عَنْ أبي ذَرٍّ ﵁ أنَّ ناسًا مِنْ أَصْحَابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - قالُوا لِلنَّبيِّ - ﷺ -: يا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالأجورِ، يُصلُّونَ كَما نُصَلِّي، ويَصومُونَ كَمَا نَصُومُ، ويَتَصدَّقُونَ بفُضُولِ أَموالِهمْ، قالَ: "أَوليسَ قَدْ جَعَلَ الله لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إنَّ بِكُلِّ تَسبيحةٍ صَدقَةً، وكُلِّ تَكْبيرةٍ صَدقَةً، وكُلِّ تَحْميدةٍ صَدقَةً، وكُلِّ تَهْليلَةٍ صَدقَةً، وأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقةٌ، ونَهْي عَنْ مُنكَرٍ صَدَقَةٌ، وفي بُضْعِ أحَدِكُم صَدَقَةٌ". قالوا: يا رسولَ اللهِ، أيأتِي أحدُنا شَهْوَتَهُ ويكونُ لهُ فيها أَجْرٌ؟ قال: "أرأيتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الحرام، أَكانَ عَلَيهِ وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضَعَها في الحلالِ كان لهُ أَجْرٌ". رَواهُ مُسلمٌ (^١).
هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدِّيْلي، عن أبي ذرٍّ ﵁، وقد روي معناه عن أبي ذرٍّ من وجوه كثيرةٍ بزيادةٍ ونقصان، وسنذكر بعضها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الصحابة ﵃ لِشدّة حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم فعلُه من الخير ممَّا يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يَحزَنُونَ على فواتِ الصَّدقة بالأموال التي يَقدِرُ عليها الأغنياء، ويحزنون على التخلُّف عن الخروجِ
_________________
(١) برقم (٧٢٠) و(١٠٠٦)، ورواه أيضًا أحمد ٥/ ١٦٧ و١٦٨، وأبو داود (٥٢٤٣) (٥٢٤٤)، وصححه ابن حبان (٨٣٨).
[ ٢ / ٥٦ ]
في الجهاد، لعدم القدرة على آلته، وقد أخبر الله عنهم بذلك في كتابه، فقال: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢].
وفي هذا الحديث: أن الفقراء غَبَطوا أهلَ الدُّثور - والدُّثور: هي الأموال - بما يحصُلُ لهم مِنْ أجرِ الصدقة بأموالهم، فدلَّهمُ النبيُّ - ﷺ - على صدقاتٍ يقدِرُون عليها.
وفي "الصحيحين" (^١) عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة أنَّ فقراءَ المهاجرين أتَوا النبيَّ - ﷺ -، فقالوا: ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ بالدرجاتِ العُلى والنعيمِ المقيمِ، فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: يُصلُّون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويَعتِقون ولا نَعتِق، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "أفلا أُعَلِّمُكم شيئًا تُدرِكُونَ به مَنْ قد سَبَقكُم، وتسبقونَ به من بَعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَنْ صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تُسبِّحونَ وتُكبِّرونَ وتحمَدُونَ دُبُرَ كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين مرَّة"، قال أبو صالح: فرجع فقراءُ المهاجرين إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموالِ بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسولُ الله - ﷺ -: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤].
وقد روي نحو هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة منهم عليّ (^٢)،
_________________
(١) رواه البخاري (٨٤٣) و(٦٣٢٩) ومسلم (٥٩٥).
(٢) رواه الترمذي (٣٤٠٨)، وقال: حسن غريب. ورواه أحمد ١/ ١٠٦ من وجه آخر، وكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٩٩ - ١٠٠، وقال: رواه أحمد، وفيه عطاء بن السائب، وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل اختلاطه، وبقية رجاله ثقات. قلت: حقق الإمام الطحاوي وغيره من الأئمة أن حماد بن سلمة سمع من عطاء بن السائب قبل الاختلاط.
[ ٢ / ٥٧ ]
وأبو ذرٍّ، وأبو الدرداء (^١)، وابن عمر (^٢)، وابن عباس، وغيرهم.
ومعنى هذا أنَّ الفقراء ظنُّوا أن لا صدقةَ إلَّا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهُم النبيُّ - ﷺ - أن جميعَ أنواع فعلِ المعروف والإحسان صدقة. وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن حذيفة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "كلُّ معروفٍ صدقةٌ". وخرَّجه البخاري (^٤) من حديث جابر عن النبيِّ - ﷺ -. فالصدقة تُطلق على جميع أنواع فعل المعروف والإِحسان، حتَّى إنَّ فضل الله الواصل منه إلى عبادة صدقة منه عليهم. وقد كان بعضُ السلف يُنكر ذلك، ويقول: إنَّما الصَّدَقة ممَّن يطلُبُ جزاءها وأجرَها، والصَّحيحُ خلافُ ذلك، وقد قال النبيُّ - ﷺ - في قصر الصَّلاة في السفر: "صدقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صدقتَه" خرَّجه مسلم (^٥)، وقال: من كانت له صلاة بليلٍ، فغلب عليه نومٌ فنام عنها، كتب الله له أجرَ صلاتِه،
_________________
(١) رواه عبد الرزاق (٣١٨٥)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٢٣٥ و١٣/ ٤٥٣، وأحمد ٦/ ٤٤٦، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٤٧) - (١٥١)، والطبراني في "الدعاء" (٧٠٧) - (٧١٤)، والبزار (٣٠٩٥)، وهو حديث صحيح.
(٢) رواه البزار (٣٠٩٤) وقال: لا نعلمه يُروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه، وعلته موسى بن عبيدة. وأورده الهيثمي في "المجمع ١٠/ ١٠١، وقال: فيه موس بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. وذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١/ ٣٣٠، وضعف إسناده.
(٣) رقم (١٠٠٥). ورواه أحمد ٥/ ٣٨٣، والبخاري في "الأدب المفرد" (٢٣٣)، وأبو داود (٤٩٤٧)، وصححه ابن حبان (٣٣٧٨).
(٤) رقم (٦٠٢١)، وفي "الأدب المفرد" (٢٢٤)، ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٣٤٤، والترمذي (١٩٧٠)، وصححه ابن حبان (٣٣٧٩)، والحاكم ٢/ ٥٠.
(٥) رقم (٦٨٦) من حديث عمر، ورواه أيضًا أحمد ١/ ٢٥، وأبو داود (١١٩٩)، والنسائي ٣/ ١١٦ - ١١٧، وابن ماجه (١٠٦٥)، وصححه ابن حبان (٢٧٣٩) - (٢٧٤١).
[ ٢ / ٥٨ ]
وكان نومُه صدقةً مِنَ اللهِ تصدَّق بها عليه". خرَّجه النسائي وغيرُه من حديث عائشة، وخرَّجه ابن ماجه من حديث أبي الدرداء (^١).
وفي "مسندي" بقي بن مخلد والبزار من حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: "ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة يَمُنُّ بها على مَنْ يشاءُ مِنْ عِباده، وما منَّ الله على عبد مثلَ أن يُلهِمَهُ ذكره" (^٢).
وقال خالدُ بن معدان: إن الله يتصدَّقُ كلَّ يوم بصدقة، وما تصدَّق الله على أحد من خلقِه بشيءٍ خيرٍ من أن يتصدَّق عليه بذكره.
والصدقة بغير المال نوعان:
أحدهما: ما فيه تعدية الإِحسان إلى الخلق، فيكون صدقةً عليهم، وربما كان أفضلَ من الصدقة بالمال، وهذا كالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، فإنَّه دُعاءٌ إلى طاعة الله، وكفٌّ عن معاصيه، وذلك خيرٌ من النَّفع بالمال، وكذلك تعليمُ العلم النافع، وإقراءُ القرآن، وإزالةُ الأذى عن الطريق، والسعيُ في جلب النفع للناس، ودفعُ الأذى عنهم. وكذلك الدُّعاءُ للمسلمين والاستغفارُ لهم.
وخرَّج ابنُ مردويه بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن ابن عمر مرفوعًا: "مَنْ كانَ له مالٌ، فليتصدَّق من ماله، ومن كان له قوَّةٌ، فليتصدَّق من قوَّته، ومن كان له عِلْمٌ، فليتصدَّق من عِلْمِه" (^٣) ولعله موقوف.
_________________
(١) صحيح رواه النسائي ومالك ١/ ١١٧، وأبو داود (١٣١٤) من حديث عائشة (٣/ ٢٥٧)، ورواه ابن ماجه والنسائي ٣/ ٢٥٨ من حديث أبي الدرداء ٣/ ٢٥٨.
(٢) رواه البزار (٦٩٤)، ذكره الهيثمي في "المجمع" ٢/ ٢٣٦، وقال: فيه حسن بن عطاء، ضعفه أبو حاتم وغيره، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ ويدلس.
(٣) ذكر القسم الأخير منه السيوطي في "الجامع الكبير" ٢/ ٨٢٧، ونسبه لابن السني.
[ ٢ / ٥٩ ]
وخرَّج الطبراني بإسناد فيه ضعف عن سَمُرَة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "أفضلُ الصدقة اللسانُ" قيل: يا رسول الله وما صدقةُ اللسان؟ قال: "الشفاعةُ تَفُكُّ بها الأسيرَ، وتحقِنُ بها الدَّم، وتَجُرُّ بها المعروف والإحسان إلى أخيك، وتدفعُ عنه الكريهة" (^١).
وقال عمرو بنُ دينار: بلغنا أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما مِنْ صدقةٍ أحبَّ إلى الله من قول، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] " خرَّجه ابن أبي حاتم (^٢).
وفي مراسيل الحسن عن النبيِّ - ﷺ -: "إن مِنَ الصَّدقة أن تسلِّم على النَّاس وأنت طليق الوجه" خرَّجه ابن أبي الدُّنيا.
وقال معاذ: تعليمُ العلم لمن لا يعلمه صدقةٌ (^٣). وروي مرفوعًا.
ومن أنواع الصدقة: كفُّ الأذى عن النَّاسِ، ففي "الصحيحين" عن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمانُ والجهادُ في سبيله"، قلت: فأيُّ الرِّقاب أفضلُ؟ قال: "أنفسُها عندَ أهلها وأكثرها ثمنًا" قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تُعين صانعًا، وتصنع لأخرقَ". قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ إن ضَعُفْتُ عن بعض العمل؟ قال: "تكفَّ شرَّك عَن النَّاس، فإنَّها صدقةٌ" (^٤).
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير" (٦٩٦٢)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٢٧٩)، وأورده الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٩٤، وقال: فيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف.
(٢) وأورده ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٣٢٥ من رواية ابن أبي حاتم.
(٣) وروى ابن ماجه (٢٤٣) من طريق الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علمًا ثم يعلمه أخاه المسلم"، والحسن لم يسمع من أبي هريرة. وروى ابن أبي خيثمة في "العلم" (١١٣٨) عن الحسن مرسلًا بنحوه.
(٤) رواه البخاري (٢٥١٨) ومسلم (٨٤)، ورواه أيضًا أحمد ٥/ ١٥٠، وصححه ابن حبان (٤٥٩٦).
[ ٢ / ٦٠ ]
وقد رُوِيَ في حديث أبي ذرٍّ زياداتٌ أخرى، فخرَّج الترمذي (^١) من حديث أبي ذرٍّ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقةٌ، وأمرُك بالمعروف، ونهيُك عن المنكر صدقةٌ، وإرشادُك الرَّجُلَ في أرض الضَّلال لك صدقةٌ، وإماطتُك الحجرَ والشَّوكَ والعظمَ عن الطَّريق لك صدقةٌ، وإفراغُكَ من دلوِكَ في دلوِ أخيكَ لك صدقة.
وخرَّج ابن حبَّان في "صحيحه" (^٢) من حديث أبي ذرٍّ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لَيْسَ من نفسِ ابن آدم إلَّا عليها صدقةٌ في كلِّ يوم طلَعت فيه الشَّمسُ". قيل: يا رسول الله، ومن أين لنا صدقة نتصدَّقُ بها؟ قال: "إن أبواب الخير لكثيرةٌ: التسبيحُ، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والأمر بالمعروف، والنَّهيُ عن المنكرِ، وتميطُ الأذى عن الطَّريقِ، وتُسمعُ الأصمَّ، وتهدي الأعمى، وتدُلُّ المستَدِلَّ على حاجته، وتسعى بشدَّةِ ساقيكَ مع اللَّهفان المستغيثِ، وتحمِلُ بشدّةِ ذراعيكَ مع الضَّعيف، فهذا كُلُّه صدقةٌ منكَ على نفسك".
وخرَّج الإمام أحمد (^٣) من حديث أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله ذهبَ الأغنياءُ بالأجر، يتصدَّقون ولا نتصدَّق، قال: "وأنت فيك صدقةٌ: رفعُك العظمَ عَنِ الطَّريقِ صَدقةٌ، وهدايتُكَ الطَّريقَ صدقةٌ، وعونُكَ الضَّعيفَ بفضلِ قوَّتك صدقةٌ، وبيانُك عن الأَغتَم (^٤) صدقةٌ، ومباضعتُك امرأتَك صدقةٌ"، قلت: يا
_________________
(١) برقم (١٩٥٦)، ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٨٩١)، وصححه ابن حبان (٤٧٤) (٥٢٩).
(٢) برقم (٣٣٧٧).
(٣) ٥/ ١٥٤.
(٤) الأغتم: قال في "اللسان": هو الذي لا يفصح شيئًا من الغتمة: وهو العجمة في المنطق، وفي المطبوع من مسند أحمد: "الأرتم" قال ابن الأثير: كذا وقع في الرواية، فإن كان محفوظًا فلعله من قولهم: رتمت الشيء: إذا كسرته، ويكون معناه معنى الأرت، وهو الذي لا يفصح الكلام ولا يصححه ولا يُبينه، وإن كان بالثاء، فهو الذي لا يصحح =
[ ٢ / ٦١ ]
رسول الله، نأتي شهوتنا ونؤجر؟! قال: "أرأيت لو جعله في حرام، أكان يأثَمُ؟ " قال: قلتُ: نعم، قال: "أفتحتسبون بالشرّ ولا تحتسبون بالخير؟ " وفي رواية أخرى (^١)، فقال النبيُّ - ﷺ -: "إنَّ فيك صدقةً كثيرةً، فذكر فضلَ سمعك وفضل بصرك" وفي رواية أخرى للإِمام أحمد (^٢): قال: "إن من أبواب الصدقةِ التَّكبير وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتَعْزِلُ الشوكةَ عَنْ طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأعمى، وتُسمع الأصمَّ والأبكم حتى يفقَه، وتدلُّ المستدلَّ على حاجةٍ له قد علمتَ مكانَها، وتسعى بشدَّةِ ساقيك إلى اللَّهفان المستغيثِ، وترفَعُ بشدَّة ذراعَيْكَ مَعَ الضعيف، كلُّ ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعِكَ زوجتك أجرٌ"، قلت: كيف يكونُ لي أجر في شهوتي؟ فقال رسولُ الله - ﷺ -: "أرأيت لو كان لك ولدٌ، فأدرك ورجوتَ خيرَه، فمات، أكنت تحتسب به؟ قلت: نعم، قال: فأنت خلقته؟ قلت: بل الله خلقَه، قال: فأنت هديته؟ قلت: بل الله هداه، قال: فأنت كنت ترزُقُه؟ قلت: بل الله كان يرزقُه، قال: كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإنَّ شاء الله أحياه، وإن شاءَ أماته، ولك أجر".
وظاهرُ هذا السياق يقتضي أنَّه يُؤْجَرُ على جِماعِه لأهله بنيَّةِ طلب الولد الذي يترتَّبُ الأجر على تربيته وتأديبه في حياته، ويحتسبه عند موته، وأمَّا إذا لم يَنْوِ شيئًا بقضاءِ شهوته، فهذا قد تنازع الناسُ في دخوله في هذا الحديث.
_________________
(١) = كلامه ولا يبينه لآفة في لسانه أو أسنانه، وأصله من رثيم الحصى، وهو ما دُقَّ منه بالأخفاف، أو من رثمتُ أنفه: إذا كسرته حتى أدميته، فكأن فمه قد كُسِرَ، فلا يُفصِح في كلامه.
(٢) في "المسند" ٥/ ١٦٧.
(٣) ٥/ ١٦٨ - ١٦٩.
[ ٢ / ٦٢ ]
وقد صحَّ الحديث بأنَّ نفقة الرجل على أهله صدقة، ففي "الصحيحين" عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "نفقةُ الرجل على أهله صدقةٌ". وفي رواية لمسلم: "وهو يحتسبها"، وفي لفظ للبخاري: "إذا أنفقَ الرجلُ على أهله وهو يحتسبها، فهو له صدقة" (^١)، فدل على أنَّه إنَّما يؤجرُ فيها إذا احتسبها عند اللهِ كما في حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إنك لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ عليها، حتى اللُّقمة ترفعُها إلى في امرأتك" خرَّجاه (^٢).
وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن ثوبان عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "أفضلُ الدنانير دينارٌ ينفقُه الرَّجلُ على عيالِه، ودينارٌ ينفقه على فرس في سبيل الله، ودينارٌ ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله" قال أبو قِلابة عند رواية هذا الحديث: بدأ بالعيال، وأيُّ رجلٍ أعظمُ أجرًا من رجل ينفقُ على عيال له صغار يُعِفُّهم الله به، ويُغنيهم الله به.
وفيه أيضًا (^٤) عن سعد عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّ نفقتك على عيالِكَ صدقة، وإنَّ ما تأكلُ امرأتُك من مالك صدقة". وهذا قد ورد مقيدًا في الرواية الأخرى بابتغاء وجه الله. وفي "صحيح مسلم" (^٥) عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "دينار أنفقتَه في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينارٌ تصدقت به على
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥)، و(٤٠٠٦)، و(٥٣٥١)، وفي "الأدب المفرد" (٧٤٩)، ومسلم (١٠٥٢)، والترمذي (١٩٦٥)، وصححه ابن حبان (٤٢٣٨) و(٤٢٣٩).
(٢) رواه البخاري (٥٣٥٤)، ومسلم (١٦٢٨)، وقد تقدم.
(٣) برقم (٩٩٤). ورواه أيضًا أحمد ٥/ ٢٧٩. والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٤٨)، وابن ماجه (٢٧٦٥)، وصححه ابن حبان (٤٢٤٢).
(٤) رقم (١٦٢٨) (٨).
(٥) رقم (٩٩٥).
[ ٢ / ٦٣ ]
مسكينٍ، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أفضلُّها الدِّينارُ الذي أنفقته على أهلك".
وخرَّج الإمام أحمد، وابنُ حبان في "صحيحه" من حديث أبي هُريرة قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "تصدَّقُوا"، فقال رجلٌ: عندي دينار، فقال: "تصدَّق به على نفسك "قال: عندي دينارٌ آخر، قال: "تصدَّق به على زوجتك"، قال: عندي دينارٌ آخر، قال: "تصدَّق به على وَلَدِكَ"، قال: عندي دينارٌ آخرُ، قال: "تصدَّقْ به على خادمك"، قال: عندي دينارٌ آخر، قال: "أنت أبصرُ" (^١).
وخرَّج الإمام أحمد (^٢) من حديث المقدام بن معد يكرب، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ما أَطْعَمْتَ نفسَك، فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدكَ، فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك، فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمَك، فهو لك صدقة" وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرة يطول ذكرها.
وفي "الصحيحين" عن أنس، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ما مِنْ مسلمٍ يَغرِسُ غَرْسًا، أو يزرعُ زرعًا، فيأكلُ منه إنسانٌ أو طيرٌ أو دابَّةٌ، إلا كان له صدقةٌ" (^٣).
وفي "صحيح مسلم" (^٤) عن جابر عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ما من مسلمٍ يغرِسُ غرسًا إلا كان ما أكلَ منه له صدقة، وما سُرِقَ منه له صدقة، وما أَكَلَ السَّبعُ منه، فهو له صدقة، وما أكلتِ الطَّير، فهو له صدقةٌ، ولا يرزؤُه أحدٌ إلا كان له صدقة". وفي رواية له أيضًا: "فيأكل منه إنسانٌ، ولا دابة، ولا طائر إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة".
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٢٥١، وصححه ابن حبان (٣٣٣٧) و(٤٢٣٣) و(٤٢٣٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) في "المسند" ٤/ ١٣١، قال الهيثمي في "المجمع" ٣/ ١١٩، رجاله ثقات.
(٣) رواه البخاري (٢٣٢٠) و(٦٠١٢)، ومسلم (١٥٥٣)، والترمذي (١٣٨٢).
(٤) برقم (١٥٥٢)، ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٣٩١، وصححه ابن حبان (٣٣٦٨) و(٣٣٦٩).
[ ٢ / ٦٤ ]
وفي "المسند" (^١) بإسنادٍ ضعيف عن معاذ بن أنس الجُهني عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من بَنى بنيانًا في غير ظلم ولا اعتداءٍ، أو غرس غِراسًا في غير ظلم ولا اعتداء، كان له أجرًا جاريًا ما انتفع به أحدٌ من خلق الرحمن".
وذكر البخاري في "تاريخه" (^٢) من حديث جابر مرفوعًا: "مَنْ حَفَر ماءً لم تشرب منه كبد حرَّى من جنٍّ ولا إنسٍ ولا سَبُعٍ ولا طائرٍ إلا آجره الله يومَ القيامة".
وظاهر هذه الأحاديث كلّها يدلُّ على أن هذه الأشياء تكونُ صدقة يُثاب عليها الزارعُ والغارسُ ونحوهما من غير قصدٍ ولا نية، وكذلك قولُ النبيِّ - ﷺ -: "أرأيت لو وضعها في الحرام، أكان عليه وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ" يدلُّ بظاهره على أنَّه يُؤْجَرُ في إتيان أهله من غير نيَّةٍ، فإنَّ المُباضِع لأهله كالزَّارع في الأرض الذي يحرث الأرض ويبذر فيها، وقد ذهب إلى هذا طائفةٌ من العلماء، ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشُّرب والجماع، واستدل بقول النبيِّ - ﷺ -: "إن المؤمنَ ليؤجَرُ في كلِّ شيءٍ حتَّى في اللُّقمة يرفعها إلى فيه". وهذا اللّفظ الذي استدلَّ به غيرُ معروف، إنَّما المعروف قولُ النبيِّ - ﷺ - لسعد: "إنَّكَ لن تنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إلا أُجِرتَ عليها، حتَّى اللقمة ترفعُها إلى في امرأتك" (^٣)، وهو مقيَّدٌ بإخلاص النيّة لله، فتحمل الأحاديثُ المطلقة عليه؛ والله أعلم.
ويدلُّ عليه أيضًا قولُ الله ﷿: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ
_________________
(١) ٣/ ٤٣٨. ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٤١٠) و(٤١١)، وفيه زبان بن فائد وهو ضعيف، لكن يتقوى بالأحاديث التي قبله.
(٢) ١/ ٣٣٢.
(٣) تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٦٥ ]
أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، فجعل ذلك خيرًا، ولم يرتِّب عليه الأجرَ إلا مع نية الإخلاصِ. وأمَّا إذا فعله رياءً، فإنَّه يُعاقب عليه، وإنما مَحَلُّ التردُّد إذا فعله بغيرِ نيَّةٍ صالحةٍ ولا فاسدة. وقد قال أبو سليمان الداراني: من عَمِلَ عَمَلَ خيرٍ من غير نية كفاه نيَّة اختيارهِ للإِسلام على غيرهِ مِنَ الأديان (^١)، وظاهر هذا أنَّه يُثاب عليه من غيرِ نيّةٍ بالكلية، لأنَّه بدخوله في الإِسلام مختارٌ لأعمالِ الخيرِ في الجُملة، فيثابُ على كلِّ عمل يعملُه منها بتلك النية، والله أعلم.
وقوله: "أرأيت لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر". هذا يُسمَّى عند الأصوليين قياسَ العكس، ومنه قولُ ابن مسعودٍ، قال النبيُّ - ﷺ - كلمةً وقلتُ أنا أخرى، قال: "من مات يُشرِكُ باللهِ شيئًا دخل النار"، وقلت: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة (^٢).
والنوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية: ما نفعُه قاصرٌ على فاعله، كأنواع الذِّكر: مِنَ التَّكبير، والتَّسبيح، والتَّحميد، والتَّهليل، والاستغفار، وكذلك المشيُ إلى المساجدِ صدقة، ولم يذكر في شيءٍ من الأحاديث الصَّلاة والصيام والحج والجهاد أنَّه صدقة، وأكثرُ هذه الأعمال أفضلُ من الصَّدقاتِ الماليَّة، لأنَّه إنَّما ذكر ذلك جوابًا لسؤالِ الفُقراء الَّذينَ سألوه عمَّا يُقاوم تطوَّع الأغنياء بأموالهم، وأما الفرائض، فقد كانوا كلهم مشتركين فيها.
وقد تكاثرتِ النُّصوصُ بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيرها من
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٩/ ٢٧١.
(٢) رواه البخاري (١٢٣٨)، ومسلم (٩٤)، وأحمد ١/ ٤٢٥، وابن منده في "الإيمان" (٦٦).
[ ٢ / ٦٦ ]
الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أعمالكم، وأزكاها عند مليكِكُم، وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والفِضة، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوا عدوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "ذكرُ اللهِ ﷿" خرَّجه الإِمام أحمد والترمذي، وذكره مالك في "الموطأ" موقوفًا على أبي الدرداء (^١).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "مَنْ قال: لا إله إلا الله وحدَه لا شَريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، يُحيي ويُميت، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يوم مئة مرَّة، كانت له عَدْلَ عشر رقاب، وكُتبت له مئة حسنةٍ، ومُحيت عنه مئة سيئةٍ، وكانت له حِرْزًا من الشَّيطان يومَه ذلك حتَّى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ ممَّا جاءَ به إلَّا أحدٌ عَمِلَ أكثرَ من ذلك" (^٢).
وفيهما أيضًا عن أبي أيوبَ، عن النبيِّ - ﷺ -، أنَّه قال: "من قالها عشرَ مرَّاتٍ، كان كمن أعتقَ أربعةَ أنفُسٍ مِنْ ولدِ إسماعيل" (^٣).
وخرَّج الإمام أحمد، والترمذي من حديث أبي سعيدٍ أن النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ: أيُّ العباد أفضلُ درجة عندَ اللهِ يومَ القيامة؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا" قلتُ:
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ١٩٥ و٦/ ٤٤٧، والترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩٠) والبغوي (١٢٤٤)، وابن حجر في "نتائج الأفكار" ص ٩٥ عن أبي الدرداء مرفوعًا، وصححه الحاكم ١/ ٤٩٦، ووافقه الذهبي، وزادوا: وقال معاذ بن جبل: ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله ﷿. ورواه مالك ١/ ٢١١ عن أبي الدرداء موقوفًا. ورواه أيضًا ابن حجر في "نتائج الأفكار" ص ٩٦ - ٩٧ بسند آخر، قال عنه: رجاله ثقات.
(٢) رواه البخاري (٣٢٩٣) و(٦٤٠٣)، ومسلم (٢٦٩١)، وأحمد ٢/ ٣٠٢ و٣٧٥، ومالك ١/ ٢٠٩، والترمذي (٣٤٦٨)، وابن ماجه (٣٧٩٨)، وصححه ابن حبان (٨٤٩).
(٣) رواه البخاري (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣).
[ ٢ / ٦٧ ]
يا رسولَ الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟، قال: "لو ضرب بسيفه في الكُفَّار والمشركين حتَّى ينكسر ويختضب دمًا، لكان الذاكرون لله أفضلَ منه درجةً" (^١). ويُروى نحوه من حديث معاذ وجابر مرفوعًا، والصوابُ وقفُه على معاذ من قوله (^٢).
وخرَّج الطبراني من حديث أبي الوازع، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لو أن رجلًا في حجره دراهمُ يقسِمُها، وآخرَ يذكر الله، كان الذاكر لله أفضلَ" (^٣). قلت: الصحيحُ عن أبي الوازع عن أبي برزة الأسلمي من قولِه. خرَّجه جعفر الفريابي (^٤).
وخرَّج أيضًا من حديث أنس، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "من كبَّرَ مئة، وسبَّح
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٧٥، والترمذي (٣٣٧٦). ورواه أيضًا أبو يعلى (١٤٠١)، وابن عدي في "الكامل" ٣/ ٩٨١، والبغوي (١٢٤٦) و(١٢٤٧)، وابن حجر في "نتائج الأفكار" ص ٩٣ - ٩٤ من طريق دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. وهذا إسناد ضعيف، دراج في روايته عن أبي الهيثم ضعيف.
(٢) حديث معاذ رواه ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٠٠، و١٣/ ٤٥٥، والطبراني في الكبير ٢٠/ (٣٥٢) وفي الدعاء (١٦٥٨) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن طاووس، عن معاذ رفعه. وهذا سند رجاله رجال الصحيح لكنه منقطع، فإنَّ طاووسًا لم يدرك معاذًا واختلف فيه على يحيى بن سعيد فرواه عنه عبد الوهّاب الثقفي هكذا، لكن أبهم طاووسًا، فقال عن أبي الزبير أنَّه بلغه عن معاذ موقوفًا. انظر "نتائج الأفكار" ص ٩٧، وحديث جابر رواه الطبراني في "الأوسط" (٢٣١٧) وفي "الصغير" (٢٠٩) من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن سليمان بن حيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي الزبير. وهذا سند رجاله رجال الصحيح كما قال المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٣٩٦ والهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٧٤.
(٣) أورده الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٧٤ عن الطبراني في "الأوسط" وقال: ورجاله وُثِّقُوا، وحسنه المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٤٠٠.
(٤) ورواه أبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٣٣ من طريق أبي الوازع جابر بن عمرو عن أبي برزة.
[ ٢ / ٦٨ ]
مئة، وهلَّل مئة، كانت خيرًا له من عشر رِقابٍ يَعْتِقُها، ومن سبع بَدَناتٍ ينحَرها" (^١).
وخرَّج ابن أبي الدُّنيا بإسناده عن أبي الدرداء أنه قيل له: إنَّ رجلًا أعتق مئة نسمة، فقال: إن مئة نسمة من مالِ رجلٍ كثيرٌ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ باللَّيل والنَّهار، وأن لا يزال لسانُ أحدكم رطبًا من ذكرِ الله ﷿.
وعن أبي الدَّرداء أيضًا، قال: لأن أقولَ: الله أكبرُ مئة مرة، أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بمئة دينار (^٢). وكذلك قال سلمان الفارسي وغيرُه من الصَّحابة والتابعين: إنَّ الذِّكرَ أفضلُ من الصَّدقة بعددِه من المال.
وخرَّج الإمامُ أحمد والنسائي من حديث أمِّ هانئ أن النبيَّ - ﷺ - قال لها: "سَبِّحي الله مئة تسبيحة، فإنَّها تَعدِلُ مئة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي الله مئة تحميدة، فإنها تَعدِلُ لكِ مئة فرس مُلجَمة مُسرَجة تحملين عليهنَّ في سبيل الله، وكبِّري الله مئة تكبيرة، فإنَّها تعدِلُ لك مئة بَدَنة مقلَّدة مُتَقبَّلة، وهلِّلي الله مئة تهليلة - لا أحسبه إلا قال: - تملأ ما بَيْنَ السماء والأرض، ولا يُرفَع يومئذٍ لأحدٍ مثلُ عملك إلَّا أن يأتيَ بمثل ما أتيت" (^٣)، وخرَّجه أحمد أَيضًا وابنُ ماجه، وعندهما: "وقولي: لا إله إلا الله مئة مرة، لا تذر ذنبًا، ولا يسبقها العمل" (^٤).
_________________
(١) لم نقف عليه في المصادر المتيسرة لنا وكتاب الذكر للفريابي لا يعرف مكان وجوده.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٦/ ١٨٠.
(٣) حديث حسن رواه أحمد ٦/ ٣٤٤ و٤٢٥، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٤٤)، ورواه أيضًا عبد الرزاق ٢٠٥٨٠، وابن أبي شيبة ١٠/ ٢٧٨، والطبراني في "الكبير" ٢٤/ (٩٩٥) و(١٠٠٨)، وفي "الدعاء" (٣٢٧) (٣٢٩)، والحاكم ١/ ٣١٣ - ٣١٤.
(٤) رواه الترمذي (٣٤٧١) وابن عدي في "الكامل" ٤/ ١٤١٧، والمزي في "تهذيب الكمال" ١/ ١١٠ - ١١١، والذهبي في "ميزان الاعتدال" ٢/ ٣٢٣، وفي سنده الضحاك بن حمزة راويه عن عمرو بن شعيب وهو ضعيف، ولعل تحسين الترمذي له لحديث أم هانئ السالف.
[ ٢ / ٦٩ ]
وخرَّجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدِّه عن النبي - ﷺ - بنحوه (^١).
وخرَّج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا: قال: "ما صَدقةٌ أفضلَ من ذكرِ الله ﷿".
وخرَّج الفريابي بإسنادٍ فيه نظرٌ عن أبي أمامة مرفوعًا: "من فاته اللَّيلُ أن يُكابِدَه، وبَخِل بمالِه أن ينفِقه، وجَبُنَ مِنَ العدوِّ أن يُقاتِله، فليكثر فِي سُبحان الله وبحمده، فإنَّها أحبُّ إلى الله ﷿ مِنْ جبلِ ذهبٍ، أوجبل فضةٍ يُنفقه في سبيل الله ﷿" (^٢). وخرَّجه البزار (^٣) بإسنادٍ مُقارب من حديث ابن عباس مرفوعًا وقال في حديثه: "فليكثر ذكر الله"، ولم يزِدْ على ذلك، وفي المعنى أحاديثُ أخَرُ متعدِّدة.
_________________
(١) رواه الطبراني في "الأوسط" كما في "المجمع" ١٠/ ٧٤، وقال: ورجاله وثقوا.
(٢) ورواه من طريق الفريابي الطبراني في "الكبير" (٧٨٧٧)، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. ورواه الطبراني (٧٧٩٥) و(٧٨٠٠) من طريقين ضعيفين.
(٣) برقم (٣٠٥٨). ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير (١١١٢١) والخرائطي في "الشكر" (٢٦)، وفيه أبو يحيى القتات، وهو ضعيف، وانظر "مجمع الزوائد" ١٠/ ٧٤، و"الترغيب والترهيب" ٢/ ٣٩٦.
[ ٢ / ٧٠ ]