عَنْ أبي هُريرةَ ﵁، قالَ: قالَ رسول الله - ﷺ -: "لَا تَحَاسَدُوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَبَاغَضوا، ولا تَدابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعضُكُم على بَيعِ بَعضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْوانًا، المُسلِمُ أخُو المُسلم، لا يَظلِمُهُ، ولا يَخذُلُهُ، ولا يَكذِبُهُ، ولا يَحقِرُهُ، التَّقوى ها هُنا"، - ويُشيرُ إلى صدرِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ - "بحَسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلمِ على المُسلِمِ حرامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وعِرضُهُ". رواه مسلم (^١).
هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية أبي سعيدٍ مولى عبد الله بن عامر بن كُرَيز عن أبي هريرة، وأبو سعيد هذا لا يعرَفُ اسمُه، وقد روى عنه غيرُ واحدٍ، وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقال ابن المديني: هو مجهول.
وروى هذا الحديث سفيان الثوري، فقال فيه: عن سعيد بن يسار، عن أبي هُريرة، ووهم في قوله: "سعيد بن يسار"، إنَّما هو: أبو سعيد مولى ابنِ كُريز، قاله أحمد ويحيى والدَّارقطني، وقد رُوِي بعضُه من وجه آخر. وخرَّجه
وخرَّجه الترمذي (^٢) من رواية أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "المسلم أخو المسلم، لا يخونُه ولا يكذِبُه ولا يَخذُلُه، كلُّ المسلمِ على
_________________
(١) في "صحيحه" (٢٥٦٤). ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٢٧٧ و٣٦٠، وابن ماجه (٣٩٣٣) و(٤٢١٣)، والبيهقي ٦/ ٩٢ و٨/ ٢٥٠، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٣٩) من طريق أبي سعيد عن أبي هريرة.
(٢) برقم (١٩٢٧) وقال: حسن غريب.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
المسلم حرامٌ: عِرْضُه وماله ودمُه، التقوى ها هنا، بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المسلم".
وخرَّج أبو داود (^١) من قوله: "كلُّ المسلم" إلى آخره.
وخرَّجاه في "الصحيحين" من رواية الأعرج عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا تحاسَدُوا ولا تناجَشُوا، ولا تباغَضوا ولا تَدابَروا، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا" (^٢).
وخرَّجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة (^٣).
وخرَّج الإِمام أحمد من حديث واثلةَ بنِ الأسقعِ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "كُلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمه، وعرضه، وماله، المسلم أخو المسلمِ، لا يظلمُه ولا يَخذُلُه، والتَّقوى ها هنا - وأومأ بيده إلى القلب - وحسبُ امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المسلم" (^٤).
_________________
(١) برقم (٤٨٨٢).
(٢) رواه البخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣) (٢٨) من طريق مالك، وهو عنده في "الموطأ" ٢/ ٩٠٧ - ٩٠٨، وصححه ابن حبان (٥٦٨٧).
(٣) رواه من طرق عن أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٨٨ و٣١٢ و٣٩٤ و٤٦٥ و٤٧٠ و٤٨٠ و٤٩١ - ٤٩٢ و٥٠١ و٥٣٩، والبخاري (٦٠٦٤) و(٦٧٢٤)، ومسلم (٢٥٦٣)، وأبو داود (٤٩١٧).
(٤) حسن لغيره، رواه أحمد ٣/ ٤٩١، والطبراني في "الكبير" ٢٢/ (١٨٣)، وفي سنده إسماعيل بن عياش، وقد اختلط، وشيخه يحيى بن الجزري، مختلف فيه، وقال الحافظ في "التقريب": مقبول، أي: في المتابعات، وذكره الهيثمي في موضعين من "المجمع" ٤/ ١٧٢ و٨/ ٨٣، ونسبه إلى أحمد، فقال في الأول: رجاله ثقات، وقال في الثاني: إسناده جيد.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وخرَّج أبو داود (^١) آخره فقط.
وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمرَ عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "المسلم أخو المسلم، لا يَظلِمُهُ ولا يُسلِمه" (^٢). وخرَّجه الإِمامُ أحمد (^٣)، ولفظه: "المسلم أخو المسلم، لا يظلِمُه ولا يخذُله ولا يحقِرُه، وبحسب المرء مِنَ الشَّرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلم".
وفي "الصحيحين" عن أنس عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا تباغَضُوا، ولا تحاسَدوا، ولا تدابروا، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا" (^٤).
ويُروى معناه من حديث أبي بكر الصديق مرفوعًا وموقوفًا (^٥).
_________________
(١) هو في "سننه" برواية أبي الحسن بن العبد، قاله المزي في "تحفة الأشراف" ٩/ ٧٨. قلت: ورواية أبي الحسن بن العبد غير مطبوعة ولا أعلم لها وجودًا في المكتبات العامة المعنية بالمخطوطات، وقد قالوا: إن في روايته من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي وابن داسه.
(٢) رواه البخاري (٢٤٤٢) و(٦٩٥١)، ومسلم (٢٥٨٠)، وأبو داود (٤٨٩٣)، والترمذي (١٤٢٦)، وأحمد ٢/ ٩١، وصححه ابن حبان (٥٣٣).
(٣) ٢/ ٢٧٧ من حديث أبي هريرة.
(٤) رواه البخاري (٦٠٦٥) و(٦٠٧٦)، ومسلم (٢٥٥٩)، وأبو داود (٤٩١٠)، والترمذي (١٩٣٥)، وصححه ابن حبان (٥٦٦٠).
(٥) رواه مرفوعًا أحمد ١/ ٣ و٥ و٧، وأبو بكر المروزي في "مسند أبي بكر" (٩٢) و(٩٣) و(٩٥) بتحقيقنا، والحميدي (٧)، وابن أبي شيبة ٨/ ٥٣٠ - ٥٣١، وابن ماجه (٣٨٤٩)، وأبو يعلى (١٢١) و(١٢٢)، وإسناده صحيح، ولفظه: "سلوا الله المعافاة - أو قال: العافية - فلم يؤت أحد قط بعد اليقين أفضل من العافية أو المعافاة، عليكم بالصدق، فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور، وهما في النار، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا كما أمركم الله - ﷿ -".
[ ٢ / ٢٥٩ ]
فقوله - ﷺ -: "لا تحاسدوا" يعني: لا يحسُدْ بعضُكم بعضًا، والحسدُ مركوزٌ في طباع البشر، وهو أنَّ الإِنسان يكرهُ أن يفوقَهُ أحدٌ من جنسهِ في شيءٍ من الفضائل.
ثم ينقسم الناس بعدَ هذا إلى أقسام، فمنهم من يسعى في زوال نعمةِ المحسودِ بالبغي عليه بالقول والفعل، ثمَّ منهم من يسعى في نقلِ ذلك إلى نفسه، ومنهم من يَسعى في إزالته عن المحسودِ فقط من غيرِ نقل إلى نفسه، وهو شرُّهما وأخبثهما، وهذا هو الحسدُ المذمومُ المنهيُّ عنه، وهو كان ذنبَ إبليس حيث حسدَ آدمَ - ﵇ - لمَّا رآه قد فاق على الملائكة بأن خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكتَه، وعلَّمه أسماء كلِّ شيءٍ، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنَّة حتَّى أخرج منها، ويروى عن ابن عمرَ أنَّ إبليسَ قال لنوح: اثنتان بهما أُهلك بني آدم: الحسد، وبالحسد لُعِنتُ وجُعلتُ شيطانًا رجيمًا، والحرص [وبالحرص] أُبيح آدمُ الجنةَ كلَّها، فأصبتُ حاجتي منه بالحرص. خرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا.
وقد وصف الله اليهودَ بالحسد في مواضع من كتابه القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
وخرَّج الإِمام أحمد والترمذي من حديث الزُّبير بن العوَّام، عن النبيِّ - ﷺ -: "دبَّ إليكم داءُ الأمم من قبلكم: الحسدُ والبغضاءُ، والبغضاءُ هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقةُ الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تُؤمنوا حتى تحابُّوا، أولا أُنبئكم بشيءٍ إذا فعلتموه تحابَبْتُم؟ أفشوا السَّلام بينكم" (^١).
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ١٦٥ و١٦٧، والترمذي (٢٥١٠)، وعبد الرزاق (١٩٤٣٨)، والبغوي (٣٣٠١)، والبزار (٢٠٠٢)، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ١٢٠ و١٢١، وفي سنده =
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وخرَّج أبو داود (^١) من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إيَّاكُم والحسد، فإنَّ الحسدَ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النَّارُ الحطب، أو قال: العُشبَ".
وخرَّج الحاكم وغيرُه من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "سيُصيبُ أُمَّتي داءُ الأمم"، قالوا: يا نبيَّ الله، وما داءُ الأمم؟ قال: "الأشرُ والبَطَرُ، والتَّكاثرُ والتَّنافسُ في الدُّنيا، والتَّباغُض، والتَّحاسدُ حتَّى يكونَ البغيُ ثمَّ الهرجُ" (^٢).
_________________
(١) = مولى الزبير راويه عنه: لا يعرف. وقد جوَّد الحافظ المنذري إسناده في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٥٤٨، وكذا الهيثمي في "المجمع" ٨/ ٣٠. ورواه ابن عدي في "الكامل" ٤/ ١٥١٥ من حديث ابن عباسٍ، وفي إسناده ثلاثة ضعفاء. ويشهد للقسم الأخير منه "والذي نفس محمد بيده. . ." حديث أبي هريرة عند مسلم (٥٤)، وقوله: "لا تؤمنوا" كذا جاءت الرواية بحذف النون، والجادة إثباتها، وما هنا له وجهٌ في العربية.
(٢) برقم (٤٩٠٣)، وفي سنده رجل مجهول، ورواه أيضًا البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٢٧٢، وقال: لا يصح، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ١٢٤. وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه (٤٢١٠)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٠٤٩)، وفيه عيسى بن أبي عيسى الحنّاط، وهو متروك. ورواه ابن أبي شيبة ٩/ ٩٣، ومن طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ١٢٣ - ١٢٤، وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. وعن ابن عمر رواه القضاعي (١٠٤٨)، وفيه عمر بن محمد بن حفصة، ذكره الذهبي في "الميزان" ٣/ ٢٢٢، وأورد له هذا الحديث، وقال: فهذا بهذا الإِسناد باطل.
(٣) رواه الحاكم ٤/ ١٦٨ من طريق ابن وهب، أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ، حدثني أبو سعد الغفاري، سمعتُ أبا هريرة …، وأبو سعد الغفاري ذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٥٨٢، وروى عنه اثنان، وباقي رجاله ثقات. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وجوَّد إسناده الحافظ العراقي في "تخريج =
[ ٢ / ٢٦١ ]
وقسم آخر من النَّاسِ إذا حسدَ غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغِ على المحسود بقولٍ ولا فعلٍ. وقد رُوي عن الحسن أنَّه لا يأثمُ بذلك، وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة، وهذا على نوعين:
أحدهما: أن لا يمكنه إزالةُ الحسدِ من نفسِه، فيكون مغلوبًا على ذلك، فلا يأثمُ به.
والثاني: من يُحدِّثُ نفسَه بذلك اختيارًا، ويُعيده ويُبديه في نفسه مُستروِحًا إلى تمنِّي زوالِ نعمة أخيه، فهذا شبيهٌ بالعزم المصمِّم على المعصية، وفي العقاب على ذلك اختلافٌ بين العلماء، وربما يُذكر في موضعٍ آخر إن شاء الله تعالى، لكن هذا يَبعُدُ أن يَسلَمَ من البغي على المحسود، ولو بالقول، فيأثم بذلك.
وقسم آخر إذا حسد لم يتمنَّ زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنَّى أن يكونَ مثله، فإن كانتِ الفضائلُ دنيويَّةً، فلا خيرَ في ذلك، كما قال الَّذينَ يُرِيدُونَ الحياةَ الدُّنيَا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، [القصص: ٧٩]، وإن كانت فضائلَ دينيَّةً، فهو حسن، وقد تمنَّى النبيُّ - ﷺ - الشَّهادة في سبيل الله - ﷿ -. وفي "الصحيحين" عنه - ﷺ -، قال: "لا حسدَ إلَّا في اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ مالًا، فهو يُنفقه آناء الَّليل وآناء النَّهار، ورجلٌ آتاهُ اللهُ القرآن، فهو يقومُ به آناء اللَّيل وآناءَ النَّهار" (^١)، وهذا هو الغبطة، وسماه حسدًا من باب الاستعارة.
_________________
(١) = الإِحياء" ٣/ ١٨٧.
(٢) رواه البخاري (٥٠٢٥) و(٧٥٢٩)، ومسلم (٨١٥)، وأحمد ٢/ ٣٦ و٨٨، والترمذي (١٩٣٦)، وابن ماجه (٤٢٠٩) من حديث ابن عمر، وصححه ابن حبان (١٢٥)، وقد تقدم ص ٢٥٨.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وقسم آخر إذا وجدَ من نفسه الحسدَ، سعى في إزالته، وفي الإِحسان إلى المحسود بإسداءِ الإِحسانِ إليه، والدُّعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وَجَدَ له في نفسه مِنَ الحسدِ حتَّى يبدلَه بمحبَّة أن يكونَ أخوه المسلمُ خيرًا منه وأفضلَ، وهذا مِنْ أعلى درجات الإِيمان، وصاحبه هو المؤمنُ الكاملُ الذي يُحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
وقوله - ﷺ -: "ولا تناجَشوا": فسَّره كثيرٌ من العلماء بالنَّجَشِ في البيع، وهو: أن يزيدَ في السِّلعة من لا يُريدُ شِراءَها، إمَّا لنفع البائع بزيادةِ الثَّمن له، أو بإضرارِ المشتري بتكثير الثمن عليه، وفي "الصحيحين" عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه نهى عن النَّجش (^١).
وقال ابن أبي أوفى: النَّاجش: آكلُ ربا خائنٌ، ذكره البخاري (^٢).
قال ابنُ عبد البرِّ (^٣): أجمعوا أنَّ فاعلَه عاصٍ لله - ﷿ - إذا كان بالنَّهي عالمًا.
واختلفوا في البيع، فمنهم من قال: إنَّه فاسدٌ، وهو روايةٌ عن أحمد، اختارها طائفةٌ من أصحابه، ومنهم من قال: إن كان الناجشُ هو البائعَ، أو من واطأه البائع على النَّجش فسد، لأنَّ النَّهيَ هُنا يعودُ إلى العاقدِ نفسِه، وإن لم يكن كذلك، لم يفسُد، لأنَّه يعودُ إلى أجنبيٍّ. وكذا حُكِي عَنِ الشَّافعيِّ أنَّه علَّل
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٤٢) و(٦٩٦٣)، ومسلم (١٥١٦)، والنسائي ٧/ ٢٥٧، وابن ماجه (٢١٧٣).
(٢) في "صحيحه" معلقًا في البيوع: باب النجش، ووصله في الشهادات: باب قول الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] حديث رقم (٢٦٧٥).
(٣) في "التمهيد" ١٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
صحة البيع بأنَّ البائعَ غيرُ النَّاجش، وأكثرُ الفقهاء على أنَّ البيعَ صحيحٌ مطلقًا وهو قولُ أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد في رواية عنه، إلَّا أنَّ مالكًا وأحمد أثبتا للمشتري الخيارَ إذا لم يعلم بالحال، وغُبِنَ غَبنًا فاحشًا يخرج عن العادة، وقدَّره مالكٌ وبعضُ أصحاب أحمد بثلث الثَّمنِ، فإن اختارَ المشتري حينئذٍ الفسخَ، فله ذلك، وإن أراد الإِمساكَ، فإنَّه يحطُّ ما غُبِنَ به من الثَّمن، ذكره أصحابنا.
ويحتمل أن يُفسَّرَ التَّناجُشُ المنهيُّ عنه في هذا الحديث بما هو أعمُّ من ذلك، فإنَّ أصلَ النَّجش في اللُّغة: إثارةُ الشَّيءِ بالمكرِ والحيلةِ والمخادعةِ، ومنه سُمِّي النَّاجِشُ في البيع ناجشًا، ويسمَّى الصَّائدُ في اللغة ناجشًا، لأنَّه يُثير الصَّيد بحيلته عليه، وخِداعِه له، وحينئذٍ، فيكونُ المعنى: لا تتخادَعوا، ولا يُعامِلْ بعضُكُم بعضًا بالمكرِ والاحتيال. وإنَّما يُرادُ بالمكر والمخادعة إيصالُ الأذى إلى المسلم: إمَّا بطريقِ الأصالة، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصولُ الضَّرر إليه، ودخولُه عليه، وقد قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. وفي حديث ابن مسعودٍ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: "مَنْ غَشَّنا فليس منَّا، والمكرُ والخِداعُ في النار" (^١). وقد ذكرنا فيما تقدَّم حديث أبي بكر الصدِّيق المرفوع: "ملعونٌ من ضارَّ مسلمًا أو مكرَ به" خرَّجه الترمذيُّ (^٢).
فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهي عنه جميعُ أنواع المعاملات بالغشِّ ونحوه، كتدليس العيوب، وكِتمانها، وغشِّ المبيع الجيد بالرديء، وغَبْنِ المسترسل الذي لا يَعرِفُ المماكسة، وقد وصف الله في كتابه الكفَّار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم، وما أحسنَ قول أبي العتاهية:
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير" (١٠٢٣٤)، و"الصغير" (٧٣٨)، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٨٨ - ١٨٩، وصححه ابن حبان (٥٥٥٩).
(٢) تقدم تخريجه ص ٦٨٣.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
لَيس دُنيا إلَّا بدينٍ ولَيْـ … ــسَ الدِّين إلَّا مَكارمُ الأَخْلاقِ
إنَّما المَكْرُ والخَديعَةُ في النَّا … رِ هُمَا مِنْ خِصالِ أَهْلِ النِّفاقِ
وإنما يجوزُ المكرُ بمن يجوزُ إدخالُ الأذى عليه، وهم الكفَّارُ المحاربون، كما قال النبيُّ - ﷺ -: "الحربُ خدعةٌ" (^١).
وقوله - ﷺ -: "ولا تَباغضوا": نهى المسلمين عَنِ التَّباغض بينهم في غير الله، بل على أهواءِ النُّفوسِ، فإنَّ المسلمينَ جعلهمُ الله إخوةً، والإِخوةُ يتحابُونَ بينهم، ولا يتباغضون، وقال النبيُّ - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، لا تدخُلُوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُوا، ألا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم" خرَّجه مسلم (^٢). وقد ذكرنا فيما تقدَّم أحاديثَ في النَّهي عن التَّباغُض والتَّحاسد.
وقد حرَّم الله على المؤمنين ما يُوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].
وامتنَّ على عباده بالتَّأليف بين قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ
_________________
(١) رواه من حديث جابر أحمد ٣/ ٣٩٧ و٣٠٨، والبخاري (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٣٩)، وصححه ابن حبان (٧٤٦٣). ورواه أحمد ٢/ ٣١٢ و٣١٤، والبخاري (٣٠٢٧)، ومسلم (١٧٤٠) من حديث أبي هريرة، وقد روي عن جماعة من الصحابة.
(٢) برقم (٥٤). ورواه أيضًا أبو داود (٥١٩٣)، والترمذي (٢٦٨٨)، وابن ماجه (٦٨) و(٣٦٩٢)، وأحمد ٢/ ٤٩٥، وصححه ابن حبان (٢٣٦).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣].
ولهذا المعنى حرم المشي بالنَّميمة، لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، ورُخِّصَ في الكذب في الإِصلاح بين النَّاس، ورغَّب الله في الإِصلاح بينهم، كما قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].
وخرَّج الإِمام أحمد وأبو داود والترمذيُّ من حديث أبي الدرداء، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ألا أخبركم بأفضلَ مِنْ درجة الصلاة والصيام والصَّدقة؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "صلاحُ ذاتِ البينِ؛ فإنَّ فسادَ ذات البين هي الحالِقَةُ" (^١).
وخرَّج الإِمام أحمد وغيرُه من حديث أسماءَ بنتِ يزيد، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ألا أُنبِّئُكم بشرارِكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "المشَّاؤون بالنَّميمة، المفرِّقونَ بينَ الأحبَّةِ، الباغون للبُرءاءِ العَنَتِ" (^٢).
وأمَّا البغض في الله، فهو من أوثق عرى الإِيمان، وليس داخلًا في النَّهي، ولو ظهر لرجل من أخيه شرٌّ، فأبغضه عليه، وكان الرَّجُل معذورًا فيه في نفس
_________________
(١) صحيح، رواه أحمد ٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥، وأبو داود (٤٩١٩)، والترمذي (٢٥٠٩)، وصححه ابن حبان (٥٠٩٢).
(٢) رواه أحمد ٦/ ٤٥٩، والطبراني في "الكبير" ٢٤/ (٤٢٣) - (٤٢٥)، وفيه شهر بن حوشب، وفيه ضعف، وبعضهم حسن حديثه. وقوله: "الباغون للبراء العنت" قال ابن الأثير: العنت: المشقة والفساد والهلاك والإِثم والغلط والخطأ والزنى، وكل ذلك قد جاء وأطلق العنت عليه، والحديث يحتمل كلَّها.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
الأمر، أثيب المبغضُ له، وإن عُذِرَ أخوه، كما قال عمر: إنَّا كُنَّا نعرفكُم إذ رسول الله - ﷺ - بين أظهُرنا، وإذ ينزل الوحيُ، وإذ يُنبِّئُنا الله مِنْ أخبارِكُم ألا وإنَّ رسول الله - ﷺ - قدِ انطُلِقَ به، وانقطعَ الوحيُ، فإنَّما نَعْرفكم بما نَخْبُركم، ألا مَنْ أظهرَ منكم لنا خيرًا ظننَّا به خيرًا، وأحببناه عليه، ومَنْ أظهر منكم شرًّا، ظننا به شرًا، وأبغضناه عليه، سرائرُكم بينكم وبينَ ربِّكم - ﷿ -" (^١).
وقال الربيع بن خُثَيْم: لو رأيت رجلًا يُظهر خيرًا، ويُسرُّ شرًّا، أحببتَه عليه، آجرَك الله على حبِّك الخيرَ، ولو رأيت رجلًا يُظهر شرًّا، ويسرُّ خيرًا أبغضته عليه، آجرَك الله على بُغضك الشرَّ.
ولمَّا كثُرَ اختلافُ النَّاس في مسائل الدِّين، وكثرَ تفرُّقُهم، كثُر بسببِ ذلك تباغُضهم وتلاعُنهم، وكلٌّ منهم يُظهِرُ أنَّه يُبغض لله، وقد يكونُ في نفس الأمر معذورًا، وقد لا يكون معذورًا، بل يكون متَّبِعًا لهواه، مقصِّرًا في البحث عن معرفة ما يُبغِضُ عليه، فإنَّ كثيرًا من البُغض كذلك إنَّما يقعُ لمخالفة متبوع يظنُّ أنَّه لا يقولُ إلَّا الحقَّ، وهذا الظَّنُّ خطأٌ قطعًا، وإن أُريد أنَّه لا يقول إلَّا الحقَّ فيما خُولِفَ فيه، فهذا الظنُّ قد يُخطئ ويُصيبُ، وقد يكون الحاملَ على الميلِ إليه مجرَّدُ الهوى، أو الإِلفُ، أو العادة، وكلُّ هذا يقدح في أن يكون هذا البغضُ لله، فالواجبُ على المؤمن أن ينصحَ نفسَه، ويتحرَّزَ في هذا غاية التحرُّزِ، وما أشكل منه، فلا يُدخِلُ نفسَه فيه خشيةَ أن يقعَ فيما نُهِيَ عنه مِنَ البُغض المُحرَّمِ.
وها هنا أمرٌ خفيٌّ ينبغي التَّفطُّن له، وهو أنّ كثيرًا من أئمَّةِ الدِّينِ قد يقولُ
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ٤٦، وأبو يعلى (١٩٦)، ورجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي فراس النهدي راويه عن عمر، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٥٨٥، وقال ابن سعد في "الطبقات" ٧/ ١٢٣: كان شيخًا قليل الحديث.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
قولًا مرجوحًا، ويكون مجتهدًا فيه، مأجورًا على اجتهاده فيه، موضوعًا عنه خطؤه فيه، ولا يكونُ المنتصِرُ لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدَّرجة، لأنه قد لا ينتصِرُ لهذا القولِ إلَّا لكونِ متبوعه قد قاله، بحيث إنَّه لو قاله غيرُه منْ أئمَّة الدِّينِ، لما قبِلَهُ، ولا انتصر له، ولا والى من وافقه، ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنَّه إنَّما انتصر للحقِّ بمنزلة متبوعه، وليس كذلك، فإنَّ متبوعه إنَّما كان قصدُه الانتصارَ للحقِّ، وإن أخطأ في اجتهاده، وأمَّا هذا التَّابعُ، فقد شابَ انتصارَه لما يظنُّه الحقَّ إرادة علوِّ متبوعه، وظهور كلمته، وأن لا يُنسَبَ إلى الخطأ، وهذه دسيسةٌ تَقْدَحُ في قصد الانتصار للحقِّ، فافهم هذا، فإنَّه فَهْمٌ (^١) عظيم، والله يهدي مَنْ يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
وقوله: "ولا تدابروا" قال أبو عبيد (^٢): التَّدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يُولِّي الرَّجلُ صاحبَهُ دُبُرَه، ويُعرِض عنه بوجهه، وهو التَّقاطع.
وخرَّج مسلم (^٣) من حديث أنس عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا تحاسدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَقاطعُوا، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا كما أمركمُ الله". وخرَّجه أيضًا (^٤) بمعناه من حديث أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -.
وفي "الصحيحين" عن أبي أيوب، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوق ثلاثٍ، يلتقيان، فيصدُّ هذا، ويصدُّ هذا، وخيرُهما الَّذي يَبدأ بالسَّلام" (^٥).
_________________
(١) في (ب): "مُهمٌّ".
(٢) في "غريب الحديث" ٢/ ١٠.
(٣) (٢٥٦٣)، وقد تقدم.
(٤) برقم (٢٥٦٣).
(٥) رواه البخاري (٦٠٧٧) و(٦٢٣٧)، ومسلم (٢٥٦٠)، وأحمد ٥/ ٤١٦، وأبو داود (٤٩١١)، والترمذي (١٩٣٢)، وصححه ابن حبان (٥٦٦٩) و(٥٦٧٠).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وخرَّج أبو داود من حديث أبي خراش السُّلميِّ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "مَنْ هَجر أخاه سنةً، فهو كسفكِ دمه" (^١).
وكلُّ هذا في التَّقاطع للأمورِ الدُّنيويَّة، فأمَّا لأجلِ الدِّين، فتجوزُ الزِّيادةُ على الثلاثِ، نصَّ عليه الإِمام أحمدُ، واستدلَّ بقصَّةِ الثَّلاثةِ الَّذينَ خُلِّفوا، وأمر النبيُّ - ﷺ - بهجرانهم لمَّا خاف منهمُ النِّفاق، وأباح هِجران أهلِ البدع المغلَّظة والدعاة إلى الأهواء، وذكر الخطابي أنَّ هِجران الوالدِ لولده، والزَّوجِ لزوجته، وما كان في معنى ذلك تأديبًا تجوزُ الزِّيادةُ فيه على الثَّلاث، لأن النَّبيَّ - ﷺ - هجر نساءه شهرًا.
واختلفوا: هل ينقطع الهِجران بالسَّلام؟ فقالت طائفةٌ: يَنقَطِعُ بذلك، ورُوي عن الحسن ومالكٍ في رواية ابن وهبٍ، وقاله طائفةٌ من أصحابنا، وخرَّج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا يحلُّ لمؤمنٍ أن يهجُرَ مؤمنًا فوق ثلاثٍ، فإن مرَّت به ثلاثٌ، فليلقَهُ، فليسلِّم عليه، فإن ردَّ ﵇، فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يردَّ عليه، فقد باءَ بالإِثم، وخرج المُسلِّمُ من الهجرة" (^٢). ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخرُ من الرَّدِّ عليه، فأمَّا معَ الرَّدِّ إذا كان بينهما قبل الهجرِة مودَّةٌ، ولم يعودا إليها، ففيه نظر. وقد قال أحمد في رواية الأثرم، وسئل عن السَّلام: يقطعُ الهِجران؟ فقال: قد يُسلم عليه وقد صَدَّ عنه، ثم قال النبيُّ - ﷺ - يقول: "يلتقيان فيصدُّ هذا، ويصدُّ هذا"، فإذا كان قد عوَّده
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٩١٥). ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٤٠٤) و(٤٠٥)، وابن سعد في "الطبقات" ٧/ ٥٠٠، وأحمد ٤/ ٣٢٠، والحاكم ٤/ ١٦٣، وقال: صحيح الإِسناد، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
(٢) رواه أبو داود (٤٩١٤)، والبيهقي ١٠/ ٦٣، ورجاله ثقات غير هلال بن أبي هلال المدني راويه عن أبي هريرة، فقد روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٣٠٥، وقد صححه الحافظ في "الفتح" ١٠/ ٤٩٥.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
أن يُكلِّمه أو يُصافحه. وكذلك رُويَ عن مالكٍ أنَّه لا تنقطعُ الهجرة بدونِ العود إلى المودَّة.
وفرَّق بعضُهم بين الأقارب والأجانب، فقال في الأجانب: تزول الهجرةُ بينهم بمجرَّد السَّلام، بخلافِ الأقارب، وإنَّما قال هذا لوجوب صلة الرَّحِمِ.
قوله - ﷺ -: "ولا يبِعْ بعضُكم على بيع بعض" قد تكاثرَ النَّهي عَنْ ذلك، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يبيع الرجلُ على بيع أخيه، ولا يخطُبُ على خِطبةِ أخيه". وفي رواية لمسلم: "لا يَسُمِ المسلمُ على سومِ المسلم، ولا يَخطُب على خِطبته" (^١). وخرَّجاه من حديث ابن عمر عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يَبِعِ الرَّجُلُ على بيع أخيه، ولا يخطُبْ على خِطبة أخيه، إلَّا أن يأذن له". ولفظه لمسلم (^٢).
وخرَّج مسلم (^٣) من حديث عقبة بن عامر، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "المؤمنُ أخو المؤمِنِ، فلا يَحِلُّ للمؤمن أن يبتاعَ على بيع أخيه، ولا يخطبَ على خِطبةِ أخيه، حتَّى يَذَرَ".
وهذا يدلُّ على أنَّ هذا حقٌّ للمسلم على المسلم، فلا يُساويه الكافر في ذلك، بل يجوزُ للمسلم أن يبتاعَ على بيع الكافر، ويَخطُبَ على خِطبته، وهو قولُ الأوزاعيِّ وأحمدَ، كما لا يثبتُ للكافر على المسلم حقُّ الشُّفعة عنده، وكثيرٌ من الفُقهاء ذهبوا إلى أنَّ النَّهي عامٌّ في حقِّ المسلم والكافر.
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٤٠) و(٢١٦٠) و(٢٧٢٣) و(٥١٤٤)، ومسلم (١٥١٥)، وأبو داود (٢٠٨٠)، والترمذي (١١٣٤)، والنسائي ٧/ ٢٥٨ - ٢٥٩، وابن ماجه (٢١٧٢)، وصححه ابن حبان (٤٠٤٦) و(٤٠٤٨) و(٤٠٥٠).
(٢) رواه البخاري (٢١٣٩) و(٥١٤٢)، ومسلم (١٤١٢)، وصححه ابن حبان (٤٠٤٧) و(٤٠٥١).
(٣) برقم (١٤١٤).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
واختلفوا: هلِ النَّهيُ للتَّحريم، أو للتَّنزيه، فمِنْ أصحابنا من قال: هو للتَّنزيه دونَ التَّحريم، والصَّحيحُ الذي عليه جمهورُ العلماء: أنَّه للتَّحريمِ.
واختلفوا: هل يصحُّ البيع على بيعِ أخيه، أوِ النِّكاحُ على خِطبته؟ فقال أبو حنيفة والشافعيُّ وأكثرُ أصحابنا: يَصِحُّ، وقال مالك في النِّكاح: إنَّه إن لم يدخل بها، فُرِّقَ بينهما، وإن دخل بها لم يُفرَّقْ. وقال أبو بكر مِنْ أصحابنا في البيع والنِّكاحِ: إنَّه باطلٌ بكلِّ حالٍ، وحكاه عن أحمد.
ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكونَ قد باع منه شيئًا، فيبذُلَ للمشتري سلعتَه ليشتريها، ويفسخ بيعَ الأوَّلِ. وهل يختصُّ ذلك بما إذا كان البذلُ في مدَّة الخيار، بحيث يتمكَّن المشتري مِنَ الفسخِ فيه، أم هو عامٌّ في مدَّةِ الخيار وبعدَها؟ فيه اختلاف بين العلماء، قد حكاه الإِمامُ أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول بأنَّه عامٌّ في الحالينِ، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا. ومنهم من خصَّه بما إذا كان ذلك في مدَّة الخيار، وهو ظاهرُ كلامِ أحمد في رواية ابن مشيش، ومنصوصُ الشَّافعي، والأوَّلُ أظهرُ، لأنَّ المشتري وإن لم يتمكَّنْ من الفسخ بنفسه بعد انقضاء الخيار فإنَّه إذا رغب في ردِّ السِّلعة الأُولى على بائعها، فإنه يتسبَّب إلى ردِّها عليه بأنواع من الطُّرق المقتضية لضَرره، ولو بالإِلحاح عليه في المسألة، وما أدَّى إلى ضررِ المسلم، كان محرَّمًا والله أعلم.
وقوله - ﷺ -: "وكونوا عباد الله إخوانًا": هذا ذكره النبيُّ - ﷺ - كالتَّعليل لِما تقدَّم، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم إذا تركُوا التَّحاسُدَ، والتَّناجُشَ، والتَّباغُضَ، والتدابرَ، وبيعَ بعضِهم على بيعِ بعضٍ، كانوا إخوانًا.
وفيه أمرٌ باكتساب ما يصيرُ المسلمون به إخوانًا على الإِطلاق، وذلك يدخلُ فيه أداءُ حقوقِ المسلم على المسلم مِنْ ردِّ السلامِ، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإجابةِ الدَّعوة، والابتداء بالسَّلام عندَ اللِّقاء، والنُّصح بالغيب.
[ ٢ / ٢٧١ ]
وفي "الترمذي" عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "تَهادَوا، فإنَّ الهديةَ تُذهِبُ وَحَرَ الصَّدر" (^١). وخرَّجه غيرُه، ولفظه: "تهادوا تحابُّوا" (^٢).
وفي "مسند البزار" (^٣) عن أنس عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "تهادوا، فإن الهدية تَسُلُّ السَّخيمة".
ويُروى عن عمر بن عبد العزيز - يرفعُ الحديثَ - قال: "تصافحوا، فإنَّه يُذهِبُ الشَّحناء، وتهادَوْا" (^٤).
وقال الحسن: المصافحةُ تزيد في الودِّ.
وقال مجاهد: بلغني أنه إذا تراءى المتحابَّان، فضحك أحدُهما إلى الآخر، وتصافحا، تحاتت خطاياهما كما يتحاتُّ الورقُ من الشجر، فقيل له: إنَّ هذا ليسيرٌ مِنَ العمل، قال: تقولُ يسيرٌ والله يقولُ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] (^٥).
_________________
(١) هو في "سنن الترمذي" (٢١٣٠) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، قلت: في سنده أبو معشر - واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي - وهو ضعيف، ورواه من طريقه أيضًا أحمد ٢/ ٤٠٥، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٦٥٦).
(٢) رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٥٩٤)، والبيهقي ٦/ ١٦٩، والدولابي في "الكنى والأسماء" ١/ ١٥٠ و٢/ ٧، وإسناده حسن كما قال الحافظ في "تلخيص الحبير" ٣/ ٧٠.
(٣) برقم (١٩٣٧)، ورواه أيضًا الطبراني في "الأوسط" (١٥٤٩) وابن حبان في "المجروحين" ٢/ ١٩٤، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" ٢/ ٩١ و١٨٧، وفي سنده عائذ بن شريح، وهو ضعيف.
(٤) رواه ابن وهب في "الجامع" ص ٣٨ عن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه رفعه، وهذا مرسل، وأخرجه مالك في "الموطأ" ٢/ ٩٠٨، عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني رفعه، وعطاء صاحب أوهام كثيرة.
(٥) رواه الطبري في "جامع البيان" (١٦٢٦٠).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وقوله - ﷺ -: "المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه، ولا يَخذُلُه، ولا يَكذِبُه، ولا يَحقِرُه". هذا مأخوذ من قوله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإذا كان المؤمنون إخوةً، أُمروا فيما بينهما بما يُوجب تآلُفَ القلوب واجتماعَها، ونُهوا عمَّا يوجبُ تنافرَ القلوب واختلافَها، وهذا من ذلك.
وأيضًا، فإنَّ الأخَ مِنْ شأنه أن يوصِلَ إلى أخيه النَّفع، ويكفَّ عنه الضَّرر، ومن أعظم الضرِّ الذي يجبُ كفُّه عَنِ الأَخِ المسلم الظُّلم، وهذا لا يختصُّ بالمسلم، بل هو محرَّمٌ في حقِّ كلِّ أحدٍ، وقد سبق الكلام على الظُّلم مستوفى عند ذكر حديث أبي ذرٍّ الإِلهي: "يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا" (^١).
ومِنْ ذلك: خِذلانُ المسلم لأخيه، فإنَّ المؤمن مأمورٌ أن يَنصُرَ أخاه، كما قال - ﷺ -: "انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قال: يا رسولَ الله، أنصُرُهُ مَظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه عَنِ الظُّلم، فذلك نصرُك إيَّاه". خرَّجه البخاري بمعناه من حديث أنس (^٢)، وخرَّجه مسلم (^٣) بمعناه من حديث جابر.
_________________
(١) وهو الحديث الرابع والعشرون.
(٢) رواه البخاري (٢٤٤٣) و(٦٩٥٢)، وأحمد ٣/ ٩٩ و٢٠١، والترمذي (٢٢٥٥)، وصححه ابن حبان (٥١٦٧) و(٥١٦٨).
(٣) برقم (٢٥٨٤)، عن جابر قال: اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا لَلمهاجرين. ونادى الأنصار: يا للأنصار! فخرج رسول الله - ﷺ -، فقال: "ما هذا؟ دعوى أهل الجاهلية؟ " قالوا: لا يا رسول الله! إلا أن غلامين اقتتلا، فكسَع أحدهما الآخر. قال: "فلا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا. إن كان ظالمًا فلينهه فإنه له نصر، وإن كان مظلومًا فلينصره".
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وخرَّج أبو داود (^١) من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابرِ بن عبد الله، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ما مِن امرئٍ مسلمٍ يخذُلُ امرأً مسلمًا في موطن تُنتَهكُ فيه حرمتُه، ويُنتقصُ فيه من عِرضه، إلَّا خذله الله في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتَه، وما مِن امرئٍ ينصرُ مسلمًا في موضع يُنتقصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهكُ فيه من حرمته، إلَّا نصره الله في موضع يحبُّ فيه نصرَتَه" (^٢).
وخرَّج الإِمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبيه عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "مَنْ أُذِلَّ عنده مؤمنٌ، فلم ينصُرْه وهو يقدِرُ على أن ينصُرَه، أذلَّه اللهُ على رؤوس الخلائق يوم القيامة" (^٣).
وخرَّج البزار من حديث عِمران بن حُصين، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "مَنْ نصرَ أخاه بالغيب وهو يستطيعُ نصرَه، نَصَرَهُ الله في الدُّنيا والآخرة".
_________________
(١) رواه برقم (٤٨٨٤)، ورواه أحمد ٤/ ٣٠، والبخاري في "تاريخه" ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨، ويعقوب بن سفيان في "تاريخه" ١/ ٣٠٠، وفي سنده عندهم إسماعيل بن بشير راويه عن أبي طلحة، وجابر لم يوثقه غير ابن حبان، ولا يعرف له غير هذا الحديث. لكن يتقوى بحديث جابر وأبي أيوب عند الطبراني في "الأوسط" كما في "المجمع" ٧/ ٢٦٧، وحسن إسناده الهيثمي، وبحديث سهل بن حنيف وعمران بن حصين الآتيين عند المؤلف، فالحديث حسن.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٤٨٧، والطبراني في "الكبير" (٥٥٥٤)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٤٣٠)، وفيه عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف.
(٣) رواه البزار (٣٣١٥) - (٣٣١٧)، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٢٥، والطبراني في "الكبير" ١٨/ (٣٣٧)، وقال أبو نعيم: غريب. وذكره الهيثمي في "المجمع" ٧/ ٢٦٧، وقال: رواه البزار بأسانيد، وأحدها موقوف على عمران، وأحد أسانيد المرفوع رجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني. ورواه البيهقي ٨/ ١٦٨ من حديث الحسن عن أنس مرفوعًا، وقال: قيل: عن الحسن، عن عمران بن حصين موقوفًا، وقيل: عنه بإسناده مرفوعًا، والموقوف أصح.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
ومن ذلك: كذِبُ المسلم لأخيه، فلا يَحِلُّ له أن يُحدِّثه فيكذبه، بل لا يُحدِّثه إلَّا صدقًا، وفي "مسند" الإِمام أحمد عن النَّوَّاس بن سمعان، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "كَبُرَت خِيانةً أن تُحدِّثَ أخاكَ حديثًا هو لك مصدِّقٌ وأنت به كاذب" (^١).
ومن ذلك: احتقارُ المسلم لأخيه المسلم، وهو ناشئٌ عن الكِبْرِ، كما قال النبيُّ - ﷺ -: "الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ النّاس" خرَّجه مسلم من حديث ابن مسعود، وخرَّجه الإِمام أحمد، وفي رواية له: "الكبرُ سَفَهُ الحقِّ، وازدراءُ الناس"، وفي رواية: "وغمص الناس"، وفي رواية زيادة: "فلا يَراهم شيئًا" (^٢) وغمص النَّاس: الطَّعنُ عليهم وازدراؤهم، وقال الله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، فالمتكبر ينظرُ إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين النَّقصِ، فيحتقرهم ويزدريهم، ولا يراهم أهلًا لأنْ يقومَ بحقُوقهم، ولا أن يقبلَ مِنْ أحدَ منهم الحقَّ إذا أورده عليه.
وقوله - ﷺ -: "التَّقوى ها هنا" يشير إلى صدره ثلاثَ مرَّاتٍ: فيه إشارةٌ إلى أنَّ كرم الخَلْق عند الله بالتَّقوى، فربَّ من يحقِرُه النَّاس لضعفه، وقلَّةِ حظِّه من الدُّنيا، وهو أعظمُ قدرًا عند الله تعالى ممَّن له قدرٌ في الدُّنيا، فإنَّ النَّاسَ إنَّما يتفاوتُون بحسب التَّقوى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
_________________
(١) رواه أحمد ٤/ ١٨٣، وأبو نعيم في "الحلية" ٦/ ٩٩، وفيه عمر بن هارون البلخي، وهو متروك. وفي الباب عن سفيان بن أسيد الحضرمي، رواه أبو داود (٤٩٧١)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٣٩٣)، والبيهقي ١٠/ ١٩٩، وإسناده ضعيف.
(٢) رواه مسلم (٩١)، وأحمد ١/ ٣٨٥ و٣٩٩ و٤٢٧، والترمذي (١٩٩٩) والطبراني في "الكبير" (١٥٣٣)، والحاكم ٤/ ١٨٢.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
[الحجرات: ١٣]، وسئل النبيُّ - ﷺ -: مَنْ أكرمُ النَّاسِ؟ قال: "أتقاهُم لله - ﷿ -" (^١). وفي حديث آخر: "الكرمُ التَّقوى" (^٢)، والتَّقوى أصلُها في القلب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وقد سبق ذكر هذا المعنى في الكلام على حديث أبي ذرٍّ الإِلهي عند قوله: "لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكُم وجنَّكُم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا".
وإذا كان أصلُ التَّقوى في القُلوب، فلا يطَّلِعُ أحدٌ على حقيقتها إلَّا الله - ﷿ -، كما قال - ﷺ -: "إنَّ الله لا ينظرُ إلى صُورِكُم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم" (^٣) وحينئذٍ، فقد يكونُ كثيرٌ ممَّن له صورةٌ حسنةٌ، أو مالٌ، أو جاهٌ، أو رياسةٌ في الدنيا، قلبه خرابًا من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبُه مملوءًا مِنَ التَّقوى، فيكون أكرمَ عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعًا، كما في "الصحيحين" عن حارثةَ بن وهبٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ألا أُخبِرُكم بأهلِ الجنَّةِ: كلُّ ضعيف متضعَّفٍ، لو أقسم على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهل النَّارِ: كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُستكبِرٍ" (^٤).
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٤٣١، والبخاري (٢٣٥٣)، ومسلم (٢٣٧٨).
(٢) رواه أحمد ٥/ ١٠، والترمذي (٣٢٧١)، وابن ماجه (٤٢١٩)، والدارقطني ٣/ ٣٠٢، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٢١)، والبيهقي ٧/ ١٣٥ - ١٣٦، والطبراني في "الكبير" (٦٩١٢)، والبغوي (٣٥٤٥)، من طريق سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ٢/ ١٦٣ و٤/ ٢٣٥، ووافقه الذهبي! وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الدارقطني ٣/ ٣٠٢، وآخر من حديث بريدة عند القضاعي (٢٠) فيتقوى بهما.
(٣) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٥٣٩، ومسلم (٢٥٦٤)، وابن ماجه (٤١٤٣)، وصححه ابن حبان (٣٩٤).
(٤) رواه البخاري (٤٩١٨) و(٦٠٧١) و(٦٦٥٧)، ومسلم (٢٨٥٣)، والترمذي (٢٦٠٥)، =
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وفي "المسند" (^١) عن أنس عن النبي - ﷺ -، قال: "أمَّا أهلُ الجنَّة، فكلُّ ضعيفٍ متضعَّفٍ، أشعث، ذي طِمرين، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّه؛ وأمَّا أهلُ النَّارِ، فكلُّ جَعْظَريِّ جَوَّاظ جمَّاعٍ، منَّاعٍ، ذي تَبَع".
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "تحاجَّت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرينَ والمتجبِّرين، وقالتِ الجنَّةُ: لا يدخُلُني إلَّا ضعفاءُ النَّاس وسَقَطُهم، فقال الله للجنَّةِ: أنت رحمتي أرحمُ بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنَّار: أنت عذابي، أعذِّبُ بكِ من أشاء من عبادي" (^٢).
وخرَّجه الإِمام أحمد (^٣) من حديث أبي سعيدٍ عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "افتخرت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالت النار: يا ربِّ، يدخُلُني الجبابرة والمتكبِّرون والملوكُ والأشرافُ، وقالت الجنَّةُ: يا ربِّ، يدخُلُني الضُّعفاء والفقراءُ والمساكين" وذكر الحديثَ.
_________________
(١) = وصححه ابن حبان (٥٦٧٩). وقوله: "متضعَّف" هو بفتح العين، أي: يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا. والعتل: الجافي الشديد الخصومة في الباطل، والجواظ: هو الجَمُوع المَنُوع.
(٢) ٣/ ١٤٥، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، لكنه يتقوى بحديث حارثة السابق، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر.
(٣) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦)، وابن حبان (٧٤٤٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) في "المسند" ٣/ ١٣ و٧٨، ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٥٢٨) وفي سنده عطاء بن السائب وقد اختلط، ورواه مسلم بنحوه في "الصحيح" (٢٨٤٧) من طريق جرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري دون الزيادة التي في "المسند" بعد قوله: "ولكل واحدة منكما ملؤها".
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وفي "صحيح البخاري" (^١) عن سهل بن سعد، قال: مرَّ رجلٌ على رسولِ الله - ﷺ -، فقال لرجل عنده جالس: "ما رأيك في هذا؟ " فقال رجلٌ منْ أشراف الناس: هذا والله حريٌّ إنْ خطَب أن يُنكح، وإن شفع أن يشفَّعَ، وإن قال أن يُسمَعَ لقوله، قال: فسكت النبيُّ - ﷺ -، ثم مرَّ رجلٌ آخر، فقال له رسول الله - ﷺ -: "ما رأيك في هذا؟ " قال: يا رسول الله، هذا رجلٌ مِن فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خطب أن لا يُنكحَ، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يُسمع لقوله، فقال رسول الله - ﷺ -: "هذا خيرٌ من ملءِ الأرض مثل هذا".
وقال محمد بنُ كعب القُرَظيُّ في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ١ - ٣]، قال: تَخفِضُ رجالًا كانوا في الدُّنيا مرتفعين، وترْفَعُ رجالًا كانوا في الدُّنيا مخفوضين (^٢).
قوله - ﷺ -: "بحسب امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلم"، يعني: يكفيه مِنَ الشَّرِّ احتقارُ أخيه المسلم، فإنَّه إنَّما يحتقرُ أخاه المسلم لتكبُّره عليه، والكِبْرُ من أعظمِ خِصالِ الشَّرِّ، وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "لا يدخلُ الجنَّة من في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبْرٍ".
وفيه (^٤) أيضًا عنه أنه قال: "العزُّ إزاره والكبر رداؤه، فمن نازعني عذَّبتُه"
_________________
(١) برقم (٥٠٩١) و(٦٤٤٧). ورواه ابن ماجه (٤١٢٠).
(٢) رواه سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ في "العظمة" كما في "الدر المنثور" ٨/ ٤.
(٣) برقم (٩١) من حديث ابن مسعود. ورواه أيضًا أبو داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٩)، وصححه ابن حبان (٥٦٨٠).
(٤) برقم (٢٦٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة. قال الإِمام النووي في "شرح مسلم" ١٦/ ١٧٣ - ١٧٤ تعليقًا على قوله - ﷺ -: "العزّ إزاره": هكذا هو في جميع النسخ (أي: نسخ صحيح مسلم)، فالضمير في "إزاره" و"رداؤه" يعود إلى الله تعالى للعلم به، وفيه محذوف تقديره: "قال الله تعالى: "ومن =
[ ٢ / ٢٧٨ ]
فمنازعته الله صفاته التي لا تليقُ بالمخلوق، كفى بها شرًا.
وفي "صحيح ابن حبان" (^١) عن فَضالة بنِ عُبيدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "ثلاثة لا يُسأل عنهم: رجلٌ يُنازع الله إزاره، ورجلٌ يُنازِعُ الله رداءَه، فإنَّ رداءَه الكبرياء، وإزاره العزُّ، ورجلٌ في شكٍّ من أمر الله تعالى والقُنوطِ من رحمة الله".
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "من قال: هلكَ النَّاسُ، فهو أهلكُهم" (^٢) قال مالك: إذا قال ذلك تحزُّنًا لِما يرى في الناس، يعني في دينهم فلا أرى به بأسًا، وإذا قال ذلك عُجبًا بنفسه، وتصاغُرًا للناس، فهو المكروهُ الذي نُهي عنه. ذكره أبو داود في "سننه" (^٣).
قوله - ﷺ -: "كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمهُ ومالُه وعِرضه" هذا ممَّا كان النَّبيُّ - ﷺ - يخطب به في المجامع العظيمةِ، فإنَّه خطب به في حَجّةِ الوداع يومَ النَّحر، ويومَ عرفةَ، واليوم الثاني من أيَّام التَّشريق، وقال: "إن دماءَكم وأموالكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في
_________________
(١) = ينازعني ذلك أعذبه". ومعنى "ينازعني" يتخلق بذلك فيصير في معنى المشارك، وهذا وعيد شديد في الكِبْر، مصرح بتحريمه. وأما تسميته إزارًا ورداءً فمجاز واستعارة حسنة، كما تقول العرب: فلان شعارُه الزهد، ودِثاره التقوى، لا يريدون الثوبَ الذي هو شعار أو دثار، بل معناه صفته، كذا قال المازري، ومعنى الاستعارة هنا أن الإِزار والرداء يلصقان بالإِنسان ويلزمانه، وهما جمال له، قال: فضُرب ذلك مثلًا لكون العز والكبرياء بالله تعالى ألزم، واقتضاهما جلاله، ومن مشهور كلام العرب: فلان واسع الرداء، وغَمْرُ الرداء، أي: واسع العطية.
(٢) برقم (٤٥٥٩).
(٣) رواه مسلم (٢٦٢٣)، ومالك ٢/ ٩٨٤، وأبو داود (٤٩٨٣).
(٤) بإثر الحديث (٤٩٨٣)، وذكره أيضًا البغوي في "شرح السنة" ١٣/ ١٤٤ والنووي في "شرح مسلم" ١٦/ ١٧٥.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
بلدكم هذا" (^١). وفي رواية للبخاري وغيره: "وأبشاركم" (^٢).
وفي رواية: فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه، فقال: "اللَّهُمَّ هل بلَّغتُ؟ اللهمَّ هل بلَّغت؟ " (^٣).
وفي رواية: ثم قال: "ألا ليبلغِ الشاهدُ منكمُ الغائبَ" (^٤).
وفي رواية للبخاري (^٥): "فإن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها.
وفي رواية: "دماؤكم وأموالُكم وأعراضُكم عليكُم حرامٌ، مثلُ هذا اليومِ، وهذا البلد إلى يوم القيامة، حتَّى دفعةٌ يدفعُها مسلمٌ مسلمًا يريدُ بها سوءًا حرام" (^٦).
وفي رواية قال: "المؤمنُ حرامٌ على المؤمن، كحرمة هذا اليوم لحمهُ عليه حرامٌ أن يأكُلَه ويغتابه بالغيبِ، وعِرضُه عليه حرامٌ أن يخرِقَه، ووجهُه عليه حرام أن يَلطِمَه، ودمُه عليه حرام أن يسفِكَه، وحرامٌ عليه أن يدفعه دفعةً تُعنته" (^٧).
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٣٩) من حديث ابن عباس، ورواه البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٧) من حديث أبي بكرة.
(٢) رواه البخاري (٧٠٧٨)، وأحمد ٥/ ٣٩ من حديث أبي بكرة.
(٣) هي للبخاري من حديث ابن عباس.
(٤) هي للبخاري من حديث ابن عباس، ورواها هو ومسلم من حديث أبي بكرة أيضًا.
(٥) برقم (١٧٤٢) من حديث ابن عمر.
(٦) رواه البزار (١١٤٣) من حديث فضالة بن عبيد. قال الهيثمي في "المجمع" ٣/ ٢٦٨: رجاله ثقات.
(٧) رواه الطبراني في "الكبير" ١٩/ (٤٠٠) من حديث كعب بن عاصم، وفي سنده كرامة بنت الحسين، قال الهيثمي في "المجمع" ٣/ ٢٧٢: لم أجد من ذكرها.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وفي "سنن أبي داود" (^١) عن بعضِ الصَّحابة أنَّهم كانوا يسيرونَ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ -، فنام رجلٌ منهم فانطلق بعضُهم إلى حبلٍ معه، فأخذها ففزِعَ، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: "لا يحلُّ لمسلم أن يروِّع مسلمًا".
وخرَّج أحمد وأبو داود والترمذي عن السَّائب بن يزيد، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يأخذ أحدُكم عصا أخيه لاعبًا جادًّا، فمن أخذَ عصا أخيه، فليردَّها إليه" (^٢). قال أبو عبيد (^٣) يعني أن يأخذ متاعه لا يريد سرقتَه، إنَّما يريدُ إدخالَ الغيظِ عليه، فهو لاعبٌ في مذهب السرقة، جادٌ في إدخال الأذى والروع عليه.
وفي "الصحيحين" عن ابنِ مسعودٍ عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دونَ الثَّالث، فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ" ولفظه لمسلم (^٤).
وخرَّج الطبراني (^٥) من حديث ابنِ عباس عن النَّبي - ﷺ -، قال: "لا يتناجى اثنان دُونَ الثَّالث، فإنَّ ذلك يُؤذي المؤمنَ، واللهُ يكره أذى المؤمن".
وخرَّج الإمام أحمد من حديث ثوبان، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "لا تؤذوا عبادَ الله، ولا تعيِّرُوهم، ولا تطلبُوا عوراتهم، فإنَّ من طلبَ عورةَ أخيه المسلمِ،
_________________
(١) برقم (٥٠٠٤)، ورواه أحمد ٥/ ٣٦٢، وإسناده صحيح.
(٢) صحيح، رواه أحمد ٤/ ٢٢١، وأبو داود (٥٠٠٣)، والترمذي (٢١٦٠)، والبغوي (٢٥٧٢)، والبيهقي ٦/ ٩٢، و١٠٠، وحسنه الترمذي والعراقي.
(٣) في "غريب الحديث" ٣/ ٦٧.
(٤) رواه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤)، وأحمد ١/ ٣٧٥، وأبو داود (٤٨٥١). والترمذي (٢٨٢٥)، وابن ماجه (٣٧٧٥)، وصححه ابن حبان (٥٨٣).
(٥) في "الأوسط" (٢٠٠٧). ورواه أبو يعلى (٢٤٤٤)، وابن أبي حاتم في "العلل" ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦، ورجاله رجال الصحيح غير الحسن بن كثير، فلم يوثقه غير ابن حبان ٦/ ١٦٧، فهو في عداد المجهولين، وأعله البخاري في "تاريخه" ٢/ ٣٠٥ بالإِرسال.
[ ٢ / ٢٨١ ]
طلب اللهُ عورتَه حتَّى يفضحَهُ في بيته" (^١)
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن أبي هريرة أن النَّبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عنِ الغيبة، فقال: "ذكرُك أخاكَ بما يكرهُ"، قال: أرأيت إن كان فيه ما أقولُ؟ فقال: "إن كان فيه ما تقولُ، فقد اغتَبته، وإن لم يكن فيه ما تقولُ، فقد بهتَّه".
فتضمَّنت هذه النُّصوص كلُّها أنَّ المسلمَ لا يحِلُّ إيصالُ الأذى إليه بوجهٍ مِنَ الوجوهِ من قولٍ أو فعلٍ بغيرِ حقٍّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
وإنما جعلَ اللهُ المؤمنين إخوةً ليتعاطفوا ويتراحموا، وفي "الصحيحين" عن النعمان بن بشير، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفهم، مَثَلُ الجسدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسد بالحمَّى والسَّهر".
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٢٧٩، وإسناده حسن، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ٧٨، وقال: رجاله رجال الصحيح غير ميمون بن عجلان، وهو ثقة، قلت: وجزم الحافظ في "لسان الميزان" ٦/ ١٤١ في ترجمة ميمون بن عجلان أنه ميمون بن موسى المرَئي البصري، وهو صدوق من رجال "التهذيب" - وهو وإن كان موصوفًا بالتدليس - قد صرح بالسماع في هذا الحديث، قلت: ويشهد له حديث ابن عمر رفعه "يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإِيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيّروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحُه، ولو في جوف رحله". رواه الترمذي (٢٠٣٣)، والبغوي (٣٥٢٦)، وسنده حسن، ومن حديث أبي برزة الأسلمي عند أبي داود (٤٨٨٠)، وأحمد ٤/ ٤٢١ و٤٢٤، وسنده حسن أيضًا، ومن حديث البراء بن عازب عند أبي يعلى (١٦٧٥)، وحسن إسناده الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ١٧٧، وقال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ٥٣: رجاله ثقات.
(٢) رقم (٢٥٨٩). ورواه أبو داود (٤٨٧٤)، والترمذي (١٩٣٤)، وصححه ابن حبان (٥٧٥٨) و(٥٧٥٩).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وفي رواية لمسلم: "المؤمنون كرجلٍ واحدٍ، إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
وفي رواية له أيضًا: "المسلمون كرجلٍ واحد إن اشتكى عينُه، اشتكى كلُّه، وإن اشتكى رأسُه، اشتكى كلُّه" (^١).
وفيهما عن أبي موسى، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "المؤمن للمؤمن كالبُنيان، يشدُّ بعضُه بعضًا" (^٢).
وخرَّج أبو داود (^٣) من حديث أبي هُريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "المؤمن مرآةُ المؤمنِ، المؤمنُ أخو المؤمنِ، يكفُّ عنه ضيعتَه، ويحوطُه من ورائِه". وخرَّجه الترمذي (^٤)، ولفظه: "إن أحَدَكُم مرآةُ أخيه، فإن رأى به أذى، فليُمطه عنه".
قال رجل لعمر بن عبد العزيز: اجعل كبيرَ المسلمين عندَك أبًا، وصغيرهم ابنًا، وأوسَطَهم أخًا، فأيُّ أولئك تُحبُّ أن تُسيء إليه؟ ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي: ليكن حظُّ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه، فلا تضرَّه، وإن لم تُفرحه، فلا تَغُمَّه، وإن لم تمدحه فلا تَذُمَّه.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦)، وأحمد ٤/ ٢٧٠، وصححه ابن حبان (٢٣٣).
(٢) رواه البخاري (٤٨١) و(٦٠٢٦)، ومسلم (٢٥٨٥)، وأحمد ٤/ ٤٠٤، والنسائي ٥/ ٧٩، وصححه ابن حبان (٢٣٢).
(٣) في "السنن" (٤٩١٨)، ورواه أيضًا البخاري في "الأدب المفرد" (٢٣٩)، وابن وهب في "الجامع" ص ٣٧، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٢٥)، وإسناده حسن كما قال الحافظ العراقي في "تخريج الإِحياء" ٢/ ١٨٢، وفي الباب عن أنس عند البزار (٣٢٩٧)، والقضاعي (١٢٤). وقوله: "يكف عليه ضيعته" أي: يجمع عليه معيشته، ويضمها إليه، وضيعة الرجل: ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك. وقوله: "يحوطه من ورائه" أي: يحفظه ويصونه، ويذب عنه ويدفع عنه من يغتابه أو يُلحق به ضررًا، ويُعامله بالإِحسان بقدر الطاقة والشفقة وغير ذلك.
(٤) برقم (١٩٢٩)، وفيه يحيى بن عبيد الله، وهو ضعيف جدًا.
[ ٢ / ٢٨٣ ]