عَنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هَذا ما لَيسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ" رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ، وفي رِوايةٍ لِمُسلِمٍ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أمرُنا فَهو رَدٌّ".
هذا الحديث خرَّجاه في "الصحيحين" (^١) من حديث القاسم بن محمد عن عمته عائشة ﵂ وألفاظ الحديث مختلفة، ومعناها متقارب، وفي بعض ألفاظه: "مَنْ أحدث في ديننا ما ليس فيه، فهو ردّ".
وهذا الحديث أصلٌ عظيمٌ من أُصول الإِسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها كما أن حديث: "الأعمال بالنيَّات" ميزان للأعمال في باطِنها، فكما أن كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كلُّ عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله، وكلُّ مَنْ أحدثَ في الدِّين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس مِنَ الدِّين في شيء.
وسيأتي حديثُ العِرباض بن ساريةَ (^٢) عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: "مَنْ يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتِي وسنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشدين
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨)، ورواه أيضًا أحمد ٦/ ٧٣ و٢٤٠ و٢٧٠، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤)، وصححه ابن حبان (٢٦) و(٢٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) وهو الحديث الثامن والعشرون.
[ ١ / ١٧٦ ]
المهديِّين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجِذ، وإيَّاكُم ومُحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كُلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلِّ بدعةٍ ضلالةٌ".
وكان - ﷺ - يقول في خطبته: "أصدقُ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرُ الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها" (^١) وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه، ونتكلم هاهنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردها.
فهذا الحديث يدلُّ بمنطوقه على أن كلَّ عملٍ ليس عليه أمر الشارع، فهو مردود، ويدلّ بمفهومه على أن كلَّ عمل عليه أمره، فهو غير مردود، والمراد بأمره هاهنا: دينُه وشرعُه، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه".
فالمعنى إذًا: أن مَنْ كان عملُه خارجًا عن الشرع ليس متقيدًا بالشرع، فهو مردود.
وقوله: "ليس عليه أمرنا" إشارةٌ إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحتَ أحكام الشريعة، وتكون أحكام الشريعة حاكمةً عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عملُه جاريًا تحت أحكام الشرع، موافقًا لها، فهو مقبولٌ، ومن كان خارجًا عن ذلك، فهو مردودٌ.
والأعمال قسمان: عبادات، ومعاملات.
فأما العبادات، فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ النسائي ٣/ ١٨٨ - ١٨٩. ورواه بلفظ: "خير الحديث … " مسلم (٦٨٧)، وابن ماجه (٤٥).
[ ١ / ١٧٧ ]
الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فمن تقرَّب إلى الله بعمل، لم يجعله الله ورسولُه قربة إلى الله، فعمله باطلٌ مردودٌ عليه، وهو شبيهٌ بحالِ الذين كانت صلاتُهم عندَ البيت مُكاء وتصدية، وهذا كمن تقرَّب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرَّقص، أو بكشف الرَّأس في غير الإِحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسولُه التقرُّب بها بالكلية.
وليس ما كان قربة في عبادة يكونُ قربةً في غيرها مطلقًا، فقد رأى النَّبيُّ - ﷺ - رجلًا قائمًا في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنَّه نذر أن يقوم ولا يقعدَ ولا يستظلّ وأن يصومَ، فأمره النَّبيُّ - ﷺ - أنْ يَقعُدَ ويستظلَّ، وأن يُتمَّ صومه (^١) فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربةً يُوفى بنذرهما. وقد روي أن ذلك كان في يوم جمعة عندَ سماعِ خطبة النَّبيِّ - ﷺ - (^٢) وهو على المنبر، فنذر أن يقومَ ولا يقعدَ ولا يستظلَّ ما دامَ النَّبيُّ - ﷺ - يخطُبُ، إعظامًا لسماع خطبة النَّبيِّ - ﷺ -، ولم يجعل النَّبي - ﷺ - ذلك قربةً تُوفى بنذره، مع أن القيام عبادةً في مواضعَ أُخَر، كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربةٌ للمحرِم، فدلَّ على أنَّه ليس كلُّ ما كان قربة في موطنٍ يكون قربةً في كُلِّ المواطن، وإنَّما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعةُ في مواضعها.
وكذلك من تقرَّب بعبادة نُهِيَ عنها بخصوصها، كمن صامَ يومَ العيد، أو صلَّى في وقت النهي.
وأمَّا من عمل عملًا أصلُه مشروعٌ وقربةٌ، ثم أدخلَ فيه ما ليس بمشروعٍ، أو أخلَّ فيه بمشروع، فهذا مخالفٌ أيضًا للشريعة بقدر إخلاله بما أخلَّ به، أو
_________________
(١) رواه من حديث ابن عباس البخاري (٦٧٠٤)، وأبو داود (٣٣٠٠)، وصححه ابن حبان (٤٣٨٥).
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" (١١٨٧١)، والطحاوي في "مشكل الآثار" ٣/ ٤٤، والخطيب البغدادي في "الأسماء المبهمة" ص ٢٧٤.
[ ١ / ١٧٨ ]
إدخاله ما أدخلَ فيه، وهل يكونُ عملُه من أصله مردودًا عليه أم لا؟ فهذا لا يُطلق القولُ فيه بردٍّ ولا قَبولٍ، بل يُنظر فيه: فإن كان ما أخلَّ به من أجزاء العمل أو شروطه موجبًا لبطلانه في الشريعة، كمن أخلَّ بالطهارة للصلاة مع القُدرة عليها، أو كمن أخلَّ بالرُّكوع أو بالسجود أو بالطُّمانينة فيهما، فهذا عملُه مردودٌ عليه، وعليه إعادتُه إن كان فرضًا، وإن كان ما أخلَّ به لا يُوجِبُ بُطلانَ العمل، كمن أخلَّ بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يُوجِبُها ولا يجعلُها شرطًا، فهذا لا يُقالُ: إن عمله مردودٌ من أصله، بل هو ناقصٌ.
وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودةٌ عليه، بمعنى أنَّها لا تكونُ قربةً ولا يُثابُ عليها، ولكن تارة يبطُلُ بها العمل من أصله، فيكون مردودًا، كمن زاد في صلاته ركعةً عمدًا مثلًا، وتارةً لا يُبطله، ولا يردُّه من أصله، كمن توضأ أربعًا أربعًا، أو صام الليل مع النَّهار، وواصل في صيامه، وقد يبدَّلُ بعض ما يُؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه، كمن ستر عورتَه في الصَّلاة بثوب مُحرَّم، أو توضأ للصلاة بماءٍ مغصُوبٍ، أو صلَّى في بُقعةٍ غَصْبٍ، فهذا قد اختلفَ العُلماءُ فيه: هل عملُه مردودٌ من أصله، أو أنه غيرُ مردود، وتبرأ به الذِّمَّةُ من عُهدة الواجب؟ وأكثرُ الفُقهاء على أنَّه ليس بمردود من أصله، وقد حكى عبدُ الرَّحمن بنُ مهدي عن قومٍ من أصحاب الكلامِ يقال لهم: الشِّمريَّة أصحاب أبي شمر (^١) أنَّهم يقولون: إنَّ من صلَّى في ثوبٍ كان في ثمنه درهمٌ حرامٌ أن عليه إعادة صلاته، وقال: ما سمعتُ قولًا أخبثَ مِنْ قولهم، نسأل الله العافية، وعبد الرَّحمن بنُ مهدي من أكابر فُقهاء أهلٍ الحديث، المطَّلعين على مقالات السلف، وقد استنكر هذا القول وجعله بدعةً، فدلَّ على أنَّه لم يُعلم عن أحدٍ من السَّلف القولُ بإعادة الصَّلاة في مثل هذا.
_________________
(١) كان يجمع بين الإِرجاء والقدر. انظر "الملل" للشَّهرستاني ١/ ١٤٥، و"التبصير في الدين" للإِسفراييني ص ٢٤.
[ ١ / ١٧٩ ]
ويشبه هذا الحجُّ بمالٍ حرامٍ، وقد ورد في حديثٍ أنَّه مردودٌ على صاحبه، ولكنه حديث لا يثبت (^١)، وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟.
وقريب من ذلك الذَّبحُ بآلة محرَّمة، أو ذبحُ مَنْ لا يجوزُ له الذبحُ، كالسارق، فأكثرُ العلماء قالوا: إنَّه تُباح الذبيحة بذلك، ومنهم من قال: هي محرَّمةٌ، وكذا الخلاف في ذبح المُحْرِم لِلصَّيدِ، لكن القول بالتَّحريم فيه أشهرُ وأظهرُ، لأنه منهيٌّ عنه بعينه.
ولهذا فرَّق مَنْ فرَّق مِنَ العُلماء بين أن يكون النَّهيُ لمعنى يختصّ بالعبادة فيبطلها، وبين أن لا يكون مختصًا بها فلا يبطلها، فالصلاة بالنجاسة، أو بغير طهارة، أو بغير ستارة، أو إلى غير القبلة يُبطلها، لاختصاص النهي بالصلاة، بخلاف الصلاة في الغصب، ويشهدُ لهذا أن الصيام لا يبطله إلَّا ارتكابُ ما نهي عنه فيه بخصوصه، وهو جنسُ الأكل والشرب والجماع، بخلاف ما نهي عنه الصائم، لا بخصوص الصيام، كالكذب والغيبة عند الجمهور.
وكذلك الحجُّ لا يبطله إلا ما نهي عنه في الإِحرام، وهو الجماعُ، ولا يبطله ما لا يختصُّ بالإِحرام من المحرَّمات، كالقتل والسرقة وشرب الخمر.
وكذلك الاعتكافُ: إنَّما يبطل بما نهي عنه فيه بخصوصه، وهو الجماعُ، وإنَّما يبطل بالسُّكر عندنا وعند الأكثرين، لنهي السَّكران عن قربان المسجد
_________________
(١) روى البزار (١٠٧٩)، والطبراني في "الأوسط" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا خرج الحاجُّ بنَفقَةٍ خبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادُك حرام، ونفقتك حرام، وحجُّك حرام غير مبرور". لفظ الطبراني. وذكره الهيثمي في "المجمع" ٣/ ٢٠٩ - ٢١٠ و١٠/ ٢٩٢، وقال: فيه سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف، وأشار الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ١٨٠ إلى ضعفه.
[ ١ / ١٨٠ ]
ودخوله على أحدِ التأويلين في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] أن المرادَ مواضع الصلاة، فصار كالحائض، ولا يبطلُ الاعتكافُ بغيره من ارتكاب الكبائر عندنا وعندَ كثيرٍ من العلماء، وإن خالف في ذلك طائفةٌ من السلف، منهم عطاء والزُّهري والثوري ومالك، وحُكي عن غيرهم أيضًا.
وأمَّا المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما، فما كان منها تغييرًا للأوضاع الشرعية، كجعل حدِّ الزِّنى عقوبةً مالية، وما أشبه ذلك، فإنَّه مردودٌ من أصله، لا ينتقل به الملكُ، لأنَّ هذا غيرُ معهود في أحكام الإِسلام، ويدلُّ علي ذلك أن النَّبيَّ - ﷺ - قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا على فلان، فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمئة شاةٍ وخادم، فقال النَّبيّ - ﷺ -: "المئة شاة والخادم ردٌّ عليكَ، وعلى ابنك جَلدُ مئة، وتغريبُ عام" (^١).
وما كان منها عقدًا منهيًا عنه في الشرع، إما لكون المعقود عليه ليس محلًا للعقد، أو لفوات شرطٍ فيه، أو لظلم يحصُلُ به للمعقود معه أو عليه، أو لكون العقد يشغل عن ذكر الله الواجب عند تضايُق وقته، أو غير ذلك، فهذا العقدُ: هل هو مردودٌ بالكلية، لا ينتقل به الملك، أم لا؟ هذا الموضع قد اضطربَ النَّاس فيه اضطرابًا كثيرًا، وذلك أنه ورد في بعض الصور أنه مردودٌ لا يفيد الملك، وفي بعضها أنه يُفيده، فحصل الاضطرابُ فيه بسبب ذلك، والأقربُ - إن شاء الله تعالى - أنه إن كان النهيُ عنه لحقٍّ لله ﷿، فإنه لا يفيدُ الملكَ بالكلية، ونعني بكون الحق لله: أنه لا يسقطُ برضا المتعاقدين عليه، وإن كان النهيُ عنه لحقِّ آدميٍّ معيّن، بحيث يسقط برضاه به، فإنه يقفُ على رضاه به، فإن رضي، لزم العقدُ، واستمر الملكُ، وإن لم يرض به، فله الفسخُ، فإن كان
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهنيِّ البخاريُّ (٢٦٩٥) و(٢٦٩٦)، ومسلم (١٦٩٧) و(١٦٩٨).
[ ١ / ١٨١ ]
الذي يلحقه الضررُ لا يُعتبر رضاه بالكلية، كالزوجة والعبد في الطلاق والعَتاق، فلا عِبرة برضاه ولا بسخطه، وإن كان النهيُ رفقًا بالمنهى خاصةً لما يلحقه من المشقة، فخالف وارتكب المشقة، لم يبطل بذلك عملُه.
فأما الأوَّلُ، فله صورٌ كثيرةٌ:
منها نكاحُ من يحرُمُ نكاحُه، إمَّا لعينه، كالمحرَّمات على التَّأبيد بسببٍ أو نسبٍ، أو للجمع أو لفواتِ شرط لا يَسقُطُ بالتراضِي بإسقاطه: كنكاح المعتدةِ والمحرِمة، والنكاح بغير وليٍّ ونحو ذلك، وقد روي أن النَّبيَّ - ﷺ - فرَّق بَيْنَ رجلٍ وامرأةٍ تزوَّجها وهي حُبْلى (^١)، فردَّ النِّكاحَ لوقوعه في العدّة.
_________________
(١) روى عبد الرزاق في "المصنّف" (١٠٧٤) وأبو داود (٢١٣١) عن ابن جريج، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيِّب، عن رجل من الأنصار يقال له بصرة، قال: تزوجت امرأة بكرًا في سترها، فدخلتُ عليها، فإذا هي حُبلى، فقال النَّبي - ﷺ -: لها الصَّداق بما استحللت من فرجها والولد عبد لك، فإذا ولدت فاجلدها". ورواه أبو داود (٢١٣٢) من طريق آخر عن سعيد بن المسيِّب فذكر معناه وزاد فيه: وفرق بينهما. قال ابن القيم في "تهذيب السنن" ٣/ ٦٠ - ٦١: هذا الحديث قد اضطرب في سنده وحكمه، واسم الصحابي راويه. فقيل: بصرة، بالباء الموحَّدة والصاد المهملة، وقيل: نضرة، بالنون المفتوحة والضاد المعجمة، وقيل: نضلة، بالنون والضاد المعجمة واللام، وقيل: بسرة بالباء الموحدة والسِّين المهملة، وقيل: نضرة بن أكثم الخزاعي، وقيل: الأنصاري، وذكر بعضهم: أنه بصرة بن أبي بصرة الغفاري، ووهم قائله. وقيل: بصرة هذا مجهول، وله علَّة عجيبة، وهي أنه حديث يرويه ابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار. وابن جريج لم يسمعه من صفوان، إنَّما رواه عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن صفوان، وإبراهيم هذا متروك الحديث، تركه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وابن المبارك وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم، وسئل عنه مالك بن أنس: أكان =
[ ١ / ١٨٢ ]
ومنها عقودُ الربا، فلا تُفيد الملك، ويؤمر بردِّها، وقد أمر النبيُّ - ﷺ - من باع صاعَ تمرٍ بصاعين أن يردَّه (^١).
ومنها بيعُ الخمرِ والميتةِ والخنزير والأصنام والكلب، وسائر ما نهي عن بيعه
_________________
(١) = ثقة؟ فقال: لا، ولا في دينه. وله علة أخرى، وهي أن المعروف أنه إنما يُروى مرسلًا عن سعيد بن المسيب عن النَّبي - ﷺ -، كذا رواه قتادة ويزيد بن نعيم وعطاء الخراساني، كلهم عن سعيد عن النَّبي - ﷺ -. ذكر عبد الحق هذين التعليلين، ثم قال: والإِرسال هو الصحيح. وقد اشتمل هذا الحديث على عدة أحكام: أحدها: وجوب الصداق عليه بما استحلَّ من فرجها وهو ظاهر؛ لأن الوطء فيه غايته أن يكون وطء شبهة إن لم يصحَّ النكاح. الثاني: بُطلان نكاح الحامل من الزنى، ويرى الإِمام أحمد أن الزانية لا يجوز تزوجها حتَّى تتوب، وتنقضي عدتها، فمتى تزوجها قبل التوبة أو قبل انقضاء عدتها، كان النكاح فاسدًا، ويفرَّق بينهما. الثالث: وجوب الحد بالحبل، وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين. الرابع: إرقاق ولد الزنى وهو موضع الإِشكال في الحديث، قال الخطابي: ولا أعلم أحدًا من العلماء اختلف في أن ولد الزنى حرٌّ إن كان من حرة، فكيف يستعبد، ويشبه أن يكون معناه - إن ثبت الخبر -: أنه أوصَاه بهِ خيرًا، وأمر باصطناعه وتربيته واقتنائه لينتفع بخدمته إذا بلغ فيكون كالعبد في الطاعة مكافأةً له على إحسانه وجزاءً لمعروفه. وقال ابن القيم: بعضُ الرواة لم يذكره في حديثه، كذلك رواه سعيد وغيره، وإنما قالوا: ففرق بينهما وجعل لها الصداق وجلدها مئة، وعلى هذا، فلا إشكال في الحديث.
(٢) روى مسلم (١٥٩٤) (٩٧) من حديث أبي سعيد الخدري، قال: أتي رسول الله - ﷺ - بتمر، فقال: "ما هذا التمر من تمرنا"، فقال الرجل: يا رسول الله: بعنا تمرنا صاعين بصاعٍ من هذا، فقال رسول الله - ﷺ -: "هذا الربا فردوه، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا".
[ ١ / ١٨٣ ]
ممَّا لا يجوز التراضي ببيعه.
وأما الثاني، فله صُورٌ عديدة: منها إنكاحُ الوليِّ من لا يجوزُ له إنكاحُها إلا بإذنها بغير إذنها، وقد ردَّ النَّبيُّ - ﷺ - نكاحَ امرأة ثيِّبٍ زوَّجها أبوها وهي كارهةٌ (^١)، وروي عنه أنَّه خيَّرَ امرأة زُوِّجَت بغير إذنها (^٢)، وفي بطلان هذا النكاح ووقوفه على الإِجازة روايتان عن أحمد.
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرَّف لغيره في ماله بغير إذنه، لم يكن تصرُّفه باطلًا من أصله، بل يقفُ على إجازته، فإن أجازه جازَ، وإن ردَّه بطَل، واستدلُّوا بحديث عُروة بن الجعد في شرائه للنبيِّ - ﷺ - شاتين، وإنَّما كان أمرَه بشراء شاةٍ واحدةٍ، ثم باع إحداهما، وقبل ذلك النبيُّ - ﷺ - (^٣). وخصَّ ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرَّف لغيره في ماله بإذنٍ إذا خالف الإِذن.
ومنها تصرُّف المريضِ في ماله كلِّه: هل يقعُ باطلًا من أصله أم يقف تصرفه في الثلثين على اجازة الورثة؟ فيه اختلاف مشهورٌ للفقهاء، والخلاف في
_________________
(١) روى مالك في "الموطأ" ٢/ ٥٣٥، ومن طريقه البخاري (٥١٣٨) عن خنساء بنت خِذام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيِّبٌ، فكرهت ذلك، فأتت النَّبي - ﷺ -، فردَّ نكاحَهُ.
(٢) رواه أحمد ١/ ٢٧٣ وأبو داود (٢٠٩٦) وابن ماجه (١٨٧٥) من طريق جرير بن حازم عن أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس، ورجاله ثقات، لكن أعلَّه أبو داود وغيره بالإِرسال، وردَّه ابن القيم في "تهذيب السُّنن" ٣/ ٤٠، وابن التركماني في "الجوهر النقي" ٧/ ١١٧.
(٣) روى أحمد ٤/ ٣٧٥، والحميدي (٨٤٣)، والبخاري (٣٦٤٢)، وأبو داود (٣٣٨٤)، والترمذيّ (١٢٥٨)، وابن ماجه (٢٤٠٢) عن عروة بن أبي الجعد البارقي أن النَّبي - ﷺ - أعطاه دينارًا يشتري به شاةً، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
[ ١ / ١٨٤ ]
مذهب أحمد وغيره، وقد صحَّ أن النَّبيَّ - ﷺ - رُفِع إليه أن رجلًا أعتق ستةَ مملوكين له عند موته، لا مال له غيرهم، فدعا بهم، فجزَّأهم ثلاثةَ أجزاء، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعةً، وقال له قولًا شديدًا (^١)، ولعلَّ الورثة لم يُجيزوا عتق الجميع والله أعلم.
ومنها بيعُ المدلس ونحوه كالمُصَرَّاةِ، وبَيعِ النَّجَشِ، وتلقي الركبان (^٢) ونحو ذلك، وفي صحَّته كُلِّه اختلافٌ مشهورٌ في مذهب الإِمام أحمد، وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه وردِّه.
والصحيح أنه يصحُّ ويقفُ على إجازة من حصل له ظلمٌ بذلك، فقد صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه جعل مشتري المصرَّاة بالخيار (^٣)، وأنه جعل للركبان الخيار إذا
_________________
(١) رواه من حديث عمران بن حصين أحمد ٤/ ٤٣٨، ومسلم (١٦٦٨)، وأبو داود (٣٩٥٨) - (٣٩٦١)، والترمذي (١٣٦٤)، والنسائي ٤/ ٦٤، وابن ماجه (٢٣٤٥)، وصححه ابن حبان (٥٠٥٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) المصراة: هي الشاة أو الناقة التي تُربط أخلافها، ويترك حلبها يومين أو ثلاثة أيام حتَّى يجتمع اللبن في ضرعها، ثم تباع، فيظنها المشتري كثيرة اللبن، فيزيد في ثمنها، فإذا حلبها مرتين أو ثلاثًا وقف على هذه التصرية والغرر. وبيع النجش: هو أن يمدح السلعة بما ليس فيها لينفقها ويروِّجها أو يزيد في ثمنها وهولا يريد شراءها، بل ليغر غيره. وتلقي الركبان: هو أن يقع الخبر بقدوم عير تحمل المتاع، فيتلقاها رجل يشتري منهم شيئًا قبل أن يَقْدَموا السوق، ويعرفوا البلد بأرخص الأسعار، فهذا نهي عنه لما فيه من الخديعة.
(٣) روى البخاري (٢١٤٨) و(٢١٥١)، ومسلم (١٥٢٤)، وأبو داود (٣٤٤٣) - (٣٤٤٥)، والترمذيّ (١٢٥١) و(١٢٥٢)، والنسائي ٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤ من حديث أبي هريرة: "من ابتاع شاة مُصَرَّاةً، فهو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها وإلَّا ردَّها، وردَّ معها صاعًا من تمر". لفظ مسلم.
[ ١ / ١٨٥ ]
هبطوا السوق (^١)، وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله، وقد أورد على بعض من قال بالبطلان حديث المصرّاة، فلم يذكر عنه جوابًا.
وأما بيعُ الحاضر للبادي، فمن صحَّحه، جعله من هذا القبيل، ومن أبطله، جعل الحقَّ فيه لأهل البلد كلِّهم، وهم غيرُ منحصرين، فلا يتصوَّرُ إسقاطُ حقوقهم، فصار كحقِّ الله ﷿.
ومنها: لو باع رقيقًا يَحْرُمُ التَّفريقُ بينهم، وفرَّق بينهم كالأُمِّ وولدها، فهل يقع باطلًا مردودًا، أم يقفُ على رضاهم بذلك؟. وقد روي أن النبيَّ - ﷺ - أمر بردِّ هذا البيع (^٢) ونصَّ أحمدُ على أنَّه لا يجوزُ التفريقُ بينهم، ولو رضوا بذلك، وذهب طائفةٌ إلى جواز التفريق بينهم برضاهم: منهم النخعيُّ، وعُبيد الله بنُ الحسن العنبري، فعلى هذا يتوجه أن يصحَّ، ويقف على الرضا.
ومنها لو خصَّ بعضَ أولاده بالعطيَّة دونَ بعض، فقد صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه أمرَ بشيرَ بنَ سعدٍ لما خصَّ ولدهُ النُّعمانَ بالعطيَّةِ أن يردّه (^٣)، ولم يدلَّ ذلك على أنَّه لم ينتقل الملكُ بذلك إلى الولد، فإنَّ هذه العطية تصحُّ وتقع مراعاةً، فإن سوَّى بينَ الأولادِ في العطية، أو استردَّ ما أعطى الولَد، جاز، وإن ماتَ ولم يفعل شيئًا من ذلك، فقال مجاهد: هي ميراث. وحكي عن أحمد نحوه، وأنَّ العطية
_________________
(١) روى مسلم (١٥١٩) - واللفظ له - وأبو داود (٣٤٣٧)، والترمذى (١٢٢١)، والنسائي ٧/ ٢٥٧، وابن ماجه (٢١٧٨) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه، فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار".
(٢) رواه أبو داود (٢٦٩٦) من طريق يزيد بن عبد الرَّحمن، عن الحاكم عن ميمون بن أبي شبيب عن علي، وقال: ميمون لم يدرك عليًا. ورواه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ١٢٥، وصحح إسناده، ورجحه البيهقي في "السنن" ٩/ ١٢٦ لشواهده.
(٣) متفق عليه، وانظره مخرجًا في ابن حبان (٥٠٩٧) - (٥١٠٧).
[ ١ / ١٨٦ ]
تبطلُ، والجمهور على أنَّها لا تبطلُ. وهل للورثة الرجوعُ فيها أم لا؟ فيه قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد.
ومنها الطلاقُ المنهي عنه، كالطلاق في زمن الحيض، فإنه قد قِيل: إنه قد نُهِيَ عنه لحقِّ الزوج، حيث كان يخشى عليه أن يَعْقُبه فيه النَّدمُ، ومن نُهِيَ عن شيء رفقًا به، فلم ينته عنه، بل فعله وتجشَّم مشقَّته، فإنه لا يحكم ببطلان ما أتى به، كمن صام في المرض أو السفر، أو واصل في الصيام، أو أخرج ماله كله وجلس يتكفَّفُ النَّاسَ، أو صلَّى قائمًا مع تضرُّره بالقيام للمرض، أو اغتسل وهو يخشى على نفسه الضَّرر، أو التَّلفَ ولم يتيمَّم، أو صامَ الدَّهرَ، ولم يفطر، أو قام اللَّيل ولم ينم، وكذلك إذا جمعَ الطَّلاق الثَّلاثَ على القول بتحريمه.
وقيل: إنَّما نهي عن طلاق الحائض، لحقِّ المرأة لما فيه من الإِضرار بها بتطويل العدّة، ولو رضيت بذلك بأن سألته الطَّلاق بعِوَضٍ في الحيض، فهل يزولُ بذلك تحريمُهُ؟ فيه قولان مشهوران للعلماء، والمشهورُ من مذهبنا ومذهب الشَّافعيِّ أنَّه يزولُ التَّحريمُ بذلك، فإن قيل: إن التَّحريم فيه لحقِّ الزوج خاصة، فإذا أقدم عليه، فقد أسقط حقَّه فسقط، وإن علل بأنَّه لحقِّ المرأة، لم يمنع نفوذُه ووقوعُه أيضًا، فإنَّ رضا المرأة بالطلاق غيرُ معتبر لوقوعه عند جميع المسلمين، لم يُخالف فيه سوى شرذِمَةٍ يسيرةٍ مِن الروافض ونحوهم، كما أن رضا الرقيق بالعتق غيرُ معتبرٍ، ولو تضرَّر به، ولكن إذا تضرَّرت المرأةُ بذلك، وكان قد بقي شيء من طلاقها، أمر الزوج بارتجاعها، كما أمر النَّبي - ﷺ - ابنَ عمر بارتجاع زوجته تلافيًا منه لضررها، وتلافيًا لما وقع منه من الطلاق المحرَّم حتَّى لا تصير بينونتُها منه ناشئة عن طلاق محرَّمٍ، وليتمكَّن من طلاقها على وجه مباح، فتحصل إبانتُها على هذا الوجه. وقد روي عن أبي الزبير، عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - ردَّها عليه ولم يرها شيئًا (^١)، وهذا ممَّا تفرَّد به أبو الزبير عن أصحاب
_________________
(١) رواه أبو داود (٢١٨٥) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه =
[ ١ / ١٨٧ ]
ابن عمر كلِّهم مثل ابنه سالم، ومولاه نافع، وأنس، وابن سيرين، وطاووس، ويونس بن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مِهران وغيرهم.
وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء، وقالوا: إنَّه تفرَّد بما خالف الثِّقات، فلا يُقبل تفرّده، فإنّ في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدلُّ على أن النَّبيَّ - ﷺ - حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة، وكان ابنُ عمر يقول لمن سأله عن الطلاق في الحيض: إن كنتَ طلَّقتَ واحدةً أو اثنتين، فإن رسولَ الله - ﷺ - أمرني بذلك: يعني بارتجاع المرأة، وإن كنت طلقت ثلاثًا، فقد عصيت ربَّك، وبانت منك امرأتك (^١).
_________________
(١) = سمع عبد الرَّحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع، قال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ قال: طلّق عبد الله امرأته وهي حائض على عهد رسول الله - ﷺ -، فسأل عمر رسول الله - ﷺ -، فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض. قال عبد الله: فردَّها عليَّ ولم يرها شيئًا، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك". قال ابن عمر: وقرأ النَّبي - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُل عدتهن، قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر يونسُ بن جبير، وأنس بن سيرين، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبو الزبير، ومنصورٌ عن أبي وائل، معناهم كلهم أن النَّبي - ﷺ - أمره أن يراجعها حتَّى تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، وكذلك روى محمد بن عبد الرَّحمن عن سالم عن ابن عمر، وأما رواية الزُّهري عن سالم ونافع عن ابن عمر أن النَّبي - ﷺ - أمره أن يراجعها حتَّى تطهر ثم تحيض ثم تطهر إن شاء طلق وإن شاء أمسك، وروى عن عطاءٍ الخراساني عن الحسن عن ابن عمر نحو رواية نافع والزهري، والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. وهو في "مصنف عبد الرزاق" (١٠٩٦٠)، وانظر لزامًا "فتح الباري" ٩/ ٣٥٣ - ٣٥٥.
(٢) انظر: "سنن الدارقطني" ٣/ ٨، و"مصنف عبد الرزاق" (١٠٩٦٤) و"سنن البيهقي" ٧/ ٣٢٧.
[ ١ / ١٨٨ ]
وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يُتابع عليها وهي قوله: ثم تلا رسولُ الله - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ ولم يذكر ذلك أحدٌ من الرواة عن ابن عمر، وإنَّما روى عبدُ اللهِ بنُ دينار عن ابن عمر أنه كان يتلو هذه الآية عند روايته للحديث وهذا هو الصحيح.
وقد كان طوائفُ من النَّاس يعتقدونَ أن طلاقَ ابن عمر كان ثلاثًا، وأن النَّبيَّ - ﷺ - إنَّما ردَّها عليه، لأنه لم يوقع الطَّلاق في الحيض، وقد رُوي ذلك عن أبي الزبير أيضًا من رواية معاوية بن عمار الدُّهني عنه، فلعلّ أبا الزبير اعتقد هذا حقًّا، فروى تلك اللفظةَ بالمعنى الذي فهمه، وروى ابنُ لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير، فقال: عن جابر أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: "لِيُراجِعها فإنَّها امرأتُه" وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإِسناد، وتفرَّد بقوله: "فإنها امرأته" وهي لا تدل على عدم وقوع الطلاق إلا على تقدير أن يكون ثلاثًا، فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير وأصحابُ ابن عمر الثقاتُ الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يختلف عليهم فيه، وروى أَيوب عن ابن سيرين قال: مكثتُ عشرين سنة يُحدِّثني من لا أتَّهِمُ أن ابنَ عمر طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأمره النبيُّ - ﷺ - أنْ يُراجِعَها، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتَّى لقيتُ أبا غلَّاب يونس بن جُبير وكان ذا ثَبتٍ، فحدَّثني أنه سأل ابنَ عمر فحدَّثه أنه طلقها واحدةً. خرَّجه مسلم (^١).
وفي رواية: قال ابنُ سيرين: فجعلتُ لا أعرِفُ للحديث وجهًا ولا أفهمه.
وهذا يدلُّ على أنه كان قد شاع بين الثِّقاتِ من غير أهلِ الفقه والعلم أن طلاقَ ابن عمر كان ثلاثًا، ولعلَّ أبا الزبير من هذا القبيل، ولذلك كان نافع يُسأل كثيرًا عن طلاق ابن عمر، هل كان ثلاثًا أو واحدة؟ ولما قدم نافع مكة، أرسلوا
_________________
(١) رقم (١٤٧١) (٧).
[ ١ / ١٨٩ ]
إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك لهذه الشبهة، واستنكارُ ابن سيرين لِرواية الثلاث يَدُل على أنه لم يعرف قائلًا معتبرًا يقول: إنَّ الطلاق المحرَّم غير واقع، وأن هذا القول لا وَجْهَ له.
قال الإِمام أحمد في رواية أبي الحارث، وسئل عمن قال: لا يقعُ الطلاقُ المحرم، لأنه يُخالِفُ ما أمر به، فقال: هذا قولُ سوءٍ رديء، ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض.
وقال أبو عبيد: الوقوعُ هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار: حجازهم وتهامهم، ويمنهم وشامهم، وعراقهم ومصرهم، وحكى ابنُ المنذر ذلك عن كلِّ من يُحْفَظُ قولُه من أهل العلم إلَّا ناسًا من أهل البدع لا يُعتَدُّ بهم.
وأمَّا ما حكاه ابنُ حزم (^١) عن ابن عمر أنه لا يقع الطلاقُ في الحيضِ مستندًا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي حدَّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يُعتَدُّ بها، وبإسناده عن خِلاس نحوه، فإن هذا الأثرَ قد سقطت من آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة، كذلك رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة في كتابه (^٢) عن عبد الوهَّاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بنُ معين عن عبد الوهَّاب أيضًا، وقال: هو غريب لم يحدث به إلا عبدُ الوهَّاب، ومرادُ ابن عمر أن الحيضة التي طلق فيها لا تعتدُّ بها المرأة قرءًا، وهذا هو مرادُ خِلاس وغيره.
وقد روي ذلك أيضًا عن جماعةٍ من السلف، منهم زيدُ بنُ ثابت،
_________________
(١) "المحلَّى" ١٠/ ١٦٣.
(٢) "المصنف" ٥/ ٥، ولفظه بإسناده: حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في الذي يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يعتد بتلك الحيضة.
[ ١ / ١٩٠ ]
وسعيد بنُ المسيب، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابنُ حزم فحَكَوا عن بعضِ من سمينا أن الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سببُ وهمهم والله أعلم.
وهذا الحديث إنَّما رواه القاسم بن محمد لما سُئِلَ عن رجُلٍ له ثلاثة مساكن، فأوصى بِثُلثِ ثلاث مساكن هل تجمع له في مسكن واحد؟ فقال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد، حدثتني عائشة أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "مَنْ عمل عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فَهُو ردٌّ" خرَّجه مسلم (^١). ومرادُه أن تغيير وصية الموصي إلى ما هو أحبُّ إلى الله وأنفعُ جائزٌ، وقد حكي هذا عن عطاء وابن جريج، وربما يستدلُّ بعضُ من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ولعله أخذ هذا من جمع العتق، فإنه صح "أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، فدعاهم النَّبيُّ - ﷺ - فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة" خرَّجه مسلم (^٢). وذهب فقهاءُ الحديث إلى هذا الحديث، لأن تكميلَ عتق العبد مهما أمكن أولى من تشقيصه، ولهذا شُرِعَتِ السِّرايةُ والسِّعايةُ (^٣) إذا أعتق أحدُ الشريكين نصيبَه من عبد. وقال - ﷺ - فيمن أعتق بعضَ عبدٍ له: "هو عتيقٌ كُلُّه ليس لله شريك" (^٤).
وأكثرُ العلماء على خلاف قول القاسم هذا، وأن وصية الموصي لا تجمع، ويُتبع لفظه إلا في العتق خاصة، لأن المعنى الذي جمع له في العتق غيرُ موجود في بقية الأموال، فيعمل فيها بمقتضى وصية الموصي.
_________________
(١) رقم (١٨١٧) (١٨).
(٢) رقم (١٦٦٨).
(٣) إذا عتق بعض العبد، ورقَّ بعضه، فإنه يسعى في فكاك ما بقي من رقه، فيعمل ويتصرف في كسبه، ويصرف ثمنه إلى مولاه، فيسمى تصرفه في كسبه سعاية.
(٤) رواه أبو داود (٣٩٣٣) من حديث أسامة بن عمير، وسنده صحيح.
[ ١ / ١٩١ ]
وذهب طائفة من الفقهاء في العتق إلى أنه يعتق مِنْ كلّ عبدٍ ثلثه، ويستسعون في الباقي، واتباع قضاء رسول الله - ﷺ - أحقُّ وأولى، والقاسم نظر إلى أن في مشاركة الموصى له للورثة في المساكن كُلِّها ضررًا عليهم، فيدفع عنهم هذا الضَّرر بجمع الوصية في مسكن واحدٍ، فإن الله قد شرط في الوصية عدَمَ المضارة بقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] فمن ضارَّ في وصيته، كان عملهُ مردودًا عليه لمخالفته ما شرط الله في الوصية.
وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لو وصَّى له بثلث مساكنه كُلِّها، ثم تلف ثلثا المساكن، وبقي منها ثلث أنه يُعطى كله للموصى له، وهذا قولُ طائفةٍ من أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن أبي يوسف ومحمد، ووافقهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في خلافه، وبَنَوا ذلك على أن المساكن المشتركة تقسم بين المشتركين فيها قسمة إجبار، كما هو قولُ مالك، وظاهرُ كلام ابن أبي موسى من أصحابنا، والمشهورُ عند أصحابنا أن المساكن المتعدِّدة لا تُقسم قسمة إجبار وهو قولُ أبي حنيفة والشَّافعي، وقد تأوَّل بعضُ المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على أن أحد الفريقين من الورثة أو الموصى لهم طلب قسمة المساكن وكانت متقاربة بحيث يضمُّ بعضها إلى بعض في القسمة، فإنه يُجاب إلى قسمتها على قولهم، وهذا التأويل بعيد مخالف لِلظاهر، والله أعلم.
[ ١ / ١٩٢ ]