عَنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ" (^١) حديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرمذيُّ وغَيرُهُ.
هذا الحديث خرّجه الترمذي، وابن ماجه من رواية الأوزاعي، عن قُرَّةَ بنِ عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵃، وقال الترمذي: غريب، وقد حسنه الشيخ المصنف ﵀؛ لأن رجال إسناده ثقات، وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل وثقه قوم وضعفه آخرون، وقال ابنُ عبد البرِّ: هذا الحديثُ محفوظ عن الزهري بهذا الِإسناد من رواية الثقات، وهذا موافق لتحسين الشيخ له، وأما أكثر الأئمة، فقالوا: ليس هو بمحفوظ بهذا الِإسناد وإنما هو محفوظٌ عن الزهري، عن عليّ بن حسين، عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا، كذلك رواه الثقات عن الزهري، منهم مالك في الموطأ (^٢)، ويونس، ومعمر، وإبراهيم بن سعد إلا أنه قال: "من إيمان المرء تركه ما لا يعنيه" وممن قال: إنه لا يصح إلا عن على بن حسين مرسلًا الِإمام أحمد، ويحيى بن معين،
_________________
(١) حديث حسن لغيره، رواه الترمذي (٢٣١٧) وابن ماجه (٣٩٧٦) وابن حبان (٢٢٩)، ورواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٠٨) عن سعد بن زنبور، عن عبد الرحمن بن عبد الله العمري (وهو متروك)، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. وفي الباب عن أبي ذر، وزيد بن ثابت، والحارث بن هشام، وعلي بن أبي طالب، وانظر شرح الطحاوية ١/ ٣٤٢ طبع مؤسسة الرسالة.
(٢) ٢/ ٩٠٣.
[ ١ / ٢٨٧ ]
والبخاري، والدارقطني، وقد خلط الضعفاء في إسناده على الزهري تخليطًا فاحشًا، والصحيح فيه المرسل، ورواه عبد الله بن عمر العمري عن الزهري عن عليِّ بن حسين عن أبيه عن النبي - ﷺ -، فوصله وجعله من مسند الحسين بن عليّ، وخرَّجه الِإمامُ أحمد في "مسنده" (^١) من هذا الوجه، والعمري ليس بالحافظ، وخرَّجه (^٢) أيضًا من وجه آخر عن الحسين، عن النبي - ﷺ -، وضعفه البخاري في "تاريخه" (^٣) من هذا الوجه أيضًا، وقال: لا يصحُ إلا عن عليّ بن حسين مرسلًا، وقد روي عن النبي - ﷺ - من وجوه أخر وكُلُّها ضعيفة.
وهذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإِمامُ أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال: جماعُ آداب الخير وأزمته تتفرَّعُ من أربعة أحاديث: قول النبيِّ - ﷺ -: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخر فليَقُلْ خَيرًا أو ليَصْمُتْ" وقوله - ﷺ -: "مِنْ حُسنِ إسلام المَرءِ تَركُهُ ما لَا يَعْنِيهِ" وقوله للذي اختصر له في الوصية: "لا تَغْضَبْ "، وقوله - ﷺ -: "المُؤْمِنُ يُحبُ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه".
ومعنى هذا الحديث: أن مِنْ حسن إسلامه تَركَ ما لا يعنيه من قولٍ وفعلٍ، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعالِ؛ ومعنى يعنيه: أنَّه تتعلق عنايتُه به، ويكونُ من مقصده ومطلوبه، والعنايةُ: شدَّةُ الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه: إذا اهتمَّ به وطلبه، وليس المُراد أنه يترك ما لا عناية له ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والِإسلام، ولهذا جعله من حسن الإِسلام، فإذا حَسُنَ إسلامُ المرء، ترك ما لا يعنيه في الإِسلام من الأقوال
_________________
(١) ١/ ٢٠١.
(٢) "المسند" ١/ ٢٠١.
(٣) ٤/ ٢٢٠.
[ ١ / ٢٨٨ ]
والأفعال، فإنَّ الإسلامَ يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل ﵇.
وإن الإسلام الكاملَ الممدوحَ يدخل فيه تركُ المحرمات، كما قال - ﷺ -: "المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" (^١) وإذا حسن الإسلامُ، اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامُه، وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أنَّ يَعْبُدَ الله تعالى كأنَّه يراه، فإن لم يكن يراه، فإنَّ الله يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإِسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنَّه يتولَّدُ من هذين المقامين الاستحياءُ من الله وترك كلِّ ما يُستحيى منه، كما وصَّى - ﷺ - رجلًا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يُفارقه. وفي "المسند" والترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: "الاستحياء من الله تعالى أنَّ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وما حَوَى، وتَحفَظَ البَطنَ وما وَعَى، ولْتَذْكُرِ الموتَ والبِلى، فمن فَعَل ذلك، فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء" (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ضعيف رواه أحمد ٣/ ٣٨٧، والترمذي (٢٤٥٨)، والحاكم ٤/ ٣٢٣، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة (٤٥٠) من طرق عن أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد (تحرف في "المستدرك" إلى الصباح بن محارب)، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، وهذا سند ضعيف. والصباح بن محمد لم يرو عنه غير أبان بن إسحاق، وقال ابن حبان: كان يروي عن الثقات الموضوعات، وذكره العقيلي في "الضعفاء" وقال: في حديثه وهم يرفع الموقوف، وقال الترمذي بإثر حديثه هذا: هذا حديث غريب (أي: ضعيف) إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد.=
[ ١ / ٢٨٩ ]
قال بعضهم: استحي من الله على قدر قربه منك، وخَفِ الله على قدر قدرته عليك.
وقال بعضُ العارفين: إذا تكلمتَ، فاذْكُر سَمعَ اللهِ لك، وإذا سكتَّ، فاذكر نظره إليك.
وقد وقعتِ الإشارةُ في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦، ١٧، ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].
وأكثر ما يُراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة (ق).
_________________
(١) = وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٤٠٥: والصباح مختلف فيه، وتُكلم فيه لرفعه هذا الحديث، وقالوا: الصواب موقوف. وقال ابن حجر في "التقريب ": ضعيف. وقال الذهبي في "الميزان": رفع حديثين هما من قول عبد الله. قلت: يعني هذا الحديث وحديثًا آخر في "المسند" بإثر هذا الحديث. ورواه الطبراني في "الصغير" (٤٩٤) وفيه ثلاثة ضعفاء، ثم هو منقطع. ورواه الطبراني في "الأوسط" من حديث عائشة، وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو متروك كما في "المجمع" ١٠/ ٢٨٤. ورواه الطبراني في "الكبير" (٣١٩٢) من حديث الحكم بن عمير، وفي سنده عيسى بن إبراهيم القرشي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم والنسائي: متروك.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وفي "المسند" من حديث الحسين، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ من حُسْنِ إسلامِ المَرءِ قِلَّةَ الكَلامِ فيما لا يَعنيه" (^١).
وخرّج الخرائطي (^٢) من حديث ابن مسعود قال: أتى النبيِّ - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله إني مطاعٌ في قومي فما آمرهم؟ قال له: "مُرْهُم بإفشاء السَّلام، وقِلَّةِ الكلام إلا فيما يعنيهم ".
وفي "صحيح ابن حبان" (^٣) عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "كان في صحف إبراهيم ﵊: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن تكونَ له ساعات: ساعةٌ يُناجى فيها ربَّه، وساعةٌ يُحاسِبُ فيها نَفسه، وساعةٌ يتفكَّرُ فيها في صُنع الله، وساعةٌ يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أنَّ لا يكون ظاعنًا إلا لثلاث: تزوُّدٍ لمعاد، أو مَرَمَّةٍ لمعاشٍ، أو لذَّةٍ في غير محرَّم؛ وعلى العاقل أنَّ يكونَ بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومَنْ حَسَب كلامَه من عمله، قلَّ كلامُه إلا فيما يعنيه ".
وقال عمر بنُ عبد العزيز ﵀: من عدَّ كلامه من عمله، قلَ كلامُه إلا فيما يعنيه. وهو كما قال، فإنَّ كثيرًا من الناس لا يعدُّ كلامَه من عمله، فيُجازف فيه، ولا يتحرَّى، وقد خَفِيَ هذا على معاذ بن جبل حتى سأل عنه النبيَّ - ﷺ - فقال: أنؤاخذ بما نتكلَّمُ به؟ قال: "ثَكِلَتكَ أُمُّك يا معاذ، وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم؟ " (^٤).
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ٢٠١، والطبراني في "الكبير" (٢٨٨٦) وفي الصغير ٢/ ١١ وهو حسن لغيره.
(٢) في "مكارم الأخلاق" (١٩٦)، وفي سنده السري بن إسماعيل الكوفي صاحب الشعبي، قال ابن القطان: استبان لي كذبه في مجلس واحد وقال النَّسَائِي وغيره: متروك.
(٣) رقم (٣٦١)، وهو حديث مطول، وهو ضعيف جدًا في سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني الدمشقي، كذبه أبو حاتم وأبو زُرعة، وقال الذهبي: متروك.
(٤) قطعة من الحديث المطول الذي سيرد برقم (٢٩).
[ ١ / ٢٩١ ]
وقد نفى الله الخير عن كثيرٍ مما يتناجى به الناسُ بينهم، فقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].
وخرَّج الترمذي، وابن ماجه من حديث أمِّ حبيبة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "كلُّ كلام ابن آدمَ عليه لا له إلا الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر، وذكرَ الله ﷿" (^١).
وقد تعجب قومٌ من هذا الحديثِ عندَ سفيان الثوري، فقال سفيان: وما تعجُّبُكم من هذا، أليسَ قد قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] أليس قد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]؟
وخرَّج الترمذي من حديث أنس قال: تُوفِّيَ رجُلٌ من أصحابه - يعني النبي - ﷺ - فقال رجل يعني: أبشرْ بالجَنَّةِ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "أولا تدري، فلعلَّه تَكلَّم بِما لا يَعنيه أو بَخِلَ بما لا يُغنِيه" (^٢). وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٤١٢) وابن ماجه (٣٩٧٤)، وقال الترمذي: حديث حسن مع أن في سنده أمَّ صالح، لا تعرف.
(٢) رواه الترمذي (٢٣١٦) وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٥٥ - ٥٦ من طريق الأعمش عن أنس، ورجاله ثقات إلا أن الأعمش لا يثبت له سماع من أنس، وقال المنذري: رجاله ثقات. ورواه أبو يعلى في "مسنده" (٤٠١٧) وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٠٩) من طريق عبد الرحمن بن صالح الأزدي: حدثنا يحيى بن يعلى الأسلمي عن الأعمش عن أنس قال: استشهد غُلامٌ مِنَّا يومَ أُحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحتْ أمُّه الترابَ عن وجهه، وقالت: هنيئًا لك يا بُنيَّ الجنّة، فقال النبي - ﷺ -: "ما يُدريك لعلَّه كان يتكلَّم فيما لا يعنيهِ ولا يمنَعُ ما لا يضرُه".=
[ ١ / ٢٩٢ ]
متعددة عن النبيِّ - ﷺ -، وفي بعضها: أنه قتل شهيدًا.
وخرَّج أبو القاسم البغوي في "معجمه" من حديث شهاب بن مالك وكان وفَدَ على النبيِّ - ﷺ - أنه سَمعَ النبيَّ - ﷺ - وقالت له امرأة: يا رسولَ إله ألا تُسلمُ علينا؟ فقال: "إنك من قَبيل يُقَلِّلن الكثيرَ، وتمنع ما لا يُغنيها، وتسأل عما لا يعنيها" (^١).
وخرَّج العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أكثرُ الناسِ ذنوبًا أكثَرُهُم كلامًا فيما لا يَعنيه" (^٢).
قال عمرو بنُ قيس الملائي: مرَّ رجلٌ بلقمان والناسُ عندَه، فقال له: ألستَ عبدَ بني فلان؟ قال: بلى، قال: الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صِدْقُ الحديثِ وطولُ السُّكوت عما لا يعنيني.
وقال وهبُ بنُ مُنبِّهٍ: كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء، فبينما هما يمشيان في البحر إذا هما برجل يمشي على الهواء،
_________________
(١) = وروى أبو يعلى والبيهقي عن أبي هريرة قال: قتل رجل على عهد رسول الله - ﷺ - شهيدًا، فبكت عليه باكية، فقالت: واشهيداه، قال: فقال النبي - ﷺ -: "ما يدريكِ أنه شهيد، لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يَبخلُ فيما لا ينقصُه". قال الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٣٠٢ - ٣٠٣: وفيه عصام بن طليق، وهو ضعيف. وقوله: "أوَلا تدري بفتح الواو على أنها عاطفة على محذوف، أي: أتُبشِّرُ ولا تدري، أو تقول هذا ولا تدري ما تقول.
(٢) في سنده من لا يعرف، وأورده الحافظ في "الإصابة" ٢/ ١٥٥، وزاد نسبته إلى علي بن سعيد العسكري وابن قانع.
(٣) أورده الحافظ السيوطي في "الجامع الكبير" ١/ ١٢٧، ونسبه في "الثواب" والعسكري في "الأمثال" وابن لال وابن النجَّار وضعفه.
[ ١ / ٢٩٣ ]
فقالا له: يا عبدَ الله بأيِّ شيءٍ أدركت هذه المنزلة؟ قال: بيسيرٍ من الدُّنيا: فَطَمْتُ نفسي عن الشهوات، وكففتُ لساني عما لا يعنيني، ورغبتُ فيما دعاني إليه، ولزمت الصمتَ، فإن أقسمت على الله، أبرَّ قسمي، وإن سألته أعطاني.
دخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلَّلُ، فسألوه عن سبب تهلل وجهه، فقال: ما مِنْ عمل أوثقَ عندي من خَصلتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي سليمًا للمسلمين.
وقال مُوَرِّق العجلي: أمرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدِرْ عليه ولستُ بتاركٍ طلبه أبدًا، قالوا: وما هو؟ قال: الكفُّ عما لا يعنيني. رواه ابن أبي الدنيا.
وروى أسدُ بن موسى، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "أوَّل من يَدخُلُ عليكم رَجُلٌ من أهل الجنة" فدخل عبدُ الله بنُ سلام، فقامَ إليه ناسٌ، فأخبروه، وقالوا: أخبرنا بأوثق عَمَلِكَ في. نَفسِكَ، قال: إنَّ عملي لضعيف، أوثقُ ما أرجو به سلامةُ الصدر، وتركي ما لا يعنيني (^١)
وروى أبو عبيدة، عن الحسن قال: مِنْ علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه. وقال سهل بنُ عبد الله التُّستَرِي: من تكلم فيما
_________________
(١) إسناده ضعيف. أبو معشر - واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي - ضعيف أَسَنَّ واختلط. قلت: وروى أحمد ١/ ١٦٩ و١٨٢ بإسناد حسن عن سعد بن أبي وقاص أن النبي - ﷺ - أتي بقصعة من ثَريد، فأكل، ففضل منه فضلة، فقال: "يدخل من هذا الفج رجل من أهل الجنة يأكل هذه الفضلة" قال سعد: وقد كنت تركت أخي عمير بن أبي وقَاص يتهيَّأ لِأنْ يَأْتي النبي - ﷺ -، فطمعتُ أنَّ يكون هو، فجاء عبد الله بن سلام، فأكلها. وصححه الحاكم ٣/ ٤١٦، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٩٤ ]
لا يعنيه، حُرِمَ الصدق، وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من اللهِ ﷿.
وهذا الحديث يدلُّ على أن تركَ ما لا يعني المرء من حسن إسلامه، فإذا ترك ما لا يعنيه، وفعل ما يعنيه كله، فقد كَمُلَ حُسْنُ إسلامه، وقد جاءت الأحاديثُ بفضل من حسن إسلامُه وأنَّه تضاعف حسناته، وتُكفر سيئاته، والظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام، ففي صحيح مسلم (^١) عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إذا أحْسَنَ أحَدُكُم إسلامَهُ، فكُلُّ حَسَنةٍ يَعْمَلُها تُكتَبُ بعَشرِ أَمْثالِها إلى سبع مئة ضِعفٍ، وكلُّ سَيَئةٍ يعملها تُكتَبُ بمثلِها حتَّى يَلقى اللهَ ﷿ " فالمضاعفةُ للحسنة بعشر أمثالها لا بدَّ منه، والزيادةُ على ذلك تكونُ بحسب إحسان الإِسلام، وإخلاصِ النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله، كالنفقة في الجهاد، وفي الحج، وفي الأقارب، وفي اليتامى والمساكين، وأوقات الحاجة إلى النفقة، ويشهد لذلك ما رُوي عن عطية، عن ابن عمر قال: نزلت: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٥] في الأعراب، قيل له: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثرُ، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
وخرَّج النَّسَائِي (^٢) من حديث أبي سعيد، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إذا أسلمَ
_________________
(١) رقم (١٢٩).
(٢) ٨/ ١٠٥ - ١٠٦ من طريق صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، وهذا سند صحيح، وعلقه البخاري في "صحيحه" (٤١) واختصر منه ألفاظًا، فقال: قال مالك: أخبرني زيد بن أسلم …، قال الحافظ: ووصله النَّسَائِي من رواية الوليد بن مسلم: حدثنا مالك. فذكره أتم مما هنا، وكذا وصله الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن نافع، والبزار من طريق إسحاق =
[ ١ / ٢٩٥ ]
العبدُ فحَسُنَ إسلامُهُ، كَتَبَ الله له كُلَّ حَسنةٍ كان أزلَفَها، ومُحِيتْ عنه كُلُّ سيئة كان أزلَفَها، ثم كان بَعْدَ ذلك القِصَاصُ، الحسَنَةُ بعَشْر أمثالِها إلى سَبع مئةِ ضِعفٍ، والسَّيِّئَةُ بمِثلِها إلا أنَّ يتجاوَزَ الله"، وفي روايةَ أخرى: "وقيل له: ائتنف العمل".
والمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها: ما سبق منه قبل الإسلام، وهذا يدلُّ على أنَّه يُثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم وتُمحى عنه سيئاته إذا أسلم، لكن بشرط أن يَحْسُنَ إسلامُه، ويتقي تلك السيئات في حال إسلامه، وقد نص على ذلك الإِمام أحمد، ويدلُّ على ذلك ما في "الصحيحين" (^١) عن ابن مسعود قال: قلنا: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "أما مَنْ أحسَنَ منكم في الإسلام فلا يُؤَاخَذُ بها، ومن أساءَ أُخِذَ بعمله في الجاهلية والإسلام".
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن عمرو بن العاص قال للنبيِّ - ﷺ - لما أسلم: أريدُ أن أشْتَرطَ، قال: "تشترط ماذا؟ " قلتُ: أنَّ يُغْفَرَ لي، قال: "أما عَلمتَ أن الإسلامَ يَهدِمُ ما كان قبله؟ ". وخرَّجه الإِمام أحمد ولفظه: "إن الإِسلام يَجُبُّ ما كان قبله من الذنوب" وهذا محمولٌ على الإسلام الكامل الحسن جمعًا بينه وبين حديث ابن مسعودٍ الذي قبله.
وفي صحيح مسلم (^٣) أيضًا عن حكيم بن حزامِ قال: قلتُ: يا رسول الله أرأيتَ أمورًا كنت أصنعها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجرٌ؟ فقال رسولُ الله - ﷺ -: "أَسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْتَ من خيرٍ" وفي رواية له:
_________________
(١) البخاري (٦٩٢١) ومسلم (١٢٠).
(٢) رقم (١٢١) وهو في "المسند" ٤/ ٢٠٥.
(٣) رقم (٢٣).
[ ١ / ٢٩٦ ]
قال: فقلتُ: والله لا أدعُ شيئًا صنعتُه في الجاهلية إلا صنعتُ في الإسلام مثله، وهذا يدلّ على أن حسنات الكافر إذا أسلم يُثابُ عليها كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد المتقدِّم (^١).
وقد قيل: إن سيئاته في الشرك تبدَّل حسنات، ويُثابُ عليها أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩، ٧٠]، وقد اختلف المفسرون في هذا التبديل على قولين:
فمنهم مَنْ قال: هو في الدنيا بمعنى أنَّ الله يُبَدِّلُ من أسلم وتاب إليه، بَدَلَ ما كان عليه من الكفر والمعاصي: الإيمان والأعمال الصالحة، وحكى هذا القول إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" عن أكثر المفسرين، وسمى منهم ابنَ عباسٍ، وعطاء، وقتادة، والسُّدي، وعِكرمة. قلت: وهو المشهورُ عن الحسن.
قال: وقال الحسن وأبو مالك وغيرهما: هي في أهل الشرك خاصة ليس هي في أهل الإِسلام. قلت: إنما يصحُّ هذا القول على أنَّ يكونَ التبديلُ في الآخرة كما سيأتي، وأما إن قيل: إنه في الدنيا، فالكافرُ إذا أسلم والمسلمُ إذا تاب في ذلك سواء، بل المسلم إذا تاب، فهو أحسنُ حالًا من الكافر إذا أسلم.
قال: وقال آخرون: التبديلُ في الآخرة: جعلت لهم مكان كلِّ سيئةٍ حسنة، منهم عمرو بن ميمون، ومكحول، وابن المسيب، وعلي بن الحسين قال: وأنكره أبو العالية، ومجاهد، وخالد سبلان، وفيه موضع إنكار، ثم ذكر ما حاصلهُ
_________________
(١) انظر لزامًا "فتح الباري" ١/ ٩٩ - ١٠٠.
[ ١ / ٢٩٧ ]
أنه يلزمُ من ذلك أنَّ يكونَ مَنْ كثرت سيئاته أحسنَ حالًا ممن قلَّت سيئاته حيث يُعطى مكان كلّ سيئة حسنة، ثم قال: ولو قال قائل: إنما ذكر الله أنَّ يُبدل السيئات حسنات ولم يذكر العدد كيف تبدل، فيجوز أن معنى تبدل: أن من عمل سيئة واحدة وتاب منها تبدل مئةَ ألفِ حسنةٍ، ومن عمل ألف سيئة أنَّ تبدَّل ألف حسنة، فيكون حينئذ من قلت سيئاته أحسن حالًا.
قلت: هذا القول - وهو التبديل في الآخرة - قد أنكره أبو العالية، وتلا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وردّه بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] ولكن قد أجيب عن هذا بأن التائبَ يُوقف على سيئاته، ثم تبدَّل حسنات، قال أبو عثمان النهدي: إن المؤمن يُؤتى كتابَه في سَتْر من الله ﷿، فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغيَّر لها لونُه حتى يمرَّ بحسناته، فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاتُه قد بُدِّلت حسناتٍ، فعند ذلك يقول: ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾ (^١) [الحاقة:
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم فيما نقله عنه ابن كثير ٨/ ٢٤١ طبعة الشعب، عن بشر بن مطر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان … وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٢٨٠، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد. ورواية أبي عثمان عن سلمان رواها ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" ٦/ ١٣٨ من طريق أبي سلمة وعارم، كلاهما عن ثابت بن يزيد، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمانَ قال: يُعطى رجل يوم القيامة صحيفته، فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاتُه، فإذا كاد يسؤ ظنه، نظر في أسفلها، فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها، فإذا هي قد بُدِّلت حسنات.
[ ١ / ٢٩٨ ]
١٩] ورواه بعضهم عن أبي عثمان عن ابن مسعود، وقال بعضهم: عن أبي عثمان عن سلمان.
وفي "صحيح مسلم" (^١) من حديث أبي ذرٍّ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أهلِ الجنةِ دُخولًا الجنَة، وآخِرَ أهلِ النارِ خروجًا منها، رجلٌ يُؤتَى به يوم القيامةِ فيقال: اعرِضُوا عليه صِغارَ ذنوبه، وارفَعُوا عنه كِبارَهَا، فيَعْرِضُ الله عليه صِغارَ ذنوبهِ، فيقالُ له: عَمِلْتَ يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعَمِلْتَ يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن يُنكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإنَّ لك مكانَ كُلِّ سيئةٍ حسنةً، فيقول: با ربَّ قد عمِلْتُ أشياء لا أراها هاهنا" قال: فلقد رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - ضَحِكَ حتَّى بدت نواجذه.
فإذا بُدِّلَت السيئاتُ بالحسنات في حقِّ من عوقِبَ على ذنوبه بالنار، ففي حقِّ من مَحى سيئاته بالإسلام والتوبة النصوح أولى؛ لأن مَحْوَها بذلك أحبُّ إلى الله من محوها بالعقاب.
وخَرَّج الحاكم (^٢) من طريق الفضل بن موسى، عن أبي العنبس، عن أبيه، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ليتَمنَّينَّ أقوامٌ أنَّهم أكثَرُوا من السيِّئاتِ "، قالوا: بِمَ يا رسولَ الله؟ قال: "الذين بَدَّل الله سيئاتِهم حسنات "، وخرَّجه ابنُ أبي حاتم (^٣) من طريق سليمان أبي داود الزهري عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا، وهو أشبهُ مِن المرفوع، ويروى مثلُ هذا عن الحسن البصري أيضًا يُخالف قولَه المشهور: إن التبديلَ في الدنيا.
_________________
(١) رقم (١٩٠).
(٢) ٤/ ٢٩، وقال أبو العنبس هذا: سعيد بن كثير، وإسناده صحيح، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) أورده ابن كثير في "التفسير" ٦/ ١٣٨ عن ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى أبو داود الزهري بهذا الِإسناد. وسليمان بن موسى فيه لين.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وأما ما ذكره الحربي في التبديل، وأن من قلَّت سيئاتُه يُزاد في حسناته، ومن كثرت سيئاتُه يُقَلَّلُ من حسناته، فحديثُ أبي ذرٍّ صريحٌ في ردِّ هذا، وأنَّه يُعطى مكان كلّ سيئة حسنة.
وأما قوله: يَلْزَمُ من ذلك أنَّ يكون مَنْ كَثُرَت سيئاتُه أحسنَ حالًا ممن قلَّتْ سيئاتُهُ، فيقال: إنما التبديلُ في حقِّ مَنْ نَدِمَ على سيئاته، وجعلها نصبَ عينيه، فكلما ذكرها ازداد خوفًا، ووجلًا، وحياء من الله، ومسارعة إلى الأعمال الصالحة المكفرة كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] وما ذكرناه كله داخل في العمل الصالح ومن كانت هذه حاله، فإنَّه يتجرَّعُ من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعافَ ما ذاق من حلاوتها عندَ فعلها، ويصيرُ كلُّ ذنبٍ من ذنوبه سببًا لأعمال صالحةٍ ماحية له، فلا يُستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات.
وقد ورَدَت أحاديثُ صريحةٌ في أنَّ الكافرَ إذا أسلم، وحَسُنَ إسلامُه، تبدَّلت سيئاتُه في الشِّرْك حسنات، فخرَّج الطبراني (^١) من حديث عبد الرحمن بن
_________________
(١) في "الكبير" (٧٢٣٥) قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ٣٢ و١٠/ ٢٠٢، وعندهما: "عن أبي طويل" بدله عن أبي فروة. ورواه الطبراني والبزار (٣٢٤٤) بنحوه، ورجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هارون أبي نشيط، وهو ثقة. وأورده الحافظ في "الإِصابة" ٢/ ١٤٩ وزاد نسبته إلى البغوي، وابن زبر، وابن السكن، وابن أبي عاصم، وقال: هو على شرط الصحيح، وقد وجدت له طريقًا أخرى، قال ابن أبي الدنيا في كتاب "حسن الظن" (١٤٦): حدثنا عبيد الله بن جرير، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا نوح بن قيس، عن أشعث بن جابر الحداني، عن مكحول، عن عمرو بن عبسة قال: "إن شيخًا كبيرًا أتى النبي - ﷺ - وهو يدعم على عصا، فقال: يا نبيّ الله إن لي غَدراتٍ وفجراتٍ فهل تُغفر لي؟ فقال النبيِّ - ﷺ -: "تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: "فإن الله قد غفر لك غدراتك=
[ ١ / ٣٠٠ ]
جبير بن نفير عن أبي فروة شطب أنَّه أتى النبيَّ - ﷺ - فقال: أرأيتَ رجلًا عَمِلَ الذنوب كُلَّها، ولم يترك حاجةً ولا داجةً، فهل له مِنْ توبة؟ فقال: "أسلمتَ؟ " قال: نَعَمْ، قال: "فافعلِ الخيراتِ، واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيراتٍ كلها"، قال: وغَدَرَاتي وفَجَراتي؟ قال: "نعم"، قال: فما زال يُكبِّرُ حتَّى توارَى. وخرجه (^١) من وجه آخر بإسناد ضعيف عن سلمة بن نفيل، عن النبيِّ - ﷺ -.
وخرَّج ابنُ أبي حاتم نحوه من حديث مكحول مرسلًا، وخرَّج البزارُ الحديثَ الأوَّل وعنده: عن أبي طويل شطب الممدود أنَّه أتى النبيِّ - ﷺ - فذكره بمعناه، وكذا خرَّجه أبو القاسم البغوي في "معجمه"، وذكر أن الصوابَ عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير مرسلًا أن رجلًا أتى النبيِّ - ﷺ - طوي شَطْب، والشطب في اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرواة، وظنه اسم رجل (^٢).
_________________
(١) = وفجراتك" فانطلق وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر وهذا ليس فيه انقطاع بين مكحول وعمرو بن عبسة. وقوله: "لم يترك حاجة ولا داجة" الداج: أتباع الحاج كالخدم والأُجراء، وقال الخطابي: الحاجَّةُ القاصدون البيت، والداجَّة: الراجعون، قال: والمشهور التخفيف، أراد بالحاجة: الحاجة الصغيرة، والداجة: الحاجة الكبيرة.
(٢) أي: الطبراني، وهو في "معجمه الكبير" برقم (٦٣٦١) وفي سنده ياسين بن معاذ الزيات. قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ٣١: يروي الموضوعات. قلت: في "الميزان": ٤/ ٣٥٨. قال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النَّسَائِي وابن الجنيد: متروك، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات.
(٣) نقله الحافظ في "الإصابة" ٢/ ١٤٩ عن البغوي، ولم يتعقبه.
[ ١ / ٣٠١ ]