عَنْ عبدِ الله بن مَسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ الله - ﷺ -: "لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَّا بِإحْدَى ثَلاث: الثَّيِّبُ الزانِي، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتَّارِكُ لِدينِهِ المُفارِقُ لِلجماعَةِ". رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ (^١).
هذا الحديث خرَّجاه في "الصحيحين" من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود (^٢)، وفي رواية لمسلم: "التارك للإسلام" بدل قوله: "لدينه".
وفي هذا المعنى أحاديثُ متعددة: فخرَّج مسلم من حديث عائشة عن النبيِّ - ﷺ - مثلَ حديثِ ابن مسعود.
وخرَّج الترمذيُّ، والنسائي، وابنُ ماجه من حديث عثمان عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يَحلُّ دمُ امرئٍ مُسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاثٍ: رجلٍ كفر بعد إسلامه، أو زَنى بعد إحصانِه، أو قتلَ نفسًا بغير نفسٍ". وفي رواية للنسائي: "رجلٌ زنى بعد
_________________
(١) رواه البخاري (٦٨٧٨) ومسلم (١٦٧٦) وأحمد ١/ ٣٨٢ و٤٢٨ و٤٤٤، وأبو داود (٤٣٥٢) والترمذي (١٤٠٢) والنسائي ٧/ ٩٠ - ٩١، وابن ماجه (٢٥٣٤)، وصححه ابن حبان (٤٤٠٨)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رواه مسلم (١٦٧٦) (٢٦)، ولم يسُق لفظه، وأبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي ٧/ ٩١ و١٠١ - ١٠٢.
[ ١ / ٣١١ ]
إحصانه، فعليه الرجمُ، أو قتل عمدًا، فعليه القَوَدُ، أو ارتدَّ بعدَ إسلامِهِ، فعليه القتلُ" (^١).
وقد رُوي هذا المعنى عن النبيِّ - ﷺ - من روايةِ ابن عبَّاس (^٢) وأبي هريرة وأنس (^٣) وغيرهم، وقد ذكرنا حديثَ أنسٍ فيما تقدَّم، وفيه تفسير أن هذه الثلاث خصال هي حقُّ الإسلام التي يُستباح بها دَمُ مَنْ شهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، والقتلُ بكلِّ واحدةٍ مِنْ هذه الخصالِ الثَّلاثِ متفقٌ عليه بين المسلمين.
أما زنى الثَّيِّب، فأجمع المسلمون على أن حَدَّه الرجمُ حتَّى يموتَ، وقد رجم النبيُّ - ﷺ - ماعَزًا والغامدية (^٤)، وكان في القرآن الذي نسخ لفظه: "والشَّيخُ والشَّيخَةُ إذا زَنيا فارجُموهُما البتة نكالًا من الله، والله عزيز حكيم" (^٥).
وقد استنبط ابنُ عباسٍ الرَّجمَ مِنَ القرآن من قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]، قال: فمن كفر بالرَّجم، فقد كفر بالقرآن من حيثُ لا يحتسب،
_________________
(١) رواه الترمذي (٢١٥٨) وحسنه، والنسائي ٧/ ٩١ - ٩٢ و١٠٣ و١٠٤، وابن ماجه (٢٥٣٣).
(٢) نسَبه الحافظ في "الفتح" ٢/ ٢٠٢ إلى النَّسَائِي.
(٣) ذكره الهيثمي في "المجمع" ١/ ٢٥ - ٢٦ ونسَبه إلى الطبراني في "الأوسط" وقال: فيه عمرو بن هاشم البيروتي، والأكثر على توثيقه.
(٤) انظر "صحيح مسلم" (١٦٩٤) و(١٦٩٥)، وأبا داود (١٦٩٤) وابن حبان (٤٤٣٨).
(٥) رواه من حديث ابن مسعود عبد الرزاق (١٣٣٦٣)، وصححه ابن حبان (٤٤٢٨) و(٤٤٢٩)، والحاكم ٢/ ٤١٥، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣١٢ ]
ثمَّ تلا هذه الآية وقال: كان الرجمُ مما أَخفوا. خرَّجه النَّسَائِي، والحاكم، وقال: صحيحُ الإسناد (^١).
ويُستنبط أيضًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٤ - ٤٩]. وقال الزهري: بلغنا أنها نزلت في اليهوديَّيْن الَّلذيْن رجمهما النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّي أحكم بما في التوراة" وأمر بهما فرُجِما (^٢).
وخرَّج مسلم في "صحيحه" (^٣) من حديث البراء بنِ عازب قصة رجم اليهود، وقال في حديثه: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] وأنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] في الكفار كلها.
وخرَّجه الإمام أحمد (^٤) وعنده: فأنزل الله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]، يقولون: ائتوا محمدًا، فإنَّ أفتاكم بالتَّحميم والجلدِ، فخُذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروا، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال: في اليهود.
ورُوِيَ من حديث جابر قصَّةُ رجم اليهوديين، وفي حديثه قال: فأنزل الله:
_________________
(١) رواه النَّسَائِي في "الكبرى" كما في "التحفة" ٥/ ١٧٨، والطبري في "جامع البيان" (١١٦٠٩) و(١١٦١٠)، وصححه الحاكم ٤/ ٣٥٩ ووافقه الذهبي.
(٢) رواه الطبري (١٢٠٠٨)، وأبو داود (٤٤٥٠).
(٣) رقم (١٧٠٠)، ورواه أيضًا أبو داود (٤٤٤٨). والتحميم: تسويد الوجه، من الحميم، جمع حَمَمَة، وهي الفحمة.
(٤) في "المسند" ٤/ ٢٨٦ وإسناده صحيح.
[ ١ / ٣١٣ ]
﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (^١) [المائدة: ٤٢].
وكان الله تعالى قد أمر أوَّلًا بحبسِ النِّساء الزَّواني إلى أن يتوفَّاهنَّ الموت أو يجعل الله لهنَّ السبيل، ثم جعل الله لهنَّ سبيلًا، ففي "صحيح مسلم" عن عبادة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "خُذوا عنَّي خُذوا عنِّي قد جعل الله لهنَّ سبيلًا: البكرُ بالبكرِ جلدُ مئة وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيب جلدُ مئة والرجمُ" (^٢).
وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعةٌ من العلماء، وأوجبوا جلدَ الثيب مئة، ثم رجمه كما فعل عليٌّ بِشُراحة الهَمْدَانيَّةِ، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورَجمتُها بسنة رسول الله - ﷺ - (^٣). يشير إلى أن كتاب الله فيه جلدُ الزَّانيين من غير تفصيلٍ بين ثيِّبٍ وبِكرٍ، وجاءت السُّنةُ برجم الثيب خاصة مع استنباطه من القرآن أيضًا،
_________________
(١) رواه الحميدي في "مسنده" (١٢٩٤) وفي إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف.
(٢) رواه مسلم (١٦٩٠)، وصححه ابن حبان (٤٤٢٦) و(٤٤٢٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) رواه أحمد ١/ ٩٣، وعلي بن الجعد (٥٠٥)، والحاكم ٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥، والبيهقي ٨/ ٢٢٠. قلت: في "الفتح" ١٢/ ١١٩: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر إلى أن الزاني المحصن يجلد ثم يرجم، وقال الجمهور - وهي رواية عن أحمد أيضًا -: لا يجمع بينهما، وذكروا أن حديث عُبادة منسوخ، يعني الحديث المتقدم، والناسخ ما ثبت في قصة ماعِز، أن النبيِّ - ﷺ - رجمه، ولم يذكر الجلد. قال الشافعيُّ: فدلت السنة على أن الجلد ثابت على البكر، ساقط عن الثيب، والدليل على أن قصة ماعز متراخية عن حديث عبادة أن حديث عبادة ناسخ لما شُرع أولًا من حبس الزاني في البيوت، فنسخ الحبس بالجلد، وزيد الثيب بالرجم، وذلك صريح في حديث عبادة، ثم نسخ الجلد في حق الثيب، وذلك مأخوذ من الاقتصار في قصة ماعز على الرجم، وكذلك في قصة الغامدية والجُهنية واليهوديين لم يذكر الرجم.
[ ١ / ٣١٤ ]
وهذا القول هو المشهور عن الإِمام أحمد ﵀ وإسحاق، وهو قول الحسن وطائفة من السلف.
وقالت طائفة منهم: إن كان الثَّيِّبان شيخين رُجمَا وجُلِدا، وإن كانا شابَّين، رُجِما بغيرِ جلدٍ؛ لأنَّ ذنبَ الشيخِ أقبحُ، لا سيما بالزنى، وهذا قولُ أبيِّ بنِ كعبٍ، وروي عنه مرفوعًا، ولا يصحُّ رفعه، وهو رواية عن أحمد وإسحاق أيضًا.
وأما النَّفسُ بالنفسِ، فمعناه أن المكلَّف إذا قتل نفسًا بغير حق عمدًا، فإنَّه يُقْتَلُ بها، وقد دلَّ القرآن على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
ويُستثنى من عُموم قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ صُورٌ:
منها أن يقتل الوالدُ ولدَه، فالجمهورُ على أنه لا يُقْتَلُ به، وصحَّ ذلك عن عُمر. وروي عن النبيِّ - ﷺ - من وجور مُتعدَّدَةٍ، وقد تُكُلِّمَ في أسانيدها (^١)، وقال
_________________
(١) رواه من حديث عمر أحمد ١/ ٢٢ و٢٢ - ٢٣ و٤٩، وابن أبي شيبة ٩/ ٤١٠، والترمذي (١٤٠٠) وابن ماجه (٢٦٦٢)، وابن أبي عاصم في "الديات" ص ٦٥، والدارقطني ٣/ ١٤٠ و١٤١ و١٤٣، وابن الجارود (٧٨٨) والبيهقي ٨/ ٣٨ من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يقاد الوالدُ بِوَلده" وسنده حسن. ورواه أحمد ١/ ١٦ عن أسود بن عامر، أخبرنا جعفر الأحمر، عن مطرف، عن الحكم عن مجاهد، عن عمر. ورجاله ثقات لكن مجاهدًا لم يسمع من عمر. ورواه الحاكم ٢/ ٢١٦، و٤/ ٣٦٨ من طريق عمر بن عيسى القرشي عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباسٍ عن عمر، وعيسى بن عمر منكر الحديث. ورواه من حديث ابن عباس الترمذي (١٤٠١)، وابن ماجه (٢٦٦١)، والدارمي=
[ ١ / ٣١٥ ]
مالك: إنْ تَعمدَ قتله تعمدًا لا يشكُّ فيه، مثل أن يذبحه، فإنَّه يُقتل به، وإن حذفه بسيفٍ أو عصا، لم يقتل. وقال البتِّي: يقتل بقتله بجميع وجوه العَمدِ للعمومات.
ومنها: أن يقتل الحرُّ عبدًا، فالأكثرون على أنَّه لا يُقتل به، وقد وردت في ذلك أحاديثُ في أسانيدها مقالٌ (^١). وقيل: يقتل بعبدِ غيره دُون عبدهِ، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه، وقيل: يقتل بعبده وعبدِ غيره، وهو رواية عن الثوري، وقول طائفةٍ من أهل الحديث؛ لحديث سمرة عن النبيِّ - ﷺ -: "من قَتَلَ عبدهُ، قتلناهُ، ومن جَدَعَهُ جدَعْناهُ" (^٢) وقد طعن فيه الإِمام أحمد وغيره.
وقد أجمعوا على أنَّه لا قصاص بين العبيدِ والأحرارِ في الأطراف، وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الحديثَ مطَّرَحٌ لا يُعمل به، وهذا مما يُستدلُّ به على أن المراد بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الأحرار؛ لأنَّه ذكر بعده القصاص في الأطراف، وهو يختصُّ بالأحرار.
_________________
(١) =٢/ ١٩٠، والحاكم ٤/ ٣٦٩، والدارقطني ٣/ ١٤١، والبيهقي ٨/ ٣٩، وسنده ضعيف. ورواه من حديث سراقة الترمذي (١٣٩٩) والدارقطني ٣/ ١٤٢، وقال الترمذي: ليس إسناده بصحيح. وانظر "نصب الراية" ٤/ ٣٣٩ - ٣٤١ و"تلخيص الحبير" ٤/ ١٦ - ١٧.
(٢) رواه من حديث ابن عباسٍ الدارقطني ٣/ ١٣٣، والبيهقي ٨/ ٣٥، وفيه جويبر، وهو ضعيف جدًا. ورواه من حديث علي الدارقطني ٣/ ١٣٣ - ١٣٤، والبيهقي ٨/ ٣٤ - ٣٥، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف أيضًا، وانظر "تلخيص الحبير" ٣/ ١٦.
(٣) رواه أحمد ٥/ ١٠ و١١ و١٢ و١٨ و١٩، وأبو داود (٤٥١٥) - (٤٥١٧)، والترمذي (١٤١٤)، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٢٦٦٣) من رواية الحسن عن سمرة، وقال الإمام أحمد في "المسند" ٥/ ١١: ولم يسمعه منه.
[ ١ / ٣١٦ ]
ومنها أن يَقتُلَ المسلم كافرًا، فإنَّ كان حربيًا، لم يقتل به بغير خلافٍ؛ لأنَّ قتل الحربيِّ مباحٌ بلا ريب، وإن كان ذميًا أو معاهَدًا، فالجمهور على أنَّه لا يقتل به أيضًا، وفي "صحيح البخاري" (^١) عن علي عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا يُقتلُ مسلمٌ بكافر".
وقال أبو حنيفة وجماعةٌ من فقهاء الكوفيين: يُقتل به، وقد روى ربيعةُ عن ابن البيلماني عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قتل رجلًا من أهل القبلة برجل من أهل الذمةِ، وقال: "أنا أحقُّ من وفى بذمَّته" (^٢) وهذا مرسل ضعيف قد ضعَّفه الإِمام أحمد، وأبو عبيد، وإبراهيمُ الحربي، والجوزجاني، وابنُ المنذر، والدَّارقطني، وقال: ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟ وقال الجوزجاني: إنَّما أخذه ربيعةُ عن إبراهيمَ بن أبي يحيى عن ابنِ المنكدر عن ابن البيلماني، وابن أبي يحيى متروك الحديث. وفي "مراسيل أبي داود" (^٣) حديث آخر مرسل أن النبيَّ - ﷺ - قَتَلَ يوم خيبر مسلمًا بكافر قتله غيلةً، وقال: "أنا أولى وأحقُّ من وفى بذِمَّته". وهذا مذهبُ مالك وأهل المدينةِ أن القتلَ غيلة لا تُشترط له المكافاة، فَيُقْتَلُ فيه المسلمُ بالكافرِ، وعلى هذا حملُوا حديثَ ابن البيلماني أيضًا على تقدير صحَّته.
ومنها: أن يقتل الرجل امرأةً، فيُقتل بها بغيرِ خلاف، وفي كتاب عمرو بنِ حزمٍ عن النبيِّ - ﷺ - أن الرَّجُلَ يقتل بالمرأة (^٤). وصحَّ أنَّه - ﷺ - قتل يهوديًا قتل
_________________
(١) رقم (٦٩١٥). ورواه أيضًا الترمذي (١٤١٢)، والنسائي ٨/ ٢٣.
(٢) رواه عبد الرزاق (١٨٥١٤) وأبر داود في "المراسيل" (٢٥٠)، والدارقطني ٣/ ١٣٥، والبيهقي ٨/ ٣٠.
(٣) رقم (٢٥١) وهو مرسل ضعيف.
(٤) رواه ابن حبان (٦٥٥٩) والحاكم ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧، والبيهقي ٤/ ٨٩ - ٩٠، وفيه سليمان بن أرقم، وهو ضعيف. وانظر تفصيل القبول فيه في "صحيح ابن حبان".
[ ١ / ٣١٧ ]
جارية (^١) وأكثرُ العلماء على أنَّه لا يدفع إلى أولياء الرجل شيءٌ. وروي عن عليّ أنَّه يدفع إليهم نصف الدية (^٢)؛ لأن ديةَ المرأة نصفُ ديةِ الرجل وهو قولُ طائفةٍ مِنَ السَّلف وأحمد في رواية عنه.
وأمَّا التَّاركُ لِدينه المفارق للجماعة، فالمرادُ به من ترك الإِسلام، وارتدَّ عنه، وفارقَ جماعة المسلمين، كما جاء التصريحُ بذلك في حديث عثمان، وإنَّما استثناه مع من يحلُّ دمه من أهل الشهادتين باعتبارِ ما كان عليه قبل الرِّدَّة وحكم الإِسلام لازم له بعدها، ولهذا يُستتاب، ويُطلب منه العود إلى الإِسلام، وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الرِّدَّة من العبادات اختلافٌ مشهورٌ بَيْنَ العلماء.
وأيضًا فقد يتركُ دينَه، ويُفارقُ الجماعة، وهو مقرٌّ بالشَّهادتين، ويدَّعي الإسلام، كما إذا جحد شيئًا مِنْ أرَكان الإِسلام، أو سبَّ الله ورسولَه، أو كفرَ ببعضِ الملائكة أو النَّبيِّينَ أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك، وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباسٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من بدَّل دينَهُ فاقتلوه" (^٣).
ولا فرق في هذا بين الرجلِ والمرأة عندَ أكثر العلماء، ومنهم من قال: لا تُقتل المرأةُ إذا ارتدَّت كما لا تُقتل نساء أهلِ دارِ الحرب في الحرب، وإنما تُقتل رجالُهم، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، وجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي، والجمهور فرَّقوا بينهما، وجعلوا الطارئ أغلظَ لما سبقه من الإِسلام، ولهذا يقتل بالرِّدَّة عنه من لا يقتل من أهل الحرب، كالشَّيخ الفاني والزَّمِن والأعمى، ولا يُقتلون في الحرب.
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ١٧٠، والبخاري (٢٤١٣)، ومسلم (١٦٧٢)، وأبو داود (٥٤٢٩)، والنسائي ٨/ ٢٢، وابن ماجه (٢٦٦٦)، وصححه ابن حبان (٥٩٩١) - (٥٩٩٣).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٩٧.
(٣) رواه البخاري (٣٥١٧)، وأحمد ١/ ٢١٧، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي ٧/ ١٠٥، وابن ماجه (٢٥٣٥)، وصححه ابن حبان (٤٤٧٥) و(٤٤٧٦).
[ ١ / ٣١٨ ]
وقوله - ﷺ -: "التارك لدينه المفارق للجماعة" يدلّ على أنَّه لو تاب ورجع إلى الإسلام، لم يقتل؛ لأنَّه ليس بتاركٍ لدينه بعدَ رجوعه، ولا مفارقٍ للجماعة.
فإن قيل: بل استثناء هذا ممَّن يعصم دَمُه من أهل الشهادتين يدلُّ على أنَّه يقتل ولو كان مقرًا بالشهادتين، كما يقتل الزاني المُحصَن، وقاتل النفس، وهذا يدلُّ على أن المرتدَّ لا تُقبل توبتُه، كما حُكي عن الحسن، أو أن يحمل ذلك على من ارتدَّ ممَّن وُلِدَ على الإسلام، فإنَّه لا تُقبل توبتُه، وإنما تقبل توبةُ مَنْ كان كافرًا، ثم أسلم، ثم ارتدَّ على قول طائفةٍ من العلماء، منهم: الليثُ بنُ سعدٍ، وأحمد في رواية عنه، وإسحاق. قيل: إنَّما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان عليه قبْلَ مفارقة دينه كما سبق تقريره، وليس هذا كالثيب الزَّاني، وقاتل النفس؛ لأنَّ قتلَهُما وَجب عقوبةً لجريمتهما الماضية، ولا يُمكنَ تلافي ذلك.
وأمَّا المرتدُّ، فإنما قُتِلَ لوصفٍ قائمٍ به في الحال، وهو تركُ دينه ومفارقةُ الجماعة، فإذا عاد إلى دينِهِ، والى موافقة الجماعة، فالوصف الذي أُبيح به دمُه قدِ انتفى، فتزولُ إباحةُ دمِهِ، والله أعلم.
فإنَّ قيل: فقد خرَّج النَّسَائِي (^١) من حديث عائشة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا يَحل دمُ امرئٍ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث خصالٍ: زانٍ محصن يُرجَمُ، ورَجُلٍ قتل متعمدًا فيُقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله فيقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض". وهذا يدلُّ على أن المرادَ من جمع بين الردَّة والمحاربة.
قيل: قد خرَّج أبو داود (^٢) حديث عائشة بلفظ آخر، وهو أن رسولَ الله - ﷺ - قال: "لا يحل دَمُ امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسولُ الله
_________________
(١) ٧/ ١٠١ - ١٥٢، وإسناده صحيح.
(٢) (٤٣٥٣).
[ ١ / ٣١٩ ]
إلا في إحدى ثلاث: زنى بعد إحصانٍ فإنَّه يُرجم، ورجل خرج محاربًا لله ورسوله، فإنَّه يقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض، أو يقتل نفسًا فيقتل بها".
وهذا يدلُّ على أنَّ مَنْ وُجِدَ منه الحِراب من المسلمين، خُيِّرَ الإمامُ فيه مطلقًا، كما يقوله علماءُ أهلِ المدينة مالك وغيره، والرواية الأولى قد تُحمل على أن المرادَ بخروجه عن الإسلام خروجُه عن أحكام الإسلام، وقد تُحمل على ظاهرها، ويستدلُّ بذلك مَنْ يقول: إن آيةَ المحاربة تختصُّ بالمرتدين، فمن ارتدَّ وحارب، فُعِل به ما في الآية، ومن حارب من غيرِ رِدَّةٍ، أقيمت عليه أحكامُ المسلمين مِنَ القِصاص والقطع في السرقة، وهذا رواية عن أحمد لكنها غيرُ مشهورةٍ عنه، وكذا قال طائفة من السلف: إن آية المحاربة تختصُّ بالمرتدين، منهم أبو قِلابة وغيرُه.
وبكلِّ حالٍ، فحديث عائشة ألفاظُه مختلفةٌ، وقد روي عنها مرفوعًا، وروي عنها موقوفًا، وحديثُ ابنِ مسعودٍ لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته، ولكن يُقال على هذا: إنَّه قد ورد قتلُ المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث:
فمنها في اللواط، وقد جاء من حديثِ ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "اقتُلوا الفاعِلَ والمفعولَ به" (^١) وأخذ به كثيرٌ من العلماء كمالكٍ وأحمد، وقالوا: إنَّه موجبٌ للقتل بكلِّ حالٍ، محصنًا كان أو غير محصن، وقد رُوي عن عثمان أنَّه قال: لا يحل دمُ امرئ مسلم إلا بأربع، فذكر الثلاثة المتقدمة، وزاد: ورجل عمِلَ عمَلَ قوم لوط (^٢).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١)، وصححه الحاكم ٤/ ٣٥٥، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٩/ ٤١٤ ورجاله ثقات لكنه منقطع.
[ ١ / ٣٢٠ ]
ومنها من أتى ذات محرم، وقد روي الأمر بقتله، وروي أن النبيِّ - ﷺ - قتل من تزوَّجَ بامرأة أبيه (^١)، وأخذ بذلك طائفةٌ من العلماء، وأوجبوا قتله مطلقًا محصنًا كان أو غير محصن.
ومنها الساحر، وفي "الترمذي" من حديث جُندب (^٢) مرفوعًا: "حدُّ السَّاحر ضربةٌ بالسَّيف" وذكر أن الصحيح وقفه على جندب، وهو مذهبُ جماعةٍ من العلماء، منهم عُمَرُ بنُ عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق، ولكن هؤلاء يقولون: إنه يكفر بسحره، فيكون حكمُه حكمَ المرتدين.
ومنها قتلُ من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع (^٣)، وقال به طائفةٌ من العلماء.
_________________
(١) روى أحمد ٤/ ٢٩٥، وأبو داود (٤٤٥٧)، والترمذي (١٣٦٢)، وابن ماجه (٢٦٠٧)، والنسائي ٦/ ١٠٩ عن البراء بن عازب، قال: لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية، فقلت: إلى أين؟ فقال: أرسلني رسول الله - ﷺ - إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله أو أضرب عنقه، وصححه ابن حبان (٤١١٢) - واللفظ له - والحاكم ٢/ ١٩١، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه الترمذي (١٤٦٠)، والحاكم ٤/ ٣٦٠، والدارقطني ٣/ ١١٤ من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب، وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يُضعف في الحديث من قبل حفظه … والصحيح عن جندب موقوف.
(٣) رواه أحمد ١/ ٢٦٩، وأبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٤)، وابن ماجه (٢٥٦٤)، والحاكم ٤/ ٣٥٥ من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من وجدتموه وقع على بهيمةٍ فاقتلوه، واقتلوا البهيمة". لفظ الترمذي. وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو. وقد روى سفيان الثوري عن عاصم، عن أبي رزين عن ابن عباسٍ أنه قال: من أتى بهيمةً فلا حَدَّ عليه، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الأول (يعني الحديث المرفوع) والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق.
[ ١ / ٣٢١ ]
ومنها من ترك الصَّلاة، فإنَّه يُقتل عندَ كثيرٍ من العُلماء مع قولهم: إنَّه ليس بكافرٍ، وقد سبق ذكرُ ذلك مستوفى.
ومنها قتلُ شاربِ الخمر في المرَّة الرابعة، وقد ورد الأمرُ به عنِ النبيِّ - ﷺ - من وُجوهٍ متعدِّدَةٍ (^١)، وأخذَ بذلك عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص (^٢) وغيره، وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ، وروي أن النبيِّ - ﷺ - أُتي بالشَّارب في المرَّةِ الرابعة، فلم يقتُله (^٣). وفي "صحيح البخاري" أن رجلًا كان يُؤتى به النبيَّ - ﷺ - في الخمر، فلعنه رجلٌ، وقال: ما أكثرَ ما يُؤتى به، فقال النبيُّ - ﷺ -: "لا تلعنه، فإنَّه يُحِبُّ الله ورسوله"، ولم يقتله بذلك (^٤).
وقد روي قتلُ السارق في المرة الخامسة (^٥)، وقيل: إنَّ بعضَ الفُقهاء ذهبَ إليه.
_________________
(١) = وقال أبو داود عن الحديث المرفوع: ليس هذا بالقوي، ثم روى بإسناده حديث ابن عباسٍ الموقوف، وقال: حديث عاصم يُضعف حديث عمرو بن أبي عمرو. وانظر "تلخيص الحبير" ٤/ ٥٥.
(٢) رواه من حديث معاوية أحمد ٤/ ٩٣، وأبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤)، وابن ماجه (٢٥٧٣)، وصححه ابن حبان (٤٤٤٦)، والحاكم ٤/ ٩٣. ورواه من حديث ابن عمر أبو داود (٤٤٨٣) والنسائي ٨/ ٣١٣. ورواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٩١، وأبو داود (٤٤٨٤)، والنسائي ٨/ ٣١٤، وابن ماجه (٢٥٧٢)، وصححه ابن حبان (٤٤٤٧)، والحاكم ٤/ ٣٧١. ورواه من حديث أبي سعيد ابن حبان (٤٤٤٥).
(٣) انظر "المستدرك" ١/ ٣٠ - ٣١، وابن حبان (٥٣٥٧).
(٤) رواه أبو داود (٤٨٨٥) من حديث قبيصة بن ذؤيب، وهو مرسل، قبيصة بن ذؤيب ولد على عهد النبيِّ - ﷺ -، ولم يسمع منه. وانظر "الفتح" ١٢/ ٨٠.
(٥) رواه البخاري (٦٧٨٠).
(٦) رواه من حديث جابر أبو داود (٤٤١٠)، والنسائي ٨/ ٩٠ - ٩١، وفيه مصعب بن=
[ ١ / ٣٢٢ ]
ومنها ما رُوي عنه - ﷺ - أنَّه قال: "إذا بُوِيعَ لِخَليفَتين، فاقتلوا الآخرَ منهما" خرَّجه مسلم (^١) من حديث أبي سعيد، وقد ضعف العقيلي أحاديثَ هذا الباب كلها.
ومنها: قولُه - ﷺ -: "من أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحد، فأراد أن يشقَّ عصاكم، أو يفرِّقَ جماعَتَكُم فاقتلوه" وفي رواية: "فاضربوا رأسه بالسيف كائنًا من كان". وقد خرَّجه مسلم (^٢) أيضًا من رواية عرفجة.
ومنها: من شَهَرَ السِّلاحَ، فخرَّج النسائيُّ من حديث ابن الزبير عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ شَهَرَ السِّلاحَ ثم وضعه، فدمه هدرٌ". وقد روي عن ابن الزبير مرفوعًا وموقوفًا. وقال البخاري: إنما هو موقوف (^٣).
وسئل أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: ما أدري ما هذا. وقال إسحاق بن راهويه: إنَّما يريد من شهر سلاحه ثمَّ وضعه في النَّاس حتى استعرض النَّاس (^٤)، فقد حل قتله، وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال
_________________
(١) =ثابت بن عبد الله، وهو لين الحديث، وقال النَّسَائِي: هذا حديث منكر، وضعفه المؤلف كما يأتي في الصفحة ٢٧٥. ورواه من حديث الحارث بن حاطب النَّسَائِي ٨/ ٨٩ - ٩٠، وانظر "تلخيص الحبير" ٤/ ٦٨ - ٦٩.
(٢) رقم (١٨٥٣).
(٣) رقم (١٨٥٢).
(٤) رواه النَّسَائِي ٧/ ١١٧ مرفوعًا، وصححه الحاكم ٢/ ١٥٩ على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ورواه النَّسَائِي ٧/ ١١٧ عن ابن الزبير موقوفًا. وقال الحافظ ابن حجر فيما نقله عنه المناوي في "الفيض" ٦/ ١٦٠: والذي وصله ثقة.
(٥) أي: قتلهم ولم يسأل عن أحد منهم.
[ ١ / ٣٢٣ ]
والنساء والذرية. وقد رُوِيَ عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق، فخرَّج الحاكم من رواية علقمة بن أبي علقمة عن أمِّه أن غلامًا شهر السَّيف على مولاه في إمرةِ سعيدِ بنِ العاص، وتفلَّت به عليه، فأمسكه النَّاسُ عنه، فدخل المولى على عائشة، فقالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "من أشارَ بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمين يريد قتله، فقد وجب دمه" فأخذه مولاه فقتله، وقال: صحيح على شرط الشيخين (^١).
وقد صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: "من قُتِلَ دون ماله، فهو شهيد" (^٢)، وفي رواية: "ومن قتل دون دمه، فهو شهيد" (^٣).
فإذا أريد مالُ المرء أو دمُه، دافع عنه بالأسهل. هذا مذهب الشافعيُّ وأحمد، وهل يجب أن ينوي أنَّه لا يريد قتله أم لا؟ فيه روايتان عن الإِمام أحمد.
وذهب طائفة إلى أنَّ مَنْ أراد مالَه أو دمَه، أُبيح له قتلُه ابتداء، ودخل على ابن عمرَ لِصٌّ، فقام إليه بالسيف صلتًا، فلولا أنهم حالوا بينه وبينه، لقتله (^٤). وسئل الحسنُ عن لصٍّ دخل بيت رجلٍ ومعه حديدة، قال: اقتله بأيِّ قتلة قدرتَ عليه، وهؤلاء أباحوا قتله وإن ولَّى هاربًا من غير جناية، منهم أيوبُ السختياني.
وخرَّج الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت عن النبيِّ - ﷺ - قال: "الدَّارُ
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ٢٦٦ والحاكم ١/ ١٥٨ - ١٥٩، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي! مع أن أم علقمة - واسمها مرجانة - لم يوثقها غير ابن حبان، ولم يرو عنها غير ابنها، لكن الحديث يتقوى بحديث ابن الزبير المتقدم.
(٢) رواه من حديث عبد الله بن عمرو البخاري (٢٤٨٠) وأبو داود (٤٧٧١) والترمذي (١٤١٩) والنسائي ٧/ ١١٤ - ١١٥، وابن ماجه (٢٥٨١).
(٣) ورواه من حديث سعيد بن زيد أحمد ١/ ١٩٠ وأبو داو (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١).
(٤) رواه عبد الرزاق (١٨٥٥٧) و(١٨٨١٨) بإسناد صحيح.
[ ١ / ٣٢٤ ]
حرمك، فمن دخل عليك حَرَمَكَ، فاقتله" ولكن في إسناده ضعف (^١).
ومنها قتلُ الجاسوسِ المسلم إذا تجسَّسَ للكفار على المسلمين، وقد توقف فيه أحمد، وأباح قَتْلَهُ طائفة من أصحاب مالِك، وابنُ عقيل من أصحابنا، ومن المالكية مَنْ قال: إن تكرَّر ذلك منه، أُبِيحَ قتله، واستدلَّ من أباحَ قتله بقولِ النبيِّ - ﷺ - في حقِّ حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتابَ إلى أهلِ مكَّةَ يخبرهم بسير النبيِّ - ﷺ - إليهم، ويأمرهم بأخذ حذرهم، فاستأذن عمرُ في قتله، فقال: "إنَّه شهدَ بدرًا" (^٢)، فلم يقل: إنه لم يأت ما يُبيح دمه، وإنَّما علَّل بوجود مانعٍ مِنْ قتله، وهو شهودُه بدرًا ومغفرةُ الله لأهل بدر، وهذا المانعُ منتفٍ في حقِّ مَنْ بعدَه. ومنها ما خرَّجه أبو داود في "المراسيل" (^٣) من رواية ابن المسيب أن النبيِّ - ﷺ - قال: "من ضرب أباه فاقتلوه" ورُويَ مسندًا من وجهٍ آخرَ لا يصح (^٤).
واعلم أنَّ من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصحُّ ولا يُعرف به قائلٌ معتبر، كحديث "مَنْ ضرب أباه فاقتلوه"، وحديث: "قتل السارق في المرة الخامسة" (^٥). وباقي النصوص كلُّها يمكن ردُّها إلى حديث ابن مسعود، وذلك أنَّ حديثَ ابنِ مسعودٍ تضمَّن أنَّه لا يُستباحُ دمُ المسلم إلَّا بإحدى ثلاث
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٣٢٦، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٦/ ٢٤٥ وزاد نسبته إلى الطبري وقال: فيه محمد بن كثير السلمي، وهو ضعيف.
(٢) رواه من حديث علي أحمد ١/ ٧٩ والبخاري (٣٠٠٧) و(٢٤٧٤) ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي (٣٣٠٥)، وصححه ابن حبان (٦٤٩٩).
(٣) برقم (٤٨٥)، ورجاله ثقات.
(٤) رواه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" كما في "الجامع الكبير" ٢/ ٧٩٨ عن سعيد بن المسيب عن أبيه.
(٥) تقدم تخريجه في الصفحة ٢٧٢.
[ ١ / ٣٢٥ ]
خصالٍ: إما أن يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين، وإمَّا أن يزني وهو محصن، وإما أن يقتل نفسًا بغير حقٍّ.
فيؤخذ منه أن قتل المسلم لا يُستباح إلَّا بأحد ثلاثة أنواع: تركِ الدين، وإراقةِ الدم المحرَّم، وانتهاك الفرج المحرّم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تُبيح دم المسلم دون غيرها.
فأمَّا انتهاكُ الفرج المحرّم، فقد ذكر في الحديث أنَّه الزنى بعد الإِحصان، وهذا - والله أعلم - على وجه المثال، فإنَّ المحصن قد تمَّت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنِّكاح، فإذا أتاها بعد ذلك مِنْ فرجٍ محرَّم عليه، أُبيح دمه، وقد ينتفي شرط الِإحصان، فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يُستباحُ بحال، إمَّا مطلقًا كاللواط، أو في حقِّ الواطئ، كمن وطئ ذاتَ محرم بعقد أو غيره، فهذا الوصف هل يكون قائمًا مقامَ الِإحصان وخلفًا عنه؟ هذا هو محلّ النِّزاع بين العلماء، والأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّه يكون خلفًا عنه، ويُكتفى به في إباحة الدم.
وأما سفك الدَّم الحرام، فهل يقومُ مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء، كتفريق جماعة المسلمين، وشقِّ العصا، والمبايعةِ لإِمامٍ ثانٍ، ودلِّ الكُفَّارِ على عورات المسلمين؟ هذا هو محلُّ النزاع. وقد روي عن عمر ما يَدُلُّ على إباحة القتل بمثل هذا.
وكذلك شهرُ السلاحِ لطلب القتل: هل يقومُ مقامَ القتل في إباحة الدم أم لا؟ فابنُ الزبير وعائشة رأياه قائمًا مقام القتل الحقيقي في ذلك (^١).
وكذلك قطعُ الطَّريق بمجرَّده: هل يبيحُ القتلَ أم لا؟ لأنَّه مظِنَّةٌ لسفك الدِّماء المحرّمة، وقول الله ﷿: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، يدلُّ على أنَّه إنَّما يُباحُ قتل
_________________
(١) انظر ص ٢٧٣ وما بعدها.
[ ١ / ٣٢٦ ]
النفس بشيئين: أحدهما: بالنفس، والثاني: بالفساد في الأرض، ويدخل في الفساد في الأرض: الحراب والرِّدَّة، والزنى، فإنَّ ذلك كلَّه فساد في الأرض، وكذلك تكرُّر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنةُ سفكِ الدِّماء المحرمة. وقد اجتمع الصحابة في عهد عمر على حدِّه ثمانينَ، وجعلوا السكر مَظِنَّة الافتراءِ والقذفِ الموجب لجلد الثمانين (^١)، ولمَّا قدِمَ وفدُ عبدِ القيس على النبيِّ - ﷺ -، ونهاهُم عن الأشربة والانتباذِ في الظُّروف قال: "إنَّ أَحَدَكُم ليقومُ إلى ابن عمه - يعني: إذا شرب - فيضربه بالسَّيف"، وكان فيهم رجلٌ قد أصابته جراحةٌ مِنْ ذلك، فكان يخبؤها حياءً من النبيِّ - ﷺ - (^٢) فهذا كلُّه يرجعُ إلى إباحة الدَّم بالقتل إقامة لمظان القتل مقامَ حقيقته، لكن هل نسخ ذلك أمَ حكمه باق هذا هو محلّ النزاع.
وأما تركُ الدين، ومفارقةُ الجماعة، فمعناه الارتدادُ عن دينِ المسلمين ولو أتى بالشهادتين، فلو سبَّ الله ورسوله - ﷺ - وهو مقرٌّ بالشهادتين، أُبيح دمُه؛ لأنَّه قد ترك بذلك دينه.
وكذلك لو استهان بالمُصحف، وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يُعلم من الدِّين بالضَّرورة كالصلاة، وما أشبه ذلك ممَّا يخرج منَ الدِّين.
وهل يقومُ مقامَ ذلك تركُ شيءٍ مِنْ أركان الإِسلام الخمس؟ هذا ينبني على أنَّه هل يخرج من الدين بالكُلِّيَّة بذلك أم لا؟ فمن رآه خروجًا عنِ الدِّين، كان عنده كتركِ الشَّهادتين وإنكارهما، ومن لم يره خروجًا عن الذين، فاختلفوا هل
_________________
(١) رواه مالك ٢/ ٨٤٢، وعنه الشافعيُّ ٢/ ٩٠ عن ثور بن زيد الديلي عن عمر، وهذا إسناد منقطع، ثور بن زيد لم يدرك عمر، ووصله الحاكم في "المستدرك" ٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦ من طريق ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، وصححه ووافقه الذهبي. وانظر "التلخيص" ٤/ ٧٥ - ٧٦.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٢٢ ومسلم (١٨) من حديث أبي سعيد الخدري.
[ ١ / ٣٢٧ ]
يلحقُ بتارك الدِّين في القتل، لكونه ترك أحدَ مباني الإسلام أم لا؟ لكونه لم يخرج عن الدين.
ومِنْ هذا الباب ما قاله كثيرٌ من العلماء في قتل الدَّاعية إلى البدع، فإنهم نظروا إلى أنَّ ذلك شبيهٌ بالخروج عَنِ الدِّين، وهو ذريعةٌ ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك ولم يَدْع غيرَه، كان حُكمُه حكمَ المنافقين إذا استخفَوا، وإذا دعا إلى ذلك، تَغَلَّظ جرمُه بإفساد دين الأمة. وقد صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - الأمر بقتال الخوارج وقتلهم (^١). وقد اختلف العلماء في حكمهم.
فمنهم من قال: هم كفَّارٌ، فيكون قتلُهم لكفرهم.
ومنهم من قال: إنَّما يُقتلون لفسادهم في الأرض بسفكِ دماءِ المسلمين وتكفيرهم لهم، وهو قولُ مالكٍ وطائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم، والإِجهازَ على جريحهم.
ومنهم من قال: إن دَعَوْا إلى ما هُمْ عليه، قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا إليه لم يُقاتلوا، وهو نصُّ أحمد وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة.
ومنهم من لم يرَ البداءَة بقتالهم حتى يبدؤوا بقتال يُبيح قتالَهم مِنْ سفك دماءٍ ونحوه، كما رُوِيَ عن عليٍّ (^٢) وهو قولُ الشافعيُّ وكثيرٍ من أصحابنا.
_________________
(١) رواه من حديث علي أحمد ٨١/ ١ و١١٣ و١٣١، والبخاري (٣٦١١) و(٥٠٥٧) و(٦٩٣٠)، ومسلم (١٠٦٦) وأبو داود (٤٧٦٧)، والنسائي ٩/ ١١٧، وصححه ابن حبان (٦٧٣٩).
(٢) روى اللفظ الأول أحمد ٥/ ٤٢ من حديث أبي بكرة، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٦/ ٢٢٥، وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح. وروى اللفظ الثاني أبو يعلى (٩٠) و(٤١٤٣)، وفيه هو بن عطاء. قال الهيثمي=
[ ١ / ٣٢٨ ]
وقد روي من وجوه متعددة أن النبيَّ - ﷺ - أمر بقتل رجلٍ كان يُصلي، وقال: الو قتل، لكان أوَّلَ فتنةٍ وآخرها"، وفي رواية: "لو قُتِلَ، لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرجَ الدجَّالُ" خرَّجه الإمام أحمد ﵀ وغيره (^١). فيستدلّ بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شرَّه عن المسلمين، ويحسم مادة الفتن.
وقد حكى ابنُ عبد البر وغيرُه عن مذهبِ مالكٍ جوازَ قتل الدَّاعي إلى البدعة.
فرجعت نصوصُ القتل كلُّها إلى ما في حديث ابن مسعود بهذا التقدير ولله الحمد.
وكثيرٌ من العلماء يقولُ في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هاهنا: إنَّها منسوخةٌ بحديث ابنِ مسعور، وفي هذا نظرٌ من وجهين:
أحدهما: أنَّه لا يُعلم أن حديثَ ابنِ مسعود كان متأخرًا عن تلك النصوص كلُّها، لا سيما وابن مسعود من قدماء المهاجرين. وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخَّر إسلامُه كأبي هريرة وجريرِ بنِ عبد الله، ومعاويةَ، فإنَّ هؤلاء كلهم رووا حديثَ قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.
والثاني: أنَّ الخاصَّ لا يُنسَخُ بالعامِّ، ولوكان العامُّ متأخرًا عنه في الصحيح الذي عليه جمهور العلماء؛ لأنَّ دلالة الخاصِّ على معناه بالنصِّ، ودلالة العام عليه بالظاهر عند الأكثرين، فلا يُبطِلُ الظاهرُ حكمَ النص. وقد روي أنَّ النبيَّ - ﷺ - أمر بقتل رجل كذَب عليه في حياته، وقال لحيٍّ من العرب: إن رسول الله - ﷺ - أرسلني وأمرني أن أحكمَ في دمائِكم وأموالكم، وهذا رُوي من وجوهٍ متعدِّدةٍ كلها ضعيفة، وفي بعضها أنَّ هذا الرجل كان قد خطب امرأةً منهم في الجاهلية،
_________________
(١) = ٦/ ٢٢٦: وهو متروك. ورواه أيضًا (٣٦٦٨)، وفيه أبو معشر وهو ضعيف.
(٢) رواه من حديث بريدة الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣٧٨) و(٣٧٩)، وابن عدي في=
[ ١ / ٣٢٩ ]
فأبوا أن يُزوَّجوه، وأنَّه لمَّا قال لهم هذه المقالة صدَّقوه، ونزل على تلك المرأة، وحينئذٍ فهذا الرَّجُلُ قد زنى، ونسب إباحةَ ذلك إلى النبيّ - ﷺ -، وهذا كفرٌ وردَّة عن الدِّين.
وفي "صحيح مسلم" (^١) أن النبيَّ - ﷺ - أمر عليًا بقتل القبطي الذي كان يدخل على أمِّ ولده مارية، وكان الناسُ يتحدثون بذلك، فلما وجده عليٌّ مجبوبًا تركه. وقد حمله بعضُهم على أن القبطى لم يكن أسلمَ بعدُ، وأن المعاهَدَ إذا فعل ما يُؤذي المسلمين، انتقض عهدُه، فكيف إذا آذى النبيَّ - ﷺ -؟ وقال بعضهم: بل كان مسلمًا، ولكنه نُهي عن ذلك فلم ينته، حتَّى تكلَّم النَّاسُ بسببه في فراش النبيِّ - ﷺ -، وأذى النبيِّ - ﷺ - في فراشه مبيحٌ للدم، لكن لما ظهرت براءتُه بالعيان، تبئن للناسِ براءةُ مارية، فزال السببُ المبيح للقتل.
وقد رُوي عن الإمام أحمد أن النبيَّ - ﷺ - كان له أن يَقْتُلَ بغير هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود، وغَيْرُهُ ليس له ذلك، كأنه يُشير إلى أنَّه - ﷺ - كان له أن يُعَزِّرَ بالقتل إذا رأى ذلك مصلحة؛ لأنَّه - ﷺ - معصوم من التعدِّي والحَيْفِ، وأما غيرُه، فليس له ذلك؛ لأنَّه غير مأمون عليه التعدِّي بالهوى. قال أبو داود (^٢): سمعتُ أحمد سُئِلَ عن حديث أبي بكر ما كانت لأحدٍ بعد النبيّ
_________________
(١) = "الكامل" ٤/ ١٣٧١ - ١٣٧٢، ومن طريقه ابن الجوزي في مقدمة "الموضوعات" ١/ ٥٥ - ٥٦، وفيه صالح بن حيان القرشي، وهو ضعيف. ورواه ابن الجوزي ١/ ٥٦ من حديث عبد الله بن الزبير، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٤٥: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه عطاء بن السائب، عن رجل من أسلم من أصحاب النبي - ﷺ - عند الطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: وفيه أبو حمزة الثمالي، وهو ضعيف.
(٢) رقم (٢٧٧١).
(٣) في "السنن" ٤/ ٥٣١، و"مسائل الإمام أحمد" ص ٢٢٦ - ٢٢٧.
[ ١ / ٣٣٠ ]
- ﷺ - قال: لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلا بإحدى ثلاثٍ، والنبيُّ - ﷺ - كان له ذلك أن يقتل، وحديث أبي بكر المشار إليه هو أن رجلًا كلم أبا بكر فأغلظ له، فقال له أبو برزة: ألا أقتلُه يا خليفةَ رسولِ الله؟ فقال أبو بكر: ما كانت لأحدٍ بعدَ النبيِّ - ﷺ - (^١)
وعلى هذا يتخرَّجُ حديثُ الأمرِ بقتل هذا القبطي، ويتخرَّج عليه أيضًا حديثُ الأمر بقتل السارق إن كان صحيحًا، فإنَّ فيه أنَّ النبيَّ - ﷺ - أمر بقتله في أوَّلِ مرةٍ، فراجعوه فيه فقطعه، ثم فعل ذلك أربع مرات وهو يأمر بقتله، فيُراجع فيه، فيُقطع حتَّى قُطِعت أطرافُه الأربع، ثمَّ قتل في الخامسة، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ٩ وأبو داود (٤٣٦٣)، والنسائي ٧/ ١١٠، وهو صحيح.
[ ١ / ٣٣١ ]