عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ عن رَسول اللهِ - ﷺ - قالَ: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوم الآخرِ، فَلْيَقُلْ خَيرًا أوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْم الآخِرِ، فَليُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَوم الآخِرِ، فَليُكْرمْ ضَيفَهُ" رواهَ البخاريُّ ومُسلمٌ (^١).
هذا الحديث خرَّجاه من طُرُقٍ عن أبي هريرة، وفي بعض ألفاظها: "فلا يؤذ جاره" وفي بعض ألفاظها: "فليُحسن قِرى ضيفِه"، وفي بعضها: "فليَصِلْ رحمه" بدل ذكر الجار.
وخرَّجاه أيضًا بمعناه من حديث أبي شريح الخزاعي، عن النبيِّ - ﷺ - (^٢).
وقد رُوي هذا الحديثُ عن النبيِّ - ﷺ - من حديث عائشة (^٣) وابن مسعود (^٤)،
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٢٦٧ و٤٣٣ و٤٦٣، والبخاري (٦٠١٨) و(٦١٣٦) و(٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧)، وأبو داود (٥١٥٤)، والترمذي (٢٥٠٠)، وصححه ابن حبان (٥٠٦) و(٥١٦) وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رواه البخاري (٦٠١٩) و(٦١٧٥) و(٦٤٧٦)، ومسلم (٤٨)، وصححه ابن حبان (٥٢٧٨)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) رواه أحمد ٦/ ٦٩، وكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٦٧، وقال: رجاله ثقات.
(٤) رواه الطبراني في "الكبير" (١٠٤٤٢)، قال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٦٩ - ١٧٠: فيه مصعب بن سوار، وهو متروك.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وعبد الله بن عمرو (^١)، وأبي أيوب الأنصاري (^٢) وابن عباسٍ (^٣) وغيرهم مِنَ الصَّحابة.
فقوله - ﷺ -: "مَنْ كان يؤمِنُ باللهِ واليوم الآخر" فليفعل كذا وكذا، يدلُّ على أن هذه الخصال مِنْ خصال الإِيمان، وقد سبق أن الأعمال تدخلُ في الِإيمان، وقد فسر النبيُّ - ﷺ - الإيمان بالصبر والسماحة (^٤)، قال الحسن: المراد: الصبر عن المعاصي، والسماحة بالطَّاعة (^٥).
وأعمال الإِيمان تارة تتعلَّق بحقوق الله، كأداءِ الواجبات وترك المحرمات، ومِنْ ذلك قولُ الخير، والصمتُ عن غيره.
وتارةً تتعلق بحقوق عبادِه كإكرام الضيف، وإكرام الجارِ، والكفِّ عن أذاه، فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن: أحدها قولُ الخيرَ والصمت عما سواه، وقد روى الطبراني من حديث أسودَ بنِ أصرم المحاربي، قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: "هل تملك لسانك؟ " قلت: ما أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: "فهل تملك يدك؟ " قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: "فلا تَقُلْ بلسانك إلا معروفًا، ولا تبسُط يدَك إلَّا إلى خير" (^٦).
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ١٧٤، وفيه ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ، وذكره الهيثمي ٨/ ١٦٧، وزاد نسبته للطبراني، وحسن إسناده.
(٢) رواه الطبراني (٣٨٧٣)، والبيهقي ٧/ ٣٠٩، وصححه ابن حبان (٥٥٩٧)، والحاكم ٤/ ٢٨٩ ووافقه الذهبي!
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" (١٠٨٤٣)، والبزار (١٩٢٦)، وفيه مَنْدَل بن علي وأبو صالح باذام، وهما ضعيفان.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) رواه الطبراني في "الكبير" (٨١٨)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٣٠٠، وحسَّن إسناده.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وقد ورد أن استقامة اللسانِ من خصالِ الإيمان، كما في "المسند" (^١) عن أنس، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا يَستَقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه".
وخرَّج الطبراني (^٢) من حديث أنسٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا يَبْلُغُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى يَخْزِنَ من لسانه" وخرَّج الطبراني (^٣) من حديث معاذ بن جبل عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّك لن تزالَ سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلَّمتَ، كُتِبَ لك أو عليك". وفي "مسند" الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من صمت نجا" (^٤).
وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ الرَّجُلَ ليَتكلَّمُ بالكلمة ما يتبيَّنُ ما فيها، يزِلُّ بها في النَّارِ أبعدَ ما بين المشرقِ والمغرب" (^٥).
وخرَّج الامامُ أحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إن الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ لا يرى بها بأسًا يهوي بها سبعين خريفًا في النار" (^٦).
_________________
(١) ٣/ ١٩٨، وفيه علي بن مسعدة، وهو ضعيف.
(٢) في "الأوسط" و"الصغير" (٩٦٤). قال الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٣٠٢: فيه داود بن هلال، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه ضعفًا، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) في "المعجم الكبير" ٢٠/ (١٣٧)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٣٠٠، وقال: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.
(٤) حديث صحيح، رواه أحمد ٢/ ١٥٩ و١٧٧. ورواه أيضًا الترمذي (٢٥٠١)، والدارمي ٢/ ٢٩٩، وابن المبارك في "الزهد" (٣٨٥)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٠).
(٥) رواه البخاري (٦٤٧٧) ومسلم (٢٩٨٨)، وصححه ابن حبان (٥٧٠٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٦) رواه أحمد ٢/ ٣٥٥ و٥٣٣، والترمذي (٢٣١٤)، وصححه ابن حبان (٥٧٠٦).
[ ١ / ٣٣٤ ]
وفي "صحيح البخاري" (^١) عن أبي هُريرة ﵁، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إن الرَّجلَ ليتكلمُ بالكلمة مِنْ رضوان الله لا يُلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجاتٍ، وإن العبدَ ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في جهنَّم".
وخرَّج الإِمام أحمد (^٢) من حديث سليمان بن سُحيم، عن أمِّه، قالت: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: "إن الرجلَ ليدنو من الجنة حتَّى ما يكونَ بينه وبينَها إلا ذراعٌ فيتكلم بالكلمة، فيتباعد منها أبعدَ مِن صنعاء".
وخرَّج الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي من حديث بلالِ بنِ الحارث قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقول: "إنَّ أحدكم ليتكلَّمُ بالكلمة مِن رضوان الله ما يَظُنُّ أن تَبلُغَ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانَه إلى يوم يلقاه، وإنَّ أحدَكُم ليتكلَّمُ بالكلمة من سخط الله ما يظنُّ أن تَبْلُغَ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سَخطه إلى يوم يلقاه" (^٣).
وقد ذكرنا فيما سبق حديثَ أمِّ حبيبة عن النبيّ - ﷺ - قال: "كلامُ ابنِ آدم عليه لا له، إلا الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، وذكر الله ﷿" (^٤).
فقوله - ﷺ -: "فليقل خيرًا أو ليصمُت" أمر بقول الخير، وبالصمت عمَّا عداه، وهذا يدلُّ على أنَّه ليس هناك كلام يستوي قولُه والصمت عنه، بل إما
_________________
(١) برقم (٦٤٧٨).
(٢) ٤/ ٦٤، وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعن.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٤٦٩، والترمذي (٢٣١٩)، وابن ماجه (٣٩٦٩)، والنسائي في "الكبير" كما في "التحفة" ٢/ ١٠٣، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (٢٨٠) و(٢٨١)، والحاكم ١/ ٤٥ - ٤٦.
(٤) تقدم.
[ ١ / ٣٣٥ ]
أن يكونَ خيرًا، فيكون مأمورًا بقوله، وإما أن يكون غيرَ خير، فيكون مأمورًا بالصمت عنه، وحديث معاذ وأم حبيبة يدلان على هذا.
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا حديث معاذ بن جبل ولفظه أن النبيِّ - ﷺ - قال له: "يا مُعاذُ ثكلتك أمُّكَ وهَلْ تقول شيئًا إلَّا وهو لك أو عليك".
وقد قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وقدَ أجمعَ السَّلفُ الصَّالحُ على أنَّ الذي عن يمينه يَكتُبُ الحسناتِ، والذي عن شِماله يكتبُ السيئات، وقد رُوي ذلك مرفوعًا من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف (^١). وفي "الصحيح" عن النبيِّ - ﷺ -: "إذا كان أحدُكُم يُصَلِّي، فإنَّه يُناجي ربَّه والملك عن يمينه" (^٢). ورُوي من حديث حُذيفة مرفوعًا: "إنَّ عن يمينه كاتب الحسنات" (^٣).
واختلفوا: هل يكتب كلَّ ما تكلَّم به، أولا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عِقاب؟ على قولين مشهورين. وقال عليُّ بنُ أبي طلحة عن ابن عباسٍ: يُكتب كل ما
_________________
(١) رواه الطبراني (٧٧٦٥) و٧٧٨٧) و(٧٩٧١) ولفظه: "صاحب اليمين أمين على صاحب الشمال، فإذا عمل حسنةً أثبتها، وإذا عمل سيئة قال له صاحب اليمين: امكُثْ ست ساعات، فإنَّ استغفر، لم يُكتب عليه، وإلا أثبت عليه سيئة". وذكره الهيثمي ١٠/ ٢٠٨، وقال: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها وثقوا، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٧/ ٥٩٥، وزاد نسبته لابن مردويه والبيهقي في "الشعب" (٧٠٤٩) و(٧٠٥٠).
(٢) رواه من حديث أبي هريرة عبد الرزاق (١٦٨٦)، ومن طريقه البخاري (٤١٦) والبغوي (٤٩٠)، وصححه ابن حبان (٢٢٦٩). ورواه من حديث أبي سعيد الخدري أحمد ٣/ ٢٤، وأبو داود (٤٨٠)، وصححه ابن خزيمة (٨٨٠)، وابن حبان (٢٢٧٠).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٦٤ بإسناد صحيح.
[ ١ / ٣٣٦ ]
تكلم به من خيرٍ أو شرٍّ حتَّى أنه ليكتب قوله: أكلت وشربت وذهبتُ وجئتُ، حتَّى إذا كان يوم الخميسِ عُرِضَ قوله وعمله فأقرَّ ما كان فيه من خير أو شرٍّ، وألقى سائره، فذلك قولُه تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] (^١).
وعن يحيى بني أبي كثير، قال: ركب رجل الحمارَ، فعثر به، فقال: تَعِسَ الحمارُ، فقال صاحب اليمين: ما هي حسنة أكتبها، وقال صاحبُ الشمال: ما هي سيئة فأكتبها، فأوحى الله إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحبُ اليمين من شيءٍ، فاكتبهُ، فأثبت في السيئات "تَعِسَ الحمارُ" (^٢).
وظاهر هذا أنَّ ما ليس بحسنةٍ، فهو سيئة، وإن كان لا يُعاقب عليها، فإنَّ بعضَ السيئات قد لا يُعاقب عليها، وقد تقع مكفرةً باجتناب الكبائر، ولكن زمانها قد خسره صاحبُها حيث ذهب باطلًا، فيحصل له بذلك حسرةً في القيامة وأسف عليه، وهو نوعُ عقوبة.
وخرَّج الإمامُ أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي هُريرة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَا مِنْ قوم يقومون مِنْ مجلس لا يذكُرون الله فيه، إلَّا قاموا عن مثلِ جِيفة حمار، وكان لهم حسرة" (^٣).
وخرَّجه الترمذي ولفظه: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم
_________________
(١) ذكره ابن كثير في "تفسيره" ٧/ ٣٧٧، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٧/ ٥٩٣، ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم.
(٢) ورواه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٥ وأبو نعيم في "الحلية" ٦/ ٧٦، والحسين المروزي في زيادات "الزهد" لابن المبارك (١٠١٣) عن حسان بن عطية.
(٣) رواه أحمد ٢/ ٤٩٤ و٥٢٧، وأبو داود (٤٨٥٥)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٠٣)، وصححه الحاكم ١/ ٤٩٢، وانظر ابن حبان (٥٩٠) - (٥٩٢) و(٨٥٣).
[ ١ / ٣٣٧ ]
يُصَلُّوا على نبيهم، إلَّا كان عليهم تِرَة، فإنَّ شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم" (^١).
وفي رواية لأبي داود والنسائي: "من قَعَدَ مقعدًا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعًا لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة" زاد النَّسَائِي: "ومَنْ قام مقامًا لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله تِرة" (^٢). وخرَّج أيضًا من حديث أبي سعيدٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما مِنْ قوم يجلسون مجلسًا لا يذكُرونَ الله فيه إلا كانت عليهم حسرةً يوم القيامة، وإن دخلوا الجنَّة" (^٣).
وقال مجاهد: ما جلس قومٌ مجلسًا، فتفرَّقوا قبل أن يذكُرُوا الله، إلا تفرقوا عن أنتن مِن ريح الجيفة، وكان مجلسُهم يشهدُ عليهم بغفلتهم، وما جلس قومٌ مجلسًا، فذكروا الله قبل أن يتفرَّقوا، إلَّا تفرَّقوا عن أطيب من ريحِ المسك، وكان مجلسهم يشهدُ لهم بذكرهم.
وقال بعضُ السلف: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعاتُ عمره، فكلُّ ساعة لم يذكر الله فيها تتقطَّعُ نفسه عليها حسراتٍ.
وخرَّجه الطبراني من حديث عائشة مرفوعًا: "ما مِنْ ساعة تمرُّ بابن آدم لم يذكرِ الله فيها بخيرٍ، إلا حسرَ عندَها يومَ القيامةِ" (^٤).
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٣٨٠).
(٢) رواه أبو داود (٤٨٥٦) والنسائي في "اليوم والليلة" (٤٠٤).
(٣) رواه النَّسَائِي في "اليوم والليلة" (٤٠٩) و(٤١٠)، وصححه ابن حبان (٥٩٢) من حديث أبي هريرة.
(٤) رواه الطبراني في "الأوسط"، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٨٠ وقال: فيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ١/ ٣٦٣، ونسبه لابن أبي الدنيا والبيهقي.
[ ١ / ٣٣٨ ]
فمن هنا يعلم أن ما ليس بخيرٍ مِنَ الكلامِ، فالسُّكوتُ عنه أفضلُ من التكلم به، اللَّهمَّ إلا ما تدعو إليه الحاجةُ مما لا بدَّ منه. وقد روي عن ابن مسعود قال: إيَّاكم وفضولَ الكلام، حسبُ امرئ ما بلغ حاجته. وعن النخعي قال: يَهلِكُ الناسُ في فضول المال والكلام.
وأيضًا فإنَّ الإِكثارَ من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجبُ قساوةَ القلب كما في "الترمذي" من حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا تُكثِرُوا الكلامَ بغيرِ ذكر الله، فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ الله يُقسِّي القلب، وإنَّ أبعدَ الناس عن الله القلبُ القاسي" (^١).
وقال عمر: مَنْ كَثُرَ كلامُه، كَثُرَ سَقَطُهُ، ومَنْ كَثُرَ سَقَطُه، كَثُرَت ذُنوبُه، ومَن كَثُرَت ذنوبُه، كانت النارُ أولى به (^٢). وخرَّجه العقيلي (^٣) من حديث ابن عمر
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٤١١) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم. قلت: وإبراهيم روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات" ٦/ ١٤، وعبد الله بن دينار ثقة من رجال الستة. ورواه مالك في "الموطأ" ٢/ ٩٨٦ بلاغًا من قول عيسى ﵇ ولفظه: بلغه أن عيسى ابن مريم كان يقول: "لا تُكثِروا الكلام بغير ذكر الله فَتَقسُوَ قلوبُكم. فإنَّ القلب القاسي بعيدٌ من اللهِ ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب الناس كانكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد. فإنما الناس مُبتلىً ومُعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية.
(٢) رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٣٧٤)، وابن حبان في "روضة العقلاء" ص ٤٤ وأورده الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٣٠٢، ونسبه إلى الطبراني في "الأوسط".
(٣) في "الضعفاء" ٣/ ٣٨٤، ورواه أيضًا القضاعي (٣٧٢) - (٣٧٤)، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٧٤ وقال: هذا حديث غريب وذكره الهيثمي في ١٠/ ٣٠٢، ونسبه إلى الطبراني في "الأوسط" وقال: وفيه ضعفاءُ وُثِّقُوا.
[ ١ / ٣٣٩ ]
مرفوعًا بإسناد ضعيف.
وقال محمد بن عجلان: إنَّما الكلام أربعة: أن تذْكُرَ الله، وتقرأ القرآن، وتسأل عن علم فتخبر به، أو تكلّم فيما يعنيك من أمر دنياك.
وقال رجل لسلمان: أوصني، قال: لا تكلَّم، قال: ما يستطيعُ من عاش في الناس أن لا يتكلم، قال: فإنَّ تكلَّمت، فتكلم بحقٍّ أو اسكُت (^١).
وكان أبو بكر الصديق ﵁ يأخذُ بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد (^٢).
وقال ابن مسعود: والله الذي لا إله إلا هو، ما على الأرض أحقُّ بطول سجنٍ مِنَ اللِّسانِ (^٣). وقال وهب بن منبه: أجمعت الحكماء على أن رأسَ الحكم الصمتُ (^٤).
وقال شميط بن عجلان: يا ابن آدم، إنَّك ما سكتَّ، فأنت سالمٌ، فإذا تكلمت، فخذ حِذرَك، إمَّا لك وإمَّا عليك (^٥). وهذا بابٌ يطول استقصاؤه.
والمقصود أنَّ النبيَّ - ﷺ - أمر بالكلام بالخير، والسُّكوتِ عمَّا ليس بخيرٍ، وخرَّج الإِمام أحمدُ وابنُ حبان من حديث البراء بن عازب أن رجلًا قال: يا رسولَ الله، علمني عملًا يُدخلُني الجنَّة، فذكر الحديثَ وفيه قال: "فأطعم الجائع،
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٤٤).
(٢) رواه مالك ٢/ ٩٨٨، وعبد الله بن أحمد في زوائد "الزهد" ص ١١٢، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٣)، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٣٣.
(٣) رواه ابن حبان في "روضة العقلاء" ص ٤٨ والطبراني في "الكبير" (٨٧٤٤) - (٨٧٤٧). وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٣٠٣ وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجالها ثقات.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٦١٩).
(٥) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٣/ ١٢٩، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (٦٢٣).
[ ١ / ٣٤٠ ]
واسقِ الظمآن، وأُمُر بالمعروف، وانْهَ عَنِ المُنكر، فإنَّ لم تُطِقْ ذلك، فكفَّ لسانك إلَّا مِن خيرٍ" (^١).
فليس الكلامُ مأمورًا به على الِإطلاق، ولا السُّكوتُ كذلك، بل لا بدَّ منَ الكلام بالخير والسكوتِ عن الشرِّ، وكان السَّلفُ كثيرًا يمدحُون الصَّمتَ عن الشَّرِّ، وَعمَّا لا يعني لِشدَّته على النفس، ولذلك يقع فيه النَّاسُ كثيرًا، فكانوا يُعالجون أنفسهم، ويُجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم.
قال الفضيلُ بن عياض: ما حجّ ولا رِباطٌ ولا جهادٌ أشدَّ مِنْ حبس اللسان، ولو أصبحت يهمُّكَ لسانُك، أصبحتَ في غمٍّ شديد، وقال: سجنُ اللسان سجنُ المؤمن، ولو أصبحت يهمُّك لسانُك، أصبحت في غمٍّ شديد (^٢).
وسئلَ ابنُ المبارك عن قولِ لقمان لابنه: إن كان الكلامُ من فضةٍ، فإنَّ الصَّمتَ من ذهبٍ (^٣)، فقال: معناه: لو كان الكلامُ بطاعة الله مِن فضَّة، فإنَّ الصَّمتَ عن معصيةِ اللهِ من ذهبِ. وهذا يرجعُ إلى أن الكفَّ عن المعاصي أفضلُ من عمل الطاعات، وقد سَبق القولُ في هذا مستوفى.
وتذاكروا عندَ الأحنفِ بنِ قيس، أيُّما أفضل الصمتُ أو النطقُ؟ فقال قوم: الصمتُ أفضلُ، فقال الأحنفُ: النطقُ أفضل؛ لأن فضلَ الصمت لا يعدو صاحبَه، والمنطق الحسن ينتفع به مَنْ سَمِعَه (^٤).
وقال رجلٌ من العلماء عند عمرَ بنِ عبد العزيز ﵀: الصَّامت على علم كالمتكلم على علمٍ، فقال عمر: إنِّي لأرجو أن يكونَ المتكلمُ على علم
_________________
(١) رواه أحمد ٤/ ٢٩٩، وصححه ابن حبان (٣٧٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٦٥١)، وأبو نعيم في "الحلية" ٨/ ١١٠.
(٣) ورواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٤٧) من قول سليمان بن داود ﵉.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٧١٢).
[ ١ / ٣٤١ ]
أفضلهما يوم القيامة حالًا، وذلك أن منفعته للناس، وهذا صمتُه لنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين وكيف بفتنة المنطق؟ فبكى عمرُ عند ذلك بكاءً شديدًا.
ولقد خطب عمر بن عبد العزيز يومًا فرَّق الناسُ، وبَكَوا، فقطع خطبته، فقيل له: لو أتممتَ كلامك رجونا أن ينفعَ الله به، فقال عمر: إن القولَ فتنة والفعل أولى بالمؤمن من القول.
وكنت من مدّة طويلة قد رأيتُ في المنام أميرَ المؤمنين عمرَ بنَ عبد العزيز ﵁، وسمعته يتكلَّمُ في هذه المسألة، وأظنُّ أنِّي فاوضتُه فيها، وفهمتُ من كلامِه أنَّ التكلُّم بالخير أفضلُ من السُّكوتِ، وأظُنُّ أنَّه وقع في أثناء الكلام ذكرُ سليمان بن عبد الملك، وأنَّ عمرَ قال ذلك له، وقد رُويَ عن سليمانَ بن عبد الملك أنَّه قال: الصمت منامُ العقل، والمنطقُ يَقظَتُهُ (^١)، ولا يتمُّ حالٌ إلا بحال، يعني: لا بدَّ من الصَّمت والكلام.
وما أحسنَ ما قال عُبيدُ الله بن أبي جعفر فقيه أهل مصر في وقته، وكان أحدَ الحكماء: إذا كان المرءُ يحدِّث في مجلسٍ، فاعجبه الحديثُ فليسكتْ، وإذا كان ساكتًا، فأعجبه السكوتُ، فليُحدث (^٢)، وهذا حسن فإنَّ من كان كذلك، كان سكوتُه وحديثُه لمخالفة هواه وإعجابه بنفسه، ومن كان كذلك، كان جديرًا بتوفيق الله إيَّاه وتسديده في نطقه وسكوته؛ لأنَّ كلامَه وسكوتَه يكونُ للهِ ﷿.
وفي مراسيل الحسن عن النبيّ - ﷺ - فيما يرويه عن ربِّه ﷿ قال: "علامة الطُّهر أن يكونَ قلبُ العبد عندي معلَّقًا، فإذا كان كذلك، لم ينسني على حال، وإذا كان كذلك، مننتُ عليه بالاشتغال بي كي لا ينساني، فإذا نسيني، حرَّكتُ قلبهُ، فإنَّ تكلَّم، تكلَّم لي، وإن سكتَ، سكتَ لي، فذلك الذي تأتيه المعونةُ من عندي" خرَّجه إبراهيمُ بنُ الجنيد.
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٦٩٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٩٧) و(٢٦٩).
[ ١ / ٣٤٢ ]
وبكلِّ حالٍ، فالتزامُ الصمت مطلقًا، واعتقاده قربة إمَّا مطلقًا، أو في بعض العبادات، كالحجِّ والاعتكاف والصيام منهى عنه. ورُوي من حديث أبي هريرة عن النبيَّ - ﷺ - أنَّه نهى عن صيام الصَّمت. وخرَّج الإسماعيلي من حديث عليّ قال: نهانا رسولُ الله - ﷺ - عن الصمت في العُكوفِ، وفي "سنن أبي داود" (^١) من حديث عليٍّ عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا صُماتَ يَوم إلى اللَّيلِ". وقال أبو بكر الصديق ﵁ لامرأة حَجَّتْ مُصمَتَةً: إن هذا لا يَحلُّ هذا من عمل الجاهلية (^٢). وروي عن عليِّ بنِ الحسين زين العابدين أنَّه قال: صومُ الصَّمْتِ حرام.
الثاني مما أمر به النبيّ - ﷺ - في هذا الحديث المؤمنين (^٣) إكرامُ الجار، وفي بعض الرِّوايات: "النهي عن أذى الجار" فأمَّا أذى الجار، فمحرَّمٌ، فإنَّ الأذى بغيرِ حقٍّ محرَّمٌ لكل أحدٍ، ولكن في حق الجار هو أشدُّ تحريمًا، وفي "الصحيحين" عن ابن مسعودٍ، عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه سُئِلَ: أيُّ الذَّنب أعظمُ؟ قال: "أن تجعل دكهِ ندًّا وهو خلقك"، قيل: ثم أيّ؟ قال: "أن تقتُلَ ولَدَكَ مخافة أن يَطْعَمَ معك"، قيل: ثم أيّ؟ قال: "أن تُزَانِي حليلةَ جارك" (^٤). وفي "مسند
_________________
(١) برقم (٢٨٧٣) وهو حديث حسن مخرج في "شرح مشكل الآثار" رقم (٦٥٨) بتحقيقنا. قال الخطابي في "معالم السنن": وكان أهل الجاهلية من نُسُكهمُ الصُّمات، وكان الواحد منهم يعتكف اليوم والليلة، فيصمِت ولا ينطق، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالذكر والنطق بالخير.
(٢) رواه البخاري (٣٨٣٤)، والدارمي ١/ ٧١.
(٣) في (أ) و(ب): "للمؤمنين".
(٤) رواه البخاري (٤٤٧٧) و(٧٥٢٠) ومسلم (٨٦)، وصححه ابن حبان (٤٤١٤) و(٤٤١٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ١ / ٣٤٣ ]
الإمام أحمد" (^١) عن المقداد بنِ الأسود قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما تقولون في الزنى؟ " قالوا: حرام حرَّمه الله ورسوله، فهو حرامٌ إلى يوم القيامة، فقال رسول الله - ﷺ -: "لأَنْ يزني الرَّجُلُ بعشرِ نسوةٍ أيسرُ عليه من أن يزنيَ بامرأةِ جاره"، قال: "فما تقولون في السَّرقة؟ " قالوا: حرَّمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: "لأنْ يَسرِقَ الرجلُ من عشرة أبياتٍ أيسرُ عليه من أن يسرق من جاره".
وفي "صحيح البخاري" (^٢) عن أبي شُريح عن النبيِّ - ﷺ - قال: "والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يؤْمِنُ، واللهِ لا يؤمنُ" قيل: وَمَنْ يا رسولَ الله؟ قال (^٣): "مَنْ لا يأْمَنُ جارهُ بوائِقَه"، وخرَّجه الإمامُ أحمد وغيره من حديث أبي هريرة (^٤).
وفي "صحيح مسلم" (^٥) عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا يَدخُلُ الجنَّة مَنْ لا يَأْمَنُ جارُه بوائقَهُ".
وخرَّج الإمامُ أحمد، والحاكم من حديث أبي هُريرة، قال: قيلَ: يا رسولَ الله إنَّ فلانة تُصلي الليلَ، وتصومُ النهار وفي لسانها شيءٌ تؤذي جيرانها سليطة، قال: "لا خير فيها، هي في النار"، وقيل له: إن فلانة تُصلي المكتوبةَ، وتصومُ رمضانَ، وتتصدَّقُ بالأثوارِ، وليس لها شيءٍ غيره، ولا تؤذي أحدًا، قال: "هي في الجنة" ولفظ الإمام أحمد: "ولا تؤذي بلسانها جيرانها" (^٦).
_________________
(١) ٦/ ٨، وسنده قوي، ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (١٥٣) والطبراني في "الكبير" ٢٠/ ٦٠٥، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٦٨، وقال: ورجاله ثقات.
(٢) برقم (٦٠١٦). ورواه أيضًا أحمد ٤/ ٣١ و٦/ ٣٨٥.
(٣) جملة: "قيل: ومَنْ يا رسول الله" سقطت من (أ) و(ب)، واستدركت من "البخاري".
(٤) رواه أحمد ٢/ ٢٨٨ و٣٣٦، والبخاري (٦٠١٦).
(٥) برقم (٤٦). ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (١٢١).
(٦) رواه أحمد ٢/ ٤٤٠، والبخاري في "الأدب المفرد" (١١٩)، وصححه الحاكم=
[ ١ / ٣٤٤ ]
وخرَّج الحاكمُ من حديث أبي جُحيفة قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - يشكو جارَه، فقال له: "اطرح متاعَك في الطَّريق"، قال: فجعل النَّاسُ يمرُّون به فيلعنونه، فجاء إلى النبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، ما لقيتُ من الناس، قال: "وما لقيتَ منهم؟ " قال: يلعنوني، قال: "فقد لعنك الله قبلَ النَّاسِ"، قال: يا رسولَ الله، فإني لا أعود (^١). وخرّجه أبو داود (^٢) بمعناه من حديث أبي هريرة، ولم يذكر فيه: "فقد لعنك الله قبل الناس".
وخرَّج الخرائطي من حديث أمِّ سلمة، قالت: دخلت شاةٌ لجارٍ لنا، فأخذت قرصةً لنا، فقمت إليها فاجتذبتها (^٣) من بين لَحْيَيْهَا، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنَّه لا قليلَ من أذى الجار" (^٤).
وأمَّا إكرامُ الجارِ والإحسانُ إليه، فمأمورٌ به، وقد قال الله ﷿: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
_________________
(١) = ٤/ ١٦٦، ووافقه الذهبي، مع أن فيه أبا يحيى مولى جعدة بنت هبيرة لم يرو عنه غير الأعمش! وقوله: "يتصدق بالأثوار" هو جمع ثور: وهو القطعة العظيمة من الأَقِط، وهو اللبن الجامد المستحجر.
(٢) رواه الحاكم ٤/ ١٦٦، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٢٥)، والبزار (١٩٠٣)، وفي إسناده سيء الحفظ ومجهول، ومع ذلك فقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي، لكن رواية أبي داود الآتية وسندها حسن تشهد له.
(٣) رقم (٥١٥٣)، ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (١٢٤)، وسنده حسن، وصححه ابن حبان (٥٢٠)، والحاكم ٤/ ١٦٠، ووافقه الذهبي.
(٤) في (أ): "فأخذتها".
(٥) ورواه الطبراني في "الكبير" ٢٣/ (٥٣٥) وعنه أبو نعيم في "الحلية" ١٠/ ٢٧ دون قصة الشاة، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٧٥، وقال: رجاله ثقات. وانظر حديث عائشة في "الأدب المفرد" (١٢٠).
[ ١ / ٣٤٥ ]
وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]، فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكرِ حقِّه على العبد وحقوقِ العباد على العبد أيضًا، وجعل العبادَ الذين أمرَ بالِإحسان إليهم خمسة أنواع:
أحدها: من بينَه وبينَ الإِنسانِ قرابة، وخصَّ منهمُ الوالدين بالذِّكر؛ لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يَشْرَكونهما فيه، فإنهما كانا السببَ في وجود الولد ولهما حقٌ التربية والتأديب وغير ذلك.
الثاني: مَنْ هو ضعيفٌ محتاجٌ إلى الِإحسان وهو نوعان: من هو محتاج لضعف بدنه، وهو اليتيم، ومن هو محتاج لِقلَّةِ ماله، وهو المسكين.
والثالث: مَنْ له حقُّ القُرب والمخالطة، وجعلهم ثلاثة أنواع: جارٌّ ذو قربى، وجار جُنبٌ، وصاحبٌ بالجنب.
وقد اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فمنهم مَن قال: الجارُ ذو القربى: الجارُ الذي له قرابةٌ، والجارُ الجُنب: الأجنبيُّ، ومنهم من أدخل المرأةَ في الجارِ ذي القربى، ومنهم من أدخلها في الجار الجُنب، ومنهم من أدخل الرَّفيقَ في السَّفر في الجارِ الجُنب، وقد روي عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه كان يقول في دعائه: "أعوذُ بكَ من جارِ السُّوءِ في دار الإقامة، فإنَّ جار البادية يتحوَّلُ" (^١).
ومنهم من قال: الجارُ ذو القربى: الجار المسلم، والجارُ الجنب: الكافر، وفي "مسند البزار" من حديث جابر مرفوعًا: "الجيرانُ ثلاثةٌ: جازٌ له حقٌّ واحدٌ، وهو أدنى الجيران حقًا، وجاز له حَقّان، وجار له ثلاثةُ حقوق وهو أفضلُ الجيران حقًا، فأمَّا الذي له حقٌّ واحدٌ، فجاز مشرك، لا رَحِمَ له، له حقُّ الجوار، وأمَّا
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٣٤٦، والبخاري في "الأدب المفرد" (١١٧)، والنسائي ٨/ ٢٧٤، وصححه ابن حبان (١٠٣٣)، والحاكم ١/ ٥٣٢، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٤٦ ]
الذي له حقَّان، فجازٌ مسلمٌ، له حقُّ الإِسلام وحقُّ الجوار، وأمَا الذي له ثلاثةُ حقوقٍ، فجار مسلمٌ ذو رحم، له حقُّ الإِسلام، وحقُّ الجوار، وحقُّ الرحم" (^١). وقد روي هذا الحديثُ من وجوه أخر متصلة ومرسلة، ولا تخلو كلُّها مِنْ مقالٍ.
وقيل: الجار ذو القربى: هو القريبُ الجوار الملاصق، والجار الجُنُب: البعيد الجوار.
وفي "صحيح البخاري" عن عائشة، قالت: قلت: يا رسولَ الله إن لي جارين، فإلى أيهما أُهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا" (^٢).
وقال طائفة من السلف: حَدُّ الجوارِ أربعون دارًا، وقيل: مستدار أربعين دارًا من كلِّ جانب.
وفي مراسيل الزهري: أن رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ - يشكو جارًا له، فأمر النبيُّ - ﷺ - بعضَ أصحابه أن ينادي: "ألا إنَّ أربعين دارًا جار". قال الزهري: أربعونَ هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، يعني بين يديه ومِن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله (^٣).
_________________
(١) رواه البزار (١٨٩٦) وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٠٧ من طريق الحسن البصري عن جابر، ولم يسمع منه. وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٦٤، وقال: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن محمد الحارثي، وهو وضّاع.
(٢) رواه البخاري (٢٢٥٩) و(٢٥٩٥) و(٦٠٢٠). ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٣٣٥).
(٣) في "الفتح" ١٠/ ٤٤٧: واختلف في حد الجوار، فجاء عن علي ﵁: مَنْ سيع النداء فهو جار، وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار، وعن عائشة: حدُّ الجوار أربعون دارًا من كل جانب، وعن الأوزاعي مثلُه. وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" (١٠٩) مثلَه عن الحسن، وللطبراني بسند ضعيف عن كعب بن مالك مرفوعًا: "ألا إنَّ أربعين دارًا جوارٌ"، وأخرج ابن وهب، عن=
[ ١ / ٣٤٧ ]
وسئل الإِمام أحمد عمَّن يطبخ قدرًا وهو في دارِ السبيل، ومعه في الدار نحو ثلاثين أو أربعين نفسًا: يعني أنهم سكان معه في الدار، فقال: يبدأ بنفسه، وبمن يعولُ، فإنَّ فضلَ فضلٌ، أعطى الأقرب إليه، وكيف يُمكنه أن يُعطِيَهم كلَّهم؟ قيل له: لعلَّ الذي هو جاره يتهاون بذلك القدر ليس له عندمه موقع؟ فرأى أنَّه لا يبعث إليه.
وأمَّا الصاحبُ بالجنب، ففسَّره طائفة بالزَّوجة، وفسره طائفةٌ منهم ابن عباس بالرَّفيق في السفر، ولم يريدوا إخراجَ الصاحب الملازم في الحضر إنما أرادوا أن صحبة السفر تكفي، فالصحبة الدائمة في الحضر أولى، ولهذا قال سعيدُ بن جبير: هو الرفيق الصالحُ، وقال زيدُ بن أسلم: هو جليسُك في الحضر، ورفيقُك في السَّفر، وقال ابنُ زيدٍ: هو الرَّجلُ يعتريك ويُلِمُّ بك لتنفعه. وفي "المسند" والترمذي عن عبد الله بنِ عمرو بن العاص، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "خيرُ الأصحابِ عندَ الله خيرُهُم لصاحبه، وخيرُ الجيرانِ عندَ اللهِ خيرُهم لجاره" (^١).
الرابع: من هو واردٌ على الإنسان، غيرُ مقيم عندَه، وهو ابن السبيل: يعني المسافر إذا ورد إلى بلدٍ آخر، وفسَّره بعضُهم بالضَّيف: يعني به ابنَ السبيل إذا نزل ضيفًا على أحد.
والخامس: ملكُ اليمين، وقد وصَّى النَّبيُّ - ﷺ - بهم كثيرًا وأمر بالإِحسانِ
_________________
(١) = يونس، عن ابن شهاب: أربعون دارًا عن يمينه، وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه. وهذا يحتمل أن يريد التوزيع، فيكون من كل جانب عشرة.
(٢) رواه أحمد ٢/ ١٦٧ و١٦٨، والترمذي (١٩٤٤) والبخاري في "الأدب المفرد" (١١٥)، وصححه ابن حبان (٥١٨) و(٥١٩) والحاكم ٢/ ١٠١ و٤/ ١٦٤، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٤٨ ]
إليهم، وروي أنَّ آخرَ ما وصَّى به عند موته: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" (^١)، وأدخل بعضُ السلف في هذه الآية: ما يملكُهُ الإِنسانُ من الحيوانات والبهائم.
ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة في إكرام الجار، وفي "الصحيحين" عن عائشة وابن عمر، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما زال جبريل يُوصيني بالجارِ حتَّى ظننت أنَّه سيورِّثُه" (^٢).
فمن أنواع الإِحسانِ إلى الجارِ مواساتُه عندَ حاجته، وفي "المسند" عن عمر عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا يَشبَعُ المؤمنُ دُونَ جارِه" (^٣)، وخرَّج الحاكم من حديث ابنِ عباسٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لَيْسَ المؤمن الذي يشبعُ وجارُه جائعٌ" (^٤) وفي رواية أخرى عن ابن عباسٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما آمن مَنْ بات شبعانًا وجارُه طاويًا" (^٥).
وفي "المسند" عن عقبة بن عامر عن النبيِّ - ﷺ - قال: "أوَّل خصمينِ يومَ
_________________
(١) رواه من حديث أنس أحمد ٣/ ١٧، وابن ماجه (٢٦٩٧)، وصححه ابن حبان (٦٦٠٥)، وانظر تمام تخريجه مع شواهده فيه.
(٢) رواه من حديث عائشة البخاري (٦٠١٤) ومسلم (٢٦٢٤)، وأحمد ٦/ ٥٢، وأبو داود (٥١٥١)، والترمذي (١٩٤٢)، وابن ماجه (٣٦٧٣)، وصححه ابن حبان (٥١١). ورواه من حديث ابن عمر البخاري (٦٠١٥) ومسلم (٢٦٢٥).
(٣) رواه أحمد ١/ ٥٥، ومن طريقه الحاكم ٤/ ١٦٧، وإسناده ضعيف لانقطاعه.
(٤) حديث صحيح، رواه الحاكم ٤/ ١٦٧، والبخاري في "الأدب المفرد" (١١٢)، والطبراني في "الكبير" (١٢٧٤١) وأبو يعلى (٢٦٩٩)، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٣٤٦)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٣٥٨: رجاله ثقات، وكذا قال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٦٧. ورواه الحاكم ٢/ ١٢ من حديث عائشة.
(٥) رواه ابن عدي في "الكامل" ٢/ ٦٣٧، وفي سنده حكيم بن جبير وهو ضعيف. وله شاهد من حديث أنس عند الطبراني في "الكبير" (٧٥١)، وفيه محمد بن سعيد الأثرم،=
[ ١ / ٣٤٩ ]
القيامةِ جاران" (^١).
وفي كتاب "الأدب" للبخاري عن ابن عمر، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "كم من جارٍ متعلِّقٌ بجاره يومَ القيامة، فيقول: يا ربّ هذا أغلقَ بابه دوني فمنع معروفه" (^٢).
وخرَّج الخرائطي وغيرُه بإسنادٍ ضعيف من حديث عطاءٍ الخراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عن النبيَّ - ﷺ -: "من أغلقَ بابَه دونَ جارِه مخافةً على أهله ومالِه، فليس ذلك بمؤمنٍ، وليس بمؤمن من لم يأمنْ جارُه بوائقه. أتدري ما حقُّ الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر، عُدْتَ عليه، وإذا مَرِضَ عُدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته مصيبة عزَّيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل (^٣) عليه بالبناء، فتحجبَ عنه الرِّيح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقُتار ريح قدرك إلَّا أن تَغرفَ له منها، وإن اشتريتَ فاكهةً، فاهد له، فإنَّ لم تفعل، فأدخلها سرًّا، ولا يخرج بها ولدُك ليغيظَ بها ولدَه" (^٤)
_________________
(١) = ضعفه أبو زرعة، وترك حديثه أبو حاتم، وقال: منكر الحديث. وله طريق آخر عند البزار (١١٩)، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وحسنه الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٦٧، وكذا المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٣٥٨.
(٢) رواه أحمد ٤/ ١٥١، والطبراني في "الكبير" ١/ (٨٥٢) بإسناد حسن، ورواه الطبراني ١٧/ (٨٣٦) بإسناد آخر، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٧٠ فقال: رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه البخاري في "الأدب المفرد" (١١١) وفي سنده ليث - وهو ابن أبي سليم - ضعيف.
(٤) في (أ) (ب): "تستطيل".
(٥) رواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (١٦٤). وذكره الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٣٥٧ بصيغة التمريض، وقال: ولعل قوله: "أتدري ما حق الجار … " إلى آخره - في كلام الراوي غير مرفوع، لكن=
[ ١ / ٣٥٠ ]
ورَفْعُ هذا الكلام مُنكرٌ، ولعلَّه من تفسير عطاء الخراساني.
وقد روي أيضًا عن عطاء عن الحسن عن جابر مرفوعًا: "أدنى حقِّ الجوار أن لا تُؤذي جارَك بقتارِ قِدْرِك إلَّا أنْ تَقدَحَ له منها" (^١).
وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذرٍّ قال: "أوصاني خليلي - ﷺ - إذا طبختَ مرقًا، فأكثِر ماءَهُ، ثم انظُر إلى أهلِ بيتِ جيرانِك، فأصِبْهُم منها بمعروفٍ". وفي رواية أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: "يا أبا ذر إذا طبخت مرقةً، فأكثِر ماءها، وتعاهد جيرانَك" (^٢).
وفي "المسند" والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه ذبح شاةً، فقال: هل أهديتُم منها لجارنا اليهودي ثلاثَ مرّات، ثم قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقول: ما زال جبريلُ يُوصيني بالجار حتى ظننت أنه سَيُورِّثُه" (^٣).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا يَمنَعَنَّ أحدُكم جَارَه أن يَغْرِزَ خَشبَةً في جداره" ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعرِضين،
_________________
(١) =قد روى الطبراني عن معاوية بن حَيْدة، قال … فذكر نحو حديث عبد الله بن عمرو. وحديث معاوية بن حيدة عند الطبراني في "معجمه الكبير" ١٩/ (١٠١٤)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٦٥، وقال: فيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف.
(٢) وإسناده ضعيف، الحسن لم يسمع من جابر. ورواه البزار (١٩٠١) والطبراني في "الأوسط" بلفظ: "إذا طبخ أحدكم قدرًا فليكثر مرقها، ثم ليُناول جاره منها" قال الهيثمي ٨/ ١٦٥ - ١٦٦: فيه عُبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات.
(٣) رواه مسلم (٢٦٢٥) وأحمد ٥/ ١٤٩، والبخاري في "الأدب المفرد" (١١٣) و(١١٤) وصححه ابن حبان (٥١٣) و(٥١٤).
(٤) رواه أحمد ٢/ ١٦٠، وأبو داود (٥١١٢)، والترمذي (١٩٤٣)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٠٥)، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن غريب.
[ ١ / ٣٥١ ]
والله لأرمِيَنَّ بها بين أكتافكم (^١).
ومذهبُ الإمام أحمد أنَّ الجار يلزمه أن يُمَكِّنَ جاره من وضع خشبه على جداره إذا احتاجَ الجَارُ إلى ذلك ولم يضر بجداره، لهذا الحديث الصحيح، وظاهرُ كلامه أنه يجب عليه أن يُواسِيَه من فضل ما عندَه بما لا يضرُّ به إذا علم حاجته. قال المروذي: قلتُ لأبي عبد الله: إني أسمع السائل في الطريق يقول: إنِّي جائع، فقال: قد يَصدُق وقد يَكذِبُ. قلت: فإذا كان لي جار أعلم أنَّه يجوعُ؟ قال: تواسيه، قلت: إذا كان قوتي رغيفين؟ قال: تُطعمه شيئًا، ثم قال: الذي جاء في الحديث إنَّما هو الجارُ.
وقال المروذي: قلتُ لأبي عبد الله: الأغنياءُ يجبُ عليهمُ المواساة؟ قال: إذا كان قوم يضعون شيئًا على شيءٍ كيف لا يجبُ عليهم، قلت: إذا كان للرجل قميصان، أو قلت: جُبَّتان، يجب عليه المواساة؟ قال: إذا كان يحتاج إلى أن يكون فضلًا.
وهذا نصٌّ منه في وجوب المواساة من الفاضل، ولم يخصَّه بالجار، ونصُّه الأوَّل يقتضي اختصاصه بالجار.
وقال في رواية ابن هانئ في السُّؤَّال يكذِبُون أحبُّ إلينا لو صدقوا ما وَسِعَنا إلا مواساتُهم وهذا يدلُّ على وجوب مواساة الجائع مِنَ الجيران، وغيرهم.
وفي "الصحيح" عن أبي موسى عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "أطعِموا الجائع، وعُودُوا المريضَ، وفُكُّوا العاني" (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٦٣) و(٥٦٢٧) و(٥٦٢٨)، ومسلم (١٦٠٩)، وأحمد ٢/ ٣٩٦، وأبو داو (٣٦٣٤)، والترمذي (١٣٥٣) وابن ماجه (٢٣٣٥)، وصححه ابن حبان (٥١٥).
(٢) رواه البخاري (٣٠٤٦) و(٥١٧٤) و(٥٣٧٣) و(٥٦٤٩) و(٧١٧٣)، وأحمد ٤/ ٣٩٤ و(٤٠٦)، وأبو داود (٣١٠٥)، وصححه ابن حبان (٣٣٢٤).
[ ١ / ٣٥٢ ]
وفي "المسند" و"صحيح الحاكم" عن [ابن] عمرَ عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "أيُّما أهل عَرَصَةٍ أصبحَ فيهم امرؤٌ جائع، فقد برئت منهم ذِمَّةُ الله ﷿" (^١).
ومذهب أحمدَ ومالكٍ أنه يمنع الجار أن يتصرَّف في خاصِّ ملكه بما يضرُّ بجاره، فيجبُ عندهما كفُّ الأذى عن الجار بمنعِ إحداث الانتفاع المضرِّ به، ولو كان المنتفعُ إنَّما ينتفعُ بخاصِّ ملكه، ويجب عندَ أحمد أن يبذُلَ لجاره ما يحتاجُ إليه، ولا ضررَ عليه في بَذله، وأعلى مِنْ هذين أن يصبر على أذى جاره، ولا يُقابله بالأذى. قال الحسن: ليس حسنُ الجوار كفَّ الأذى، ولكن حسن الجوار احتمالُ الأذى، ويُروى من حديث أبي ذرٍّ يرفعه: "إنَّ الله يحبُّ الرَّجل يكونُ له الجارُ يؤذيه جِوارُه، فيصبر على أذاه حتى يُفرِّقَ بينهما موت أو ظعنٌ" خرَّجه الِإمام أحمد (^٢). وفي مراسيل أبي عبد الرحمن الحبلي أنَّ رجلًا جاء إلى النبيِّ - ﷺ - يشكو إليه جارَه، فقال النبيُّ - ﷺ -: "كفَّ أذاكَ عنه، واصبِرْ لأذاه، فكفى بالموت مفرِّقًا" خرَّجه ابن أبي الدنيا (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٣٣، وابن أبي شيبة ٦/ ١٠٤، والبزار (١٣١١) عن يزيد بن هارون، حدثنا أصبغ بن زيد، أخبرني أبو بشر، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة الحضرمي، (ووقع في "البزار": عن عمرو بن دينار، وهو خطأ) عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: "من احتكر طعامًا أربعين ليلةً، فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وأيُّما أهل عَرْصةٍ أصبح فيهمِّ امرؤٌ جائعٌ، فقد برئت منهم ذمة الله تعالى". وقد حقق القول فيه العلامة المحدِّث أحمد شاكر -﵀- في تعليقه على "المسند" (٤٨٨٠) وانتهى إلى تصحيحه، فراجِعْه. ورواه الحاكم ٢/ ١١ - ١٢ من طريق عمرو بن الحصين العقيلي، حدثنا أصبغ بن زيد الجهيني، عن أبي الزاهرية، به. سقط من إسناده: حدثنا أبو بشر.
(٢) في "المسند" ٥/ ١٥١، وفيه ابن الأحمس، وهو مجهول.
(٣) في "مكارم الأخلاق" (٣٢٧)، وفي إسناده رشدين بن سعد، وهو ضعيف.
[ ١ / ٣٥٣ ]
الثالث ممَّا أمر به النبيُّ - ﷺ - المؤمنين: إكرامُ الضيف، والمرادُ إحسانُ ضيافته، وفي "الصحيحين" من حديث أبي شُريح، قال: أبصَرَتْ عيناي رسولَ الله - ﷺ -، وسمعتهُ أذناي حين تكلَّم به قال: "مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليوم الآخر، فليُكْرمْ ضيفَه جائزته" قالوا: وما جائزته؟ قال: "يَومٌ وليلة" قال: "والضيافةُ ثلاثةُ أيام، وما كان بعد ذلك، فهو صدقة" (^١).
وخرَّج مسلم من حديث أبي شُريح أيضًا عن النبيّ - ﷺ - قال: "الضيافةُ ثلاثةُ أيام، وجائزتُه يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك، فهو صدقة، ولا يَحِلُّ له أن يَثْوِي عندَه حتى يُؤثِمهُ"، قالوا: يا رسول الله وكيف يُؤثمُهُ؟ قال: "يُقيم عنده ولا شيءَ له يَقرِيه به" (^٢).
وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي سعيدٍ الخدري -﵁-، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ كان يُؤمِنُ باللهِ واليوم الآخرِ، فليُكرِمْ ضَيفهُ". قالها ثلاثًا، قالوا: وما كرامة الضيف يا رسولَ الله؟ قالَ: "ثلاثةُ أيام، فما جلس بعد ذلك فهو صدقة" (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠١٩) ومسلم (٤٨).
(٢) رواه مسلم (٤٨) ص ١٣٥٣، ومعنى الحديث أنَّ عليه إذا نزل به الضيف أن يتحفه، ويزيد في البر على ما بحضرته يومًا وليلة، وفي اليومين الأخيرين يقدم له ما يحضُره، فإذا مضت الثلاث، فقد قضى حقه، فما زاد عليها مما يقدم له يكون صدقة. ويثوي: يقيم، ومعنى "يؤثّمه" أي: يوقعه في الإثم؛ لأنَّه قد يغتابه لِطول مقامه، أو يعرض له بما يؤذيه، أو يظن به ظنًا سيئًا، وهذا كلُّه محمول على ما إذا لم تكن الإقامة باختيار صاحب المنزل بأن يطلب منه الزيادة في الإقامة، أو يغلب على ظنه أنه لا يكره ذلك.
(٣) رواه بهذا اللفظ أحمد ٣/ ٧٦ من طريق ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، وهذا إسناد ضعيف. ابن لهيعة سيء الحفظ، ودراج ضعيف في روايته عن أبي الهيثم.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ففي هذه الأحاديث أن جائزة الضيف يومٌ وليلةٌ، وأن الضيافة ثلاثةُ أيام، ففرّق بين الجائزة والضيافة، وأكَّدَ الجائزة وقد ورد في تأكيدها أحاديثُ أخرُ، فخرَّج أبو داود مِنْ حديث المقدام بن معد يكرب، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ليلة الضيف حقُ على كلِّ مسلم، فمن أصبحَ بفِنائه، فهو عليه دَيْنٌ، إنْ شاءَ اقتضى، وإن شاءَ ترك". وخرجه ابن ماجه ولَفظه: "ليلةُ الضيفِ حقٌّ على كلِّ مسلمٍ" (^١).
وخرَّج الِإمامُ أحمد، وأبو داود مِن حديث المقدام عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "أيُّما رجلٍ أضاف قومًا، فأصبح الضيفُ محرومًا، فإن نَصْرَهُ حقٌّ على كُلِّ مسلم حتى يأخذ بِقِرَى ليلةٍ من زرعه وماله" (^٢).
وفي "الصحيحين" عن عُقبة بن عامر، قال: قلنا يا رسول اللُه، إنك تبعثُنا، فننزلُ بقوم لا يُقرونا، فما ترى؟ فقال لنا رسولُ الله - ﷺ -: "إن نزلتُم بقومٍ، فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضَّيف، فاقْبَلُوا، فإن لم يفعلوا، فخذُوا منهم حق الضَّيف الذي ينبغي لهم" (^٣).
_________________
(١) =ورواه بلفظ: "الضيافة ثلاثة أيام … " أحمد ٣/ ٨ و٢١ و٣٧ و٦٤ و٨٦، وأبو يعلى (١٢٤٤) (١٢٨٧)، والبزار (١٩٣١) و(١٩٣٢)، وصححه ابن حبان (٥٢٨١). وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٧٦، وقال: رواه أحمد هكذا مطولًا ومختصرًا بأسانيد، وأبو يعلى والبزار، وأحد أسانيد رجاله رجال الصحيح.
(٢) رواه أبو داود (٣٧٥٠)، وابن ماجه (٣٦٧٧)، وأحمد ٤/ ١٣٠ و١٣٢ - ١٣٣ و١٣٣، وإسناده صحيح.
(٣) رواه أحمد ٤/ ١٣١ و١٣٣، وأبو داود (٣٧٥١)، وصححه الحاكم ٤/ ١٣٢، ووافقه الذهبي مع أن في إسناده سعيد بن أبي المهاجر، وهو مجهول!
(٤) رواه البخاري (٢٤٦١) و(٦١٣٧)، ومسلم (١٧٢٧)، وصححه ابن حبان (٥٢٨٨)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وخرَّج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هُريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "أيّما ضيفٍ نزل بقومٍ، فأصبح الضَّيفُ محرومًا، فله أن يأخُذَ بقدرِ قراهُ، ولا حَرَجَ عليه" (^١).
وقال عبد الله بن عمرو: مَنْ لم يضف، فليس مِن محمَّدٍ، ولا من إبراهيم.
وقال عبد الله بن الحارث بن جَزْء: من لم يُكرِمْ ضيفَه، فليس من محمد، ولا من إبراهيم.
وقال أبو هريرة لِقوم نزل عليهم، فاستضافهم، فلم يُضَيِّفوهُ، فتنحَّى ونزل، فدعاهم إلى طعامه، فلم يُجيبوه، فقال لهم: لا تُنزلون الضيف ولا تجيبون الدعوة ما أنتُم من الإسلام على شيء، فعرفه رجل منهم، فقال له: انْزِل عافاك الله، قال: هذا شرٌّ وشرٌّ، لا تنزلون إلَّا مَنْ تَعرِفُون.
ورُوي عن أبي الدرداء نحو هذه القضية إلَّا أنَّه قال لهم: ما أنتُم مِنَ الدِّين إلا على مثلِ هذه، وأشار إلى هُدبةٍ في ثوبه.
وهذه النُّصوصُ تدلُّ على وجوب الضِّيافة يومًا وليلة، وهو قولُ الليثِ وأحمد، وقال أحمد: له المطالبةُ بذلك إذا منعه؛ لأنَّه حقٌّ له واجب، وهل يأخذُ بيده من ماله إذا منعه، أو يرفعه إلى الحاكم؟ على روايتين منصوصتين عنه.
وقال حُميدُ بن زَنجويه: ليلةُ الضَّيف واجبةٌ، وليس له أن يأخذَ قِراه منهم قهرًا، إلَّا أن يكونَ مسافرًا في مصالح المسلمين العامَّة دونَ مصلحة نفسه.
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٣٨٠، وصححه الحاكم ٤/ ١٣٢، ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٥٧، وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات. تنبيه: سقط هذا الحديث من مطبوعة "المستدرك"، وهو مثبت في "مختصر الذهبي".
[ ١ / ٣٥٦ ]
وقال الليثُ بن سعد: لو نزل الضَّيفُ بالعبد أضافه مِن المال الذي بيده، وللضيف أن يأكُلَ وإن لم يعلم أنَّ سيِّده أذِنَ له؛ لأنَّ الضيافة واجبة. وهو قياسُ قول أحمد؛ لأنَّه نصَّ على أنه يجوز إجابةُ دعوة العبد المأذون له في التجارة وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم أجابوا دعوة المملوك، ورُويَ ذلك عن النبيِّ - ﷺ - أيضًا (^١)، فإذا جاز له أن يدعوَ الناس إلى طعامه ابتداءً وجازَ إجابةُ دعوته، فإضافتُه لمن نزل به أولى.
ومنع مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما مِنْ دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيِّده، ونقل عليُّ بن سعيدٍ عن أحمدَ ما يدلُّ على وجوب الضيافة للغُزاة خاصَّةً بمن مرُّوا بهم ثلاثةَ أيَّامٍ، والمشهور عنه الأولُ، وهو وجوبُها لكلِّ ضيفٍ نزلَ بقومٍ.
واختلف قوله: هل تجبُ على أهلِ الأمصار والقُرى أم تختصُّ بأهلِ القُرى ومَنْ كان على طريقٍ يمرُّ به المسافرون؟ على روايتين منصوصتين عنه.
والمنصوص عنه: أنَّها تجبُ للمسلمِ والكافرِ، وخصَّ كثيرٌ من أصحابه الوجوبَ للمسلم، كما لا تجبُ نفقةُ الأقارب مع اختلاف الدِّين على إحدى الروايتين عنه.
وأمَّا اليومان الآخران، وهما الثاني والثالث، فهما تمامُ الضِّيافة،
والمنصوصُ عن أحمد أنَّه لا يجبُ إلا الجائزةُ الأولى، وقال: قد فرَّق بين الجائزة والضيافة، والجائزة أوكدُ، ومِنْ أصحابنا مَنْ أوجَبَ الضيافة ثلاثة أيام: منهم أبو بكر عبد العزيز، وابنُ أبي موسى، والآمدي، وما بعدَ الثَّلاث، فهو صدقة، وظنَّ بعضُ النَّاسِ أنَّ الضيافة ثلاثة أيام بعد اليوم والليلة الأولى، وردَّه أحمد بقوله
_________________
(١) روى البخاري (٢٠٩٢) ومسلم (٢٠٤١) عن أنس أن خياطًا دعا رسول الله - ﷺ - لطعامٍ صنعه …
[ ١ / ٣٥٧ ]
- ﷺ -: "الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة" (^١)، ولو كان كما ظنَّ هذا، لكان أربعة.
قلتُ: ونظيرُ هذا قولهُ تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] والمراد: في تمام الأربعة.
وهذا الحديث الذي احتجَّ به أحمد قد تقدَّم من حديث أبي شُريح، وخرَّجه البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن قِرى ضيفه". قيل: يا رسول الله، وما قِرى الضيف؟ قال: "ثلاث، فما كان بعدُ، فهو صدقة" (^٢).
قال حميد بن زنجويه: عليه أن يتكلَّف له في اليوم والليلة من الطعام أطيب ما يأكله هو وعيالُه، وفي تمام الثلاث يطعمه من طعامه، وفي هذا نظر. وسنذكر حديثَ سلمان بالنَّهي عَنِ التَّكلُّف للضَّيف، ونقل أشهبُ عن مالكٍ، قال: جائزتُه يومٌ وليلةٌ يُكرمه ويُتحفه ويخصه يومًا وليلةً وثلاثة أيَّام ضيافة، وكان ابنُ عمر يمتنع من الأكل مِنْ مالِ مَنْ نزل عليه فوق ثلاثة أيام، ويأمر أن يُنفَقَ عليه من ماله (^٣). ولصاحب المنزل أن يأمر الضيف بالتحوَّل عنه بعد الثلاث؛ لأنَّه قضى ما عليه، وفعل ذلك الإمام أحمد.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) هذا سَبْق قلم من المؤلف -﵀-، فإن لفظ البخاري (٦١٣٦) و(٦١٣٨): "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرمْ ضيفه". واللفظ الذي أورده المصنف رواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" كما في "الجامع الكبير" ٢/ ٨٢٦.
(٣) روى ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٧٨ من طريق جرير عن الأعمش عن نافع، قال: نزل ابن عمر بقوم، فلما مضى ثلاثة أيام قال: يا نافع، أنفق علينا، فإنه لا حاجة لنا أن يتصدق علينا. ورواه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٣١١ بنحوه.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وقوله - ﷺ -: "لا يَحِلُّ له أن يَثوِيَ عندَه حتى يُحْرجَه" يعني يُقيم عندَه حتى يُضَيِّقَ عليه، لكن هل هذا في الأيام الثلاثة أم فيماَ زاد عليها؟ فأما فيما ليس بواجبٍ، فلا شك في تحريمه، وأما في ما هو واجب وهو اليوم والليلة فينبني على أنه هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئًا أم لا تجب إلا على من وجد ما يضيف به؟ فإن قيل (^١): إنها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به - وهو قولُ طائفة من أهلِ الحديث، منهم حُميدُ بنُ زنجويه - لم يحل للضيف أن يستضيف من هُوَ عاجز عن ضيافته. وقد رُويَ من حديث سلمان قال: "نهانا رسولُ اللهِ - ﷺ - أن نتكلَّفَ للضيفِ ما ليسَ عندنا" (^٢) فإذا نهي المضيف أن يتكلَّفَ للضيف ما ليس عنده دلَّ على أنه لا تَجبُ عليه المواساةُ للضيف إلا مما عنده، فإذا لم يكن عنده فَضلٌ لم يلزمه شَيءٌ، وأما إذا آثَرَ على نفسه، كما فعل الأنصاريُّ الذي نزل فيه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٣) [الحشر: ٩] فذلك مقامُ فضلٍ وإحسان، وليس بواجب.
_________________
(١) في (ب): "فالأظهر".
(٢) رواه أحمد ٥/ ٤٤١ والطبراني في "الكبير" (٦٠٨٣) و(٦٠٨٤) و(٦٠٨٥) و(٦١٨٧). قال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٧٩: رواه أحمد والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، فأحد أسانيد "الكبير" رجاله رجال الصحيح.
(٣) روى البخاري (٤٨٨٩) من حديث أبي هريرة -﵁- قال: أتى رجلٌ رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أصابني الجَهْدُ. فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهُنَّ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "ألا رجل يُضيفُه الليلةَ يرحمُه الله؟ " فقام رجلٌ من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيفُ رسول الله - ﷺ -، لا تَدَّخريه شيئًا. فقالت: والله ما عندي إلَّا قوتُ الصِّبية. قال: فإذا أراد الصبيةُ العشاءَ فنوِّميهم، وتَعالَي فأطفئي السِّراجَ، ونطوي بطوننا الليلةَ. ففعلت. ثم غدا الرجل على رسول الله - ﷺ -، فقال: لقد عجب الله - ﷿ - أو ضَحِك من فلان وفلانة، فأنزل الله - ﷿ - ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ورواه مسلم (٢٠٥٤).
[ ١ / ٣٥٩ ]
ولو علم الضيف أنهم لا يُضيفونه إلا بقوتِهم وقوت صبيانهم، وأن الصبية يتأذَّوْنَ بذلك، لم يجز له استضافتُهم حينئذ عملًا بقوله - ﷺ -: "ولا يَحِلُّ له أن يُقيمَ عندَه حتَّى يُحرجه" (^١).
وأيضًا فالضيافة نفقة واجبة، فلا تجب إلا على مَنْ عنده فضلٌ عن قوته وقوتِ عياله، كنفقة الأقارب، وزكاةِ الفطر. وقد أنكر الخطابي تفسيرَ تأثيمه بأن يُقيمَ عندَه ولا شيءَ له يَقريه، وقال: أراه غلطًا، وكيف يأثم في ذلك وهو لا يتسع لِقراه، ولا يجد سبيلًا إليه؟ وإنما الكلفة على قَدرِ الطاقة، قال: وإنما وَجْهُ الحديثِ أنه كَرِهَ له المقام عندَه بعدَ ثلاث لِئلا يضيقَ صدرُه بمكانه، فتكون الصدقة منه على وجه المنِّ والأذى فيَبْطُلُ أجرُه، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإنه قد صحَّ تفسيرُه في الحديث بما أنكره، وإنما وجهه أنه إذا أقامَ عندَه ولا شيءَ له يقريه به، فربما دعاه ضيقُ صدره به، وحرجه إلى ما يأثم به في قول، أو فعل، وليس المرادُ أنه يأثم بترك قِراه مع عجزه عنه، والله أعلم.
_________________
(١) رواه البخاري (٦١٣٥) ومسلم (٤٨) (١٥) ٣/ ١٣٥٣ وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذي (١٩٦٨)، وابن ماجه (٣٦٧٥)، وأحمد ٤/ ٣١ من حديث أبي شريح الخزاعي.
[ ١ / ٣٦٠ ]