عَنِ المِقدامِ بن مَعدِ يَكرِبَ قالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللّهِ - ﷺ - يَقولُ: "ما مَلأ آدميُّ وِعاءً شَرًّا مَنْ بَطْنٍ، بحَسْبِ ابن آدمَ أَكَلاتٌ يُقِمْنَ صُلبَهُ، فإنْ كانَ لا مَحالَةَ، فَثُلثٌ لِطعامِهِ، وثلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفسه" رواهُ الإمامُ أحمَدُ والتِّرمِذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ، وقَالَ التِّرمِذيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (^١).
هذا الحديثُ خرَّجه الإمام أحمد والترمذي من حديث يحيى بن جابر الطائي عن المقدام، وخرجه النسائي من هذا الوجه ومن وجه آخر من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جدِّه، وخرّجه ابنُ ماجه من وجه آخر عنه وله طرق أخرى.
وقد رُوي هذا الحديث مع ذكر سببه، فروى أبو القاسم البغوي في "معجمه" من حديث عبد الرحمن بن المُرَقَّع، قال: فتح رسولُ الله - ﷺ - خيبر وهي مخضرةٌ من الفواكه، فواقع الناسُ الفاكهةَ، فمغثتهمُ الحُمَّى، فشَكَوْا إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّما الحمى رائدُ الموت وسجنُ الله في
_________________
(١) رواه أحمد ٤/ ١٣٢، والترمذي (٢٣٨٠)، وابن ماجه (٣٣٤٩)، والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" ٨/ ٥٠٩ و٥١٢، ورواه أيضًا ابن المبارك في "الزهد" (٦٠٣)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٦٤٤) و(٦٤٦)، والقضاعي في "الشهاب" (١٣٤٠) و(١٣٤١)، وصححه ابن حبان (٥٢٣٦)، والحاكم ٤/ ١٢١ و٣٣١ - ٣٣٢، ووافقه الذهبي، وفي المطبوع من "سنن الترمذي" قال: حسن صحيح، وكذا هو في "عارضة الأحوذي" لأبي بكر بن العربي و"تحفة الأحوذي" للمباركفوري. وفي "تحفة الأشراف" للحافظ المزي: قال: حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
الأرض، وهي قطعةٌ من النار، فإذا أخذتكم فبرِّدوا الماء في الشِّنان، فصبُّوها عليكم بين الصَّلاتين" يعني المغرب والعشاء، قال: ففعلوا ذلك، فذهبت عنهم، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "لم يخلُقِ الله وعاءً إذا مُلِئَ شرًا من بطن، فإن كان لا بدَّ، فاجعلوا ثُلُثًا للطَّعام، وثُلثًا للشَّراب، وثُلثًا للرِّيح" (^١).
وهذا الحديثُ أصلٌ جامعٌ لأصول الطب كُلِّها. وقد رُوي أن ابنَ ماسويه الطبيبَ لمَّا قرأ هذا الحديث في "كتاب" أبي خيثمة، قال: لو استعملَ الناسُ هذه الكلمات، سَلِموا مِنَ الأمراض والأسقام، ولتعطَّلت المارستانات ودكاكين الصيادلة، وإنَّما قال هذا؛ لأنَّ أصل كلِّ داء التُّخَم، كما قال بعضهم: أصلُ كُلِّ داء البَرَدةُ (^٢)، وروي مرفوعًا ولا يصحُّ رفعه (^٣).
وقال الحارث بن كَلَدَة طبيبُ العرب: الحِمية رأسُ الدواء، والبِطنةُ رأسُ
_________________
(١) ورواه الطبراني في "الكبير" والبيهقي في "دلائل النبوة" ٦/ ١٦٠ - ١٦١، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٥٩) من طريق المُحبَّرِ بن هارون، عن أبي يزيد المقرئ، عن عبد الرحمن بن المرقع، والمحبر بن هارون مجهول. وللقسم الأول من الحديث شاهد من حديث الحسن البصري مرسلًا، رواه هناد في "الزهد" (٤٧)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٥٨)، وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات"، والبيهقي في "الشعب" كما في "الجامع الصغير" للسيوطي.
(٢) البَرَدةُ: هي التخمة. قال الخطابي في "إصلاح غلط المحدثين" ص ٧٠: وأصحاب الحديث يقولون: "البَرْد" وهو غلط.
(٣) رواه ابن حبان في "المجروحين" ١/ ٢٠٤، وابن عدي في "الكامل" ٢/ ٥١٣، والعقيلي في "الضعفاء" ١/ ١٦٩، والدارقطني في "العلل" من حديث أنس مرفوعًا، وفيه تمام بن نجيح، وهو ضعيف جدًّا، وقال الخطابي في "إصلاح غلط المحدثين": هو من قول عبد الله بن مسعود، وقال الدارقطني: الأشبه بالصواب أنه من قول الحسن البصري.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
الداء، ورفعه بعضهم ولا يصحُّ أيضًا (^١).
وقال الحارث أيضًا: الذي قتل البرية، وأهلك السباعَ في البرية، إدخالُ الطعام على الطعام قبل الانهضام.
وقال غيره: لو قيل لأهل القبور: ما كان سببُ آجالكم؟ قالوا: التُّخَمُ.
فهذا بعض منافع تقليلِ الغذاء، وتركِ التَّمَلِّي من الطَّعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته.
وأما منافِعُه بالنسبة إلى القلب وصلاحه، فإن قلةَ الغذاء توجب رِقَّة القلب، وقوَّة الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب، وكثرةُ الغذاء توجب ضدَّ ذلك.
قال الحسن: يا ابنَ آدم كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثٍ، ودع ثُلُثَ بطنك يتنفَّس لتتفكر.
وقال المروذي: جعل أبو عبد الله: يعني أحمدَ يُعظِّمُ أمر الجوع والفقر، فقلت له: يُؤجر الرجل في ترك الشهوات، فقال: وكيف لا يؤجر، وابنُ عمر يقول: ما شبعت منذ أربعة أشهر؟ قلت لأبي عبد الله: يجد الرجلُ مِنْ قلبه رقَّة وهو يشبع؟ قال: ما أرى.
وروى المروذي عن أبي عبد الله قول ابن عمر هذا من وجوه، فروى بإسناده عن ابن سيرين، قال: قال رجل لابن عمر: ألا أجيئك بجوارش؟ قال:
_________________
(١) قال الحافظان: العراقي والسخاوي: لا أصل له مرفوعًا، وقال الإمام ابن القيم في "زاد المعاد" ٤/ ١٠٤: وأما الحديث الدائر على ألسنة كثير من الناس: "الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء" و"عوّدوا كل جسم ما اعتاد" فهذا الحديث إنما هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، ولا يصح رفعه إلى النبي - ﷺ -، قاله غير واحد من أئمة الحديث.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
وأيُّ شيء هو؟ قال: شيءٌ يَهضِمُ الطعامَ إذا أكلته، قال: ما شبعتُ منذ أربعةِ أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركت أقوامًا يجوعون أكثرَ مما يشبعون (^١).
وبإسناده عن نافع، قال: جاء رجل بجوارش إلى ابن عمر، فقال: ما هذا؟ قال: جوارش: شيءٌ يُهضَمُ به الطعامُ، قال: ما أصنع به؟ إنِّي ليأتي عليَّ الشهرُ ما أشبع فيه من الطعام (^٢).
وبإسناده عن رجلٍ قال: قلتُ لابنِ عمر: يا أبا عبد إلرحمن رَقَّتْ مضغتك، وكَبرَ سِنُّك، وجلساؤك لا يعرفون لك حَقَّك ولا شَرَفَك، فلو أمرتَ أهلك أن يجَعلوا لك شيئًا يلطفونك إذا رجعتَ إليهم، قال: وَيْحَكَ، واللهِ ما شبعتُ منذ إحدى عشرة سنة، ولا اثنتي عشرة سنة، ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة سنة مرَّة واحدة، فكيف بي وإنَّما بقي مني كظِمْءِ الحمار (^٣).
وبإسناده عن عمرو بن الأسود العنسي أنَّه كان يدعُ كثيرًا من الشبع مخافة الأشر (^٤).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الجوع" بإسناده عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: ما شبعتُ منذُ أسلمت (^٥).
_________________
(١) ورواه أحمد في "الزهد" ص ١٨٩.
(٢) ورواه أحمد في "الزهد" ص ١٩١ بنحوه.
(٣) رواه أحمد في "الزهد" ص ١٩٤، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٩٩، وقوله: "كظمء حمار" قال في "اللسان": أي لم يبق من عمره إلا اليسير، يقال: إنه ليس من الدواب أقصر ظمأ من الحمار، وهو أقل الدواب صبرًا عن العطش، يرد الماء كل يوم في الصيف مرتين.
(٤) ورواه أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ١٥٦.
(٥) ورواه الطبراني في "الكبير" (١٣٠٤٤)، وعنه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٩٩.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
وروى بإسناده عن محمد بنِ واسع، قال: مَنْ قلَّ طُعْمُه، فهم، وأفهم، وصفا، ورقَّ، وإنَّ كَثرةَ الطعام ليُثقل صاحبه عن كثير مما يُريد (^١).
وعن أبي عبيدة الخَوَّاص، قال: حَتْفُكَ في شبعك، وحَظُّك في جوعك، إذا أنت شبعتَ ثقلتَ، فنِمْتَ، استمكن منك العدوُّ، فجثم عليك، وإذا أنت تجوَّعت كنت للعدو بمرصد.
وعن عمرو بن قيس، قال: إيَّاكُمْ والبِطنة فإنَّها تُقسِّي القلب (^٢).
وعن سلمة بنِ سعيد قال: إن كان الرجلُ لَيُعَيَّر بالبطنة كما يُعير بالذنب يَعمَلُهُ.
وعن بعض العلماء قال: إذا كنت بطينًا، فاعدد نفسك زمنًا حتى تخمص.
وعن ابن الأعرابي قال: كانت العربُ تقول: ما بات رجل بطينًا فتمَّ عزمُه.
وعن أبى سليمان الداراني قال: إذا أردتَ حاجةً من حَوائجِ الدُّنيا والآخرة، فلا تأكل حتَّى تقضيها، فإن الأكلَ يُغير العقل.
وعن مالك بن دينار قال: ما ينبغي للمؤمن أن يكونَ بطنه أكبرَ همه، وأن تكونَ شهوته هي الغالبة عليه.
قال: وحدثني الحسنُ بن عبد الرحمن، قال: قال الحسن أو غيره: كانت بلية أبيكم آدم ﵇ أكلةً، وهي بليتُكم إلى يوم القيامة. قال: وكان يُقال: من ملك بطنه، ملك الأعمالَ الصالحة كلها، وكان يُقال: لا تَسكُنُ الحِكمةُ معدة ملأى.
_________________
(١) "الحلية" ٢/ ٣٥١.
(٢) وروى أبو نعيم في "الحلية" ٧/ ٣٦ و٧٨ مثله عن سفيان الثوري.
[ ٢ / ٤٧١ ]
وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان يُقال: قِلة الطعم عونٌ على التسرُّع إلى الخيرات.
وعن قثم العابد قال: كان يُقال: ما قلَّ طعمُ امرئٍ قطُّ إلا رقَّ قلبه، ونديت عيناه.
وعن عبد الله بن مرزوق قال: لم نَرَ للأشر مثل دوام الجوع، فقال له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: وما دوامه عندك؟ قال: دوامُه أن لا تشبع أبدًا. قال: وكيف يقدر من كان في الدنيا على هذا؟ قال: ما أيسرَ ذلك يا أبا عبد الرحمن على أهل ولايته ومن وفَّقه لطاعته، لا يأكل إلا دونَ الشبع هو دوامُ الجوع.
ويشبه هذا قول الحسن لما عرض الطعامَ على بعض أصحابه، فقال له: أكلتُ حتى لا أستطيع أن آكل، فقال الحسن: سبحان الله ويأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل؟! (^١).
وروى أيضًا بإسناده عن أبي عمران الجوني، قال: كان يقال: من أحبّ أن يُنوَّرَ له قلبُه، فليُقِلَّ طُعمَه.
وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إليَّ سفيان الثوري: إن أردت أن يصحَّ جسمك، ويَقِلَّ نومك، فأقلَّ من الأكل (^٢).
وعن ابن السماك قال: خلا رجل بأخيه، فقال: أي أخي، نحن أهونُ على الله من أن يُجيعنا، إنَّما يُجيع أولياءَه.
وعن عبد الله بن الفرج قال: قلت لأبي سعيد التميمي: الخائف يشبعُ؟
_________________
(١) رواه أحمد في "الزهد" ص ٢٦٨.
(٢) ورواه أبو نعيم في "الحلية" ٧/ ٧.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
قال: لا، قلت: المشتاق يشبع؟ قال: لا.
وعن رياح القيسي أنه قُرِّبَ إليه طعامٌ، فأكل منه، فقيل له: ازدد فما أراك شبعتَ، فصاح صيحة وقال: كيف أَشبَعُ أيامَ الدنيا وشجرةُ الزقوم طعامُ الأثيم بين يدي؟ فرفع الرجلُ الطعام من بين يديه، وقال: أنت في شيء ونحن في شيء (^١).
قال المروذي: قال لي رجل: كيف ذاك المتنعمُ؟ يعني أحمد، قلتُ له: وكيف هو متنعم؟ قال: أليس يجد خبزًا يأكل، وله امرأة يسكن إليه ويطؤها، فذكرتُ ذلك لأبي عبد الله، فقال: صدق، وجعل يسترجِعُ، وقال: إنا لنشبع.
وقال بشر بنُ الحارث: ما شبعت منذ خمسينَ سنة، وقال: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم مِن الحلال، لأنه إذا شبع من الحلال، دعته نفسُه إلى الحرام، فكيف من هذه الأقذار؟
وعن إبراهيم بن أدهم قال: من ضبط بطنه، ضبط دينَه، ومن ملك جُوعَه، ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله بعيدةٌ من الجائع، قريبةٌ من الشبعان، والشبعُ يميت القلبَ، ومنه يكونُ الفرحُ والمرح والضحك.
وقال ثابت البناني: بلغنا أنَّ إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ﵉، فرأى عليه معاليق من كلِّ شيءٍ، فقال له يحيى: يا إبليس، ما هذه المعاليقُ التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهواتُ التي أُصيبُ من بني آدم، قال: فهل لي فيها شيءٌ؟ قال: ربما شبعت، فثقَّلناك عن الصَّلاة وعن الذِّكر، قال: فهل غيرُ هذا؟ قال: لا، قال: لله عليَّ أن لا أملأ بطني من طعامَ أبدًا، قال: فقال إبليس: ولله عليَّ أن لا أنصحَ مسلمًا أبدًا (^٢).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٦/ ١٩٤.
(٢) "الحلية" ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وقال أبو سليمان الداراني: إن النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلبُ، وقال (^١): مفتاحُ الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، وأصلُ كلِّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله ﷿، وإن الله ليُعطي الدنيا من يُحبُّ ومن لا يُحبُّ، وإن الجوع عنده في خزائن مُدَّخَرة، فلا يُعطي إلا من أحبَّ خاصة، ولأن أدعَ من عشائي لقمةً أحبُّ إليَّ من أن آكلها ثم أقوم من أوَّل الليل إلى آخره.
وقال الحسن بن يحيى الخشني: من أراد أن تَغْزُرَ دموعه، ويرِقَّ قلبه، فليأكل، وليشرب في نصف بطنه، قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت بهذا أبا سليمان، فقال: إنما جاء الحديث: "ثلثٌ طعام وثلثٌ شراب"، وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسَهم، فربحوا سدسًا (^٢).
وقال محمد بن النضر الحارثي: الجوعُ يبعث على البرِّ كما تبعثُ البِطنة على الأشر (^٣).
وعن الشافعي، قال: ما شبعتُ منذ ستَّ عشرةَ سنة إلا شبعة اطرحتها، لأن الشبع يُثقِلُ البدن، ويُزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة (^٤).
وقد ندب النبيُّ - ﷺ - إلى التقلل من الأكل في حديث المقدام، وقال: "حسبُ ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه". وفي "الصحيحين" عنه - ﷺ - أنه قال: "المؤمنُ يأكل في مِعىً واحد، والكافرُ يأكل في سبعة أمعاء" (^٥) والمراد أن المؤمن
_________________
(١) "الحلية" ٩/ ٢٥٩.
(٢) "الحلية" ٨/ ٣١٨.
(٣) "الحلية" ٨/ ٢٢٢.
(٤) رواه البيهقي في "آداب الشافعي" ص ١٠٦، وأبو نعيم في "الحلية" ٩/ ١٢٧.
(٥) رواه البخاري (٥٣٩٣)، ومسلم (٢٠٦٠) من حديث ابن عمر، ورواه البخاري =
[ ٢ / ٤٧٤ ]
يأكلُ بأدب الشَّرع، فيأكل في مِعىً واحدٍ، والكافر يأكل بمقتضى الشَّهوة والشَّرَهِ والنَّهم، فيَأكلُ في سبعة أمعاء.
وندب - ﷺ - مع التقلُّل منَ الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الِإيثار بالباقي منه، فقال: "طعامُ الواحدِ يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الثَّلاثة، وطعامُ الثلاثة يكفي الأربعة" (^١).
فأحسنُ ما أكل المؤمن في ثُلُثِ بطنه، وشرِبَ في ثلث، وترك للنَّفَسِ ثُلثًا، كما ذكره النبيُّ - ﷺ - في حديث المقدام، فإن كثرة الشرب تجلِبُ النوم، وتفسد الطعام. قال سفيان: كُلْ ما شئتَ ولا تشرب، فإذا لم تشرب، لم يجئك النوم (^٢).
وقال بعض السلف: كان شبابٌ يتعبَّدون في بني إسرائيل، فإذا كان عند فطرهم، قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فتناموا كثيرًا، فتخسروا كثيرًا.
وقد كان النبيُّ - ﷺ - وأصحابه يجوعون كثيرًا، ويتقلَّلون من أكل الشَّهوات، وإن كان ذلك لِعدم وجود الطعام، إلَّا أنَّ الله لا يختارُ لرسوله إلا أكملَ الأحوال وأفضلها. ولهذا كان ابنُ عمر يتشبه بهم في ذلك، مع قدرته على الطعام، وكذلك كان أبوه من قبله.
_________________
(١) = (٥٣٩١)، ومسلم (٢٠٦٢) من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة البخاري (٥٣٩٢)، ومسلم (٢٠٥٨)، والترمذي (١٨٢٠) وليس عندهم: "طعام الواحد يكفي الاثنين". ورواه من حديث جابر مسلم (٢٠٥٩)، والترمذي (١٨٢٠)، وصححه ابن حبان (٥٢٣٧)، الا أن عندهم: "وطعام الأربعة يكفي الثمانية".
(٣) "الحلية" ٧/ ١٨.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
ففي "الصحيحين" عن عائشة، قالت: ما شبع آلُ محمدٍ - ﷺ - منذ قَدِمَ المدينة من خبز بُرٍّ ثلاث ليال تباعًا حتى قُبض، ولمسلم: قالت: ما شبع رسول الله - ﷺ - من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض (^١).
وخرَّج البخاري عن أبي هريرة قال: ما شَبِعَ رسول الله - ﷺ - من طعام ثلاثة أيام حتى قُبض.
وعنه قال: خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير (^٢).
وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن عمر أنه خطب، فذكر ما أصابَ الناسُ من الدنيا، فقال: لقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - يظلُّ اليوم يلتوي ما يجد دَقَلًا يملأ به بطنه.
وخرَّج الترمذي، وابن ماجه من حديث أنس عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لقد أوذيت في الله وما يُؤذى أحد، ولقد أُخِفْتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاث مِنْ بين يومٍ وليلةٍ وما لي طعامٌ إلا ما واراه إبط بلال" (^٤).
وخرَّج ابنُ ماجه (^٥) بإسناده عن سليمان بن صُرَد، قال: أتانا رسولُ الله - ﷺ -، فمكثنا ثلاثَ ليالٍ لا نَقدِرُ -أو لا يقدر- على طعام.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٤١٦) و(٦٤٥٤)، ومسلم (٢٩٧٠) و(٢٩٧١).
(٢) البخاري (٥٤١٤).
(٣) رقم (٢٩٧٨)، وفيه أن النعمان بن بشير خطب، فقال: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا …
(٤) رواه الترمذي (٢٤٧٢)، وابن ماجه (١٥١)، وصححه ابن حبان (٦٥٢٦).
(٥) برقم (٤١٤٩)، وإسناده ضعيف لجهالة التابعي. ورواه الطبراني في "الكبير" (٦٤٩٠) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناد ابن ماجه، ثم قال عبد الله: ذكرت هذا الحديث لأبي ﵀ فاستحسنه.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
وبإسناده عن أبي هريرة، قال: أُتي رسول الله - ﷺ - بطعامٍ سُخْن، فأكل، فلما فرغ، قال: "الحمدُ لله، ما دخل بطني طعامٌ سخن منذ كذا وكذا" (^١).
وقد ذم الله ورسولُه من اتَّبع الشهواتِ، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠].
وصحَّ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "خيرُ القرونِ قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويَنذِرُون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمَنُ" (^٢).
وفي "المسند" (^٣) أنَّ النبيَّ - ﷺ - رأى رجلًا سمينًا، فجعل يومئُ بيده إلى بطنه ويقول: "لو كان هذا في غير هذا، لكان خيرًا لك".
وفي "المسند" (^٤) عن أبي برزة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم شهواتُ الغي في بطونكم وفروجكم، ومُضلات الهوى".
وفي "مسند البزار" (^٥) وغيره عن فاطمة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "شرارُ أمتي
_________________
(١) هو في "سنن ابن ماجه" (٤١٥٠)، وفيه سويد بن سعيد، وهو ضعيف.
(٢) رواه من حديث عمران بن الحصين البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٢٥٣٥)، وأبو داود (٤٦٥٧)، والترمذي (٢٢٢١)، والنسائي ٧/ ١٧ - ١٨.
(٣) ٤/ ٣٣٩ من حديث جعدة الجشمي. ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" (٢١٨٤) و(٢١٨٥)، وصححه الحاكم ٤/ ١٢١ - ١٢٢ و٣١٧، ووافقه، وجود إسناده المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ١٣٨.
(٤) ٤/ ٤٢٠ و٤٢٣، ورواه أيضًا البزار (١٣٢)، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" و"الصغير" (٥١١)، وذكره الهيثمى في "المجمع" ١/ ١٨٨ وقال: رجاله رجال الصحيح.
(٥) هذا وهم من المؤلف ﵀، فالحديث في "مسند البزار" (٣٦١٦) من مسند أبي =
[ ٢ / ٤٧٧ ]
الذين غذوا بالنَّعيم يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوانَ الثياب، ويتشدّقون في الكلام".
وخرَّج الترمذي وابن ماجه من حديث ابنِ عمر، قال: تجشأ رجلٌ عند النبيِّ - ﷺ -، فقال: "كفّ عنا جُشاءك، فإن أكثرهم شبعًا في الدنيا أطولُهم جوعًا يوم القيامة" (^١).
وخرَّجه ابنُ ماجه (^٢) من حديث سلمان أيضًا بنحوه، وخرَّجه الحاكم (^٣) من
_________________
(١) = هريرة، وليس من مسند فاطمة، وفي سند البزار عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهو ضعيف. وحديث فاطمة نسبه الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ١١٥ إلى ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الغيبة" وغيره، وصدَّره بقوله: "روي" إشارة إلى عدم صحته. ورواه أحمد في "الزهد" ص ٧٧، عن فاطمة بنت الحسين، رفعته، ورجاله ثقات لكنه مرسل. ووصله الحاكم في "المستدرك" ٣/ ٥٦٨ من طريق آخر، عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده أصرم بن حوشب، وهو متهم بالكذب، وإسحاق بن واصل الضبي، وهو متروك، وعد الذهبي في "الميزان" ١/ ٢٠٢، هذا الحديث من بلاياه. ورواه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٧٥٨)، عن الأوزاعي، عن عروة بن رويم، قال: قال رسول الله - ﷺ - …، ورجاله ثقات، لكنه مرسل.
(٢) حديث حسن بشواهده، رواه الترمذي (٢٤٧٨)، وابن ماجه (٣٣٥٠)، وفي سنده يحيى البكاء وهو ضعيف.
(٣) برقم (٣٣٥١) وإسناده ضعيف.
(٤) في "المستدرك" ٤/ ١٢١، وصححه، ورده الذهبي فقال: فيه فهد بن عوف: كذاب، وعمر (هو ابن موسى) هالك. وقال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ١٣٧ ردًا على تصحيح الحاكم: بل واهٍ جدًا، فيه فهد بن عوف وعمر بن موسى، ورواه البزار (٣٦٦٩) و(٣٦٧٠) بإسنادين رواة أحدهما ثقات.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
حديث أبي جُحيفة وفي أسانيدها كلِّها مقال.
وروى يحيى بنُ منده في كتاب "مناقب الإمام أحمد" بإسنادٍ له عن الإمام أحمد أنه سئل عن قولِ النبيِّ - ﷺ -: "ثُلث للطعام، وثُلث للشراب، وثلث للنفس" فقال: ثلث للطعام: هو القُوتُ، وثلث للشراب: هو القوى، وثلث للنفس: هو الروح، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٧٩ ]