عَنْ عبدِ اللهِ بن مَسعودٍ ﵁ قالَ: حَدَّثنا رسولُ الله - ﷺ - وهُوَ الصَّادِقُ المَصدوقُ: "إنَّ أحَدكُم يُجْمَعُ خَلقُهُ في بَطنِ أُمِّهِ أربعِينَ يَومًا نطفة، ثمَّ يكونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثمَّ يَكونُ مُضغةً مِثلَ ذلكَ، ثمَّ يُرسَلُ الله إليه المَلَك، فيَنْفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بأربَعِ كلِماتٍ: بِكَتْب رِزقه وعمله وأجَلِه، وشقيٌّ أو سَعيدٌ، فوالَّذي لا إله غيره إنَّ أحدكُم ليَعْمَلُ بعمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتَّى ما يَكونَ بينَهُ وبَينها إلَّا ذِراعٌ، فيَسبقُ عليهِ الكِتابُ فيَعمَلُ بعمَلِ أهل النَّارِ فيدخُلها، وإنَّ أحدكم ليَعمَلُ بعملِ أَهل النَّارِ حتَّى ما يَكونَ بينَهُ وبينَها إلَّا ذِراعٌ، فيسبِقُ عليه الكِتابُ، فيعمَلُ بعملَ أهل الجنَّةِ فيدخُلُها" رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ (^١).
هذا الحديث متفق على صحته، وتلقته الأمة بالقبول، رواه الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود، ومن طريقه خرَّجه الشيخان في "صحيحيهما".
وقد رُوي عن محمد بن يزيد الأسفاطي، قال: رأيتُ النبيَّ - ﷺ - فيما يرى النائم، فقلتُ: يا رسول الله، حديث ابن مسعود الذي حدَّث عنك، فقال: حدثنا رسولُ الله - ﷺ -، وهو الصادق المصدوق. فقال - ﷺ -: "والذي لا إله إلا هو حدَّثته به أنا" يقولها ثلاثًا، ثم قال: غفر الله للأعمش كما حدَّث به، وغفر الله
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٠٨) و(٣٣٣٢) و(٦٥٩٤) و(٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأحمد ١/ ٣٨٢ و٤٣٠، وأبو داود (٤٧٠٨)، والترمذي (٢١٣٧)، وابن ماجه (٧٦)، وابن حبان (٦١٧٤). وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ١ / ١٥٣ ]
لمن حدَّث به قبلَ الأعمش، ولمن حدَّث به بعده (^١).
وقد روي عن ابن مسعودٍ من وجوهٍ أخر.
فقوله - ﷺ -: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطنِ أمِّه أربعين يومًا نُطفةً" قد روي تفسيرُه عن ابن مسعود؛ روى الأعمش عن خيثمَة، عن ابن مسعودٍ، قال: إن النطفَة إذا وقعت في الرحم، طارت في كلِّ شعرٍ وظُفر، فتَمكثُ أربعين يومًا، ثم تنحدِرُ في الرَّحم، فتكونُ علقةً. قال: فذلك جمعُها. خرَّجه ابن أبي حاتم وغيره (^٢).
وروي تفسير الجمع مرفوعًا بمعنى آخر، فخرَّج الطبراني وابنُ منده في كتاب "التَّوحيد" من حديث مالك بن الحويرث أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "إنَّ الله تعالى إذا أرادَ خلقَ عبدٍ، فجامعَ الرَّجُلُ المرأةَ، طار ماؤهُ في كلِّ عرقٍ وعضوٍ منها، فإذا كانَ يومُ السابع جمعه الله، ثم أحضره كلّ عرق له دونَ آدم: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ " وقال ابن منده: إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرهما (^٣).
_________________
(١) رواه اللالكائي في "الاعتقاد" (١٠٤٣).
(٢) ورواه أيضًا الخطابي في "معالم السُّنن" ٤/ ٣٢٤، والبيهقي في "الأسماء والصِّفات" ص ٣٨٧، وذكره ابن الأثير في "النهاية" ١/ ٢٩٧. وقال الحافظ في "الفتح" ١١/ ٤٨٠: وقوله: "فذلك جمعها" كلام الخطابي، أو تفسير بعض رواة حديث الباب، وأظنُّه الأعمش، فظنَّ ابن الأثير أنه تتمة كلام ابن مسعود، فأدرجه فيه، ولم يتقدم عن ابن مسعود في رواية خيثمة ذكر الجمع حتَّى يفسِّره.
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" ١٩/ (٦٤٤)، وفي "الصغير" (١٠٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٣٨٧، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٣٤، وقال: رجاله ثقات، وجوَّد إسناده السيوطي في "الدر المنثور" ٨/ ٤٣٩.
[ ١ / ١٥٤ ]
وخرَّج ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتم، والطبراني من رواية مُطَهَّرِ بن الهيثم، عن موسى بن عُلي بن رباح، عن أبيه، عن جدّه أن النَّبيَّ - ﷺ - قال لجدّه: "يا فلان، ما وُلِدَ لك؟ " قال: يا رسول الله، وما عسى أن يُولَدَ لي؟ إمَّا غلامٌ وإمَّا جاريةٌ، قال: "فمن يشبهُ؟ " قال: من عسى أن يُشبه؟ يشبه أمه أو أباه، قال: فقال النبي - ﷺ -: "لا تقولن كذا. إن النطفة إذا استقرت في الرحم، أحضرها الله كلّ نسب بينها وبين آدم، أَمَا قرأت هذه الآية: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، قال: سلكك" وهذا إسناد ضعيف (^١). ومطهر بن الهيثم ضعيف جدًّا. وقال البخاري: هو حديث لم يصح وذكر بإسناده عن موسى بن عُلي عن أبيه أن أباه لم يُسلم إلا في عهد أبي بكر الصدّيق يعني: أنه لا صحبة له.
ويشهد لهذا المعنى قولُ النَّبي - ﷺ - للذي قال له: وَلَدتِ امرأتي غُلامًا أسودَ: "لعله نزعه عرق" (^٢).
وقوله: "ثم يكون علقةً مثل ذلك" يعني: أربعين يومًا، والعلقة: قطعةٌ من دم.
"ثم يكون مضغةً مثلَ ذلك" يعني: أربعين يومًا. والمضغة: قطعة من لحم.
"ثمَّ يُرسلُ الله إليه المَلَك، فينفخ فيه الرُّوحَ، ويؤمر بأربع كلمات: بكتبِ رزقِه وعملهِ وأجلهِ وشقيّ أو سعيد".
فهذا الحديث يدلُّ على أنه يتقلب في مئة وعشرين يومًا، في ثلاثة أطوار، في كلّ أربعين منها يكون في طَوْرٍ، فيكون في الأربعين الأولى نطفةً، ثم في
_________________
(١) رواه الطبري في "جامع البيان" ٣٠/ ٨٧، ورواه الطبراني في "الكبير" (٤٦٢٤)، وأورده ابن كثير من رواية الطبري وابن أبي حاتم والطبراني، وقال: إسناده ليس بالثابت.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة البخاري (٥٣٠٥) و(٦٨٤٧)، ومسلم (١٥٠٠).
[ ١ / ١٥٥ ]
الأربعين الثانية علقةً، ثم في الأربعين الثالثة مضغةً، ثم بعد المئة وعشرين يومًا ينفخ المَلَكُ فيه الرُّوحَ، ويكتب له هذه الأربع كلمات.
وقد ذكر الله في القرآن في مواضعَ كثيرةٍ تقلُّبَ الجنين في هذه الأطوار، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥].
وذكر هذه الأطوار الثلاثة: النُّطفة والعلقةَ والمضغة في مواضع متعددةٍ من القرآن، وفي موضع آخر ذكر زيادةً عليها، فقال في سورة المؤمنين [١٢ - ١٤]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
فهذه سبعُ تارات ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدمَ قبل نفخ الروح فيه. وكان ابنُ عباس يقول: خُلِقَ ابنُ آدمَ مِنْ سبع، ثم يتلو هذه الآية. وسئل عن العزل، فقرأ هذه الآية ثم قال: فهل يخلق أحد حتَّى تجري فيه هذه الصفة؟. وفي رواية عنه قال: فهل تموت نفس حتَّى تمر على هذا الخلق؟ (^١).
ورُوي عن رفاعة بن رافع قال: جلس إليَّ عمر وعلي والزبير وسعد في نفر مِنْ أصحابِ رسول الله - ﷺ -، فتذاكَروا العزلَ، فقالوا: لا بأس به، فقال رجلٌ: إنَّهم يزعمون أنَّها الموؤودةُ الصُّغرى، فقال علي: لا تكون موؤودةً حتَّى تمرَّ على التَّارات السَّبع: تكون سُلالةً من طين، ثمَّ تكونُ نطفةً، ثم تكونُ علقةً، ثم تكون مضغةً، ثم تكونُ عظامًا، ثم تكون لحمًا، ثم تكون خلقًا آخرَ، فقال عمرُ: صدقتَ، أطالَ الله بقاءك. رواه الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (^٢).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في "الدر المنثور" ١/ ٩١.
(٢) ٢/ ٨٧٧، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
[ ١ / ١٥٦ ]
وقد رخص طائفةٌ مِنَ الفقهاء للمرأةِ في إسقاط ما في بطنها ما لم يُنفخ فيه الرُّوحُ، وجعلوه كالعزلِ، وهو قولٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الجنين ولدٌ انعقدَ، وربما تصوَّر، وفي العزل لم يُوجَدْ ولدٌ بالكُلِّيَّةِ، وإنَّما تسبَّب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقادُه بالعزل إذا أراد الله خلقه، كما قال النبيُّ - ﷺ - لمَّا سُئِلَ عن العزل: "لا عليكم أنْ لا تَعزِلُوا، إنَّه ليس مِن نفس منفوسة إلَّا الله خالقُها" (^١). وقد صرَّح أصحابنا بأنَّه إذا صار الولدُ علقةً، لم يجُز للمرأة إسقاطُه؛ لأنَّه ولدٌ انعقدَ، بخلاف النُّطفة، فإنَّها لم تنعقد بعدُ، وقد لا تنعقدُ ولدًا.
وقد ورد في بعض روايات حديث ابن مسعودٍ ذكرُ العظامِ، وأنَّه يكونُ عظمًا أربعين يومًا، فخرَّج الإِمام أحمد من رواية على بن زيدٍ سمعت أبا عبيدةَ يحدِّثُ قال: قال عبد الله: قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ النُّطفةَ تكونُ في الرَّحمٍ أربعينَ يومًا على حالها لا تغيَّر، فإذا مضتِ الأربعونَ، صارت علقةً، ثمَّ مضغةً كذلك، ثم عظامًا كذلك، فإذا أراد الله أن يسوِّي خلقَه، بعث الله إليها ملكًا"، وذكر بقية الحديث (^٢).
ويُروى من حديث عاصم، عن أبي وائل عن ابن مسعودٍ عن النبيّ - ﷺ - قال: "إنَّ النطفةَ إذا استقرَّت في الرَّحمِ، تكونُ أربعينَ ليلةً، ثم تكونُ علقةً أربعينَ ليلةً، ثم تكونُ عِظامًا أربعين ليلةً، ثم يكسو الله العظامَ لحمًا" (^٣).
ورواية الإِمام أحمد تدلُّ على أن الجنين لا يُكسى اللَّحمَ إلَّا بعد مئةٍ وستِّين
_________________
(١) رواه من حديث أبي سعيد الخُدري البخاري (٢٥٤٢) و(٥٢١٠)، ومسلم (١٤٣٨)، وصححه ابن حبان (٤١٩١) و(٤١٩٣)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رواه أحمد ١/ ٣٧٤، وفيه علي بن زيد، وهو ابن جدعان، وهو ضعيف. وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، وانظر "المجمع" ٧/ ١٩٢ - ١٩٣، و"الفتح" ١١/ ٤٨١.
(٣) ورواه تمَّامٌ في "فوائده" (٣١) من طريق سليم بن ميمون الخواص (وهو ضعيف) عن يحيى بن عيسى (وهو ضعيف) عن الأعمش عن أبي وائل.
[ ١ / ١٥٧ ]
يومًا، وهذه غلطٌ بلا ريبَ، فإنَّه بعد مئة وعشرينَ يومًا يُنفخُ فيه الرُّوحُ بلا ريب كما سيأتي ذكره، وعلي بنُ زيدٍ: هو ابنُ جدعان، لا يحتجّ به. وقد ورد في حديث حذيفة بن أسيدٍ ما يدلّ على خلقِ اللّحمِ والعِظام في أوَّلِ الأربعين الثَّانية، ففي "صحيح مسلم" (^١) عن حُذيفة بن أسيدٍ عن النَّبي - ﷺ - قال: "إذا مرَّ بالنُّطفة ثنتان وأربعون ليلةً، بعثَ الله إليها ملَكًا، فصوَّرها وخلق سمعها وبصرَها وجِلدَها ولحمَها وعِظامَها، ثم قال: يا ربِّ أذكرٌ أم أُنثى؟ فيَقضي ربُّك ما شاءَ، ويكتُب المَلَكُ، ثمَّ يقولُ: يا ربِّ أجلُه؟ فيقول ربُّك ما شاءَ، ويكتبُ الملَكُ، ثم يقول: يا ربِّ، رزقُه؟ فيقضي ربُّك ما شاء، ويكتُبُ الملَكُ، ثم يخرُجُ الملكُ بالصَّحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمِرَ ولا ينقُصُ".
وظاهر هذا الحديث يدلُّ على أن تصويرَ الجنين وخلقَ سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه يكون في أوَّل الأربعين الثانية، فيلزمُ من ذلك أنه يكون في الأربعين الثانية لحمًا وعظامًا.
وقد تأوَّل بعضهم ذلك على أن المَلَك يقسِمُ النُّطفةَ إذا صارت علقةً إلى أجزاء، فيجعلُ بعضَها للجلد، وبعضها للحم، وبعضها للعظام، فيقدِّر ذلك كلَّه قبل وجوده. وهذا خلافُ ظاهر الحديث، بل ظاهرُه أنَّه يصوِّرها ويخلُق هذه الأجزاء كلها، وقد يكونُ خلقُ ذلك بتصويره وتقسيمه قبل وُجودِ اللحم والعظام، وقد يكون هذا في بعض الأجِنَّةِ دُونَ بعض.
وحديث مالكِ بن الحويرث المتقدِّم يدلُّ على أن التَّصويرَ يكونُ للنُّطفة أيضًا في اليوم السابع، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] وفسَّرَ طائفةٌ مِنَ السَّلَف أمشاجَ النُّطفةِ بالعُروقِ الَّتي فيها. قال ابن مسعود: أمشاجها: عروقها (^٢).
_________________
(١) برقم (٢٦٤٥)، وصححه ابن حبان (٦١٧٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رواه الطبري ٢٩/ ٢٠٥، وفيه المسعودي، وقد اختلط. وذكره السيوطي في "الدر =
[ ١ / ١٥٨ ]
وقد ذكر علماء أهل الطبِّ ما يُوافق ذلك، وقالوا: إنَّ المنيَّ إذا وقعَ في الرحم، حصل له زَبَديَّةٌ ورغوةٌ ستَّةَ أيَّامٍ أو سبعة، وفي هذه الأيام تصوَّرُ النطفةُ مِنْ غير استمداد من الرحم، ثم بعدَ ذلك تستمد منه، وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا بثلاثة أيام، وقد يتقدَّم يومًا ويتأخَّر يومًا، ثم بعدَ ستة أيام - وهو الخامس عشر من وقت العلوق - ينفُذُ الدم إلى الجميع فيصير علقة، ثم تتميَّز الأعضاءُ تميزًا ظاهرًا، ويتنحَّى بعضُها عن مُماسَّةِ بعضٍ، وتمتدُّ رطوبةُ النُّخاع، ثم بعد تسعةِ أيام ينفصلُ الرأسُ عن المنكبين والأطراف عن الأصابع تميزًا يتبين في بعض، ويخفى في بعضٍ.
قالوا: وأقلّ مدَّة يتصوَّر الذكر فيها ثلاثون يومًا، والزمان المعتدل في تصوُّرِ الجنين خمسة وثلاثون يومًا، وقد يتصوَّر في خمسة وأربعين يومًا. قالوا: ولم وجد في الأَسقاط ذَكَرٌ تَمَّ قبل ثلاثين يومًا، ولا أنثى قبل أربعين يومًا، فهذا يوافق ما دلَّ عليه حديثُ حذيفةَ بن أسيدٍ في التخليق في الأربعين الثانية، ومصيره لحمًا فيها أيضًا.
وقد حَمل بعضُهم حديث ابن مسعود على أن الجنين يغلِبُ عليه في الأربعين الأولى وصفُ المنيّ، وفي الأربعين الثانية وصفُ العلقة، وفي الأربعين الثالثة وصفُ المضغة، وإن كانت خلقته قد تمَّت وتمَّ تصويرُهُ، وليس في حديث ابن مسعود ذكرُ وقتِ تصوير الجنين (^١).
وقد روي عن ابن مسعود نفسِه ما يدلُّ على أن تصويره قد يقعُ قبل الأربعين
_________________
(١) = المنثور" ٨/ ٣٦٧، ونسبه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم.
(٢) انظر لزامًا فتاوى ابن الصَّلاح ١/ ١٦٤ - ١٦٧، وشرح مسلم ١٦/ ١٩١، و"تُحفة المودود" لابن القيِّم ص ٢٠٧ - ٢٠٩ بعناية الأستاذ بسَّام الجابي، و"فتح الباري" ١١/ ٤٨٤.
[ ١ / ١٥٩ ]
الثالثة أيضًا، فروى الشَّعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال: النُّطفة إذا استقرَّتْ في الرَّحم جاءها ملَكٌ فأخذها بكفه، فقال: أي ربِّ، مخلَّقة أم غير مخلّقة؟ فإن قيل: غير مخلَّقة، لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام، وإن قيل: مخلقة، قال: أي ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ شقيٌّ أم سعيد، ما الأجل وما الأثرُ، وبأيِّ أرضٍ تموتُ؟ قال: فيُقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال: اذهب إلى الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتُخْلَق، فتعيش في أجلها وتأكل رزقها، وتطأ في أثرها، حتَّى إذا جاء أجلُها، ماتت، فدفنت في ذلك، ثم تلا الشَّعبي هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]. فإذا بلغت مضغة، نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، فإن كانت غير مخلقة، قذفتها الأرحام دمًا، وإن كانت مخلقة نكست نسمة. خرَّجه ابن أبي حاتم وغيره (^١).
وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود أنْ لا تصويرَ قبل ثمانين يومًا، فروى السُّدِّيُّ عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناسٍ من أصحاب النبيِّ - ﷺ - في قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، قال: إذا وقعتِ النطفة في الأرحام، طارت في الجسد أربعين يومًا، ثم تكونُ علقةً أربعين يومًا، ثم تكونُ مضغةً أَربعين يومًا، فإذا بلغ أن تُخلَّق، بعث الله ملكًا يصوّرها، فيأتي الملَكُ بترابٍ بين أصبعيه، فيخلطه في المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوّرها كما يؤمر فيقول: أذكرٌ أو أنثى؟ أشقيّ أو سعيد؟ وما رزقه، وما عمره، وما أثره وما مصائبه؟ فيقول الله ﵎، ويكتب المَلَكُ، فإذا مات ذلك الجسدُ، دُفِنَ حيثُ
_________________
(١) ورواه أيضًا الطبري ١٧/ ١١٧، وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٦٠ ]
أخذ ذلك التراب، خرَّجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (^١)، ولكن السدي مختلف في أمره، وكان الإِمام أحمد ينكر عليه جمعهُ الأسانيد المتعددة للتفسير الواحد، كما كان هو وغيرُه يُنكرون على الواقدي جمعه الأسانيدَ المتعددة للحديثِ الواحد.
وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية، وتأوَّلوا حديثَ ابن مسعود المرفوع عليها، وقالوا: أقلُّ ما يتبيَّن خلق الولد أحد وثمانون يومًا، لأنه لا يكون مُضغةً إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغةً.
وقال أصحابُنا وأصحابُ الشافعي بناءً على هذا الأصل: إنَّه لا تنقضي العدّةُ، ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلَّقة، وأقلُّ ما يمكن أن يتخلق ويتصوَّر في أحد وثمانين يومًا.
وقال أحمد في العلقة: هي دم لا يستبين فيها الخلقُ، فإن كانت المضغةُ غيرَ مخلقة، فهل تنقضي بها العدّة، وتصيرُ أمُّ الولد بها مستولدةً؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، وإن لم يظهر فيها التخطيط، ولكن كان خفيًا لا يعرفه إلا أهل الخبرة مِنَ النِّساء، فشهِدْن بذلك، قُبلَت شهادتُهنَّ، ولا فرق بين أن يكونَ بعد تمام أربعة أشهر أو قبلها عند أكثر العلماء، ونصَّ على ذلك الإِمام أحمد في رواية خلق من أصحابه، ونقل عنه ابنه صالح في الطفل في الأربعة يتبين خلقه.
_________________
(١) برقم (٦٥٦٩). وفي سنده أسباط بن نصر الهمداني ضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي، ووثقه ابن معين: والسدي - واسمه إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن أبي كريمة - مُختَلفٌ فيه، قال يحيى القطان والنسائي: لا بأس به، وقال أحمد: ثقة، وقال ابن معين: في حديثه ضعف، وقال أبو حاتم: لا يحتجُّ به، ولينه أبو زُرعة، وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث صدوق لا بأس به.
[ ١ / ١٦١ ]
قال الشَّعبي: إذا نُكِسَ في الخلق الرابع، كان مخلقًا، انقضت به العدة، وعَتَقَتْ به الأمةُ إذا كان لأربعة أشهر، وكذا نقل عنه حنبل: إذا أسقطت أمُّ الولدِ، فإنْ كان خِلقة تامة، عَتَقَت، وانقضت به العدةُ إذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر ينفخ فيه الروح، وهذا يخالف رواية الجماعة عنه، وقد قال أحمد في رواية عنه: إذا تبين خلقُه، ليس فيه اختلاف أنها تعتق بذلك إذا كانت أمةً، ونقل عنه جماعة أيضًا في العلقة إذا تبيَّن أنَّها ولدٌ أن الأمةَ تُعتق بها، وهو قولُ النخعي، وحكي قولًا للشافعي، ومِنْ أصحابِنا من طرَّدَ هذه الرواية عن أحمد في انقضاء العدَّة به أيضًا. وهذا كلُّه مبنيٌّ على أنه يمكن التَّخليق في العلقة كما قد يستدلّ على ذلك بحديث حذيفة بن أسيد المتقدِّم إلا أن يقال: حديث حذيفة إنَّما يدلُّ على أنَّه يتخلَّق إذا صار لحمًا وعظمًا، وإنَّ ذلك قد يقع في الأربعين الثانية، لا في حالِ كونهِ علقةً، وفي ذلك نظر، والله أعلم.
وما ذكره الأطباء يدلُّ على أن العلقة تتخلق وتتخطَّط، وكذلك القوابِل مِنَ النِّسوة يشهدن بذلك، وحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال كون الجنين نطفة أيضًا، والله تعالى أعلم.
وبقي في حديث ابن مسعود أن بعدَ مصيره مضغةً أنَّه يُبعث إليه الملَكُ، فيكتب الكلمات الأربعَ، ويَنفُخُ فيه الروحَ، وذلك كلُّه بعد مئة وعشرين يومًا.
واختلفت ألفاظُ روايات هذا الحديثِ في ترتيب الكتابة والنفخ، ففي رواية البخاري في "صحيحه": "ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلماتٍ، ثم ينفخ فيه الروح" ففي هذه الرواية تصريحٌ بتأخُّر نفخ الرُّوح عن الكتابة، وفي رواية خرّجها البيهقي في كتاب "القدر" (^١): "ثم يُبعث الملكُ، فينفخ فيه الروحَ، ثم يُؤْمرُ بأربع كلمات"، وهذه الرواية تصرِّحُ بتقدم النفخ على الكتابة، فإما أن يكون
_________________
(١) وفي "السنن" ٧/ ٤٦١.
[ ١ / ١٦٢ ]
هذا مِنْ تصرُّف الرُّواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه، وإمَّا أن يكون المرادُ ترتيب الإِخبار فقط، لا ترتيبَ ما أخبر به.
وبكل حالٍ، فحديثُ ابن مسعود يدلُّ على تأخُّرِ نفخِ الرُّوح في الجنين وكتابة الملك لأمره إلى بعد أربعة أشهر حتَّى تتمَّ الأربعون الثالثة. فأمَّا نفخُ الرُّوح، فقد روي صريحًا عن الصَّحابة أنه إنَّما ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهرٍ، كما دلّ عليه ظاهرُ حديث ابن مسعود. فروى زيدُ بنُ عليٍّ عن أبيه عن عليٍّ، قال: إذا تمَّتِ النُّطفة أربعة أشهر بُعِثَ إليها مَلَكٌ، فَنَفَخَ فيها الروح في الظُّلمات، فذلك قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، خرَّجه ابن أبي حاتم، وهو إسناد منقطع (^١). وخرَّج اللَّالكائي بإسنادهِ عن ابن عباس، قال: إذا وقعت النطفةُ في الرَّحم، مكثت أربعة أشهر وعشرًا، ثم نفخ فيها الروح، ثم مكثَت أربعينَ ليلةً، ثم بُعِثَ إليها ملكٌ، فنقفها في نُقرة القفا، وكتب شقيًا أو سعيدًا (^٢)، وفي إسناده نظر، وفيه أن نفخ الروح يتأخر عن الأربعة أشهر بعشرة أيام.
وبنى الإِمام أحمد مذهبه المشهور عنه على ظاهر حديثِ ابن مسعود، وأنَّ الطفل يُنفخ فيه الرُّوح بعد الأربعة أشهر، وأنَّه إذا سقط بعد تمام أربعة أشهر، صُلِّي عليه؛ حيث كان قد نفخ فيه الروح ثم مات. وحكي ذلك أيضًا عن سعيد بن المسيب وهو أحد أقوال الشافعي وإسحاق، ونقل غيرُ واحدٍ عن أحمد أنه قال: إذا بلغ أربعة أشهر وعشرًا، ففي تلك العشر يُنفخ فيه الروح، ويُصلَّى عليه. وقال في رواية أبي الحارث عنه: تكون النَّسمةُ نطفةً أربعين ليلةً، وعلقةً
_________________
(١) وأورده ابن كثير ٥/ ٤٦١ من رواية ابن أبي حاتم.
(٢) رواه اللالكائي في "أصول الاعتقاد (١٠٦٠)، وفي سنده محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف.
[ ١ / ١٦٣ ]
أربعين ليلةً، ومُضغةً أربعين ليلةً، ثم تكونُ عظمًا ولحمًا، فإذا تمَّ أربعة أشهر وعشرًا، نفخ فيه الروح.
فظاهر هذه الرواية أنَّه لا ينفخ فيه الرُّوح إِلَّا بعد تمام أربعةِ أشهر وعشر، كما رُوي عن ابن عباس والروايات التي قبل هذه عن أحمد إنَّما تدلُّ على أنَّه يُنفخ فيه الرُّوح في مدَّة العشر بعد تمام الأربعة، وهذا هو المعروف عنه، وكذا قال ابن المسيب لمَّا سُئِلَ عن عِدَّةِ الوفاة حيث جعلت أربعة أشهر وعشرًا: ما بال العشر؟ قال: ينفخ فيها الروح (^١).
وأما أهل الطب، فذكروا أن الجنين إن تصوَّر في خمسة وثلاثين يومًا، تحرَّك في سبعين يومًا، وولد في مئتين وعشرة أيام، وذلك سبعةُ أشهر، وربَّما تقدَّم أيامًا، وتأخر في التصوير والولادة، وإذا كان التصوير في خمسة وأربعين يومًا، تحرَّك في تسعين يومًا، ووُلد في مئتين وسبعين يومًا، وذلك تسعةُ أشهرٍ، والله أعلم.
وأما كتابة الملك، فحديث ابن مسعود يدلُّ على أنَّها تكونُ بعد الأربعة أشهر أيضًا على ما سبق، وفي "الصحيحين" عن أنس عن النبيِّ - ﷺ - قال: "وكَّلَ الله بالرَّحِم مَلَكًا يقول: أي ربِّ نطفة، أي ربِّ علقة، أي ربِّ مضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقًا، قال: يا ربِّ أذكر أم أنثى، أشقيٌّ أم سعيد؟ فما الرزقُ؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه" وظاهر هذا يُوافق حديث ابن مسعود لكن ليس فيه تقدير مدة، وحديث حذيفة بن أسيد الذي تقدم يدلُّ على أن الكتابة تكون في أوَّل الأربعين الثانية، وخرَّجه مسلم أيضًا بلفظٍ آخر من حديث حُذيفة بن أسيد يَبلُغُ به النَّبيَّ - ﷺ - قال: "يدخلُ المَلَكُ على النطفة بعد ما تستقرُّ في الرَّحمِ بأربعين أو خمسة وأربعين ليلةً، فيقول: يا ربّ أشقيٌّ أو
_________________
(١) البخاري (٦٥٩٥)، ومسلم (٢٦٤٦).
[ ١ / ١٦٤ ]
سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي ربِّ أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تُطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص". وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: "إن النطفة تَقَعُ في الرَّحِم أربعين ليلة ثم يتسوَّرُ عليها الملك فيقول: يا ربّ أذكر أم أنثى؟ " وذكر الحديثَ. وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: "لبضع وأربعين ليلة".
وفي "مسند" الإِمام أحمد (^١) من حديث جابر، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إذا استقرَّتِ النطفةُ في الرَّحم أربعين يومًا، أو أربعين ليلةً بُعِثَ إليها ملكٌ، فيقول: يا ربِّ، شقيٌّ أو سعيد؟ فيعلم".
وقد سبق ما رواه الشَّعبيُّ عن علقمة، عن ابن مسعودٍ من قوله، وظاهره يدلُّ على أن المَلَكَ يُبعثُ إليه وهو نطفة، وقد رُوي عن ابن مسعود من وجهين آخرين أنه قال: "إنَّ الله ﷿ تُعرَضُ عليه كلَّ يومٍ أعمالُ بني آدم، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ، ثمَّ يُؤتى بالأرحام، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ، وهو قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩] الآية، ويُؤْتى بالأرزاق، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ، وتسبحه الملائكةُ ثلاث ساعاتٍ، قال: فهذا مِنْ شأنِكم وشأنِ ربِّكم" ولكن ليس في هذا توقيتُ ما يُنظر فيه مِنَ الأرحام بمدّة.
وقد رُوي عن جماعة من الصحابة أن الكتابة تكون في الأربعين الثانية؛ فخرج اللالكائي بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: إذا مكثتِ النطفة في رحِم المرأة أربعين ليلةً، جاءها مَلَكٌ، فاختلَجَها، ثم عرجَ بها إلى الرَّحمن ﷿، فيقول: اخلُق يا أحسنَ الخالقين، فيقضي الله فيها ما يشاءُ
_________________
(١) ٣/ ٢٩٧، وفيه خصيف بن عبد الرَّحمن، وهو سَيِّء الحفظ، وأبو الزبير مدلس، وقد عنعن.
[ ١ / ١٦٥ ]
مِنْ أمره، ثم تدفع إلى الملك عند ذلك، فيقول: يا ربّ أسَقْطٌ أم تام؟ فيبين له، ثم يقول: يا ربّ أناقصُ الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له، ويقول: يا ربِّ أواحد أم توأم؟ فيبين له، فيقول: يا ربّ أذكر أم أنثى؟ فيبين له، ثم يقول: يا ربِّ، أشقيٌّ أم سعيد؟ فيبين له، ثم يقول: يا ربّ اقطع له رزقه، فيقطع له رزقه مع أجله، فيهبط بهما جميعًا. فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدُّنيا إلا ما قسم له (^١).
وخرَّج ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي ذر، قال: إن المني يمكثُ في الرَّحم أربعينَ ليلةً، فيأتيه مَلَكُ النُّفوس، فيعرج به إلى الجبَّار ﷿، فيقول: يا ربّ أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضي الله ﷿ ما هو قاضٍ، ثم يقول: يا ربّ، أشقيٌّ أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاقٍ بين يديه، ثم تلا أبو ذرّ من فاتحة سورة التغابن إلى قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣] (^٢).
وهذا كله يوافق ما في حديث حذيفة بن أسيدٍ. وقد تقدم عن ابن عباس أن كتابة الملَكِ تكونُ بعدَ نفخِ الروح بأربعين ليلة وأن إسناده فيه نظر.
وقد جمع بعضُهم بين هذه الأحاديث والآثار، وبينَ حديث ابن مسعود، فأثبت الكتابة مرَّتين، وقد يقال مع ذلك: إن إحداهما في السماء والأخرى في بطن الأم، والأظهر - والله أعلم - أنها مرّة واحدة، ولعلَّ ذلك يختلف باختلاف الأجنَّة، فبعضهم يُكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة.
_________________
(١) رواه اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٢٣٦)، وإسناده ضعيف جدًّا.
(٢) ورواه أيضًا الطبري في "جامع البيان" ٨/ ١١٩ - ١٢٠ عن أبي ذر موقوفًا، وفيه ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ، ورواه الدارمي في "الرد على الجهمية" ص ٣٠ - ٣١ عن أبي ذرٍّ مرفوعًا، وفيه ابن لهيعة أيضًا. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٨/ ١٨٢ من رواية أبي ذر مرفوعًا، ونسبه لعبد بن حميد والطبرى وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه.
[ ١ / ١٦٦ ]
وقد يقال: إن لفظة "ثم" في حديث ابن مسعود إنَّما أريد به ترتيب الإِخبار، لا ترتيب المخبر عنه في نفسه، والله أعلم.
ومن المتأخرين من رجَّح أن الكتابة تكونُ في أوَّل الأربعين الثانية، كما دلَّ عليه حديث حذيفة بن أسيد، وقال: إِنما أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة وإن ذكرت بلفظ "ثم" لئلا ينقطع ذكرُ الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها الجنين وهي كونه: نطفة وعلقة ومضغة، فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجبُ وأحسنُ، فلذلك أخر المعطوف عليها، وإن كان المعطوف متقدمًا على بعضها في الترتيب، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٧ - ٩]، والمراد بالإِنسان: آدم ﵇، ومعلومٌ أن تسويته، ونفخ الرُّوح فيه، كان قبل جعلِ نسلِهِ من سُلالة من ماء مهين، لكن لما كان المقصود ذكر قدرة الله ﷿ في مبدأ خلق آدم وخلق نسله، عطف ذكر أحدهما على الآخر، وأخَّر ذكرَ تسوية آدم ونفخ الرُّوح فيه، وإن كان ذلك متوسطًا بين خلق آدم من طين وبين خلق نسله، والله أعلم.
وقد ورد أن هذه الكتابة تكتب بين عيني الجنين، ففي "مسند البزار" عن ابن عمر ﵄، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إذا خلَقَ الله النسمةَ، قال مَلَكُ الأرحام: أي ربِّ أذكرٌ أم أنثى؟ قال: فيقْضِي الله إليه أمره، ثم يقول: أي ربِّ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقضي الله إليه أمره، ثم يكتب بَيْنَ عينيه ما هو لاقٍ حتَّى النَّكبة يُنكَبُها" (^١). وقد رُوي موقوفًا على ابن عمر غيرَ مرفوع، وحديثُ حذيفةَ بن أسيد المتقدم صريحٌ في أن الملك يكتبُ ذلك في صحيفةٍ، ولعلَّه يكتب في صحيفة، ويكتب بين عيني الولد.
_________________
(١) رواه البزار (٢١٤٩)، وأبو يعلى (٥٧٧٥)، وصححه ابن حبان (٦١٧٨).
[ ١ / ١٦٧ ]
وقد روي أنه يقترِنُ بهذه الكتابة أنه يُخلق مع الجنين ما تضمنته من صفاته القائمة به، فرُوي عن عائشة عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ الله إذا أراد أن يَخلُق الخلق، بعث مَلَكًا، فدخلَ الرَّحِمَ، فيقول: أي ربِّ، ماذا؟ فيقول: غلامٌ أو جاريةٌ أو ما شاء الله أن يخلُقَ في الرحم، فيقول: أي ربِّ، أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقول ما شاء، فيقول: يا رب ما أجلُه؟ فيقول: كذا وكذا، فيقول: ما خلقه؟ ما خلائِقُه؟ فيقول: كذا وكذا، فما مِنْ شيءٍ إلا وهو يُخلَقُ معه في الرحم" خرَّجه أبو داود في كتاب "القدر" والبزار في "مسنده" (^١).
وبكل حال، فهذه الكتابةُ التي تُكتب للجنين في بطن أمِّه غيرُ كتابة المقادير السابقة لخلق الخلائقِ المذكورة في قولهِ تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، كما في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ الله قدَّر مقاديرَ الخلائقِ قبل أن يَخلُقَ السَّماوات والأرض بخمسين ألف سنة" (^٢). وفي حديث عُبادة بن الصَّامت عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "أوَّل ما خَلَق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ" (^٣).
وقد سبق ذكرُ ما رُوي عن ابن مسعودٍ ﵁ أن الملَكَ إذا سأَل عن حالِ النُّطفة، أُمِر أن يذهبَ إلى الكتاب السابق، ويقال له: إنَّكَ تجِدُ فيه قصَّةَ هذه النُّطفة، وقد تكاثرت النُّصوص بذكرِ الكتابِ السابق، بالسَّعادة والشقاوة،
_________________
(١) رواه أبو داود في "القدر" و"البزّار" (٢١٥١) من طريق جعفر بن مصعب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وجعفر بن مصعب لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه غير الزبير بن عبد الله بن أبي خالد. وقال البزار: لا نعلمه يُروى عن عائشة، إلَّا بهذا الإِسناد. وقال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٩٣: رواه البزار، ورجاله ثقات!.
(٢) رواه مسلم (٢٦٥٣)، وأحمد ٢/ ١٦٩، والترمذي (٢١٥٦).
(٣) حديث صحيح. رواه أحمد ٥/ ٣١٧، وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥).
[ ١ / ١٦٨ ]
ففي "الصحيحين" عن عليّ بن أبي طالب عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: "ما مِنْ نفسٍ منفوسةٍ إلَّا وقد كتب الله مكانَها من الجنَّة أو النَّار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة"، فقال رجل: يا رسولَ الله، أفلا نمكُثُ على كتابنا، وندعُ العمل؟ فقال: "اعملوا، فكلٌّ ميسَّر لِما خُلِقَ له، أمَّا أهلُ السَّعادة، فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهلُ الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشَّقاوة"، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآيتين [الليل: ٥] (^١).
ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبقَ الكتابُ بهما، وأنَّ ذلك مُقدَّرٌ بحسب الأعمال، وأن كلًّا ميسر لما خُلق له من الأعمال التي هي سببٌ للسعادة أو الشقاوة.
وفي "الصحيحين" عن عمرانَ بن حُصينٍ، قال: قال رجل: يا رسول الله، أيُعرَفُ أهلُ الجَنَّةِ مِنْ أهلِ النَّارِ؟ قال: "نَعَمْ"، قال: فَلِمَ يعملُ العاملونَ؟ قال: "كلٌّ يعملُ لما خُلِقَ له، أو لما ييسر له" (^٢).
وقد روي هذا المعنى عن النَّبيِّ - ﷺ - من وجوهٍ كثيرةٍ، وحديث ابن مسعود فيه أن السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال.
وقد قيل: إن قوله في آخر الحديث "فوالله الَّذي لا إله غيره، إنَّ أحدَكم ليَعمَلُ بعملِ أهل الجنَّة" إلى آخر الحديث مُدرَجٌ من كلام ابن مسعود، كذلك رواه سلمة بنُ كهيلٍ، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعودٍ من قوله (^٣)، وقد رُوي هذا المعنى عن النَّبيِّ - ﷺ - من وجوهٍ متعددة أيضًا.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧)، وصححه ابن حبان (٣٣٤).
(٢) رواه البخاري (٦٥٩٦)، ومسلم (٢٦٤٩)، وصححه ابن حبان (٣٣٣).
(٣) رواه أحمد ١/ ٤١٤، والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" ٧/ ٢٩ من طريق فطر بن خليفة عن سَلمةَ بن كهيل به. وانظر لزامًا "الفتح" ١١/ ٤٨٦ - ٤٨٧.
[ ١ / ١٦٩ ]
وفي "صحيح البخاري" (^١) عن سهلِ بن سعدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّما الأعمال بالخواتيم".
وفي "صحيح ابن حبان" (^٢) عن عائشة عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّما الأعمال بالخواتيم".
وفيه (^٣) أيضًا عن معاوية قال: سمعت النَّبي - ﷺ - يقول: "إنَّما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء، فإذا طابَ أعلاه، طاب أسفَلُه، وإذا خَبُثَ أعلاه، خَبُثَ أسفلُه".
وفي "صحيح مسلم" (^٤) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ الرَّجُل ليعمل الزمانَ الطويلَ بعملِ أهلِ الجنَّةِ، ثم يُختم له عملُه بعمل أهل النَّار، وإن الرجلَ ليعملُ الزمانَ الطويلَ بعمل أهل النَّارِ، ثم يُختم له عمله بعملِ أهل الجنَّةِ".
وخرَّج الإِمام أحمد من حديث أنسٍ عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "لا عَلَيكُم أنْ لا تَعْجَبوا بأحدٍ حتَّى تنظروا بم يُختم له، فإن العاملَ يعملُ زمانًا من عمره، أو بُرهة من دهره بعملٍ صالحٍ لو مات عليه، دخل الجنةَ، ثم يتحوَّلُ، فيعملُ عملًا سيِّئًا، وإن العبدَ ليعمل البُرهة من دهره بعملٍ سيِّئٍ، لو مات عليه، دخلَ النارَ، ثم يتحوَّل فيعملُ عملًا صالحًا" (^٥).
وخرَّج أيضًا من حديث عائشة عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ الرجل ليعملُ بعملِ أهل الجنَّة، وهو مكتوبٌ في الكتابِ من أهل النَّار، فإذا كان قبل موته تحوَّل، فعمِلَ بعمل أهل النَّار، فمات، فدخل النَّار، وإنَّ الرجلَ ليعملُ بعملِ أهل
_________________
(١) برقم (٦٤٩٣) و(٦٦٠٧).
(٢) برقم (٣٤٠)، وفيه نعيم بن حمّاد، وهو ضعيف.
(٣) برقم (٣٣٩) و(٣٩٢)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) برقم (٢٦٥١). ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥، وصححه ابن حبان (٦١٧٦).
(٥) رواه أحمد ٣/ ١٢٠، وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٧٠ ]
النَّار، وإنه لمكتوبٌ في الكتاب من أهل الجنَّة، فإذا كان قَبْلَ موته تحوَّل، فعمل بعمل أهل الجنَّة، فمات فدخلها" (^١).
وخرَّج أحمد، والنسائيُّ، والترمذيُّ من حديثِ عبد الله بن عمرٍو قال: خرج علينا رسولُ الله - ﷺ - وفي يده كتابانِ، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " فقلنا: لا يا رسول الله، إلَّا أن تُخْبِرنا، فقال للذي في يده اليمنى: "هذا كتابٌ مِنْ ربِّ العالمين، فيه أسماءُ أهَلِ الجنَّةِ، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمِل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم، ولا يُنقصُ منهم أبدًا"، ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من ربِّ العالمين فيه أسماء أهل النَّار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنقصُ منهم أبدًا"، فقال أصحابُه: ففيم العملُ يا رسولَ الله إن كان أمرًا قد فُرِغَ منه؟ فقال: "سَدِّدُوا وقاربوا، فإنَّ صاحب الجنَّة يُختم له بعمل أهل الجنَّة، وإن عمل أيَّ عملٍ، وإن صاحب النَّار يُختم له بعملِ أهل النَّار، وإن عمل أيَّ عملٍ"، ثم قال رسول الله - ﷺ - بيديه فنبذهما، ثم قال: "فَرغَ ربُّكم مِنَ العباد: فريقٌ في الجنَّة، وفريقٌ في السَّعير" (^٢).
وقد روي هذا الحديثُ عن النَّبيِّ - ﷺ - من وجوهٍ متعددة، وخرَّجه الطبراني (^٣) من حديث علي بن أبي طالب عن النَّبيِّ - ﷺ -، وزاد فيه: "صاحب الجنَّة مختوم له بعمل أهل الجنَّة، وصاحبُ النَّار مختومٌ له بعمل أهل النَّار وإن عمل أيَّ
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ١٠٧ و١٠٨، ورواه أيضًا أبو يعلى (٤٦٦٨) وهو حديث صحيح.
(٢) رواه أحمد ٢/ ١٦٧، والترمذيّ (٢١٤١)، والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" ٦/ ٣٤٣ وفي سنده أبو قبيل حيي بن هانئ ضعفه الحافظ في "تعجيل المنفعة" ص ٢٧٧، لأنه كان يروي عن الكتب القديمة ومع ذلك فقد قال الترمذي: حسن صحيح غريب. وذكره الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٢/ ٦٨٤، وقال: هو حديث منكر جدًّا، ويقضى أن يكون زنة الكتابين عدة قناطير.
(٣) في "الأوسط" (مجمع البحرين ١٤٧/ ١)، وفي سنده حمّاد بن زيد الصفَّار وهو ضعيف كما قال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ٢١٣.
[ ١ / ١٧١ ]
عمل، وقد يُسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاء حتَّى يقالَ: ما أشبههم بهم، بل هم منهم، وتُدركهم السعادة فتستنقذُهم، وقد يسلك بأهل الشقاءِ طريق أهل السعادة حتَّى يقالَ: ما أشبههم بهم بل هم منهم ويُدركهم الشقاء، من كتبه الله سعيدًا في أمِّ الكتاب لم يُخرجه من الدُّنيا حتَّى يستعمِلَه بعملٍ يُسعِدُه قبلَ موته ولو بفَواقِ ناقة، ثم قال: الأعمال بخواتيمها، الأعمالُ بخواتيمها". وخرَّجه البزار في "مسنده" (^١) بهذا المعنى أيضًا من حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ -.
وفي "الصحيحين" عن سهل بن سعد أن النبيَّ - ﷺ - التقى هو والمشركون وفي أصحابه رجلٌ لا يدع شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا اتبعها يَضرِبُها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلانٌ، فقال رسول الله - ﷺ -: "هو من أهل النَّار"، فقال رجلٌ من القوم: أنا صاحبُه، فاتَّبعه، فجُرِحَ الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجلَ الموت، فوضعَ نصلَ سيفه على الأرض وذُبابَه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرَّجلُ إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: أشهد أنك رسولُ الله، وقصَّ عليه القصةَ، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن الرجل ليعمل عملَ أهل الجنَّةِ فيما يبدو للنَّاس وهو من أهل النَّار، وإنَّ الرجل ليعمل عملَ أهل النَّار فيما يبدو للنَّاس، وهو من أهل الجنَّة" زاد البخاري في رواية له: "إنَّما الأعمال بالخواتيم" (^٢).
وقوله: "فيما يبدو للناس" إشارةٌ إلى أن باطنَ الأمر يكونُ بخلافِ ذلك، وأن خاتمة السُّوءِ تكونُ بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يطلع عليها النَّاس، إما من جهة
_________________
(١) رقم (٢١٥٦) ورواه أيضًا اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٠٨٨)، وابن عدي في "الكامل" ٥/ ١٩٣٢ - ١٩٣٣.
(٢) رواه البخاري (٢٨٩٨) و(٤٢٠٢) و(٤٢٠٧) و(٦٤٩٣) و(٦٦٠٧)، ومسلم (١١٢).
[ ١ / ١٧٢ ]
عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سُوءَ الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرَّجلُ عملَ أهل النَّارِ وفي باطنه خصلةٌ خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلكَ الخصلةُ في آخر عمره، فتوجب له حسنَ الخاتمة.
قال عبد العزيز بن أبي روَّاد: حضرت رجلًا عند الموت يُلَقَّنُ لا إله إلَّا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافرٌ بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألتُ عنه، فإذا هو مدمنُ خمرٍ. فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذُّنوب، فإنَّها هي التي أوقعته.
وفي الجملة: فالخواتيمُ ميراثُ السوابق، وكلُّ ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتدُّ خوف السلف من سُوءِ الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق.
وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلقةٌ بالخواتيم، يقولون: بماذا يختم لنا؟ وقلوب المقرَّبين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا.
وبكى بعضُ الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنَّ الله تعالى قبضَ خلقه قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنَّة، وهؤلاء في النَّار"، ولا أدري في أيِّ القبضتين كنت؟ (^١).
وقال بعض السلف: ما أبكى العيون ما أبكاها الكتاب السابق.
وقال سفيانُ لبعض الصالحين: هل أبكاكَ قطُّ علمُ الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركتني لا أفرحُ أبدًا. وكان سفيان يشتدُّ قلقُهُ من السوابق والخواتم، فكان يبكي ويقول: أخاف أن أكون في أمِّ الكتاب شقيًا، (^٢) ويبكي ويقول: أخافُ أن أُسلبَ الإِيمانَ عند الموت.
_________________
(١) رواه أحمد ٤/ ١٧٦ و١٧٧، وإسناده صحيح.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٧/ ٥١.
[ ١ / ١٧٣ ]
وكان مالك بنُ دينار يقومُ طُولَ ليلهِ قابضًا على لحيته، ويقول: يا ربِّ، قد علمتَ ساكنَ الجنَّة من ساكن النَّار، ففي أيِّ الدَّارين منزلُ مالك؟ (^١).
قال حاتمٌ الأصمُّ: مَنْ خلا قلبُه من ذكر أربعة أخطار، فهو مغترٌّ، فلا يأمن الشقاء: الأوَّل: خطرُ يوم الميثاق حين قال: هؤلاء في الجنَّة ولا أبالي، وهؤلاء في النَّار ولا أبالي، فلا يعلم في أيِّ الفريقين كان، والثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث، فنودي الملك بالسعادة والشَّقاوة، ولا يدري: أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟ والثالث: ذكر هول المطلع، ولا يدري أيبشر برضا الله أو بسخطه؟ والرابع: يوم يَصدُرُ النَّاسُ أشتاتًا، ولا يدري، أيّ الطريقين يُسلك به.
وقال سهل التُّستريُّ: المريدُ يخافُ أن يُبتلى بالمعاصي، والعارف يخافُ أن يُبتلى بالكُفر.
ومن هنا كان الصحابة ومَنْ بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزَعُهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاقَ الأصغرَ، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عندَ الخاتمة، فيخرجه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية تُوجِبُ سُوءَ الخاتمة، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يُكثرُ أن يقول في دعائه: "يا مقلِّب القلوب ثبت قلبي على دينك" فقيل له: يا نبيَّ الله آمنا بك وبما جئتَ به، فهل تخافُ علينا؟ فقال: "نعم، إنَّ القُلوبَ بين أصبعين من أصابع الله ﷿ يُقلِّبها كيف يشاء" خرَّجه الإِمام أحمد والترمذيّ من حديث أنس (^٢).
وخرج الإِمام أحمد من حديث أمِّ سلمة أن النَّبيَّ - ﷺ - كان يُكثِرُ في دعائه أن يقول: "اللهُمَّ مقلِّبَ القلوب، ثبِّت قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله،
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٣٨٤.
(٢) رواه أحمد ٣/ ١١٢ و٢٥٧، والترمذيّ (٢١٤٠)، وحسَّنه.
[ ١ / ١٧٤ ]
أو إنَّ القلوب لتتقلَّبُ؟ قال: "نعم؛ ما من خلق الله تعالى من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله، فإن شاءَ الله ﷿، أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسألُ الله ربَّنا أن لا يزيغَ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألهُ أن يهب لنا من لدُنه رحمةً إنَّه هو الوهَّاب"، قالت: قلت: يا رسولَ الله، ألا تُعَلِّمني دعوةً أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي: اللهمَّ ربَّ النَّبيِّ محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجِرْني من مضلَّاتِ الفتن ما أحييتني" (^١)، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.
وخرَّج مسلم (^٢) من حديث عبد الله بن عمرو: سمع رسولَ الله - ﷺ - يقول: "إنَّ قلوبَ بني آدمَ كلَّها بين أصبعين من أصابع الرَّحمن ﷿ كقلبٍ واحدٍ يصَرِّفُه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله - ﷺ -: "اللهُمَّ مُصرِّفَ القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك".
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ٣٠٢، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف.
(٢) في "صحيحه" (٢٦٥٤).
[ ١ / ١٧٥ ]