عَنْ أبي يَعْلَى شَدَّاد بنِ أوس عَنْ رسولِ الله - ﷺ - قال: "إنَّ الله كتَبَ الإحسانَ على كُلِّ شيءٍ، فإذَا قَتَلْتُم فَأحْسِنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحْتُم فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وليُرِحْ ذَبِيحَتَهُ". رواهُ مُسلم (^١).
هذا الحديث خرَّجه مسلم دونَ البخاري من رواية أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني عن شدَّادِ بنِ أوس، وتركه البخاري؛ لأنَّه لم يخرِّج في "صحيحه" لأبي الأشعث شيئًا وهو شامي ثقة. وقد روي نَحوُهُ مِنْ حديث سَمُرَةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ الله ﷿ محسِنٌ فأحسنوا، فإذا قَتَلَ أحدكُم، فليُكْرِم مقتولَه، وإذا ذبح، فليحدَّ شفرته، وليُرِحْ ذبيحته" خرَّجه ابن عدي (^٢).
وخرَّج الطبراني من حديث أنس، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إذا حكمتُمْ فاعْدِلُوا، وإذا قَتَلتُم فأحْسِنُوا، فإن الله مُحْسِن يُحِبُّ المحسنين" (^٣).
_________________
(١) رقم (١٩٥٥)، ورواه أحمد ٤/ ١٢٣ و١٢٤ و١٢٥، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي ٧/ ٢٢٧، وابن ماجه (٣١٧٠)، والدارمي ٢/ ٨٢، وابن أبي شيبة ٩/ ٤٢١، وابن الجارود في "المنتقى" (٨٣٩) و(٨٩٩)، والطيالسي (١١١٩)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ١٨٤ - ١٨٥، والبيهقي ٨/ ٦٠.
(٢) في "الكامل" ٦/ ٢٤١٩، وسنده ضعيف، ويشهد له حديث شداد بن أوس المتقدم.
(٣) أورده الهيثمي في "المجمع" ٥/ ١٩٧ عن الطبراني، وقال: ورجاله ثقات. ورواه ابن أبي عاصم في "الديات" ص ٩٤ عن عثمان بن طالوت، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" ٢/ ١١٣ من طريق سليمان بن داود المِنْقري، وابن عدي في "الكامل" ٦/ ٢١٤٥، ثلاثتهم عن محمد بن بلال، عن عمران بن داور القطان، عن قتادة، عن=
[ ١ / ٣٧٩ ]
فقولُه - ﷺ -: "إنَّ الله كتب الإحسانَ على كُلِّ شيء" وفي رواية لأبي إسحاق الفزاري (^١) في كتاب "السير" عن خالدٍ، عن أبي قلابة، عن النبيِّ - ﷺ -: "إنَّ الله كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ" أو قال: "على كُلِّ خلقٍ" هكذا خرَّجها مرسلةً، وبالشكِّ في "كُلِّ شيءٍ" أو "كلِّ خلق"، وظاهرُهُ يقتضي أنه كتب على كلِّ مخلوق الإحسان، فيكون كُلُّ شيءٍ أو كُلُّ مخلوق هو المكتوبَ عليه، والمكتوب هو الإحسانُ.
وقيل: إن المعنى: إن الله كتب الإحسانَ إلى كلِّ شيء، أو في كلِّ شيء، أو كتب الإحسانَ في الولاية على كُلِّ شيءٍ، فيكون المكتوبُ عليه غيرَ مذكور، وإنما المذكورُ المحسن إليه.
ولفظ "الكتابة" يقتضي الوجوب عندَ أكثرِ الفقهاء والأصوليين خلافًا لبعضهم، وإنما استعمالُ لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتمٌ إمَّا شرعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، أو فيما هو واقع قدرًا لا محالة، كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي
_________________
(١) = أنس بن مالك، وهذا سند قابل للتحسين.
(٢) هو الإمام الكبير الحافظ المجاهد أبو إسحاق ابراهيمُ بن محمد بن الحارث الفزاري المتوفى سنة ١٨٦ هـ. وكتابه "السير" في المغازي والجهاد وما يمت إليهما بسبب، قال فيه الإمام الشافعي ﵀: لم يصنِّف أحد مثلَ كتاب أبي إسحاق الفزاري. وقال الإمام ابن تيمية: وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد، فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم، ولهذا عظَّم الناسُ كتاب أبي إسحاق الفزاري الذي صنفه في ذلك، وقد قامت مؤسسة الرسالة بنشر القطعة الموجودة منه بتحقيق د. فاروق=
[ ١ / ٣٨٠ ]
قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال النبيُّ - ﷺ - في قيام شهر رمضانَ: "إنِّي خشيتُ أن يُكْتَبَ عَلَيكُمْ" (^١) وقال: "أُمِرْتُ بالسِّواكِ حتى خشيتُ أن يُكتَبَ عليَّ" (^٢)، وقال: "كُتِبَ على ابنِ آدمَ حظُّه من الزِّنى، فهو مُدرِكٌ ذلك لا محالة" (^٣).
وحينئذ فهذا الحديث نصٌّ في وجوب الإحسان، وقد أمر الله تعالى به، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وهذا الأمرُ بالإحسانِ تارةً يكونُ للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصِّلَةُ والإحسانُ إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه على ما سبق ذكره.
وتارةً يكونُ للندب كصدقةِ التطوعِ ونحوها.
وهذا الحديثُ يدلُّ على وجوب الإحسانِ في كل شيء من الأعمال، لكن إحسانُ كُلِّ شيء بحسبه، فالإحسانُ في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنةِ: الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدرُ من الإحسان فيها واجب، وأمَّا الإحسانُ فيها بإكمالِ مستحباتها فليس بواجب.
_________________
(١) = حمادة
(٢) رواه البخاري (٧٢٩) من حديث عائشة ورواه أحمد ٥/ ١٨٢ و١٨٤ و١٨٧، والبخاري (٧٢٩٠)، والنسائي ٣/ ١٩٨ من حديث زيد بن ثابت.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٤٩٠ من حديث واثلة بن الأسقع، وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
(٤) رواه البخاري (٦٣٤٣) و(٦٦١٢) ومسلم (٢٦٥٧) وأبو داو (٢١٥٢) عن ابن عباس قال: ما رأيتُ شيئًا أشبه باللمم مما قاله أبو هُريرة: أنَّ النبي - ﷺ - قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظَّه من الزِّنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظرُ، وزى اللسان النطقُ، والنفس تمنَّى وتشتهي، والفرج يُصدِّق ذلك أو يكذِّبه".
[ ١ / ٣٨١ ]
والِإحسانُ في ترك المحرَّمات: الانتهاءُ عنها، وتركُ ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]. فهذا القدرُ من الإحسان فيها واجب.
وأما الإِحسانُ في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تَسَخُّطٍ ولا جَزَع.
والإحسانُ الواجبُ في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيامُ بما أوجب الله من حقوق ذلك كلِّه، والِإحسانُ الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كُلِّها، والقدرُ الزائد على الواجب في ذلك كلِّه إحسانٌ ليس بواجب.
والإحسانُ في قتل ما يجوزُ قتلُه من الناس والدواب: إزهاقُ نفسه على أسرعِ الوجوه وأسهلِها وأوحاها من غير زيادةٍ في التعذيب، فإنه إيلامٌ لا حاجة إليه. وهذا النوعُ هو الذي ذكره النبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيلِ المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: "إذا قتلتُم فأحسِنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة" والقِتلة والذِّبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل. وهذا يدلّ على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يُباحُ ازهاقُها على أسهلِ الوجوه. وقد حكى ابنُ حَزمٍ الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة، وأسهلُ وجوه قتل الأدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حقِّ الكفار: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، وقال تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]. وقد قيل: إنه عين الموضع الذي يكونُ الضربُ فيه أسهلَ على المقتول وهو فوقَ العظام دونَ الدماغ، ووصى دريدُ بنُ الصِّمة قاتله أن يَقتُلَهُ كذلك (^١).
_________________
(١) هو دُريد بن الصِّمة الجُشَميّ البكري، شاعر فحل شجاع، كان سيِّد بني جشم وفارسهم=
[ ١ / ٣٨٢ ]
وكان النبيُّ - ﷺ - إذا بعث سريةً تغزو في سبيل الله قال لهم: "لا تُمَثِّلُوا ولا تقتلوا وليدًا" (^١).
وخرَّج أبو داود، وابن ماجه من حديثِ ابنِ مسعود، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "اعَفُّ الناسِ قِتلةً أهلُ الإيمانِ" (^٢).
وخرَّج أحمد وأبو داود من حديث عمران بن حُصينٍ وسَمُرَةُ بن جُندبٍ أن النبيَّ - ﷺ - كان ينهى عن المُثْلةِ (^٣).
_________________
(١) = وقائدهم، وكان مظفرًا ميمون النقيبة، غزا نحو مئة غزاة، وما أخفق في واحدة منها، وأدرك الإسلام ولم يُسلم، وخرج مع قومه يوم حنين مظاهرًا للمشركين، ولا فضل فيه للحرب، وإنما أخرجوه تيمنًا به، وليقتبسوا من رأيه، فقتل على شِركه. انظر "خزانة الأدب" ١١/ ١١٨ - ١٢١.
(٢) قطعة من حديث مطول رواه مسلم في "صحيحه" (١٧٣١) من حديث بريدة.
(٣) حسن، رواه أبو داود (٢٦٦٦) وابن ماجه (٢٦٨١) و(٢٦٨٢) وأحمد ١/ ٣٩٣ من حديث ابن مسعود، وابن أبي شيبة ٩/ ٤٢٠ وابن الجارود (٨٤٠) وابن أبي عاصم في "الديات" ص ٩٤، والبيهقي ٨/ ٦١، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ١٨٣، وابن حبان (٥٩٩٤). وقوله: "أعفُّ الناس قِتلةً أهلُ الإيمان" قال المناوي: هم أرحمُ الناس بخلق الله، وأشدهم تحريًا عن التمثيل والتشويه بالمقتول وإطالة تعذيبه إجلالًا لخالقهم، وامتثالًا لما صدر عن صدر النبوة من قوله: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" بخلاف أهل الكفر وبعض أهل الفسوق ممن لم تذق قلوبهم حلاوة الإيمان، واكتفوا من مُسمَّاه بلقلقة اللسان، وأُشربوا القسوة حتى أبعدوا عن الرحمن، وأبعدُ القلوب من الله القلب القاسي، ومن لا يرحم لا يُرحم.
(٤) رواه أحمد ٤/ ٤٣٩ و٤٤٠ و٤٤٥ و٤٦٠ و٥/ ١٢ وأبو داود (٢٦٦٧): حدّثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن الهيَّاج بن عمران أنَّ عمران أبق له كلام، فجعل الل عليه، لئن قدر عليه ليقطعن يده، فأرسلني=
[ ١ / ٣٨٣ ]
وخرَّجه البخاري من حديث عبد الله بن يزيد، عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه نَهى عن المُثلَةِ (^١).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديث يعلى بنِ مُرة عن النبيِّ - ﷺ -: "قال الله تعالى: "لا تُمَثِّلوا بعِبادي" (^٢).
وخرَّج أيضًا من حديث رجلٍ من الصحابة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من مَثَّلَ بذي روحٍ، ثم لم يَتُبْ مثَّلَ الله به يومَ القيامة" (^٣).
واعلم أن القتلَ المباحَ يقع على وجهين: أحدُهما أن يكون قصاصًا، فلا يجوزُ التمثيلُ فيه بالمقتص منه، بل يُقتَلُ كما قَتَلَ، فإن كان قد مَثَّلَ بالمقتولِ، فهل يُمثَّلُ به كما فعل أمْ لا يُقتل إلا بالسيف؟ فيه قولان مشهوران للعلماء: أحدُهما: أنه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، وهو قولُ مالك والشافعي وأحمد في المشهور
_________________
(١) = لأسال له، فأتيتُ سُمَرَة بن جُندب فسألته، فقال: كان نبي - ﷺ - يحثُّنا على الصَّدقة، وينهانا عن المُثْلة، فأتيت عِمران بن حصين فسألته، فقال: كان رسول الله - ﷺ - يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة. والمثلة: تعذيب المقتول بقطع أعضائه وتشويه خلقه قبل أن يقتل أو بعده، وذلك مثل أن يجدع أنفه أو أذنه، أو يفقأ عينه أو ما أشبه ذلك من أعضائه.
(٢) رواه البخاري (٢٤٧٤).
(٣) رواه أحمد ٤/ ١٧٣ عن عفان، عن وهيب، عن عطاء بن السائب عن يعلى بن مرة.
(٤) رواه أحمد ٢/ ٩٢ و١١٥ من طريق شريك، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - أُراه - ابنَ عمر … وفي سنده شريك، وهو سيء الحفظ. وذكره الهيثمي في "المجمع" في موضعين منه، فقال في الأول ٤/ ٣٢: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال في الثاني ٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠: رواه أحمد والطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر من غير شك، ورجال أحمد ثقات.
[ ١ / ٣٨٤ ]
عنه، وفي "الصحيحين" (^١) عن أنس قال: خرَجَتْ جاريةٌ عليها أوضاحٌ بالمدينة، فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى رسول الله - ﷺ - وبها رَمَقٌ، فقال لها رسول الله - ﷺ -: "فلانٌ قتلك؟ فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: "فلان قتلك؟ " فخفضت رأسها، فدعا به رسولُ الله - ﷺ -، فرضخ رأسه بَيْن الحَجَرَين. وفي رواية لهما: فَأُخِذَ فاعترفَ، وفي رواية لمسلم (^٢): أن رجلًا من اليهود قتلَ جاريةً من الأنصار على حليٍّ لها، ثم ألقاها في القَلِيب، ورضَخَ رأسَها بالحجارة، فأُخِذَ، فأتي به النبيَّ - ﷺ -، فأمر به أن يُرجَمَ حتى يموت، فرُجِمَ حتى ماتَ.
والقول الثاني: لا قَوَدَ إلَّا بالسيف، وهو قولُ الثوري، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد.
وعن أحمد رواية ثالثة: يُفعل به كما فعل إلا أن يكونَ حرَّقه بالنار أو مَثَّلَ به، فيُقْتَلُ بالسيف للنهي عن المُثلة وعن التحريق بالنار نقلها عنه الأثرمُ، وقد رُد عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا قَودَ إلَّا بالسيف" خرَّجه ابن ماجه (^٣) وإسناده
_________________
(١) البخاري (٦٨٧٧) ومسلم (١٦٧٢).
(٢) (١٦٧٢) (١٦).
(٣) ضعيف، هو في "سنن ابن ماجه" (٢٦٦٨)، ورواه الدارقطني ٣/ ١٠٥ - ١٠٦ والبيهقي ٨/ ٦٣ من حديث أبي بكرة. ورواه من حديث النعمان بن بشير الطيالسي (٨٠٢) وابن ماجه (٢٦٦٧) وابن أبي عاصم في "الديات" ص ٦٠، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ١٨٤، والدارقطني ٣/ ١٠٦ والبيهقي ٨/ ٦٢. ورواه عن عبد الله بن مسعود ابن أبي عاصم ص ٦٠، والدارقطني ٣/ ٨٨، والبيهقي ٨/ ٦٣. ورواه من حديث علي الدارقطني ٣/ ٨٨. =
[ ١ / ٣٨٥ ]
ضعيف، قال أحمد: يُروى "لا قَوَدَ إلَّا بالسيف" وليس إسناده بجيد، وحديث أنس، يعني: في قتل اليهودي بالحجارة أسندُ منه وأجودُ.
ولو مَثَّلَ به، ثم قتله مثلَ أن قطع أطرافَه، ثم قتله، فهل يُكتفى بقتله أم يُصنع به كما صنع، فَتُقْطع أطرافُه ثم يُقتل؟ على قولين: أحدهما: يُفعل به كما فعل سواء، وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق وغيرهم. والثاني: يُكتفى بقتله، وهو قولُ الثوري وأحمد في رواية وأبي يوسف ومحمد، وقال مالك: إن فعل ذلك به على سبيلِ التمثيلِ والتعذيب، فُعِلَ به كما فَعَلَ، وإن لم يكن على هذا الوجه اكتفي بقتله.
الوجه الثاني: أن يكون القتلُ للكفر، إما لكفر أصلي، أو لردَّة عن الإسلام، فأكثرُ العلماء على كراهة المُثلة فيه أيضًا، وأنَّه يُقتل فيه بالسيف، وقد رُوي عن طائفةٍ من السلف جوازُ التمثيل فيه بالتحريق بالنار وغير ذلك، كما فعله خالدُ بن الوليد (^١) وغيره.
_________________
(١) = وكل هذه الطرق ضعيفة لا يثبت واحد منها كما قال غير واحد من الأئمة، انظر "نصب الراية" ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢. ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٩/ ٣٥٤ عن عيسى بن يونس، عن أشعث بن عبد الملك وعمرو، عن الحسن مرسلًا.
(٢) قال ابن سعد في "الطبقات" ٧/ ٣٩٦: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت في بني سُليم ردة، فبعث أبو بكر، -﵁-، خالد بن الوليد، فجمع منهم رجالًا في حضائر، ثم أحرقهم بالنار، فجاء عمر إلى أبي بكر، - ﵁ -، فقال: انزِعْ رجلًا عذب بعذاب الله، فقال أبو بكر: لا والله لا أشيم سيفًا سله الله على الكفار حتى يكونَ هو الذي يشيمه، ثم أمره فمضى لوجهه من وجهه ذلك إلى مسيلمة. وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن عروة لم يدرك أبا بكر.
[ ١ / ٣٨٦ ]
ورُوي عن أبي بكر أنه حرَّق الفجاءة (^١) بالنَّار.
ورُوي أن أم قِرْفة الفزارية ارتدت في عهد أبي بكر الصديق، فأمر بها، فشدَّت ذوائِبُها في أذناب قَلُوصَيْنِ أو فرسين، ثم صاح بهما فتقطعت المرأة، وأسانيد هذه القصة منقطعة. وقد ذكر ابنُ سعد في "طبقاته" (^٢) بغير إسناد أن زيدَ بنَ حارثة قتلها هذه القتلة على عهد رسولِ الله - ﷺ -، وأخبر النبي - ﷺ - بذلك.
وصحَّ عن عليٍّ أنه حرَّق المرتدين، وأنكر ذلك ابنُ عباس عليه (^٣)، وقيل: إنه لم يُحرقهم، وإنما دَخَّنَ عليهم حتى ماتوا، وقيل: إنه قتلهم، ثم حَرَّقهُم، ولا يصحُّ ذلك. وروي عنه أنه جيء بمرتدٍّ، فأمر به فوطئ بالأرجل حتَّى مات.
واختار ابنُ عقيلٍ - من أصحابنا - جوازَ القتل بالتمثيل للكفر لا سيما إذا
_________________
(١) واسمه إياس بن عبد يا ليل السُّلمي، وكان من خبره كما في الطبري ٣/ ٢٦٤ أنه قدم على أبي بكر، فقال: أعنّي بسلاح، ومرني بمن شئت من أهل الردة. فأعطاه سلاحًا وأمره أمرَه، فخالف أمره إلى المسلمين، فخرج حتى ينزل بالجِواء، وبعث نجبة بن أبي الميثاء من بني الشريد، وأمره بالمسلمين، فشنها غارة على كل مسلم في سليم وعامر وهوازن، وبلغ ذلك أبا بكر، فأرسل إلى طريفة بن حاجز يأمره أن يجمع له، وأن يسير إليه، وبعث إليه عبد الله بن قيس الجاسي عونًا، ففعل، ثم نهضا إليه وطلباه، فجعل يلوذ منهما حتى لقياه على الجِواء، فاقتتلوا، فقُتل نجبة، وهرب الفجاءةُ، فلحقه طريفة فأسره. ثم بعث به إلى أبي بكر، فقدم به على أبي بكر، فأمر فأوقد له نارًا في مصلى المدينة على حطب كثير، ثم رمى به مقموطًا.
(٢) ٢/ ٩٠.
(٣) رواه البخاري (٣٠١٧) من حديث عكرمة أن عليًا -﵁- حرق قومًا، فبلغ ابن عباس، فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرقهم؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "لا تعذبوا بعذاب الله" ولَقَتلتُهم كما قال النبي - ﷺ -: "من بدل دينه فاقتلوه".
[ ١ / ٣٨٧ ]
تغلَّظ، وحمل النهي عن المُثلةِ على القتل بالقصاص، واستدلَّ من أجاز ذلك بحديثِ العُرنيين، وقد خرجاه في "الصحيحين" (^١) من حديث أنس: أن أناسًا من عُرينة قَدِمُوا على رسولِ الله - ﷺ - المدينة فاجْتَوَوْهَا، فقال لهم رسولُ الله - ﷺ -: "إن شئتم أن تَخرُجُوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ألبانها وأبوالها، فافعلوا" ففعلوا فصحُّوا، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم، وارتدّوا عن الِإسلام، وساقوا ذَودَ رسولِ الله - ﷺ -، فبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ -. فبعث في أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعينَهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا، وفي رواية: ثم نُبِذُوا في الشمس حتى ماتوا، وفي رواية: وسمرت أعينُهم، وألقوا في الحرَّةِ يَستَسقون فلا يسقون، وفي رواية للترمذي: قطع أيديَهم وأرجلهم من خلافٍ، وفي رواية للنسائي: وصَلَبَهُم.
وقد اختلف العلماء في وجه عقوبة هؤلاء. فمنهم من قال: من فعل مِثلَ فعلهم فارتدَّ، وحارب، وأخذ المالَ، صنع به كما صنع بهؤلاء، وروي هذا عن طائفة، منهم أبو قِلابة، وهو روايةٌ عن أحمد.
ومنهم مَنْ قال: بل هذا يدلُّ على جواز التمثيل بمن تغلَّظَتْ جرائمُهُ في الجملة، وإنما نهي عن التمثيل في القصاص، وهو قول ابن عقيل من أصحابنا.
ومنهم من قال: بل نسخ ما فعل بالعرنيين بالنهي عن المُثلةِ.
ومنهم من قال: كان قبلَ نزولِ الحدودِ وآيةِ المحاربة، ثم نُسخ بذلك، وهذا قولُ جماعة منهم الأوزاعي وأبو عُبيد.
ومنهم من قال: بل ما فعله النبيُّ - ﷺ - بهم إنما كان بآية المحاربة، ولم ينسخ
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٣٣ و(٣٠١٨) و(١٤٦١٠ و(٦٨٩٩) ومسلم (١٦٧١) (٩) و(١٠) و(١١) و(١٢) و(١٣) و(١٤).
[ ١ / ٣٨٨ ]
شيء من ذلك؛ وقالوا: إنما قتلهم النبيُّ - ﷺ -، وقَطَعَ أيديهم؛ لأنهم أخذوا المالَ؛ ومن أخذ المالَ وقَتَلَ، قُطِعَ وقُتِلَ، وصُلِبَ حتمًا؛ فَيُقتَلُ لِقتله ويُقطع لِأخذه المال يَدُه ورجلُه من خِلاف، ويُصلَبُ لجمعه بين الجنايتين وهما القتلُ وأخذُ المال، وهذا قول الحسن، ورواية عن أحمد.
وإنما سَمَلَ أعينهم؛ لأنهم سملوا أعينَ الرعاة كذا خرَّجه مسلم من حديثِ أنس، وذكر ابنُ شهابٍ أنهم قتلوا الراعي، ومَثَّلوا به، وذكر ابن سعد أنهم قطعوا يدَه ورجله، وغرسوا الشوكَ في لسانه وعينيه حتى مات، وحينئذ، فقد يكونُ قطعُهم، وسملُ أعينهم، وتعطيشُهم قصاصًا، وهذا يتخرَّجُ على قول مَنْ يقولُ: إن المحاربَ إذا جنى جنايةً توجبُ القصاصَ استُوفيت منه قبل قتله، وهو مذهب أحمد. لكن هل يستوفى منه تحتمًا كقتله أم على وجه القصاص، فيسقط بعفو الولي؟ على روايتين عنه، ولكن رواية الترمذي أن قطعَهُم من خلاف يدلُّ على أن قطعهم للمحاربة إلا أن يكونوا قد قطعوا يدَ الراعي ورجلَه من خلاف والله أعلم.
وقد رُوي عن النبيِّ - ﷺ - أنه كان أَذِنَ في التحريق بالنار، ثم نهى عنه كما في "صحيح البخاري" (^١) عن أبي هريرة قال: بعثنا رسولُ اللُه - ﷺ - في بعث فقال: "إن وَجَدتُم فلانًا وفلانًا - لرجلين من قريشٍ - فأحرقوهما بالنار" ثمَّ قال رسولُ الله - ﷺ - حين أردنا الخروجَ: "إني كنتُ أمرتُكم أن تحرِقوا فلانًا وفُلانًا بالنار، وإن النارَ لا يُعذِّبُ بها إلا اللُه، فإن وجدتموهما فاقتلوهما".
وفيه (^٢) أيضًا عن ابن عبَّاسٍ أن النبيَّ - ﷺ - قال: "لا تُعذِّبُوا بعذاب الله ﷿".
_________________
(١) رقم (٣٠١٦).
(٢) رقم (٣٠١٧).
[ ١ / ٣٨٩ ]
وخرَّج الِإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابنِ مسعودٍ قال: كُنَّا مع النبيِّ - ﷺ -، فمَرَرنا بقريةِ نملٍ قد أُحرقَت، فغَضِب النبيُّ - ﷺ - وقال: "إنَّه لا ينبغي لِبشرٍ أن يعذِّبَ بعذاب الله ﷿" (^١).
وقد حرَّقَ خالدٌ جماعة في الرِّدة، وروي عن طائفة من الصحابة تحريقُ من عَمِلَ عمل قوم لوطٍ، ورُوي عن على أنه أشار على أبي بكر أن يقتلَه ثم يحرقه بالنار، واستحسَن ذلك إسحاق بن راهويه لئلا يكون تعذيبًا بالنار.
وفي "مسند الِإمام أحمد" (^٢) أن عليًا لما ضربه ابنُ مُلجم قال: افعلوا به كما أرادَ رسولُ الله - ﷺ - أن يفعلَ برجل أراد قتلَه، قال: "اقتلوه ثم حرِّقوه".
وأكثرُ العلماء على كراهةِ التحريق بالنار حتى للهوام، وقال إبراهيم النخعيُّ: تحريقُ العقرب بالنار مُثلةٌ. ونهت أمُّ الدرداء عن تحريق البرغوث بالنار. وقال أحمد: لا يُشوى السمكُ في النار وهو حيٌّ، وقال: الجرادُ أهونُ، لأنَّه لا دم له.
وقد ثبت عن النبيِّ - ﷺ - أنه نهى عن صَبرِ البهائم، وهو: أن تحبس البهيمة ثم تُضرب بالنبل ونحوه حتى تموتَ. ففي "الصحيحين" (^٣) عن أنس أن النبيَّ - ﷺ - نهى أن تُصبر البهائم.
وفيهما (^٤) أيضًا عن ابن عمر: أنه مرَّ بقومٍ نصبوا دجاجةً يرمونها، فقال ابنُ عمر: من فعل هذا؟ إن رسول الله - ﷺ - لعن من فعل هذا.
_________________
(١) صحيح، رواه أحمد ١/ ٤٢٣، وأبو داود (٢٦٧٥) و(٥٢٦٨) والنسائي في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" ٧/ ٧٧.
(٢) ١/ ٩٢ - ٩٣، وسنده ضعيف.
(٣) البخاري (٥٥١٣) ومسلم (١٩٥٦).
(٤) البخاري (٥٥١٤) ومسلم (١٩٥٨).
[ ١ / ٣٩٠ ]
وخرَّج مسلم (^١) من حديث ابنِ عباس، عن النبيِّ - ﷺ -: أنه نهى أن يُتخذ شيء فيه الروح غرضًا، والغرض: هو الذي يرمى فيه بالسهام.
وفي "مسند الِإمام أحمد" (^٢) عن أبي هُريرة أنَّ النبيَّ - ﷺ - نهى عن الرَّمِيَّةِ: أن ترمى الدابة ثم تُؤكلُ "ولكن تذبح، ثم ليرموا إن شاؤوا". وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.
فلهذا أمر النبيُّ - ﷺ - بإحسانِ القتلِ والذبح، وأمر أن تُحَدَّ الشفرةُ، وأن تُراح الذبيحة، يشير إلى أن الذبح بالآلة الحادة يُرِيحُ الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها.
وخرَّج الِإمام أحمد، وابنُ ماجه من حديث ابنِ عمر، قال: أمر رسولُ الله - ﷺ - بحَدِّ الشفارِ، وأن تُوارى عن البهائم، وقال: "إذا ذَبَحَ أحدُكُم، فليُجْهِزْ" (^٣) يعني: فليسرع الذبح.
وقد ورد الأمر بالرفق بالذبيحة عندَ ذبحها. وخرَّج ابنُ ماجه (^٤) من حديث أبي سعيد الخدري قال: مر رسولُ الله - ﷺ - برجل وهو يجرُّ شاة بأذنها، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "دع أُذنَها وخُذْ بِسالِفَتِها" والسالفة: مقدَّمُ العنق.
وخرَّج الخلالُ والطبرانيُّ (^٥) من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: مرَّ رسولُ الله - ﷺ - برجل واضع رجلَه على صفحة شاةٍ وهو يحدُّ شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: "أفلا قبْلَ هذا؟ تريدُ أن تُميتها موتات؟ ". وقد روي عن عكرمة
_________________
(١) رقم (١٩٥٧).
(٢) ٢/ ٤٠٢ وسنده قوي.
(٣) رواه أحمد ٢/ ١٠٨، وابن ماجه (٣١٧٢) وسند أحمد قوي؛ فإن راويه عنده عن ابن لهيعة قتيبة بن سعيد، وهو قوي فيه كما في "السير" ٨/ ١٧.
(٤) رقم (٣١٧١)، وفي سنده موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، وهو ضعيف.
(٥) رقم (١١٩١٦) ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في "المجمع" ٤/ ٣٣.
[ ١ / ٣٩١ ]
مرسلًا خرجه عبدُ الرزاق (^١) وغيره، وفيه زيادة: "هلَّا حددت شفرتك قبل أن تُضْجِعَها".
وقال الِإمام أحمد: تُقاد إلى الذبح قودًا رفيقًا، وتوارى السكينُ عنها، ولا تُظهر السكين إلا عندَ الذبح، أمر رسول الله - ﷺ - بذلك أن تُوارى الشفار. وقال: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنها تعرف ربها، وتعرف أنها تموت. وقال: يُروى عن ابن سابط أنه قال: إن البهائم جُبِلَتْ على كلِّ شيءٍ إلا على أنها تعرف ربها، وتخاف الموتَ.
وقد وردَ الأمرُ بقطع الأوداج عندَ الذبح، كما خرَّجه أبو داود من حديث عِكرمة، عن ابن عباس، وأبي هريرة عن النبيّ - ﷺ - أنَّه نهى عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد، ولا تفري الأوداج، وخرجه ابن حبان في "صحيحه" (^٢) وعنده قال عكرمة: كانوا يقطعون منها الشيء اليسيرَ، ثم يدعونها حتى تموتَ، ولا يقطعون الودجَ، فنهى عن ذلك.
وروى عبدُ الرزاق في كتابه (^٣) عن محمد بن راشدٍ، عن الوضين بنِ عطاء، قال: إن جزَّارًا فتح بابًا على شاةٍ ليذبحها فانفلتت منه حتَّى جاءت النبيَّ - ﷺ -، فاتبعها، فأخذ يَسْحَبُها برجلها، فقال لها النبيُّ - ﷺ -: "اصبري لأمرِ الله، وأنتَ يا جزَّارُ فسُقْها إلى الموتِ سَوقًا رفيقًا".
وبإسناده (^٤) عن ابن سيرين أن عُمَرَ رأى رجلًا يسحب شاةً برجلها ليذبحها،
_________________
(١) في "المصنف" (٨٦٠٨) عن معمر، عن عاصم، عن عكرمة. ورواه الحاكم ٤/ ٢٣٣ من طريق حماد بن زيد، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: عكرمة من رجال البخاري.
(٢) رقم (٥٨٨٨) وهو حديث ضعيف. انظر تخريجه فيه.
(٣) "المصنف" (٨٦٠٩).
(٤) "المصنف" (٨٦٠٥).
[ ١ / ٣٩٢ ]
فقال له: وَيْلَكَ قُدْها إلى الموت قودًا جميلًا.
وروى محمدُ بنُ زيادٍ أن ابن عمر رأى قصَّابًا يجُرُّ شاةً، فقال: سُقها إلى الموت سوقًا جميلًا، فأخرج القصابُ شفرته، فقال: ما أسوقها سوقًا جميلًا وأنا أريد أن أذبحها الساعة، فقال: سقها سوقًا جميلًا.
وفي "مسند الإمام أحمد" (^١) عن معاوية بن قُرة، عن أبيه: أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: يا رسولَ اللهِ إني لأذبحُ الشاةَ وأنا أرحَمها، فقال النبيُّ - ﷺ -: "والشاة إن رحمتها رَحِمَكَ الله".
وقال مطرف بنُ عبد الله: إن الله ليرحم برحمة العصفور.
وقال نوفٌ البكالي: إن رجلًا ذبح عِجَّوْلًا (^٢) بين يدي أمه، فخُبِّلَ، فبينا هو تحتَ شجرة فيها وكْر فيه فَرْخٌ، فوقع الفرخُ إلى الأرض، فرحمه فأعاده في مكانه، فردَّ الله إليه قوَّته.
وقد رُوي من غير وجه عن النبيّ - ﷺ -: أنه نهى أن تُولَّه والدة عن ولدها، وهو عام في بني آدم وغيرهم.
وفي سنن أبي داود (^٣): أن النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن الفَرَع، فقال: "هو حَقٌّ وأن تتركوه حتى يكون بكرًا ابنَ مخاض، أو ابنَ لَبُون، فتُعطيهَ أرملة، أو تحمل عليه في سبيل الله خيرٌ من أن تَذْبَحَهُ فيلصقَ لحمُه بوبره، وتُكفئ إناءَك وتُولّه ناقتك ".
_________________
(١) ٥/ ٣٤، وإسناده صحيح.
(٢) هو ولد البقرة، يقال: عِجْلٌ وعجَّوْل.
(٣) رقم (٦٨٤٢) وهو في "المسند" ٢/ ١٨٢ - ١٨٣، وسنده حسن، وابن المخاض من الإبل: ما دخل في السنة الثانية من عمره، وابن اللبون منها: ما أتى عليه سنتان ودخل في الثالثة، وتكفئ إناءك: أي تكب إناءك لأنَّه لا يبقى لك لبن تحلبه فيه، "وتُولِّه ناقتك" من الوله وهو الحزن، أي: تفجعها بولدها، وكل أنثى فارقت ولدها فهي والِه.
[ ١ / ٣٩٣ ]
والمعنى: أن ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عند ولادته لم يُنتفع بلحمه، وتضرَّر صاحبُه بانقطاع لبنِ ناقته، فتُكفِئ إناءه وهُوَ المِحْلَبُ الذي تُحلَب فيه الناقة، وقولَه الناقة على ولدها بفقدها إيَّاه.
[ ١ / ٣٩٤ ]