوة في هذا الباب. ورواه أيضًا أبو عبيد في الإيمان (٣)، وفي "غريب الحديث" ٤/ ١٨٣، وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢١٧ - ٢١٨، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٦٠)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٤٠٥).
[ ١ / ٩٩ ]
صُوىً (^١) ومنارًا كمنار الطَّريق من ذلك: أنْ تعبدَ الله ولا تشركَ به شيئًا، وتقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتصومَ رمضانَ، والأمرُ بالمعروفِ، والنَّهيُ عن المُنكرِ، وتسليمُك على بَني آدم إذا لَقِيتَهم وتسليمُك على أهلِ بيتِكَ إذا دخلتَ عليهم، فمن انتقصَ منهنَّ شيئًا، فهو سَهمٌ من الإِسلام تركه، ومن يتركهُنَّ، فقد نبذَ الإِسلامَ وراءَ ظهره".
وخَرَّج ابن مردويه مِنْ حديثِ أبي الدَّرداءِ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "للإِسلام ضياءٌ وعلاماتٌ كمنارِ الطَّريقِ، فرأسُها وجِماعُها شهادةُ أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسولُه، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وتَمامُ الوُضوءِ، والحُكمُ بكتاب اللهِ وسُنَّةِ نبيَّه - ﷺ -، وطاعةُ وُلاة الأمر، وتسليمُكم على أنفُسِكُم، وتسليمُكم على أهليكُم إذا دخلتُم بيوتَكُم، وتسليمُكم على بني آدم إذا لقيتُموهُم" وفي إسناده ضعفٌ، ولعله موقوف (^٢).
وصحَّ من حديثِ أبي إسحاق عَنْ صِلةَ بن زُفَرَ، عن حذيفةَ، قال: الإِسلامُ ثمانيةُ أسهُمٍ: الإِسلامُ سهمٌ، والصَّلاةُ سهمٌ، والزَّكاةُ سهمٌ، وحِجّ البيتِ سهمٌ، والجهادُ سهمٌ، وصومُ رمضانَ سهمٌ، والأمرُ بالمعروفِ سهمٌ، والنَّهيُ عَنِ المُنكرِ سهَمٌ، وخابَ مَنْ لا سَهمَ له. وخرَّجه البزَّارُ (^٣) مرفوعًا، والموقوفُ أصحُّ.
_________________
(١) تحرفت في "الأصول" و"المستدرك" إلى "ضوءًا"، والصُّوى: أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي المجهولة، فيستدلّ بتلك الأعلام على طرقها. واحدتها صُوَّة. قاله أبو عبيد.
(٢) وأورده الهيثمي في "المجمع" ١/ ٣٨، ونسبه إلى الطبراني في "الكبير".
(٣) برقم (٣٣٦) وأورده هو أيضًا (٣٣٧)، والطيالسي (٤١٣) من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن صلة، عن حذيفة موقوفًا. وقال الطيالسي: وذكروا أن غير شعبة يرفعه. وأورده الهيثمي في "المجمع" ١/ ٣٨، وقال: فيه يزيد بن عطاء، وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. وقال أيضًا في موضع آخر ١/ ٢٩٢: حديثُ حذيفة حديثٌ حسن.
[ ١ / ١٠٠ ]
ورواهُ بعضهم عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ عن عليٍّ، عن النَّبي - ﷺ - خرَّجه أبو يعلى الموصلي (^١) وغيره، والموقوف على حذيفةَ أصَحُّ. قاله الدَّارقطنيُّ وغيره (^٢).
وقوله: "الإسلام سهمٌ" يعني الشَّهادتين، لأنَّهما عَلمُ الإسلام، وبهما يصيرُ الإنسان مسلمًا.
وكذلك تركُ المحرمات داخلٌ في مُسمَّى الإسلام أيضًا، كما رُوي عَنِ النَّبي - ﷺ - أنَّه قال: "مِنْ حُسنِ إسلامِ المَرءِ تركُهُ ما لا يعنيه" وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى (^٣).
ويدلُّ على ذلك أيضًا ما خرجه الإمامُ أحمدُ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ مِنْ حديثِ العِرباضِ بن ساريةَ (^٤) عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "ضربَ الله مثلًا صراطًا مستقيمًا،
_________________
(١) برقم (٥٢٣)، ومن طريقه ابن عدي في "الكامل" ٢/ ٨٢١ في ترجمة حُبَيب بن أبي حبيب، وقال بعد أن روى له هذا الحديث وحديثًا آخر: وهما أنكر ما رأيت له من الرواية. وأورده الهيثمي في "المجمع" ١/ ٣٨، وقال: في إسناده الحارث، وهو كذاب! قلت: والصواب أنه ضعيف.
(٢) وأورده الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ١/ ٥١٨ - ٥١٩ من رواية البزَّار مرفوعًا وقال: فيه يزيد بن عطاء اليشكري، ورواه أبو يعلى من حديث علي مرفوعًا أيضًا، وروي موقوفًا على حذيفة، وهو أصح. قاله الدارقطني وغيره.
(٣) وهو الحديث الثاني عشر.
(٤) هذا وهم من المصنف ﵀، فليس هو حديث العِرْباض بن سارية، إنّما هو حديث النوَّاس بن سمعان، فقد رواه أحمد ٤/ ١٨٢ و١٨٣، والترمذي (٢٨٥٩)، وقال: حسن غريب، والنسائي في التفسير من "السّنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" ٩/ ٦١، وصححه الحاكم ١/ ٧٣ على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وصححه أيضًا الحافظ ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٢٨ - ٢٩، وحسَّنه الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
[ ١ / ١٠١ ]
وعلى جَنَبتَي الصِّراط سُورانِ، فيهما أبوابٌ مفتَّحَةٌ، وعلى الأبواب ستورٌ مُرخاةٌ، وعلى باب الصِّراط داعٍ يقول: يا أيُّها النَّاس، ادخُلوا الصِّراطَ جميعًا، ولا تعوجوا، وداعٍ يدعو من جَوفِ الصِّراطِ، فإذا أرادَ أنْ يفتحَ شيئًا مِنْ تِلكَ الأبواب، قال: ويحكَ لا تَفتَحْهُ، فإنَّك إنْ تفتحه تَلِجْهُ. والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّورَانِ: حدودُ اللهِ، والأبوابُ المُفتَّحةُ: محارمُ اللهِ، وذلك الدَّاعي على رأس الصِّراط: كتابُ اللهِ، والدَّاعي من فوق: واعظُ اللهِ في قلب كلِّ مسلمٍ". زاد الترمذيُّ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].
ففي هذا المثلِ الَّذي ضربه النَّبيُّ - ﷺ - أن الإِسلامَ هو الصِّراطُ المستقيم الَّذي أمرَ الله تعالى بالاستقامةِ عليه، ونهى عن تجاوُزِ حدوده، وأنَّ مَنِ ارتكبَ شيئًا مِنَ المحرَّماتِ، فقد تعدَّى حدودَه.
وأمَّا الإيمانُ، فقد فسَّره النَّبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنَة، فقال: "أنْ تُؤمِن باللهِ، وملائكتِه، وكُتبِهِ، ورُسلِهِ، والبعثِ بعدَ الموتِ، وتُؤمِنَ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّه".
وقد ذكرَ الله في كتابه الإيمانَ بهذه الأصولِ الخمسةِ في مواضع، كقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، وقال تعَالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٣، ٤].
والإيمان بالرُّسُلِ يلزمُ منهُ الإيمانُ بجميعِ ما أخبرُوا به من المَلائكةِ،
[ ١ / ١٠٢ ]
والأنبياءِ، والكتاب والبَعثِ، والقدرِ، وغير ذلكَ مِنْ تفاصيلِ ما أخبروا به، مِنْ صفاتِ اللهِ تعالى وصفاتِ اليومِ الآخرِ، كالميزانِ والصِّراطِ، والجنَّةِ، والنَّار.
وقد أُدخِلَ في الإيمان الإيمانُ بالقدرِ خيرهِ وشرِّهِ، ولأجلِ هذه الكلمةِ روى ابنُ عمرَ هذا الحديث محتجًّا به على مَنْ أنكَرَ القدرَ، وزعمَ أن الأمرَ أنفٌ: يعني أنَّه مستأنَفٌ لم يسبق به سابقُ قدرٍ مِنَ اللهِ ﷿، وقد غلَّظ ابنُ عمرَ عليهم، وتبرَّأ منهم، وأخبرَ أَنَّه لا تُقبلُ منهم أعمالُهم بدونِ الإيمانِ بالقدر.
والإيمانُ بالقدرِ على درجتين:
إحداهما: الإيمان بأن الله تعالى سبقَ في علمه ما يَعمَلُهُ العبادُ من خَيرٍ، وشرٍّ، وطاعةٍ، ومعصيةٍ قبلَ خلقهم وإيجادهم، ومَنْ هُو منهم مِنْ أهلِ الجنَّةِ، ومِنْ أهلِ النَّارِ، وأعدَّ لهُم الثَّوابَ والعقابَ جزاءً لأعمالهم قبل خلقِهم وتكوينهم، وأنَّه كتبَ ذلك عندَه وأحصاهُ، وأن أعمالَ العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
والدَّرجةُ الثانية: أنَّ الله تعالى خلقَ أفعالَ عبادِه كلَّها مِنَ الكُفر، والإِيمانِ، والطَّاعةِ، والعصيانِ، وشاءها منهم، فهذه الدَّرجةُ يُثبتُها أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، ويُنكرها القَدريَّةُ، والدرجةُ الأولى أثبتها كثيرٌ مِنَ القدريَّةِ، ونفاها غُلاتُهم، كمعبدٍ الجُهنيِّ، الذي سُئِلَ ابنُ عمرَ عنْ مقالتِهِ، وكعمرو بن عُبَيدٍ وغيره.
وقد قال كثيرٌ من أئمةِ السَّلفِ: ناظرُوا القدريَّةَ بالعلمِ، فإنْ أقرُّوا به خُصِمُوا، وإنْ جحدوه، فقد كفروا، يريدونَ أنَّ مَنْ أنكَرَ العلمَ القديمَ السَّابِقَ بأفعالِ العبادِ، وأن الله قَسمهم قبلَ خلقِهم إلى شقيٍّ وسعيدٍ، وكتبَ ذلك عندَه في كتابٍ حفيظٍ، فقد كذَب بالقُرآن، فيكفُرُ بذلك، وإنْ أقروا بذلك، وأنكروا أنَّ الله خلقَ أفعالَ عباده، وشاءَها، وأرادها منهم إرادةً كونيَّةً قدريَّةً، فقد خصمُوا، لأنَّ ما أقرُّوا به حُجَّةٌ عليهم فيما أنكروه. وفي تكفيرِ هؤلاءِ نزاعٌ مشهورٌ بينَ العُلماءِ.
[ ١ / ١٠٣ ]
وأمَّا من أنكرَ العلمَ القديمَ، فنصَّ الشافعيُّ وأحمدُ على تكفيرِهِ، وكذلك غيرُهما مِنْ أئمةِ الإسلام.
فإنْ قيل: فقدْ فرَّق النَّبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث بينَ الإسلام والإيمانِ، وجعلَ الأعمالَ كلَّها من الإسلام، لا مِنَ الإيمانِ، والمشهورُ عَنِ السَّلفِ وأهلِ الحديثِ أن الإيمانَ: قولٌ وعمَلٌ ونيَّةٌ، وأنَّ الأعمالَ كلَّها داخلةٌ في مُسمَّى الإيمانِ. وحكى الشَّافعيُّ على ذلك إجماعَ الصَّحابةِ والتَّابعين ومن بعدَهم ممَّن أدركهم.
وأنكرَ السَّلفُ على مَنْ أخرجَ الأعمالَ عَنِ الإِيمانِ إنكارًا شديدًا. وممَّن أنكرَ ذلك على قائله، وجعلَه قولًا مُحدَثًا: سعيدُ بنُ جبيرٍ، وميمونُ بنُ مِهرانَ، وقتادة، وأيوبُ السَّختيانيُّ، وإبراهيمُ النَّخعي، والزُّهريُّ، ويحيى بنُ أبي كثيرٍ، وغيرُهم. وقال الثَّوريُّ: هو رأيٌ محدَثٌ، أدركنا النَّاس على غيره. وقال الأوزاعيُّ: كان مَنْ مضى ممَّن سلف لا يُفرِّقون بين الإيمان والعمل.
وكتَب عمرُ بنُ عبد العزيزِ إلى أهلِ الأمصارِ: أمَّا بعدُ، فإن للإيمانِ فرائضَ وشرائعَ و[حدودًا] وسننًا، فمن استكملَها، استكملَ الإيمانَ. ومن لم يَستكْمِلها، لم يستكملِ الإيمانَ، ذكره البخاري في "صحيحه" (^١).
قيل: الأمر على ما ذكره، وقد دلَّ على دُخول الأعمالِ في الإيمانِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
_________________
(١) تعليقًا في كتاب "الإيمان": باب قول النبيّ - ﷺ -: "بُني الإسلام على خمس"، ووصله ابن أبي شيبة في "المصنف" ١١/ ٤٩.
[ ١ / ١٠٤ ]
وفي "الصَّحيحين" (^١) عن ابن عبَّاسٍ أن النَّبيَّ - ﷺ - قال لوفدِ عبدِ القيسِ: "آمركُم بأربعٍ: الإيمانِ بالله، وهل تدرون ما الإيمانُ باللهِ؟ شهادةُ أنْ لا إله إلَّا الله، وإقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصوم رمضانَ، وأنْ تُعطُوا من المَغنَمِ الخُمْسَ".
وفي "الصَّحيحين" (^٢) عن أبي هريرة - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "الإيمانُ بضعٌ وسَبعونَ، أو بضعٌ وستُّون شُعبة، فأفضلُها: قولُ لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمانِ" ولفظه لمسلم.
وفي "الصحيحين" (^٣) عن أبي هُريرة، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مُؤمنٌ، ولا يَسرقُ السَّارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشربُ الخمرَ حينَ يشربُها وهو مؤمنٌ". فلولا أن تركَ هذه الكَبائِرَ مِنْ مُسمَّى الإيمان، لما انتفى اسمُ الإيمانِ عن مرتكبِ شيءٍ منها؛ لأنَّ الاسمَ لا ينتفي إلَّا بانتفاءِ بعض أركانِ المسمَّى أو واجباتِه.
وأما وجهُ الجمعِ بينَ هذه النُّصوص وبينَ حديثِ سُؤال جبريلَ ﵇ عَنِ الإسلامٍ والإيمانِ، وتفريق النَّبيِّ - ﷺ - بينهما، وإدخاله الأعمالَ في مُسمَّى الإسلامِ دون مُسمَّى الإيمانِ، فإنَّه يَتَّضِحُ بتقريرِ أصلٍ، وهو أن مِنَ الأسماءِ ما
_________________
(١) البخاري (٥٢٣)، ومسلم (١٧)، ورواه أيضًا أحمد ١/ ٣٣٣، وأبو داود (٣٦٩٢)، والترمذي (٢٦١١)، والنّسائي ٨/ ١٢٠، وابن حبان (١٥٧).
(٢) البخاري (٩) ومسلم (٣٥). ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٤١٤، وأبو داود (٤٦٧٦)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي ٨/ ١١٠، وابن ماجه (٥٧)، وابن حبان (١٦٦) و(١٦٧) و(١٨١) و(١٩٠) و(١٩١).
(٣) البخاري (٢٤٧٥) و(٥٥٧٨) و(٦٧٧٢) و(٦٨١٠)، ومسلم (٥٧)، ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٣٧٦، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٥)، والنّسائي ٨/ ٦٤ و٣١٣، وابن ماجه (٣٩٣٦)، وابن حبان (١٨٦).
[ ١ / ١٠٥ ]
يكونُ شاملًا لمسمَّياتٍ مُتعدِّدةٍ عندَ إفرادِه وإطلاقه، فإذا قُرن ذلك الاسمُ بغيره، صار دالًا على بعضِ تلك المسمَّياتِ، والاسمُ المقرونُ به دالٌّ على باقيها، وهذا كاسم الفقيرِ والمسكين، فإذا أُفردَ أحدُهما، دخل فيه كلُّ مَنْ هو محتاجٌ، فإذا قُرن أحدُهما بالآخر، دل أحدُ الاسمين على بعضِ أنواع ذوي الحاجاتِ، والآخر على باقيها، فهكذا اسمُ الإسلام والإيمانِ: إذا أُفرد أحَدُهما، دخل فيه الآخر، ودلَّ بانفرادهِ على ما يدلُّ عليهَ الآخرُ بانفراده، فإذا قُرِنَ بينَهُما، دلَّ أحدهُما على بعض ما يدلُّ عليه بانفرادهِ، ودلَّ الآخر على الباقي.
وقد صرَّح بهذا المعنى جماعةٌ مِنَ الأئمَّةِ. قال أبو بكر الإسماعيليُّ (^١) في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثيرٌ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة: إنَّ الإيمانَ قولٌ وعمل، والإسلام فعل ما فُرِضَ على الإنسان أنْ يفعَله إذا ذكر كلُّ اسمٍ على حِدَتِه مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنونَ والمسلمونَ جميعًا مفردين، أُريدَ بأحدهما معنى لم يُرَدْ بالآخر (^٢)، وإذا ذُكِرَ أحدُ الاسمين، شَمِلَ الكُل وعمَّهم.
وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطابيُّ في كتابه "معالم السنن" (^٣)، وتَبِعَهُ عليه جماعةٌ من العُلَمَاء من بعده.
ويدلُّ على صحَّةِ ذلك أن النَّبيَّ - ﷺ - فسَّر الإيمانَ عند ذكرهِ مفردًا في حديث وفد عبدِ القيس بما فسَّر به الإسلامَ المقرونَ بالإيمانِ في حديث جبريلَ، وفسَّر في حديثٍ آخرَ الإسلامَ بما فسَّر به الإيمانَ، كما في "مسند الإمام أحمد" (^٤) عن
_________________
(١) هو الإمام الحافظ، أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العبّاس الجرجاني الإسماعيلي، كان شيخ المحدثين في عصره، له عدّة مصنفات منها: "المستخرج على الصحيحين". توفي سنة ٣٧١ هـ. انظر ترجمته في "السير" ١٦/ ٢٩٢.
(٢) في هامش (ج) "به الآخر" (ظ).
(٣) ٤/ ٣١٣.
(٤) ٤/ ١١٤، وقال الهيثمي في "المجمع" ١/ ٥٩: رجاله ثقات.
[ ١ / ١٠٦ ]
عمرو بن عَبَسة، قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، ما الإسلامُ؟ قال: "أنْ تُسلِمَ قلبَكَ للهِ، وأنْ يسلمَ المسلمونَ مِنْ لِسانِكَ ويَدكَ"، قال: فأيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: "الإيمان". قال: وما الإيمان؟ قال: "أن تُؤمِن باللهِ، وملائكته، وكُتبهِ، ورُسلِه، والبعثِ بعدَ الموتِ". قال: فأيُّ الإيمانِ أفضلُ؟ قال: "الهِجْرةُ". قال: فما الهجرةُ؟ قال: "أن تَهجُر السُّوءَ"، قال: فأيُّ الهِجرةِ أفضلُ؟ قال: "الجهادُ". فجعل النَّبيُّ - ﷺ - الإيمانَ أفضلَ الإسلام، وأدخلَ فيه الأعمالَ.
وبهذا التَّفصيلِ يظهرُ تحقيقُ القولِ في مسألةِ الإسلامِ والإيمانِ: هل هما واحدٌ، أو هما مختلفان؟.
فإنَّ أهلَ السُّنَّةِ والحديثِ مختلفون في ذلك، وصنَّفُوا في ذلك تصانيف متعدِّدةً، فمنهم من يَدَّعي أن جُمهورَ أهلِ السُّنَّةِ على أنَّهما شيءٌ واحدٌ: منهم محمَّدُ بن نصرٍ المروزيُّ، وابنُ عبد البَرِّ، وقد رُويَ هذا القولُ عَنْ سفيانَ الثَّوريِّ مِنْ رواية أيوبَ بن سُويدٍ الرَّمليِّ عنه، وأيُّوب فيه ضعف.
ومنهم من يحكي عن أهل السُّنَّةِ التَّفريقَ بينهما، كأبي بكر بنِ السَّمعانيِّ وغيره، وقد نُقِلَ التفريقُ بينهما عَنْ كثيرٍ من السَّلَفِ، منهم قتادةُ، وداودُ بنُ أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزُّهريُّ، وحمادُ بن زيد، وابن مهديٍّ، وشريكٌ، وابنُ أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمةَ، ويحيى بنُ معينٍ، وغيرهم، على اختلافٍ بينَهم في صفة التفريق بينَهُما. وكان الحسنُ وابنُ سيرين يقولان: "مسلمٌ" ويهابان "مُؤمنٌ".
وبهذا التَّفصيل الَّذي ذكرناهُ يزولُ الاختلافُ، فيُقالُ: إذا أفردَ كلُّ مِنَ الإسلامِ والإيمانِ بالذِّكرِ، فلا فرقَ بينهما حينئذٍ، وإنْ قُرِنَ بين الاسمينِ، كان بينَهما فرقٌ.
[ ١ / ١٠٧ ]
والتَّحقيق في الفرق بينهما: أنَّ الإيمانَ هو تصديقُ القلب، وإقرارُهُ، ومعرفته، والإسلامُ: هو استسلامُ العبدِ للهِ، وخُضُوعُه، وانقيادهُ له، وذلك يكونُ بالعملِ، وهو الدِّينُ، كما سمَّى الله تعالى في كتابهِ الإسلامَ دينًا، وفي حديث جبريل سمَّى النَّبيُّ - ﷺ - الإسلامَ والإيمانَ والإحسان دينًا، وهذا أيضًا ممَّا يدلُّ على أن أحدَ الاسمينِ إذا أُفردَ دخلَ فيه الآخرُ، وإنَّما يفرَّقُ بينهما حيثُ قُرِنَ أحدُ الاسمين بالآخر. فيكونُ حينئذٍ المرادُ بالإيمانِ: جنسَ تصديقِ القلبِ، وبالإسلامِ جنسَ العمل.
وفي "مسند الإمام أحمد" (^١) عَنْ أنسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "الإِسلامُ علانِيَةٌ، والإيمانُ في القلب". وهذا لأنَّ الأعمالَ تظهرُ علانيةً، والتَّصديقُ في القلب لا يظهرُ. وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - يقولُ في دعائه إذا صلَّى على الميِّت: "اللَّهُمَّ مَنْ أحَييْتَهُ منَّا، فأحيهِ على الإسلامِ، ومَن تَوفَّيتَهُ منَّا، فتوفَّه على الإيمان" (^٢)، لأنَّ العمل بالجوارحِ، إنَّما يُتَمكَّنُ منه في الحياةِ، فأمَّا عندَ الموتِ، فلا يبقى غيرُ التَّصديق بالقلبِ.
ومن هُنا قال المحقِّقونَ مِنَ العُلماءِ: كلُّ مُؤمِنٍ مُسلمٌ، فإنَّ من حقَّق الإيمان، ورسخ في قلبه، قام بأعمال الإسلام، كما قال - ﷺ -: "ألا وإنَّ في
_________________
(١) ٣/ ١٤٣، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ١١/ ١١، وأبو يعلى (٢٩٢٣)، والبزّار (٢٠)، وأبو عبيد في "الإيمان" ص ٥. وفي إسناده علي بن مسعدة، وهو ضعيف. وانظر "مجمع الزوائد" ١/ ٥٢.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٣٦٨، وأبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤)، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١٤٩٨)، والنَّسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٧٩) و(١٠٨١) وصححه ابن حبان (٣٠٧٠)، والحاكم ١/ ٣٥٨، ووافقه الذهبي. وجاء عند ابن حبان وأبي داود وإحدى روايات النّسائي: "أحْيِهِ على الإيمان، وتَوفَّهُ على الإسلام".
[ ١ / ١٠٨ ]
الجَسَدِ مُضغةً، إذا صَلحَتْ، صَلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ، فسدَ الجَسَدُ كلُّه، ألا وهي القَلبُ" (^١)، فلا يتحققُ القلبُ بالإيمان إلَّا وتنبَعِثُ الجوارحُ في أعمالِ الإسلامِ، وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا، فإنَّه قد يكونُ الإيمانُ ضعيفًا، فلا يتحقَقُ القلبُ به تحققًا تامًّا مع عمل جوارحِهِ بأعمال الإسلام، فيكون مسلمًا، وليس بمؤمنٍ الإيمانَ التَّامَّ، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، ولم يكونوا مُنافقينَ بالكُلِّيَّةِ على أصحِّ التَّفسيرينِ، وهو قولُ ابن عبَّاس وغيره (^٢)، بل
_________________
(١) قطعة من حديث النعمان بن بشير: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن"، وهو الحديثُ السادس من هذا الكتاب.
(٢) قال الحافظ ابن كثير - ﵀ - في تفسير هذه الآية ٧/ ٣٦٧: يقول الله تعالى منكرًا على الأعراب الذين أوّل ما دخلوا في الإسلام ادّعَوْا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكَّن الإيمان في قلوبهم بعدُ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وقد استفيد من هذه الآية الكريمة: أنّ الإيمان أخصُّ من الإسلام، كما هو مذهب أهل السنّة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل - ﵇ - حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعمِّ إلى الأخصِّ، ثمّ للأخصِّ منه، قال الإمام أحمد: حدثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسولُ الله - ﷺ - رجالًا ولم يُعط رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسولَ الله، أعطيتَ فُلانًا وفلانًا ولم تُعطِ فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟ فقال النبيُّ - ﷺ -: "أوْ مسلم" - حتى أعادها سعدٌ ثلاثًا، والنبيٌ - ﷺ - يقول: "أو مسلم" - ثمَّ قال له النبيُّ - ﷺ -: "إنِّي لأعطي رجالًا وأدع من هو أحبّ إليّ منهم فلا أعطيه شيئًا مخافة أن يُكبُّوا في النَّار على وجوههم". أخرجاه في "الصحيحين" من حديث الزّهري، به. فقد فرّق النبي - ﷺ - بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخصّ من الإسلام، وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من "صحيح البخاري" ولله الحمد والمنّة، ودلّ ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلمًا ليس منافقًا، لأنّه تركه من العطاء،=
[ ١ / ١٠٩ ]
كان إيمانُهم ضعيفًا، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]، يعني: لا ينقُصُكم من أجورِها، فدلَّ على أن معهم من الإِيمانِ ما تُقبَلُ به أعمالُهم.
وكذلك قولُ النَّبيِّ - ﷺ - لسعد بن أبي وقَّاصٍ لمَّا قال له: لم تعطِ فلانًا وهو مؤمن، فقال النبي - ﷺ -: "أو مسلمٌ" (^١) يُشيرُ إلى أنَّه لم يُحقِّق مقامَ الإيمانِ، وإنما
_________________
(١) = ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنّما هم مسلمون لم يستحكم الإيمانُ في قلوبهم، فادّعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه، فأدِّبوا في ذلك، وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابنُ جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري ﵀ ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يُظهرون الإيمان وليسوا كذلك. وقد رُوي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد أنهم قالوا في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي: استسلمنا خوف القتل والسِّباء. قال مجاهد: نَزَلت في بني أسد بن خزيمة. وقال قتادة: نزلت في قوم امتنّوا بإيمانهم على رسول الله - ﷺ -. والصحيح الأول: أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعدُ، فأُدِّبُوا وأُعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعدُ، ولو كانوا منافقين لعُنِّفوا وفُضِحوا، كما ذُكر المنافقون في سورة براءة، وإنَّما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد. ثمّ قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾، أي: لا ينقُصُكم من أجوركم ﴿شَيْئًا﴾، كقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: لمن ثاب إليه وأناب.
(٢) رواه البخاري (٢٧) و(١٤٧٨)، ومسلم (١٥٠)، وأحمد ١/ ١٦٧ و١٨٢، وأبو داود (٤٦٨٣)، والنسائي ٨/ ١٠٣ و١٠٤، وابن حبان (١٦٣)، والحديث بتمامه: قال سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: قسم رسول الله - ﷺ - قَسْمًا، فقلت: يا رسولَ الله أعطِ فلانًا، فإنه مؤمن. فقال النبيُّ - ﷺ -: "أوَ مسلم". أقولها ثلاثًا، ويرددها على ثلاثًا: "أو =
[ ١ / ١١٠ ]
هو في مقام الإسلام الظَّاهِرِ، ولا ريبَ أنَّه متى ضَعُفَ الإيمانُ الباطنُ، لزمَ منه ضعفُ أعمالِ الجوارَحِ الظاهرةِ أيضًا، لكن اسم الإيمان يُنفى عمَّن تركَ شيئًا مِنْ واجباتِه، كما في قوله: "لا يزني الزَّاني حينَ يزني وهو مؤمنٌ" (^١).
وقد اختلف أهلُ السُّنَّة: هل يُسمَّى مؤمنًا ناقصَ الإيمانِ، أو يقال: ليس بمؤمنٍ، لكنَّهُ مسلمٌ، على قولين، وهما روايتانِ عَنْ أحمدَ.
وأما اسمُ الإسلام، فلا ينتفي بانتفاءِ بعض واجباتِهِ، أو انتهاكِ بعضِ محرَّماته، وإنما يُنفى بالإتيانِ بما يُنافيهِ بالكُلِّيَّةِ، ولا يُعرَفُ في شيءٍ من السُّنَّةِ الصَّحيحةِ نفيُ الإسلام عمَّن تركَ شيئًا من واجباتِهِ، كما يُنفى الإيمانُ عمَّن تركَ شيئًا من واجباتِهِ، وإنْ كَان قد وردَ إطلاقُ الكُفرِ على فعلِ بعض المحرَّماتِ، وإطلاقُ النِّفاقِ أيضًا.
واختلفَ العلماءُ: هل يُسمَّى مرتكبُ الكباثرِ كافرًا كفرًا أصغر أو منافقًا النِّفاق الأصغرَ، ولا أعلمُ أن أحدًا منهم أجاز إطلاقَ نفي اسمِ الإسلام عنه، ‘لَّا أنه رُوي عن ابن مسعودٍ أنَّه قال: ما تاركُ الزَّكاةِ بمسلمٍ (^٢). ويُحتملُ أنَّه كان يراه كافرًا بذلك، خارجًا من الإسلام.
وكذلك رُوي عن عمر فيمن تمكَّن مِنَ الحجِّ، ولم يحجَّ أنهم ليسوا بمسلمينَ، والظَّاهرُ أنَّه كان يعتقدُ كفرَهم، ولهذا أراد أن يضربَ عليهمُ الجزيةَ
_________________
(١) = مسلم"، ثم قال: "إنِّي لأعطي الرجل وغيرُه أحبُّ إلي منه، مخافة أن يكبّه الله في النّار" لفظ مسلم.
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٥.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١١٤ عن ابن إدريس، عن مطرف، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله بن مسعود: ما مانعٌ الزّكاةَ بمُسلم.
[ ١ / ١١١ ]
يقول: لم يدخُلوا في الإسلامِ بعدُ (^١)، فهم مستمرُّون على كتابيتهم.
وإذا تبيَّن أن اسمَ الإسلام لا ينتفي إلَّا بوجودِ ما ينافيه، ويُخرجُ عن المِلَّةِ بالكلِّيَّةِ، فاسمُ الإسلامِ إذا أُطلَقَ أو اقترنَ به المدحُ، دخل فيه الإيمانُ كلُّه مِنَ التَّصديقِ وغيره، كما سبق في حديثِ عمرو بن عبسَة (^٢).
وخرَّج النَّسائيُّ (^٣) مِنْ حديثِ عقبة بن مالك: أن النَّبيَّ - ﷺ - بعثَ سريَّةً، فغارت على قومٍ، فقال رجلٌ منهم: إنِّي مُسلمٌ، فقتلهُ رجلٌ مِنَ السَّريَّةِ، فنُمي الحديثُ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقال فيه قولًا شديدًا، فقال الرجلُ: إنَّما قالها تعوذًا مِنَ القتل، فقال النبيُّ - ﷺ -: "إن الله أبى عليَّ أن أقتل مؤمنًا" ثلاث مرَّاتٍ.
_________________
(١) قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٣٦٨: روى سعيد بن منصور في "سننه" عن الحسن البصري، قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا إلى كلّ منْ له جِدَةٌ ولم يحجَّ، فيضربوا عليهم الجزية. ما هم بمسلمين. ما هم بمسلمين. وأورده السّيوطي في "الدرّ المنثور" ٢/ ٢٧٥، وقال: إسناده صحيح! مع أن الحسَن البصري لم يسمع من عمر، فالإسناد منقطع. وروى أبو بكر الإسماعيلي كما في "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٨٦، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة كما في "الدرّ المنثور" ٢/ ٢٧٥ عن عمر - ﵁ - قال: من أطاق الحجَّ ولم يحجَّ، فسواءٌ عليه مات يهوديًا أو نصرانيًا. وقال الحافظ ابن كثير: وإسناده صحيح إلى - عمر ﵁ -.
(٢) تقدم ص ٥٧.
(٣) في السِّيَر من "السنن الكبرى" كما في "التحفة" ٧/ ٣٤٢ - ٣٤٣. ورواه أيضًا أحمد ٤/ ١١٠ و٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩، والطبراني في "الكبير" ١٧/ (٩٨٠) و(٩٨١)، وأبو يعلى (٦٨٢٩)، وسماه عقبة بن خالد. وذكره الهيثمي في "المجمع" ١/ ٢٧، وقال: رجاله كلّهم ثقات.
[ ١ / ١١٢ ]
فلولا أن الإسلام المطلق يدخُلُ فيه الإيمانُ والتَّصديقُ بالأصولِ الخمسةِ، لم يَصِرْ مَنْ قالَ: أنا مسلمٌ مؤمنًا بمجرَّدِ هذا القول، وقد أخبرَ الله عن مَلِكَةِ سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وأخبر عن يوسف ﵇ أنه دعا بالموت على الإسلام. وهذا كلُّه يدلُّ على أن الإسلام المطلقَ يدخُلُ فيه ما يدخُلُ في الإيمان مِنَ التَّصديق.
وفي "سنن ابن ماجه" (^١) عن عديِّ بن حاتِم؛ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا عديُّ، أسلم تسلم"، قلت: وما الإسلام؟ قال: "تشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله، وتشهدُ أنِّي رسولُ الله، وتؤمن بالأقدارِ كلَّها، خيرها وشرِّها، حلوِها ومرِّها" فهذا نصٌّ في أن الإيمان بالقدرِ مِنَ الإسلامِ.
ثمَّ إنَّ الشهادتين مِنْ خصالِ الإِسلام بغيرِ نزاع، وليسَ المرادُ الإتيان بلفظهما دونَ التَّصديقِ بهما، فعُلِمَ أن التَّصدَيقَ بهما داخل في الإسلام، وقد فسَّرَ الإسلامَ المذكورَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] بالتَّوحيد والتَّصديق طائفةٌ مِنَ السَّلف، منهم محمَّدُ بنُ جعفر بن الزُّبير (^٢).
وأما إذا نُفي الإِيمانُ عَنْ أحدٍ، وأُثبتَ له الإِسلامُ، كالأعراب الَّذينَ أخبرَ الله عنهم، فإنه ينتفي رسُوخُ الإيمانِ في القلب، وتثبُت لهم المشاركَةُ في أعمالِ الإسلام الظَّاهرةِ مع نوعِ إيمانٍ يُصحِّحُ لهَمُ العملَ، إذ لولا هذا القدر مِنَ الإِيمانِ، لم يكونُوا مسلمين، وإنَّما نفي عنهُم الإيمان، لانتفاءِ ذوقِ حقائقِه، ونقصِ بعضِ واجباته، وهذا مبنيٌّ على أنَّ التَّصديقَ القائمَ بالقلوبِ متفاضل،
_________________
(١) برقم (٨٧)، وإسناده ضعيف.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٢١٢.
[ ١ / ١١٣ ]
وهذا هو الصَّحيحُ، وهو أصحُّ الرِّوايتين عَنْ أحمدَ، فإن إيمانَ الصِّدِّيقين الَّذين يتجلَّى الغيبُ لقلوبهم حتَّى يصيرَ كأنَّه شهادةُ، بحيث لا يقبلُ التَّشكيكَ ولا الارتيابَ، ليسَ كإيمانِ غيرِهم ممَّن لم يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شُكِّكَ لدخلهُ الشَّكُّ. ولهذا جعلَ النَّبيُّ - ﷺ - مرتبةَ الإحسانِ أنْ يعبُدَ العبدُ ربَّه كأنَّه يراهُ، وهذا لا يحصلُ لِعموم المؤمنينَ، ومن هنا قال بعضهم: ما سبقكم أبو بكرٍ بكثرةِ صوم ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وقرَ في صدره.
وسُئِلَ ابنُ عمرَ: هل كانتِ الصَّحابةُ يضحكون؟ فقال: نعم والإيمانُ في قلوِبهم أمثالُ الجبالِ. فأينَ هذا ممَّن الإيمانُ في قلبه يَزنُ ذرَّةً أو شعيرةً؟! كالَّذينَ يخرجونَ من أهلِ التَّوحيدِ مِنَ النَّارِ، فهؤلاء يصِحُّ أن يُقالَ: لم يدخُلِ الإيمانُ في قُلوبهم لضعفِهِ عندهم.
وهذه المسائلُ - أعني مسائلَ الإسلام والإيمانِ والكُفرِ والنِّفاقِ - مسائلُ عظيمةُ جدًّا، فإنَّ الله علّق بهذه الأسماءِ السَّعادةَ، والشقاوةَ، واستحقاقَ الجَنَّةِ والنَّار، والاختلافُ في مسمَّياتِها أوَّلُ اختلافٍ وقعَ في هذه الأُمَّةِ، وهو خلافُ الخوارجِ للصَّحابة، حيثُ أخرجُوا عُصاةَ المُوحِّدينَ مِنَ الإسلام بالكُلِّيَّةِ، وأدخلوهُم في دائرةِ الكُفرِ، وعاملوهم معاملةَ الكُفارِ، واستحلُّوا بذَلك دماءَ المسلمين وأموالهم، ثمَّ حدَث بعدَهم خلافُ المعتزلة وقولُهم بالمنزلةِ بينَ المنزلتين، ثمَّ حدثَ خلافُ المرجئةِ، وقولُهم: إن الفاسقَ مؤمنٌ كاملُ الإيمانِ (^١).
_________________
(١) قال الشيخ أنور الكشميري في "فيض الباري على صحيح البخاري" ١/ ٥٣ - ٥٤: الإيمان عند السّلف عبارة عن ثلاثة أشياء: اعتقاد وقول وعمل. وقد مر الكلامُ - يعني في كتابه - على الأوّلين، أي: التصديق والإقرار، بقي العمل: هل هو جزء للإيمان أم لا؟. فالمذاهبُ فيه أربعة، قال الخوارج والمعتزلة: أن الأعمال أجزاء للإيمان، فالتارك=
[ ١ / ١١٤ ]
وقد صنَّفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيفَ متعدِّدةً، وممَّن صنَّف في الإِيمانِ مِنْ أئمَّةِ السَّلفِ: الإمامُ أحمدُ، وأبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ، وأبو بكر بنُ أبي شيبةَ، ومحمَّدُ بنُ أسلمَ الطوسيُّ. وكثُرت فيه التَّصانيفُ بعدهم
_________________
(١) = للعمل خارج عن الإيمان عندهما، ثم اختلفوا: فالخوارج أخرجوه عن الإيمان، وأدخلوه في الكفر، والمعتزلة لم يُدخلوه في الكفر، بل قالوا بالمنزلة بين المنزلتين. والثالث: مذهب المرجئة، فقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدار النجاة هو التصديق فقط، فصار الأولون والمرجئة على طرفي نقيض. والرابع: مذهبُ أهل السنة والجماعة، وهم بينَ بينَ، فقالوا: إنَّ الأعمال أيضًا لا بُدّ منها، لكن تاركها مُفسَّقٌ، لا مُكفَّر، فلم يُشَدِّدوا فيها كالخوارج والمعتزلة، ولم يُهَوِّنوا أمرها كالمرجئة. ثم هؤلاء - أي أهل السنة والجماعة - افترقوا فرقتين، فأكثر المحدثين إلى أن الإيمان مركب من الأعمال، وإمامنا الأعظم - رحمه الله تعالى - وأكثرُ الفقهاء والمتكلمين إلى أن الأعمال غيرُ داخلة في الإيمان، مع اتفاقهم جميعًا على أن فاقد التصديق كافر، وفاقد العمل فاسق، فلم يبق الخلاف إلَّا في التعبير، فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاء، لكن لا بحيث ينعدِمُ الكل بانعدامها، بل يبقى الإيمان معَ انتفائها. وإمامنا أبو حنيفة وإن لم يجعل الأعمال جزءًا، لكنه اهتم بها، وحرَّض عليها، وجعلها أسبابًا ساريةً في نماء الإيمان، فلم يهدرها هدرَ المرجئة، إلَّا أن تعبير المحدثين القائلين بجزئية الأعمال، لما كان أبعد من المرجئة المنكرين جزئية الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم - رحمه الله تعالى - فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال: رُمي الحنفية بالإرجاء، وهذا كما ترى جوز علينا، فالله المستعان. ولو كان الاشتراك مع المرجئة بوجهٍ من الوجوه التعبيرية كافيًا لنسبة الإرجاء إلينا، لزم نسبةُ الاعتزال إليهم، أي: إلى المحدثين، فإنهم، أي المعتزلة، قائلون بجزئية الأعمال أيضًا كالمحدثين، ولكن حاشاهم من الاعتزال، وعفا الله عمّن تعصّب ونسب إلينا الإرجاء، فإنَّ الدين كلَّه نصح، لا مراماةٌ ومنابزة بالألقاب! ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم" انتهى.
[ ١ / ١١٥ ]
مِنْ جميعِ الطوائفِ، وقد ذكرنا هاهنا نكتًا جامعةً لأصولٍ كثيرةٍ مِنْ هذه المسائلِ والاختلاف فيها، وفيه - إن شاء الله - كفايةٌ.