عَنْ جَابِر بن عبدِ اللهِ ﵄ أن رَجُلًا سَألَ رَسولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أرأيتَ إذا صَلَّيتُ المَكتُوبَاتِ، وصُمْتُ رَمَضانَ، وأحْلَلْتُ الحَلالَ، وحَرَّمْتُ الحَرامَ، ولم أَزِدْ على ذلكَ شيئًا، أأدخُلِ الجنَّةَ؟ قال: "نَعَمْ". رواهُ مسلم (^١).
هذا الحديثُ خرَّجه مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر، وزاد في آخره: قال: واللُه لا أزيدُ على ذلك شيئًا. وخرَّجه أيضًا من رواية الأعمش عن أبي صالح وأبي سفيان عن جابر قال: قال النعمان بنُ قوقل: يا رسولَ الله، أرأيت إذا صليتُ المكتوبةَ، وحرمتُ الحرامَ، وأحللتُ الحلالَ ولم أَزِدْ على ذلك شيئًا أَأَدخُلُ الجَنَّةَ؟ قال النبيُّ - ﷺ -: "نعم".
وقد فسر بعضُهم تحليلَ الحلالِ باعتقادِ حلِّه، وتحريمَ الحرامِ باعتقاد حُرمته مع اجتنابه، ويُحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانُه، ويكون الحلالُ هاهنا عبارةً عمَّا ليسَ بحرامٍ، فيدخل فيه الواجبُ والمستحبُّ والمباحُ، ويكونُ المعنى أنَّه يفعل ما ليس بمحرَّم عليه، ولا يتعدَّى ما أُبيحَ له إلى غيره، ويجتنب المحرَّمات. وقد روي عن طائفةٍ من السَّلفِ، منهم ابنُ مسعود وابن عباس في قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، قالوا: يُحلُّون حلاله ويحرِّمون حرامَه، ولا يُحرِّفونه عن مواضعه (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم (١٥)، وأحمد ٣/ ٣١٦، و٣٤٨، وأبو يعلى (١٩٤٠) و(٢٢٩٥).
(٢) رواه عن ابن عباس الطبرى في "جامع البيان" (١٨٨٣) و(١٨٨٤) وصححه الحاكم =
[ ١ / ٥١٣ ]
والمرادُ بالتحليل والتحريم: فعلُ الحلال واجتنابُ الحرام كما ذُكر في هذا الحديث. وقد قال الله في حقِّ الكفار الذين كانوا يُغيرون تحريمَ الشُّهور الحُرُم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، والمراد: أنَّهم كانوا يُقاتلون في الشهر الحرام عامًا، فيُحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عامًا، فيحرِّمونَهُ بذلك.
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨ - ٨٩] وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهدًا في الدنيا وتقشفًا، وبعضهم حرَّم ذلك عن نفسه، إمَّا بيمينٍ حَلَفَ بها، أو بتحريمه على نفسه، وذلك كُلُّه لا يوجبُ تحريمه في نفس الأمر، وبعضُهم امتنع منه من غير يمينٍ ولا تحريم، فسمَّى الجميع تحريمًا، حيث قصد الامتناعَ منه إضرارًا بالنفس، وكفأ لها عن شهواتها. ويقال في الأمثال: فلان لا يحلِّلُ ولا يحرِّمُ، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام، ولا يقفُ عندَ ما أُبيح له، وإن كان يعتقد تحريمَ الحرام، فيجعلون من فَعَلَ الحرامَ ولا يتحاشى منه مُحلِّلًا له، وإن كان لا يعتقد حله.
وبكلِّ حالٍ، فهذا الحديثُ يدلُّ على أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرَّمات، دخلَ الجنة، وقد تواترتِ الأحاديثُ عَنِ النبيِّ - ﷺ - بهذا المعنى، أو ما هو قريبٌ منه، كما خرَّجهُ النسائي، وابنُ حبان، والحاكم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس،
_________________
(١) = ٢/ ٢٦٦، ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ١/ ٢٧٢، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ورواه عن ابن مسعود عبد الرزاق في "تفسيره" ومن طريقه الطبري (١٨٨٧)، وإسناده صحيح.
[ ١ / ٥١٤ ]
ويصومُ رمضان، ويُخرجُ الزَّكاة، ويجتنبُ الكبائر السَّبعَ، إلَّا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة، يدخُلُ من أيِّها شاء"، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] (^١).
وخرَّج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب الأنصاري، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ عبدَ الله، لا يُشرِكُ به، وأقامَ الصَّلاةَ، وآتَى الزَّكاة، وصامَ رمضان، واجتنبَ الكبائرَ، فله الجنةُ - أو دخل الجنة - " (^٢).
وفي "المسند" عن ابن عباس أن ضِمَامَ بنَ ثعلبةَ وفَدَ على النبيِّ - ﷺ -، فذكر له الصَّلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وشرائع الإسلام كلها، فلمّا فرغ، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدِّي هذه الفرائض، وأجتنبُ ما نهيتني عنه، لا أزيدُ ولا أنقُصُ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "إن صدقَ دخلَ الجنة" (^٣). وخرَّجه الطبراني مِنْ وجهٍ آخرَ، وفي حديثه قال: والخامسة لا أَربَ لي فيها يعني الفواحش ثم قال: لأعملنَّ بها، ومن أطاعني، فقال رسولُ - ﷺ -: "لئن صدقَ، ليدخلنَّ الجنة" (^٤).
_________________
(١) رواه النسائي ٥/ ٨ وابن خزيمة (٣١٥) والحاكم ١/ ٢٠٠، وصححة ابن حبان (١٧٤٨).
(٢) رواه أحمد ٥/ ٤١٣، والنسائي ٧/ ٨٨، وإسناده صحيح.
(٣) رواه ابن إسحاق في "السيرة" ٤/ ٢١٩ - ٢٢٠، ومن طريقه أحمد ١/ ٢٥٠ و٢٦٤. حدثني محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب مولى عبد الله بن عباس، عن ابن عباس، ومحمد بن الوليد بن نافع ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: يعتبر به، وأخرج حديثه هذا أبو داود (٤٨٧) مقرونًا بسلمة بن كهيل وهو ثقة. وكذا الطبراني (٨١٤٩) والدارمي ١/ ١٦٥ - ١٦٧.
(٤) رواه الطبراني في "الكبير" (٨١٥١) من طريق محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا عطاء بن السائب وموسى (بن المسيب أو السائب) أبو جعفر الفراء، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس. =
[ ١ / ٥١٥ ]
وفي "صحيح البخاري" عن أبي أيوب أن رجلًا قال للنبيِّ - ﷺ -: أخبرني بعمل يُدخلني الجنة، قال: "تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاة، وتُؤْتِي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحم". وخرجه مسلم إلَّا أن عنده أنه قال: أخبرني بعمل يُدنيني من الجنَّةِ ويُباعدُني من النَّارِ. وعنده في رواية: فلما أدبرَ قال رسول الله - ﷺ -: "إن تمسَّك بما أُمِرَ به، دخلَ الجنة" (^١).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة أن أعرابيًا قال: يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ إذا عملتُه دخلتُ الجنة، قال: "تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ المكتوبة، وتؤدِّي الزكاةَ المفروضة، وتصومُ رمضانَ"، قال: والذي بعثك بالحقِّ، لا أزيدُ على هذا شيئًا أبدًا ولا أَنْقُصُ منه، فلمَّا ولَّى، قال النبيّ - ﷺ -: "مَنْ سرَّه أن ينظرَ إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّة، فلينظر إلى هذا" (^٢).
وفي "الصحيحين" عن طلحة بن عُبَيد الله أن أعرابيًا جاء إلى رسولِ الله - ﷺ - دائرَ الرأس، فقال: يا رسولَ الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاةِ؟ فقال: "الصلوات الخمس، إلا أن تَطَّوَّع شيئًا"، فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الصِّيام؟ فقال: "شهر رمضان، إلا أن تطوَّعَ شيئًا" فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الزَّكاة؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك بالحقِّ، لا أتطوَّعُ شيئًا ولا أنقصُ ممَّا فرضَ الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "أفلح إن صدق - أو دخل الجنَّة إن صدق - " ولفظه للبخاري (^٣).
_________________
(١) = ورواه بإسقاط موسى أبي جعفر متابع عطاء بن السائب، الدارمي ١/ ١٦٥، والطبراني (٨١٥٢) من طريق محمد بن فضيل به.
(٢) رواه البخاري (١٣٩٦) و(٥٩٨٢)، ومسلم (١٣)، وأحمد ٥/ ٤١٧، و٤١٨، وصححه ابن حبان (٣٢٤٥) و(٣٢٤٦).
(٣) رواه البخاري (١٣٩٧)، ومسلم (١٤).
(٤) رواه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١)، وصححه ابن حبان (١٧٢٤).
[ ١ / ٥١٦ ]
وفي "صحيح مسلم" (^١) عن أنس أن أعرابيًا سأل النبيّ - ﷺ - فذكره بمعناه، وزاد فيه: "حجّ البيت من استطاع إليه سبيلًا" فقال: والذي بعثك بالحقِّ لا أزيد عليهن ولا أنقُصُ منهن، فقال النبيُّ - ﷺ -: "لئنْ صدَقَ، ليدْخُلَنَّ الجنَّة".
ومراد الأعرابي أنه لا يزيدُ على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحجِّ البيت شيئًا من التطوُّع، ليس مرادُه أنه لا يعمل بشيءٍ من شرائع الإسلام وواجباته غير ذلك، وهذه الأحاديثُ لم يذكر فيها اجتناب المحرمات، لأن السائل إنما سأله عَنِ الأعمال التي يدخل بها عامِلُها الجنة.
وخرَّج الترمذي من حديث أبي أُمامة قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يَخطُبُ في حجَّةِ الوداع يقول: "أيُّها النَّاس، اتَّقوا الله، وصلُّوا خمسَكم، وصُوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمرِكم، تدخلوا جنّة ربكم" وقال: حسن صحيح، وخرّجه الإمام أحمد، وعنده "اعبدوا ربكم" بدل قوله: "اتقوا الله" (^٢). وخرَّجه بقي بن مخلد في "مسنده" من وجه آخر، ولفظ حديثه: "صلُّوا خمسَكم، وصوموا شهرَكم، وحُجُّوا بيتكم، وأدُّوا زكاة أموالكم، طيِّبةً بها أنفسكم، تدخلوا جنَّة ربِّكم" (^٣).
وخرَّج الإمام أحمد بإسناده عن ابن المنتفق، قال: أتيتُ النبيَّ - ﷺ - وهو بعرفات، فقلت: ثنتان أسألُك عنهما: ما يُنجيني من النار، وما يُدخلني الجنة؟ قال: "لئن كنتَ أوجزت في المسألة، لقد أعظمتَ وأطولت، فاعقل عني إذن: اعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأقم الصَّلاةَ المكتوبةَ، وأدِّ الزَّكاةَ المفروضةَ، وصُمْ
_________________
(١) برقم (١٢). ورواه أيضًا الترمذي (٦١٤)، والنسائي ٤/ ١٢١، وصححه ابن حبان (١٥٥).
(٢) رواه أحمد ٥/ ٢٥١، والترمذي (٦١٦)، والطبراني في "الكبير" (٧٦١٧) و(٧٦٦٤) و(٧٦٧٦) و(٧٦٧٧)، والحاكم ١/ ٩، وصححه ابن حبان (٤٥٦٣).
(٣) ورواه بنحو هذا اللفظ الطبراني في "الكبير" (٧٥٣٥) و(٧٦٢٢) و(٧٧٢٨).
[ ١ / ٥١٧ ]
رمضان، وما تُحِبُّ أن يفعله بكَ النَّاسُ، فافعله بهم، وما تكره أن يأتي إليك، الناس، فذرِ الناس منه".
وفي رواية له أيضًا قال: "اتَّقِ الله، لا تشركْ به شيئًا، وتُقيم الصَّلاة، وتُؤتي الزَّكاة، وتحجّ البيت، وتصوم رمضان، ولم تَزِدْ على ذلك" (^١) وقيل: إن هذا الصحابي هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط (^٢).
فهذه الأعمال أسبابٌ مقتضية لدخول الجنة، وقد يكونُ ارتكابُ المحرَّمات موانع، ويدلُّ على هذا ما خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن مرّة الجهني، قال: جاء رجلٌ إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، شهدتُ أن لا إله إلَّا الله، وأنَّك رسولُ الله، وصلَّيتُ الخمس، وأدَّيتُ زكاةَ مالي، وصُمْتُ شهرَ رمضانَ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "من مات على هذا، كان مع النبيّين والصدِّيقينَ والشهداءِ يومَ القيامة هكذا - ونَصَبَ أصبعيه - ما لم يَعُقَّ والديه" (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٤٧٢ و٦/ ٣٨٣ و٣٨٤، والطبراني ١٩/ (٤٧٣). قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ٤٣: في إسناده عبد الله بن أبي عقيل اليشكري، ولم أر أحدًا روى عنه غير ابن المغيرة بن عبد الله، وقال الحافظ في "تعجيل المنفعة" ص ٢٢٩: ليس بالمشهور، ورواه بنحوه عبد الله بن أحمد في زيادات "المسند" ٤/ ٧٦ - ٧٧، والطبراني (٥٤٧٨) عن المغيرة بن سعد بن الأخرم الطائي أو عن عمه. . .، وسعد بن الأخرم الطائي مختلف في صحبته، ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وذكره ابن حبان في كتابه "الثقات" في الصحابة ٣/ ١٥٠، ثم أعاد ذكره في التابعين ٤/ ٢٩٥.
(٢) الصواب أنه غيره، انظر "الإصابة" ٣/ ٣١١ و٤/ ١٨٥، و"أسد الغابة" ٦/ ٣٠٢.
(٣) سقط من المطبوع من "مسند أحمد"، فقد ورد فيه ٤/ ٢٣١ حديث واحد لعمرو بن مرة وهو غير هذا، وقد ذكره الحافظ ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٣١١، فقال: وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عيسى بن طلحة، عن عمرو بن مرة الجهني، وأورده الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٤٧، =
[ ١ / ٥١٨ ]
وقد ورد ترتُّب (^١) دخولِ الجنة على فعلِ بعض هذه الأعمال كالصَّلاةِ، ففي الحديث المشهور: "من صلَّى الصلواتِ لوقتِها، كان له عندَ اللهِ عهدٌ أن يُدخِلَهُ الجنَّة" (^٢). وفي الحديث الصحيح: "من صَلَّى البَرْدَينِ دخل الجنة" (^٣)، وهذا كلُّه من ذكر السبب المقتضي الذي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدلُّ على هذا ما خرَّجه الإمام أحمد عن بشير بن الخَصاصِيةِ، قال: أتيتُ النبيَّ - ﷺ - لأُبايعَه، فشرط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأن أُقيمَ الصَّلاةَ، وأن أُوتي الزكاة، وأن أحجَّ حجة الإِسلام، وأن أصومَ رمضان، وأن أُجاهِد في سبيل الله، فقلتُ: يا رسول الله أما اثنتان (^٤) فوالله ما أُطيقُهُما: الجهاد والصَّدقةُ، فقبضَ رسولُ الله - ﷺ - يدَهَ، ثمَّ حَرَّكَها، وقال: "فلا جهادَ ولا صدقةَ؟ فبمَ تدخلُ الجنَّة إذًا؟ " قلتُ: يا رسول الله أنا أُبايعُك، فبايعتُه عليهنَّ كُلِّهنَّ (^٥). ففي هذا الحديث أنه لا يكفي في دخول الجنة هذه
_________________
(١) = وقال: رواه أحمد والطبراني بإسنادين ورجال أحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح. ورواه البزار (٢٥) بنحوه، وقال الهيثمي ١/ ٤٦: ورجاله رجال الصحيح خلا شيخي البزار، وأرجو إسناده أنه إسناد حسن أو صحيح، وصححه ابن حبان (٣٤٣٨).
(٢) في (ب) و(ج): "ترتيب".
(٣) رواه من حديث عبادة بن الصامت أحمد ٥/ ٣١٧، وأبو داود (٤٢٥) و(١٤٢٠)، والنسائي ١/ ٢٣٠، وابن ماجه (١٤٠١)، وصححه ابن حبان (١٧٣١).
(٤) رواه من حديث أبي موسى الأشعري أحمد ٤/ ٨٠، والبخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥)، وصححه ابن حبان (١٧٣٩).
(٥) في (ب) و(ج): "اثنتين"، والتصويب من "المسند".
(٦) رواه أحمد ٥/ ٢٢٤، ورجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي المثنى العبدي راويه عن بشر واسمه مؤثر بن عفازة، فقد روى عنه جماعة من التابعين، وكره ابن حبان في "الثقات"، ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" (١٢٣٣)، و"الأوسط" (١١٤٨)، وقال الهيثمي في "المجمع" ١/ ٤٢: ورجال أحمد موثقون.
[ ١ / ٥١٩ ]
الخصالُ بدون الزكاة والجهاد.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكابَ بعضِ الكبائر يمنع دخولَ الجنة، كقوله: "لا يدخل الجَنَّةَ قاطع" (^١)، وقوله: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبْر" (^٢)، وقوله: "لا تدخلوا الجنة حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤْمِنوا حتَّى تحابُّوا" (^٣) والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدَّينِ حتى يُقضى (^٤)، وفي الصَّحيح (^٥): أن المؤمنين إذا جازوا الصِّراطَ، حُبِسُوا عَلى قنطرة يقتصُّ منهم مظالمُ كانت بينهم في الدنيا.
_________________
(١) رواه من حديث جبير بن مطعم أحمد ٤/ ٨٠ و٨٤، والبخاري (٥٩٨٤)، ومسلم (٢٥٥٦)، وأبو داود (١٦٩٦)، والترمذي (١٩٠٩)، وصححه ابن حبان (٤٥٤).
(٢) رواه من حديث ابن مسعود أحمد ١/ ٤١٢ و٤١٦، ومسلم (٩١)، وأبو داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٨)، وابن ماجه (٤١٧٣)، وصححه ابن حبان (٢٢٤) و(٥٦٨٠).
(٣) وتمام الحديث "ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٤٤٢ و٤٩٥، ومسلم (٥٤)، وأبو داود (٥١٩٣)، والترمذي (٢٦٨٨)، وابن ماجه (٦٨) (٣٦٩٢)، وصححه ابن حبان (٢٣٦).
(٤) روى الطيالسي (٨٩١) و(٨٩٢) وأحمد ٥/ ١١ و١٣ و٢٠، وأبو داود (٣٣٤١)، والنسائي ٧/ ٣١٤ - ٣١٥، والحاكم ٢/ ٢٥ - ٢٦ من حديث سمرة بن جندب، قال صلى رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فلما أقبل، قال: "هاهنا من بني فلان أحد؟ " فسكت القوم، وكان إذا ابتغاهم بشيء سكتوا، ثم قال: "هاهنا من بني فلان أحد؟ " فقال رجل: هذا فلان، فقال: "إن صاحبكم قد حبس على باب الجنة بدين كان عليه"، فقال رجل: عليَّ دينه، فقضاه.
(٥) أي البخاري، وهو فيه (٢٤٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري، ولفظه: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا نقُّوا وهُذِّبوا، أُذِن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدلّ بمنزله كان في الدنيا".
[ ١ / ٥٢٠ ]
وقال بعض السلف: إن الرجل ليُحبَسُ على باب الجنَّةِ مئة عامٍ بالذنب كان يعملُه في الدنيا. فهذه كُلُّها موانع.
ومن هنا يظهرُ معنى الأحاديث التي جاءت في ترتيب دخول الجنة على مجرَّد التوحيد، ففي "الصحيحين" عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ما مِنْ عبد قال: لا إله إلا الله ثمَّ مات على ذلك إلَّا دخل الجنة"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: "وإن زنى وإن سرق"، قالها ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذرٍّ"، فخرج أبو ذرٍّ وهو يقول: وإن رغم أنفُ أبي ذرٍّ (^١).
وفيهما عن عُبادة بن الصامت عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ شهد أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له، وأنَّ محمدًا عبده ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله ورسوله وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأن الجنَّةَ حقٌّ، والنَّارَ حقٌّ، أدخله الله الجنة على ما كان من عملٍ" (^٢).
وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن أبي هريرة أو أبي سعيد - بالشَّكِّ - عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يلقى الله بهما عَبْدٌ غيرَ شاكٍّ، فيُحْجَبُ عن الجنة".
وفيه عن أبي هُريرة أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال له يومًا: "مَنْ لَقِيتَ يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبُه، فبشِّره بالجنَّة" (^٤) وفي المعنى أحاديث كثيرة جدًّا.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٨٢٧)، ومسلم (٩٤)، وأحمد ٥/ ١٦٦، وصححه ابن حبان (١٦٩).
(٢) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨)، وأحمد ٥/ ٣١٤، وصححه ابن حبان (٢٠٧).
(٣) رقم، (٢٧) (٤٥).
(٤) قطعة من حديث مطول رواه مسلم (٣١)، وصححه ابن حبان (٤٥٤٣).
[ ١ / ٥٢١ ]
وفي "الصحيحين" عن أنس أن النبيَّ - ﷺ - قال يومًا لمعاذ: "ما مِنْ عبدٍ يشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدُه ورسوله إلَّا حرَّمه الله على النار" (^١).
وفيهما عن عِتبان بن مالك، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ الله قد حرَّم على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه اللهِ" (^٢).
فقال طائفةٌ من العلماء: إن كلمة التوحيد سببٌ مقتض لدخول الجنة وللنجاة مِنَ النَّارِ، لكن له شروط، وهي الإتيانُ بالفرائضِ، وموانعُ وهي إتيانُ الكبائر. قال الحسن للفرزدق: إن للا إله إلا الله شروطًا، فإيَّاك وقذفَ المحصنة. ورُوي عنه أنه قال: هذا العمودُ، فأين الطُّنُبُ (^٣)، يعني: أن كلمةَ التوحيد عمودُ الفسطاط، ولكن لا يثبتُ الفسطاطُ بدون أطنابه، وهي فعلُ الواجبات، وتركُ المحرَّمات.
وقيل للحسن: إنَّ ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدَّى حقَّها وفرضها، دخلَ الجنَّةَ.
وقيل لوهب بنِ مُنبِّه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئتَ بمفتاح له أسنان، فتح لك، وإلَّا لم يفتح لك (^٤).
ويشبه هذا ما رُوِيَ عن ابن عمرَ أنَّه سُئِلَ عن لا إله إلا الله: هل يضرُّ معها
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).
(٢) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣)، وابن حبان (٢٢٣).
(٣) الطنب: حبل طويل يشد به سرادق البيت.
(٤) علقه البخاري في "صحيحه" في أول كتاب الجنائز ٣/ ١٠٩، وقد وصله هو في "التاريخ" ١/ ٩٥، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٦٦ من طريق محمد بن سعيد بن رمانة، قال: أخبرني أبي، قال: قيل لوهب بن منبه.
[ ١ / ٥٢٢ ]
عملٌ، كما لا ينفع مع تركها عملٌ؟ فقال ابن عمر: عش ولا تغتر (^١).
وقالت طائفةٌ - منهم الضحاكُ والزهري -: كان هذا قبلَ الفرائض والحدود، فمِنْ هؤلاء مَنْ أَشار إلى أنها نُسِخَتْ، ومنهم من قال: بل ضُمَّ إليها شروطٌ زيدت عليها، وزيادة الشرط هل هي نسخ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين، وفي هذا كلِّه نظرٌ، فإنَّ كثيرًا مِنْ هذه الأحاديث متأخر بعدَ الفرائض والحدود.
وقال الثوري: نسختها الفرائضُ والحدودُ، فيحتمل أن يكونَ مرادُه ما أراده هؤلاء، ويحتمل أن يكون مرادُه أن وجوبَ الفرائض والحدود تبيَّن بها أن عقوبات الدنيا لا تسقُطُ بمجرَّدِ الشهادتين، فكذلك عقوباتُ الآخرة، ومثل هذا البيان وإزالة الإِيهام كان السلفُ يُسَمُّونه نسخًا، وليس هو بنسخ في الاصطلاح المشهور.
وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأنْ يقولها بصدقٍ وإخلاص، وإخلاصُها وصدقُها يمنع الإِصرارَ معها على معصية.
وجاء من مراسيل الحسن عن النبيِّ - ﷺ - "من قال: لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة" قيل: وما إخلاصها؟ قال: "أن تحجُزَكَ عمَّا حرَّم الله". وروي ذلك مسندًا من وجوه أخرَ ضعيفة (^٢).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٣١١ من طريق قتادة بن دعامة السدوسي، قال: سئل ابن عمر. . .، وقتادة لم يسمع من ابن عمر.
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" (١٥٠٧٤)، وأبو نعيم في "الحلية" ٩/ ٢٥٤ من حديث زيد بن أرقم، وفيه أبو داود نفيع بن الحارث، وهو متروك. ورواه الطبراني في "الأوسط" من طريق آخر، وفيه عبد الرحمن بن غزوان، قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٨: وهو وضاع.
[ ١ / ٥٢٣ ]
ولعلَّ الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا فإنَّ تحقق القلب بمعنى "لا إله إلا الله" وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخَ فيه تألُّهُ الله وحده، إجلالًا، وهيبةً، ومخافةً، ومحبَّةً، ورجاءً، وتعظيمًا، وتوكُّلًا، ويمتلئَ بذلك، وينتفيَ عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبقَ فيه محبَّةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغير ما يُريدُهُ الله ويحبُّه ويطلبه، وينتفي بذلك مِنَ القلب جميعُ أهواءِ النُّفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحب شيئًا وأطاعه، وأحبَّ عليه وأبغض عليه، فهو إلههُ، فمن كان لا يحبُّ ولا يُبغضُ إلا لله، ولا يُوالي ولا يُعادي إلا له، فالله إلههُ حقًّا، ومن أحبَّ لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] قال الحسن: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه (^١). وقال قتادة: هو الذي كلما هَوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا، أتاه، لا يَحجُزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى (^٢). ويُروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا "ما تحتَ ظلِّ السماء إله يُعبد أعظم عندَ الله من هوى متَّبع" (^٣).
وكذلك مَنْ أطاعَ الشيطان في معصية الله، فقد عبده، كما قال ﷿: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠].
فتبيَّن بهذا أنَّه لا يصحُّ تحقيقُ معنى قولِ: لا إله إلا الله، إلَّا لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يُريده الله، ومتى
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" ٦/ ٢٦٠.
(٢) رواه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور".
(٣) موضوع، رواه "الطبراني" في "الكبير" (٧٥٠٢)، وابن عدي في "الكامل" ٢/ ٧١٥، وفي سنده الحسن بن دينار وهو متروك، وشيخه فيه الخصيب بن جحدر، كذبه شعبة والقطان، ويحيى بن معين، والبخاري.
[ ١ / ٥٢٤ ]
كان في القلب شيءٌ مِنْ ذلك، كان ذلك نقصًا في التوحيد، وهو مِنْ نوع الشِّرك الخفيِّ. ولهذا قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] قال: لا تحبُّوا غيري.
وفي "صحيح الحاكم" (^١) عن عائشة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "الشِّركُ أخفى من دبيب الذَّرِّ على الصَّفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تُحِبَّ على شيءٍ مِنَ الجَوْرِ، وتُبغِضَ على شيءٍ منَ العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبّ والبغض؟ قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وهذا نصٌّ في أن محبةَ ما يكرهه الله، وبغضَ مَا يُحبه متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيّ.
وخرَّج ابن أبي الدُّنيا من حديث أنس مرفوعًا: "لا تزالُ لا إله إلا الله تمنعُ العبادَ مِنْ سخط الله، ما لم يُؤْثِروا دُنياهم على صَفقةِ دينهم، فإذا آثرُوا صفقةَ دُنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله رُدَّتْ عليهم، وقال الله: كذبتم" (^٢).
_________________
(١) ٢/ ٢٩١ وإطلاق الصحة على كتاب الحاكم تساهل غير مرضي عند النقاد، ورواه أيضًا أبو نعيم في "الحلية" ٩/ ٢٥٣، وصححه الحاكم، ورده الذهبي بقوله: عبد الأعلى (هو ابن أعين أحد رواة الحديث) قال الدارقطني: ليس بثقة. ورواه ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" ٢/ ٢٤، ونقل عن أبي زرعة قوله: هذا حديث منكر.
(٢) ورواه البزار (٣٦١٩) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن عبد الله بن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة، وعبد الله بن محمد بن عجلان، قال العقيلي: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب، روى عن أبيه نسخة موضوعة، وقال أبو حاتم: لا أعرفه ولا أعرف حديثه، وسئل أبو زرعة عنه، فقال: قد سمعت منه ولم أكتب من حديثه شيئًا، قيل له: حدث إبراهيم بن حمزة عنه، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة رفعه: "لا تزال لا إله إلا الله تدفع. . ." فقال: ما أعظم ما جاء به، ينبغي أن يلقى حديث هذا الشيخ، وأورد له العقيلي هذا الحديث،=
[ ١ / ٥٢٥ ]
فتبيَّن بهذا معنى قوله - ﷺ -: "من (^١) شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه حرَّمه الله على النار"، وأنَّ من دخل النارَ من أهل هذه الكلمة، فَلِقِلَّةِ صدقه في قولها، فإنَّ هذه الكلمة إذا صدقت، طهَّرت من القلب كلَّ ما سوى الله، فمن صدق في قوله: لا إله إلا الله، لم يُحبَّ سواه، ولم يَرْجُ إلَّا إيَّاه، ولم يخش أحدًا إلَّا الله، ولم يتوكَّل إلَّا على الله، ولم تبق له بقيَّةٌ من آثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثرٌ لسوى الله، فمن قلَّة الصدق في قولها.
نارُ جهنَّم تنطفئ بنور إيمان الموحدين، كما في الحديث المشهور: "تقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمنُ، فقد أطفأ نورُك لهبي" (^٢).
وفي "مسند" الإمام أحمد (^٣) عن جابرٍ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: "لا يبقى برٌّ ولا فاجر إلَّا دخلها، فتكونُ على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، حتى إنَّ للنار ضجيجًا من بردهم".
_________________
(١) = وقال: لا يُتابع عليه، وقد جاء عن الحسن قوله. قلت: ومع هذا فقد حسن الهيثمي إسناده في "المجمع" ٧/ ٢٧٧.
(٢) سقطت من (ب) و(ج).
(٣) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٩/ ٣٢٩، والطبراني في "الكبير" ٢٢/ (٦٦٨) من طريقين عن بشير بن طلحة، عن خالد بن دريك، عن يعلى بن مُنْيَة. . .، وبشير بن طلحة ضعيف، وخالد بن دريك لم يسمع من يعلى.
(٤) ٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩، وصححه الحاكم ٤/ ٥٨٧، ووافقه الذهبي مع أن في سنده أبا سمية الراوي عن جابر، لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الإمام الذهبي في "الميزان" ٤/ ٥٣٤: مجهول. قال الحافظ ابن كثير بإثر إيراده في "تفسيره" ٥/ ٢٤٧ من طريق أحمد: غريب ولم يخرجوه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٥٣٥، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في "البعث".
[ ١ / ٥٢٦ ]
فهذا ميراثٌ وَرِثَه المؤمنون من حالِ إبراهيم ﵇، فنارُ المحبة في قلوب المؤمنين تخافُ منها نارُ جهنم. قال الجنيد: قالت النار: يا ربِّ، لو لم أُطِعك، هل كنت تُعذِّبني بشي هو أشدُّ مني؟ قال: نعم كنتُ أسلط عليك نارِي الكبرى، قالت: وهل نارٌ أعظم مني وأشدُّ؟ قال: نعم نار محبتي أسكنتُها قلوبَ أوليائي المؤمنين. وفي هذا يقول بعضهم:
ففي فؤادِ المُحِبِّ نارُ هوى … أحرُّ نارِ الجحيم أبردُهَا
ويشهد لهذا المعنى حديثُ معاذ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ كان آخِرَ كلامِهِ لا إله إلا الله، دخل الجنَّة" (^١)، فإنَّ المحتضرَ لا يكادُ يقولُها إلَّا بإخلاصٍ، وتوبةٍ، وندمٍ على ما مضى، وعزم على أن لا يعودَ إلى مثله، ورجح هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّفٍ له مفرد في التوحيد، وهو حسن.
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٢٣٣ و٢٤٧، وأبو داود (٣١١٦)، وصححه الحاكم ١/ ٣٥١، ووافقه الذهبي. وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن حبان (٣٠٠٤).
[ ١ / ٥٢٧ ]