عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدريِّ - ﵁ -، أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: "لَا ضَرَرَ ولا ضِرارَ" حديثٌ حَسَنٌ، رَواهُ ابنُ ماجه والدَّارقطنيُّ وغيرهما مُسندًا، ورواهُ مالكٌ في "الموطَّأ" عن عَمْرو بن يحيى، عَنْ أَبيهِ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - مُرسلًا، فأَسقطَ أبا سعِيدٍ، وله طُرُقٌ يَقْوى بَعضُها بِبَعضٍ (^١).
حديث أبي سعيد لم يخرجه ابنُ ماجه، إنما خرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة، حدثنا الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا ضررَ ولا ضرار، من ضارّ ضرّه الله، ومن شاقّ شقّ الله عليه" وقال الحاكم: صحيح الإِسناد على شرط مسلم، وقال البيهقي: تفرّد به عثمان عن
_________________
(١) حديث حسن بطرقه، وشواهده. رواه مالك في "الموطأ" ٢/ ٧٤٥ من طريق عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، وهذا سند صحيح إلا أنه مرسل. ورواه موصولًا من حديث أبي سعيد الخدري الدارقطني ٣/ ٧٧ و٤/ ٢٢٨، والبيهقي ٦/ ٦٩، والحاكم ٢/ ٥٧ - ٥٨. وفي الباب عن ابن عباس عند أحمد ١/ ٣١٣، وابن ماجه (٢٣٤١)، والدارقطني ٤/ ٢٢٨. وعن عبادة بن الصامت عند أحمد ٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧، وابن ماجه (٢٣٤٠)، وأبي نعيم في "تاريخ أصبهان" ١/ ٣٤٤. وعن أبي هريرة عند الدارقطني ٤/ ٢٢٨، وعن جابر بن عبد الله عند الطبراني في "الأوسط" كما في "نصب الراية" ٤/ ٣٨٦، و"مجمع الزوائد" ٤/ ١١٠. وعن عائشة عند الدارقطني ٤/ ٢٢٧، والطبراني في "الأوسط" (٢٧٠) و(١٠٣٧). =
[ ٢ / ٢٠٧ ]
الدراوردي (^١)، وخرَّجه مالك في "الموطأ" عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا.
قال ابن عبد البرِّ (^٢): لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، قال: ولا يُسند من وجه صحيحٍ، ثم خرَّجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي، عن الدراوردي موصولًا، والدراوردي كان الإمام أحمد يُضعف ما حدَّث به من حفظه، ولا يعبأ به، ولا شكَّ في تقديم قول مالكٍ على قوله. وقال خالد بن سعدٍ الأندلسي الحافظ: لم يصحَّ حديث: "لا ضرر ولا ضرار" مسندًا.
وأما ابن ماجه، فخرَّجه من رواية فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثني إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادةَ بن الصامت أنَّ رسول الله - ﷺ - قضى أن لا ضرَر ولا ضِرار، وهذا من جملة صحيفة تُروى بهذا الإِسناد، وهي منقطعةٌ مأخوذة من كتابٍ، قاله ابنُ المديني وأبو زرعة وغيرهما، وإسحاق بن يحيى قيل: هو ابن طلحة، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة، قاله أبو زرعة وابنُ أبي حاتم (^٣) والدارقطني في موضع (^٤)، وقيل: إنه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يسمع أيضًا من عبادة، قاله الدارقطني أيضًا (^٥).
_________________
(١) = وعن ثعلبة بن أبي مالك القرظي عند الطبراني في "الكبير" (١٣٧٨). وعن واسع بن حبان مرسلًا عند أبي داود في "مراسيله" (٤٠٧)، وهي - وإن كانت لا تخلو من مقال كما سيبينه الحافظ ابن رجب - يشد بعضها بعضًا، فيتقوى بها الحديث كما انتهى إليه غيرُ واحد من الأئمة.
(٢) رَدَّه ابن التركماني بقوله: لم ينفرد به، بل تابعه عبد الملك بن معاذ النصيبي، فرواه كذلك عن الدراوردي، كذا أخرجه أبو عمر في كتابيه "التمهيد" و"الاستذكار".
(٣) في "التمهيد" كما في "نصب الراية" ٤/ ٣٨٥.
(٤) كما في "الجرح والتعديل" ٢/ ٢٣٧.
(٥) في "السنن" ٤/ ٢٠٢.
(٦) في "السنن" ٣/ ١٧٦.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وذكره ابن عدي في كتابه "الضعفاء" (^١)، وقال: عامة أحاديثه غير محفوظة، وقيل: إن موسى بن عقبة لم يسمع منه، وإنَّما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه، وأبو عياش لا يُعرف.
وخرَّجه ابن ماجه أيضًا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا ضَررَ ولا ضِرار" وجابر الجعفي ضعَّفه الأكثرون، وخرَّجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، وإبراهيم ضعفه جماعة، وروايات داود عن عكرمة مناكير.
وخرَّج الدَّارقطني من حديث الواقدي، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا ضرر، ولا ضِرار" والواقدي متروك، وشيخه مختلف في تضعيفه. وخرَّجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضًا عن القاسم عن عائشة.
وخرَّج الطبراني أيضًا من رواية محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمِّه واسع بن حبان، عن جابرٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا ضَررَ ولا ضِرارَ في الإِسلام" وهذا إسناد مقارب وهو غريبٌ، لكن خرَّجه أبو داود في "المراسيل" (^٢) من رواية عبد الرحمن بن مَغْراء عن ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع مرسلًا، وهو أصحُّ.
وخرَّج الدارقطني (^٣) من رواية أبي بكر بن عياش، قال: أراه عن ابن عطاء، عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيَّ - ﷺ -، قال: "لا ضررَ ولا ضرورَة، ولا يمنعنّ
_________________
(١) "الكامل" ١/ ٣٣٣.
(٢) برقم (٤٠٧)، وسيأتي ص ٦٩١.
(٣) في "السنن" ٤/ ٢٢٨.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
أحدُكم جاره أن يضع خشبه على حائطه"، وهذا الإِسناد فيه شكٌّ، وابن عطاء: هو يعقوب، وهو ضعيفٌ.
وروى كثير بنُ عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا ضرر ولا ضرار" قال ابنُ عبد البرِّ: إسناده غير صحيح.
قلت: كثير هذا يصحح حديثَه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديثه: هو أصحُّ حديثٍ في الباب، وحسن حديثَه إبراهيمُ بن المنذر الحِزامي، وقال: هو خير من مراسيل ابن المسيب، وكذلك حسَّنه ابنُ أبي عاصم، وترك حديثه آخرون، منهم الإمام أحمد وغيره، فهذا ما حضرنا مِن ذكر طُرُقِ أحاديث هذا الباب.
وقد ذكر الشيخُ - ﵀ - أنَّ بعضَ طرقه تُقوَّى ببعضٍ، وهو كما قال، وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني: إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعفٌ قويت.
وقال الشافعي (^١) في المرسل: إنَّه إذا أُسند من وجهٍ آخر، أو أرسله من يأخذ العلمَ عن غير من يأخذ عنه المرسلُ الأوَّل، فإنَّه يُقبل.
وقال الجُوزجاني: إذا كان الحديثُ المسندُ من رجلٍ غير مقنع - يعني: لا يقنع برواياته - وشدَّ أركانه المراسيلُ بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار، استعمل، واكتُفي به، وهذا إذا لم يُعارض بالمسند الذي هو أقوى منه.
وقد استدلّ الإِمام أحمد بهذا الحديث، وقال: قال النبيُّ - ﷺ -: "لا ضرر ولا ضرار".
_________________
(١) في "الرسالة" من الفقرة (١٢٦٥) إلى الفقرة (١٢٧٧)، وقد خص ذلك بمرسل كبار التابعين. وانظر ما كتبته عن الحديث المرسل في مقدمة "المراسيل" لأبي داود.
[ ٢ / ٢١٠ ]
وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديثُ أسنده الدارقطنيُّ من وجوه، ومجموعها يُقوِّي الحديثَ ويُحسنه، وقد تقبَّله جماهيرُ أهلِ العلم، واحتجُّوا به، وقولُ أبي داود: إنَّه من الأحاديث التي يدورُ الفقه عليها (^١) يُشعِرُ بكونه غيرَ ضعيفٍ والله أعلم.
وفي المعنى أيضًا حديثُ أبي صِرْمَة عَنِ النبيِّ - ﷺ - قال: "من ضارَّ ضارَّ الله به، ومن شاقَّ شقَّ (^٢) الله عليه". خرَّجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب (^٣).
وخرَّج الترمذي (^٤) بإسناد فيه ضعف عن أبي بكرٍ الصديق، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ملعونٌ من ضارَّ مؤمنًا أو مكر به".
وقوله - ﷺ -: "لا ضَررَ ولا ضِرارَ". هذه الرواية الصحيحة، ضِرار بِغير همزة، ورُوِي "إضرار" بالهمزة، ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه والدارقطني، بل وفي بعض نسخ الموطأ، وقد أثبت بعضُهم هذه الرواية وقال: يقال: ضَرَّ وأضر بمعنى، وأنكرها آخرون، وقالوا: لا صحَّة لها.
_________________
(١) انظر ص ١٣ من هذا الكتاب.
(٢) المثبت من (ب)، وهي رواية الترمذي وابن ماجه والطبراني وأحمد والدولابي، وفي (أ): "من شق شق الله عليه"، وهي رواية البيهقي، ورواية أبي داود: "من شاق شاق الله عليه".
(٣) حسن لغيره، رواه أبو داود (٣٦٣٥)، والترمذي (١٩٤٠)، وابن ماجه (٢٣٤٢)، وأحمد ٣/ ٤٥٣، والبيهقي ٦/ ٧٠، والطبراني في "الكبير" ٢٢/ (٨٢٩)، والدولابي في "الكنى" ١/ ٤٠، وفي إسناده لؤلؤة مولاة الأنصار الراوية عن أبي صرمة، لم يرو عنها غيرُ محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري. واسم أبي صرمة: مالك بن قيس، وقيل: قيس بن صرمة المازني الأنصاري.
(٤) برقم (١٩٤١)، وقال: هذا حديث غريب، أي: ضعيف. ورواه أيضًا أبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٤٩، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١/ ٣٤٤ و٤٠٣.
[ ٢ / ٢١١ ]
واختلفوا: هل بين اللفظتين - أعني الضَّرر والضرار - فرقٌ أم لا؟ فمنهم من قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهورُ أنَّ بينهما فرقًا، ثم قيل: إنَّ الضَّرر هو الاسم، والضِّرار: الفعل، فالمعنى أنَّ الضَّرر نفسَه منتفٍ في الشَّرع، وإدخال الضَّرر بغير حقٍّ كذلك.
وقيل: الضَّرر: أن يُدخِلَ على غيرِه ضررًا بما ينتفع هو به، والضِّرار: أن يُدخل على غيره ضررًا بما لا منفعةَ له به، كمن منع ما لا يضرُّه ويتضرَّرُ به الممنوع، ورجَّح هذا القولَ طائفةٌ، منهم ابنُ عبد البرِّ، وابنُ الصَّلاح.
وقيل: الضَّرر: أن يضرّ بمن لا يضرُّه، والضِّرار: أن يضرَّ بمن قد أضرَّ به على وجهٍ غير جائزٍ.
وبكلِّ حال فالنبيُّ - ﷺ - إنما نفى الضرر والضِّرار بغير حق.
فأما إدخالُ الضرر على أحدٍ بحق، إمَّا لكونه تعدَّى حدودَ الله، فيعاقَبُ بقدرِ جريمته، أو كونه ظلمَ غيره، فيطلب المظلومُ مقابلتَه بالعدلِ، فهذا غيرُ مرادٍ قطعًا، وإنما المرادُ: إلحاقُ الضَّررِ بغيرِ حقٍّ، وهذا على نوعين:
أحدهما: أن لا يكونَ في ذلك غرضٌ سوى الضَّررِ بذلك الغير، فهذا لا ريبَ في قُبحه وتحريمه، وقد ورد في القرآن النَّهيُ عن المضارَّة في مواضع: منها في الوصية، قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، وفي حديث أبي هريرة المرفوع: "إنَّ العبدَ ليعملُ بطاعةِ اللهِ ستِّينَ سنةً، ثم يُحضرُه الموتُ، فيضارّ في الوصيّة، فيدخل النار"، ثم تلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿ومَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]، وقد خرَّجه الترمذي وغيره بمعناه (^١).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق (١٦٤٥٥)، وأحمد ٢/ ٢٧٨، وأبو داود (٢٨٦٧)، والترمذي (٢١١٧)، وابن ماجه (٢٧٠٤)، والبيهقي ٦/ ٢٧١، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وقال ابنُ عباس: الإِضرار في الوصية من الكبائر، ثم تلا هذه الآية (^١).
والإِضرار في الوصيَّةِ تارةً يكون بأنْ يَخُصَّ بعضَ الورثةِ بزيادةٍ على فرضِهِ الَّذي فرضَه الله له، فيتضرَّرُ بقيَّةُ الورثة بتخصيصه، ولهذا قال النبيُّ - ﷺ -: "إنَّ الله قد أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقّه، فلا وصيةَ لوارث" (^٢).
وتارة بأن يُوصي لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث، فتنقص حقوقُ الورثةِ، ولهذا قال النبيُّ - ﷺ -: "الثُّلث والثُّلث كثير" (^٣).
ومتى وصَّى لوارثٍ أو لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث، لم ينفذ ما وصَّى به إلَّا بإجازة الورثةِ، وسواءٌ قصدَ المضارَّةَ أو لم يقصد، وأما إن قصدَ المضارَّة بالوصيّة لأجنبيٍّ بالثلث، فإنَّه يأثم بقصده المضارَّة، وهل تُردُّ وصيَّتُه إذا ثبتَ ذلك بإقراره أم لا؟ حكى ابنُ عطية روايةً عن مالكٍ أنَّها تُردُّ، وقيل: إنَّه قياسُ مذهب أحمد.
ومنها: في الرجعة في النِّكاح، قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] فدلَّ ذلك على أنَّ من كان قصدُه بالرجعة المضارَّة، فإنَّه آثمٌ بذلك، وهذا كما كانوا في أوَّل الإِسلام قبل حصر الطَّلاق في ثلاث يطلِّقُ الرَّجلُ امرأتَه، ثم يتركُها حتَّى تقارب انقضاءَ عدَّتها، ثمَّ يُراجعها، ثمَّ يطلِّقُها، ويفعل ذلك أبدًا بغير نهاية، فيدعُ المرأةَ لا مُطلَّقةً ولا ممسكةً، فأبطل الله ذلك، وحصر الطَّلاق في ثلاث مرات.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق (١٦٤٥٦)، وابن أبي شيبة ١١/ ٢٠٤، وسعيد بن منصور في "سننه" (٣٤٣) و(٣٤٤)، والطبري (٨٧٧٣) و(٨٧٨٧)، والبيهقي ٦/ ٢٧١ موقوفًا على ابن عباس، وإسناده صحيح، ورفعه بعضهم، وهو ضعيف.
(٢) حديث صحيح مشهور، وقد تقدم.
(٣) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه من حديث سعد بن أبي وقاص.
[ ٢ / ٢١٣ ]
وذهب مالكٌ إلى أنَّ من راجع امرأته قبل انقضاء عدَّتها، ثم طلَّقها من غير مسيسٍ أنَّه إن قصدَ بذلك مضارَّتها بتطويل العدَّةِ، لم تستأنف العدّة، وبنت على ما مضى منها، وإن لم يقصد بذلك، استأنفت عدَّةً جديدةً، وقيل: تبني مطلقًا، وهو قولُ عطاء وقتادة، والشَّافعي في القديم، وأحمد في رواية، وقيل: تستأنف مطلقًا، وهو قول الأكثرين، منهم أبو قلابة والزُّهري والثوري وأبو حنيفة والشَّافعي - في الجديد - وأحمد في رواية وإسحاق وأبو عُبيد وغيرهم.
ومنها في الإِيلاء، فإنَّ الله جعل مدَّة المؤلي أربعةَ أشهرٍ إذا حلف الرجل على امتناع وطءِ زوجته، فإنَّه يُضْرَبُ له مدَّة أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى الوطءِ، كان ذلك توبتَه، وإن أصرَّ على الامتناع لم يُمكن من ذلك، وفيه قولان للسَّلف والخلف: أحدهما: أنَّها تَطلُقُ عليه بمضيِّ هذه المدة، والثاني: أنَّه يوقف، فإن فاء، وإلَّا أُمِرَ بالطَّلاق، ولو ترك الوطءَ لقصدِ الإِضرار بغيرِ يمينٍ مدَّة أربعة أشهر، فقال كثيرٌ من أصحابنا: حكمُه حكمُ المُؤلي في ذلك، وقالوا: هو ظاهرُ كلام أحمد.
وكذا قال جماعةٌ منهم: إذا ترك الوطءَ أربعةَ أشهرٍ لغير عذرٍ، ثم طلبت الفُرقة، فُرِّق بينهما بناءً على أنَّ الوطءَ عندنا في هذه المدَّة واجبٌ، واختلفوا: هل يُعتَبر لذلك قصدُ الإِضرار أم لا يعتبر؟ ومذهبُ مالك وأصحابه إذا ترك الوطءَ مِنْ غير عُذر، فإنَّه يُفسَخُ نكاحُه، مع اختلافهم في تقدير المدَّة.
ولو أطالَ السَّفَر مِنْ غيرِ عذرٍ، وطلبت امرأتُه قُدومَه، فأبى، فقال مالكٌ وأحمد وإسحاق: يفرِّقُ الحاكم بينهما، وقدَّره أحمد بستة أشهر، وإسحاق بمضيِّ سنتين.
ومنها: في الرضاع، قال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قال مجاهد في قوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]
[ ٢ / ٢١٤ ]
قال: لا يَمنع أمه أن تُرضِعَه ليحزُنَها (^١)، وقال عطاء وقتادة والزُّهري وسفيان والسُّدِّي وغيرهم: إذا رضِيَتْ ما يرضى به غيرُها، فهي أحقُّ به، وهذا هو المنصوصُ عن أحمد، ولو كانت الأُمُّ في حبال الزَّوج. وقيل: إن كانت في حبال الزَّوج، فله منعُها مِنْ إرضاعه، إلَّا أن لا يُمكِن ارتضاعُه من غيرها، وهو قولُ الشَّافعيِّ، وبعض أصحابنا، لكن إنَّما يجوزُ ذلك إذا كان قصدُ الزَّوج به توفيرَ الزوجة للاستمتاع، لا مجرَّد إدخال الضَّرر عليها.
وقوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يدخُل فيه أن المطلَّقة إذا طلَبت إرضاع ولدها بأجرة مثلها، لَزِم الأبَ إجابتها إلى ذلك، وسواءٌ وُجِدَ غيرُها أو لم يُوجَدْ. هذا منصوصُ الإمام أحمد، فإن طلبت زيادةً على أجرةِ مثلها زيادةً كثيرةً، ووجدَ الأب من يُرضعُه بأجرةِ المثل، لم يلزمِ الأبَ إجابتُها إلى ما طلبت، لأنَّها تقصد المضارَّة، وقد نصَّ عليه الإِمام أحمد.
ومنها في البيع وقد ورد النَّهيُ عن بيع المضطرِّ، خرَّجه أبو داود (^٢) من حديث عليِّ بن أبي طالب أنَّه خطب النَّاسَ، فقال: سيأتي على النَّاسِ زمانٌ عَضُوضٌ
_________________
(١) هو في "تفسير مجاهد" ١/ ١٠٩، ومن طريقه رواه الطبراني في "جامع البيان" (٤٩٧٤).
(٢) برقم (٣٣٨٢) من حديث شيخ من بني نعيم، قال: خطبنا علي بن أبي طالب … فذكره، ورواه أيضًا أحمد ١/ ١١٦، والبغوي (٢١٠٤)، وإسناده ضعيف. قال الإمام الخطابي في "معالم السنن" ٣/ ٨٧: بيع المضطر يكون من وجهين: أحدهما: أن يضطر إلى العقد من طريق الإِكراه عليه، فهذا فاسد لا ينعقد. والوجه الآخر: أن يضطر إلى البيع لدين يركبه أو مؤونة ترهقه، فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة، فهذا سبيلُه في حق الدين والمروءة أن لا يبايع على هذا الوجه، وأن لا يفتات عليه بماله، ولكن يُعان ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة حتى يكون له في ذلك بلاغ، فإن عُقِد البيع مع الضرورة على هذا الوجه، جاز في الحكم ولم يفسخ، وفي إسناد هذا الحديث رجل مجهول لا يُدرى من هو إلا أن عامة أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه.
[ ٢ / ٢١٥ ]
يعضُّ الموسرُ على ما في يديه، ولم يؤمرْ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ويُبايع المضطرُّون، وقد نهى رسولُ الله - ﷺ - عن بيع المضطرِّ. وخرَّجه الإِسماعيلي، وزاد فيه: قال رسول الله - ﷺ -: "إن كان عندكَ خيرٌ تعودُ به على أخيك، وإلَّا فلا تزيدنَّه هلاكًا إلى هلاكه" وخرَّجه أبو يعلى الموصلي بمعناه من حديث حُذيفة مرفوعًا أيضًا.
وقال عبد الله بنُ معقِل: بيعُ الضَّرورةِ ربا.
وقال حرب: سئل أحمد عن بيع المضطر، فكرهه، فقيل له: كيف هُو؟ قال: يجيئك وهو محتاج، فتبيعه ما يُساوي عشرة بعشرين، وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح بالعشرة خمسة؟ فكره ذلك، وإن كان المشتري مسترسلًا لا يحسن أن يُماكس، فباعه بغبنٍ كثيرٍ، لم يجز أيضًا. قال أحمد: الخِلابة: الخداع، وهو أن يَغْبِنه فيما لا يتغابَن الناسُ في مثله؛ يبيعه ما يُساوي درهمًا بخمسة، ومذهبُ مالكٍ وأحمد أنه يثبت له خيارُ الفسخ بذلك.
ولو كان محتاجًا إلى نقدٍ، فلم يجد من يُقرضه، فاشترى سلعةً بثمن إلى أجل في ذمَّته، ومقصودُه بيعُ تلك السلعة، ليأخذ ثمنها، فهذا فيه قولانِ للسلف، ورخص أحمدُ فيه في رواية، وقال في رواية: أخشى أن يكون مضطَرًّا؛ فإن باعَ السِّلعة مِن بائعها له، فأكثرُ السلف على تحريمِ ذلك، وهو مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم.
ومن أنواع الضرر في البيوع: التَّفريقُ بين الوالدةِ وولدها في البيع، فإن كان صغيرًا، حَرُمَ بالاتفاق، وقد رُوي عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "من فرَّق بين والدةٍ وولدِها، فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة" (^١)، فإن رضيت الأُمُّ بذلك، ففي
_________________
(١) رواه من حديث أبي أيوب الأنصاري أحمد ٥/ ٤١٤، والترمذي (١٢٨٣) و(١٥٦٦)، والدارقطني ٣/ ٦٧، وصححه الحاكم ٢/ ٥٥، وسكت عنه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو كما قال.
[ ٢ / ٢١٦ ]
جوازه اختلافٌ، ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدًا، وإنما ذكرنا هذا على وجه المثال.
والنوع الثاني: أن يكون له غرضٌ آخرُ صحيحٌ، مثل أن يتصرَّف في ملكه بما فيه مصلحةٌ له، فيتعدَّى ذلك إلى ضرر غيرِه، أو يمنع غيرَه من الانتفاع بملكه توفيرًا له، فيتضرَّر الممنوعُ بذلك.
فأما الأوَّل وهو التصرُّف في ملكه بما يتعدَّى ضررُه إلى غيره فإن كان على غير الوجه المعتادِ، مثل أن يؤجِّجَ في أرضه نارًا في يومٍ عاصفٍ، فيحترق ما يليه، فإنه متعدٍّ بذلك، وعليه الضَّمان، وإن كان على الوجه المعتاد، ففيه للعلماء قولان مشهوران:
أحدهما: لا يمنع من ذلك، وهو قولُ الشَّافعي وأبي حنيفة وغيرهما.
والثاني: المنع، وهو قولُ أحمد، ووافقه مالكٌ في بعض الصُّور؛ فمن صُوَر ذلك: أن يفتح كُوَّةً في بنائه العالي مشرفةً على جاره، أو يبني بناءً عاليًا يُشرف على جاره ولا يسترُه، فإنه يُلزم بستره، نصَّ عليه أحمد، ووافقه طائفةٌ من أصحاب الشافعي، قال الروياني (^١) منهم في كتاب "الحلية": يجتهد الحاكم في ذلك، ويمنع إذا ظهر له التعنُّتُ، وقصد الفساد، قال: وكذلك القولُ في إطالة البناء ومنع الشمس والقمر.
وقد خرَّج الخرائطي وابنُ عدي بإسنادٍ ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا حديثًا طويلًا في حقِّ الجار، وفيه: "ولا يستطيل عليه بالبناء فيحجبَ عنه الرِّيحَ إلَّا بإذنه" (^٢).
_________________
(١) هو أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني الشافعي، المتوفى سنة ٥٠١. مترجم له في "السير" ١٩/ ٢٦٠.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٠٠.
[ ٢ / ٢١٧ ]
ومنها أن يحفرَ بئرًا بالقُرب من بئر جاره، فيذهب ماؤها، فإنها تُطَمُّ في ظاهر مذهب مالك وأحمد، وخرّج أبو داود في "المراسيل" (^١) من حديث أبي قلابة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تَضارُّوا في الحفر، وذلك أن يحفرَ الرَّجلُ إلى جنبِ الرَّجل ليذهبَ بمائِه".
ومنها أن يحدث في ملكه ما يضرُّ بملك جاره من هزٍّ أو دقٍّ ونحوهما، فإنه يُمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد، وهو أحدُ الوجوه للشافعية.
وكذا إذا كان يضرُّ بالسُّكَّان، كما له رائحةٌ خبيثة ونحو ذلك.
ومنها أن يكونَ له ملكٌ في أرض غيره، ويتضرَّرُ صاحبُ الأرض بدخوله إلى أرضه، فإنه يُجبرُ على إزالته ليندفعَ به ضررُ الدخول، وخرَّج أبو داود في "سننه" من حديث أبي جعفر محمد بن علي أنَّه حدَّث عن سَمُرة بن جندبٍ أنه كانت له عَضُدٌ (^٢) من نخلٍ في حائطِ رجلٍ من الأنصار، ومع الرجل أهلُه، فكان سمرة يدخل إلى نخله، فيتأذَّى به ويشقُّ عليه، فطلب إليه أن يُناقله، فأبى، فأتى النبيَّ - ﷺ -، فذكر ذلك له، فطلب إليه النبيُّ - ﷺ - أن يَبيعه، فأبى، فطلب إليه أن يُناقِلَه، فأبى، قال: "فهَبْه له ولك كذا وكذا" أمرًا رغَّبه فيه، فأبى، فقال: "أنت مُضارٌّ"، فقال النبيُّ - ﷺ - للأنصاريّ: "اذهب فاقلع نخله" (^٣)، وقد روي عن أبي جعفر مرسلًا. قال أحمد في رواية حنبل بعد أن ذُكِرَ له هذا الحديثُ: كلُّ ما كان على هذه الجهة، وفيه ضرر يمنع من ذلك، فإن أجاب وإلا أجبره السلطان، ولا يضرُّ بأخيه في ذلك، فيه مِرفَقٌ له.
_________________
(١) برقم (٤٠٨)، ورجاله ثقات.
(٢) قال ابن الأثير: أراد طريقة من النخل، وقيل: إنما هو "عضيد من نخل" وإذا صار للنخلة جذع يُتناول منه، فهو عضيد.
(٣) رواه أبو داود (٣٦٣٦)، والبيهقي ٦/ ١٥٧، وفي سنده انقطاع، أبو جعفر الباقر لم يسمع من سمرة.
[ ٢ / ٢١٨ ]
وخرَّج أبو بكر الخلّال من رِواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن سَلِيط بن قيس عن أبيه أنَّ رجلًا من الأنصار كانت في حائطه نخلةٌ لرجلٍ آخر، فكان صاحبُ النَّخلة لا يَريمُها غدوةً وعشيَّةً، فشقَّ ذلك على صاحب الحائطِ، فأتى النَّبيَّ - ﷺ -، فذكر ذلك له، فقال النبيّ - ﷺ - لصاحب النخلة: "خذ منه نخلةً ممَّا يلي الحائطَ مكانَ نخلتك"، قال: لا واللهِ، قال: "فخذ منِّي ثنتين"، قال: لا والله، قال: "فهبها لي"، قال: لا والله، قال: فردد عليه رسول الله - ﷺ - فأبى، فأمر النبيُّ - ﷺ - أن يُعطيه نخلة مكان نخلته (^١).
وخرَّج أبو داود في "المراسيل" (^٢) من رواية ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عمِّه واسع بن حبَّان، قال: كان لأبي لُبابَة عَذْقٌ في حائط رجلٍ، فكلَّمه، فقال: إنَّك تطأُ حائطي إلى عَذْقِكَ، فأنا أُعطيكَ مثلَه في حائطك، وأخرجه عنِّي، فأبى عليه، فكلم النبيَّ - ﷺ - فيه، فقال: "يا أبا لُبابة، خذ مثل عَذقك، فحُزْها إلى مالك، واكفُفْ عن صاحبك ما يكره"، فقال: ما أنا بفاعل، فقال: "اذهب، فأخرج له مثلَ عَذْقِه إلى حائطه، ثمَّ اضرب فوقَ ذلك بجدارٍ، فإنَّه لا ضررَ في الإِسلام ولا ضِرار".
ففي هذا الحديث والذي قبلَه إجبارُه على المعاوضة حيث كان على شريكه أو جاره ضررٌ في تركه، وهذا مثلُ إيجاب الشُّفعة لدفع ضررِ الشَّريك الطَّارئ.
ويُستدلُّ بذلك أيضًا على وجوب العمارة على الشَّريك الممتنع مِنَ العمارة، وعلى إيجاب البيع إذا تعذَّرَت القسمة، وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر،
_________________
(١) ورواه أيضًا ابن منده كما في "الإِصابة" ٢/ ٧٠، وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٤/ ٢٨٥، ونسبه ابن الأثير في "أسد الغابة" ٢/ ٤٤١ إلى النسائي، وليس هو فيه. قال الحافظ في "الإِصابة": ولم أره في "السنن"، وإنما أخرجه ابن منده من طريقه.
(٢) برقم (٤٠٧).
[ ٢ / ٢١٩ ]
عن أبيه مرفوعًا: "لا تَعْضِيةَ في الميراث إلا ما احتمل القسم" (^١) وأبو بكر: هو ابن عمرو بن حزم، قاله الإِمام أحمد، فالحديث حينئذ مرسل، والتعضية: هي القسمة. ومتى تعذَّرَتِ القسمةُ، لكون المقسوم يتضرَّرُ بقسمته، وطلب أحدُ الشَّريكين البيعَ، أجبر الآخر، وقسم الثَّمنُ، نصَّ عليه أحمدُ وأبو عبيد وغيرهما مِنَ الأئمة.
وأما الثاني - وهو منع الجار من الانتفاع بملكه، والارتفاق به - فإن كان ذلك يضرُّ بمن انتفعَ بملكه، فله المنعُ، كمن له جدارٌ واهٍ لا يحتمل أن يُطرَحَ عليه خشَبٌ، وأمَّا إن لم يضرَّ به، فهل يجب عليه التَّمكين، ويحرم عليه الامتناع أم لا؟ فمن قال في القسم الأول: لا يمنع المالك مِنَ التَّصرُّف في ملكه، وإن أضرَّ بجاره، قال هنا: للجار المنع مِنَ التصرُّف في ملكه بغير إذنه، ومن قال هناك بالمنع، فاختلفوا ها هنا على قولين: أحدهما: المنع ها هنا وهو قول مالك. والثاني: أنه لا يجوزُ المنع، وهو مذهبُ أحمد في طرح الخشب على جدار جاره، ووافقه الشافعيُّ في القديم وإسحاق وأبو ثور، وداود، وابنُ المنذر، وعبدُ الملك بن حبيب المالكي، وحكاه مالكٌ عن بعض قُضاة المدينة.
وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يمنعنَّ أحدُكُم جارَه أن يَغرِزَ خشبة على جِداره" قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعرِضين، والله
_________________
(١) رواه الدارقطني ٤/ ٢١٩، والبيهقي ١٠/ ١٣٣ من طريق ابن جريج عن صديق بن موسى، عن محمد بن أبي بكر. وابن جريج مدلس، وقد عنعن. وصديق بن موسى، قال الذهبي: ليس بحجة، فهو مرسل ضعيف، وضعفه الإمام الشافعي فيما نقله عنه البيهقي. وقوله - ﷺ -: "لا تعضية"، قال أبو عبيدة في "غريب الحديث" ٢/ ٧: يعني أن يموت الرجل، ويدع شيئًا إن قسم بين ورثته إذا أراد بعضهم القسمة، كان في ذلك ضرر عليه، يقول: فلا يقسم ذلك، والتعضية: التفريق.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
لأَرمِينَّ بها بَيْنَ أكتافِكُم (^١). وقضى عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يُجري ماء جاره في أرضه، وقال: لتمرنّ به ولو على بطنِكَ (^٢).
وفي الإِجبار على ذلك روايتان عن الإِمام أحمد، ومذهبُ أبي ثور الإِجبار على إجراء الماء في أرض جارِه إذا أجراه في قنى في باطن أرضه، نقله عنه حربٌ الكرمانيُّ.
ومما يُنهى عن منعه للضَّرر منعُ الماء والكلأ، وفي "الصحيحين" عن أبي هريرةَ عن النبي - ﷺ -: "لا تمنعوا فضلَ الماء لتمنعوا به الكلأ" (^٣).
وفي "سنن أبي داود" (^٤) أنَّ رجلًا قال: يا نبيَّ الله، ما الشَّيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: "الماء"، قال: يا نبيَّ الله، ما الشيء الذي لا يحلّ منعه؟ قال: "الملح"، قال: ما الشيء الذي لا يحلّ منعه، قال: "أن تفعل الخيرَ خيرٌ لك".
وفيه أيضًا أن النبيَّ - ﷺ -، قال: "النَّاس (^٥) شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ" (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٦٣) و(٥٦٢٧)، ومسلم (١٦٠٩)، وأبو داود (٣٦٣٤)، والترمذي (١٣٥٣)، وابن ماجه (٢٣٣٥)، وأحمد ٢/ ٣٩٦، وصححه ابن حبان (٥١٥).
(٢) رواه مالك ٢/ ٧٤٦، وعنه الشافعي ٢/ ١٣٤ - ١٣٥، والبيهقي ٦/ ١٥٧، ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل كما قال البيهقي.
(٣) رواه البخاري (٢٣٥٣) و(٦٩٦٢)، ومسلم (١٥٦٦)، وأبو داود (٣٤٧٣)، والترمذي (١٢٧٢)، وصححه ابن حبان (٤٩٥٦).
(٤) برقم (٣٤٧٦)، وإسناده ضعيف، وله شاهد من حديث عائشة قالت: يا رسول الله، ما الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء والمِلْح والنار"، رواه ابن ماجه (٢٤٧٤)، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
(٥) هذا اللفظ عند أبي عبيد، ورواه غيره بلفظ: "المسلمون".
(٦) رواه أبو عبيد في "الأموال" ص ٣٧٢، وأبو داود (٣٤٧٧)، وأحمد ٥/ ٣٦٤، والبيهقي =
[ ٢ / ٢٢١ ]
وذهب أكثر العلماء إلى أنَّه لا يُمنَعُ فضلُ الماء الجاري والنَّابعِ مطلقًا، سواء قيل: إن الماء ملك لمالك أرضه أم لا، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد وغيرهم، والمنصوص عن أحمد وجوبُ بذلِه مجانًا بغيرِ عِوَضٍ للشُّرب، وسقي البهائم، وسقي الزروع، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا يجب بذلُه للزُّروع.
واختلفوا: هل يجبُ بذلهُ مطلقًا، أو إذا كان بقرب الكلأ، وكان منعه مُفضِيًا إلى منع الكلأ؟ على قولين لأصحابنا وأصحاب الشافعي، وفي كلام أحمد ما يدلُّ على اختصاصِ المنع بالقُرب من الكلأ، وأما مالكٌ، فلا يجبُ عندَه بذلُ فضلِ الماء المملوك بملك منبعهِ ومجراه إلا للمضطرّ كالمُحاز في الأوعية، وإنما يجب عندَه بذلُ فضل الماء الذي لا يملك.
وعند الشافعي: حكم الكلأ كذلك يجوزُ منعُ فضله إلَّا في أرض الموات. ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد أنّه لا يمنعُ فضل الكلأ مطلقًا، ومنهم من قال: لا يمنع أحدٌ الماء والكلأ إلّا أهلَ الثغور خاصَّة، وهو قولُ الأوزاعيِّ، لأنَّ أهلَ الثُّغور إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم لم يقدِرُوا أن يتحوَّلوا من مكانهم من وراء بَيضَةِ الإِسلام وأهله.
وأما النَّهي عن منع النار، فحملَهُ طائفةٌ من الفُقهاء على النَّهي عن الاقتباس منها دُونَ أعيانِ الجمر، ومنهم من حمله على منع الحجارة المُورِيَة للنَّارِ، وهو بعيدٌ، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنَّار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها، أو يُنضجُ عليها طعامًا ونحوه، لم يبعد.
_________________
(١) = ٦/ ١٥٠، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، وإسناده صحيح. وروى ابن ماجه (٢٤٧٣) من حديث أبي هريرة رفعه "ثلاث لا يُمنعن: الماء والكلأ والنار" وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
وأما الملح، فلعلَّه يُحمل على منع أخذِهِ مِنَ المعادن المُباحَة، فإنَّ الملحَ مِنَ المعادن الظَّاهرة، لا يُملَكُ بالإِحياء، ولا بالإِقطاع، نصّ عليه أحمد، وفي "سنن أبي داود" (^١) أنَّ النبيَّ - ﷺ - أقطع رجلًا الملحَ، فقيل له: يا رسول الله إنَّه بمنزلة الماء العدِّ، فانتزعه منه.
ومما يدخل في عمومِ قوله - ﷺ -: "لا ضرَرَ" أنَّ الله لم يكلِّف عبادَه فعلَ ما يَضُرُّهم ألبتَّة، فإنَّ ما يأمرهم به هو عينُ صلاحِ دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عينُ فساد دينهم ودنياهم، لكنه لم يأمر عبادَه بشيءٍ هو ضارٌّ لهم في أبدانهم أيضًا، ولهذا أسقط الطَّهارة بالماء عَنِ المريض، وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وأسقط الصيام عن المريض والمسافر، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وأسقط اجتناب محظورات الإِحرام، كالحلق ونحوه عمن كان مريضًا، أو به أذى من رأسه، وأمرَ بالفدية. وفي "المسند" (^٢) عن ابن عباسٍ، قال: قيل لرسول الله - ﷺ -: أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله؟ قال: "الحنيفيَّةُ السَّمحةُ". ومن حديث
_________________
(١) رقم (٣٠٦٤) من حديث أبيض بن حمال، ورواه أيضًا الترمذي (١٣٨٠) وابن ماجه (٢٤٧٥) وصححه ابن حبان (٤٤٩٩).
(٢) ١/ ٢٣٦، وعلقه البخاري في كتاب الإِيمان: باب الدين يسر، ووصله في "الأدب المفرد" (٢٨٧)، ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" (١١٥٧١)، والبزار (٥٩)، وحسّن إسناده الحافظ في "الفتح" ١/ ٩٤، ويشهد له حديث عائشة الذي بعده، رواه أحمد ٦/ ١١٦ و٢٣٣، وسنده قوي، وحسنه الحافظ في "تغليق التعليق" ٢/ ٤٣. وآخر من حديث أبي أمامة عند أحمد ٥/ ٢٦٦، والطبراني (٧٨٦٨) وهو حسن في الشواهد، وثالث عن جابر بن عبد الله عند الخطيب في "تاريخه" ٧/ ٢٠٩، وابن النجار في "الذيل" ٣/ ٥، وسنده ضعيف. ورابع عن حبيب بن أبي ثابت عند ابن سعد في "الطبقات" ١/ ١٩٢. وخامس من حديث عمر بن عبد العزيز عن أبيه مرسلًا عند أحمد في "الزهد" ص ٣٤٠، وابن حجر في "تغليق التعليق" ٢/ ٤٢ وهو صحيح، فالحديث صحيح.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
عائشة (٢) عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنِّي أرسلتُ بحنيفيَّةٍ سَمحَةٍ" (^١).
ومن هذا المعنى ما في "الصحيحين" عن أنسٍ أن النبيّ - ﷺ -: رأى رجلًا يمشي، قيل: إنَّه نذرَ أن يحج ماشيًا، فقال: "إنَّ اللهَ لغنيٌّ عن مشيه، فليركب"، وفي رواية: "إن الله لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسَه" (^٢).
وفي "السنن" عن عُقبة بن عامر أن أختَه نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال النبيُّ - ﷺ -: "إنَّ الله لا يَصنَعُ بشقاءِ أختك شيئًا فلتَركَبْ" (^٣).
وقد اختلفَ العلماءُ في حكم من نذَر أن يحجَّ ماشيًا، فمنهم من قال: لا يلزمهُ المشيُ، وله الرُّكوبُ بكلِّ حالٍ، وهو رواية عن أحمد والأوزاعيِّ. وقال أحمد: يصومُ ثلاثة أيَّام، وقال الأوزاعي: عليه كفَّارةُ يمين، والمشهور أنه يلزمُه ذلك إن أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركبُ عند العجز، ولا شيءَ عليه، وهو أحدُ قولي الشَّافعيِّ.
_________________
(١) تقدم تخريجه في الحديث السالف.
(٢) رواه البخاري (١٨٦٥) و(٦٧٠١)، ومسلم (١٦٤٢)، والترمذي (١٥٣٧)، وأبو داود (٣٣٠١)، والنسائي ٧/ ٣٠، وصححه ابن حبان (٤٣٨٢) و(٤٣٨٣).
(٣) رواه الترمذي (١٥٤٤)، والنسائي ٧/ ٢٠، وأبو داود (٣٢٩٣) وابن ماجه (٢١٣٤) من حديث عقبة بن عامر، أنه سأل النبي - ﷺ - عن أخت له نذرت أن تمشي إلى البيت حافية غير مختمرة، فقال النبي - ﷺ -: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام". وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي الباب عن ابن عباس، قلت: هو عند أبي داود (٣٢٩٧). ورواه البخاري (١٨٦٦)، ومسلم (١٦٤٤) من حديث عقبة بن عامر أنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، وأمرتني أن أستفتي النبي - ﷺ -، فقال - ﷺ -: "لتمش ولتركب".
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وقيل: بل عليه - مع ذلك - كفارةُ يمين، وهو قول الثوري وأحمد في رواية.
وقيل: بل عليه دمٌ، قاله طائفةٌ مِنَ السَّلف، منهم عطاءٌ ومُجاهدٌ والحسنُ واللَّيثُ وأحمدُ في رواية.
وقيل: يتصدَّقُ بكراء ما ركبَ، وروي عن الأوزاعيِّ، وحكاه عن عطاء، وروي عن عطاء: يتصدَّقُ بقدر نفقته عند البيت.
وقالت طائفة من الصَّحابة وغيرهم: لا يُجزئُه الرُّكوبُ، بل يَحُجُّ من قابِلٍ، فيمشي ما رَكِبَ، ويركبُ ما مشى، وزاد بعضُهم: وعليه هديٌ، وهو قول مالكٍ إذا كان ما ركبه كثيرًا.
وممَّا يدخل في عمومه أيضًا أنَّ من عليه دينٌ لا يُطالَبُ به مع إعساره، بل يُنظَرُ إلى حال إيساره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وعلى هذا جمهورُ العلماء خلافًا لشريح في قوله: إنَّ الآية مختصَّةٌ بديون الرِّبا في الجاهلية (^١)، والجمهورُ أخذُوا باللَّفظ العام، ولا يُكلَّفُ المدينُ أن يقضيَ مما عليه في خروجه من ملكه ضررٌ، كثيابه ومسكنه المحتاج إليه، وخادمه كذلك، ولا ما يحتاجُ إلى التجارة به لِنفقته ونفقة عياله هذا مذهب الإِمام أحمد.
_________________
(١) وروى عبد الرزاق (١٥٣٠٩)، والطبري في "جامع البيان" (٦٢٧٨) عن ابن سيرين، قال: شهِدتُ شُريحًا وخاصم إليه رجل في دين يطلبُه، فقال آخر: إنه مُعْسر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ فقال شريح: هذه كانت في الربا، وإنما كان الربا في الأنصار، وإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
[ ٢ / ٢٢٥ ]