عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسولِ اللهِ - ﷺ - فِيمَا يَروِي عَنْ رَبِّهِ ﵎ قَالَ: "إنَّ الله - ﷿ - كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذلكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها الله عِنْدَهُ حَسَنةً كَامِلةً، وإنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَها، كَتَبَها اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسناتٍ إلى سبعِ مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كَثيرَةٍ، وإنْ هَمَّ بسَيِّئةٍ، فلم يَعْمَلها، كَتَبَها الله عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلةً، وإنْ هَمَّ بِهَا، فعَمِلَها كَتَبَها الله سَيِّئَةً واحِدَةً". رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلمٌ. (^١)
هذا الحديث خرَّجاه من رواية الجعد أبي عثمان، حدَّثنا أبو رجاءٍ العُطاردي، عن ابنِ عبَّاس، وفي رواية لمسلم زيادةٌ في آخر الحديث، وهي: "أو (^٢) محاها الله، ولا يَهلِكُ على الله إلَّا هالكٌ".
وفي هذا المعنى أحاديثُ متعددة، فخرجا في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "يقولُ الله: إذا أراد عبدي أن يعملَ سيِّئةً، فلا تكتبُوها عليه حتَّى يعملها، فإن عملَها، فاكتبوها بمثلِها، وإن تركها مِنْ أجلي، فاكتبوها له حسنةً، وإذا أراد أن يعملَ حسنةً، فلم يعمَلْها، فاكتبوها له حسنةً، فإن عملَها، فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ" وهذا لفظ البخاري (^٣)، وفي رواية لمسلم (^٤): "قال الله - ﷿ -: إذا تحدَّثَ عبدي بأن
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١)، وأحمد ١/ ٣١٠ و٣٦١.
(٢) في المطبوع من "مسلم": (و).
(٣) رقم (٧٥٠١).
(٤) رقم (١٢٩)، وانظر "صحيح ابن حبان" (٢٢٨) و(٣٧٩) - (٣٨٤).
[ ٢ / ٣١١ ]
يعملَ حسنةً، فأنا أكتُبها له حسنةً ما لم يعمل، فإذا عملَها، فأنا أكتُبها بعشرِ أمثالها، وإذا تحدَّث بأن يعملَ سيِّئةً، فأنا أغفِرُها له ما لم يعملْهَا، فإذا عملها، فأنا أكتبُها له بمثلها". وقال رسول الله - ﷺ -: "قالتِ الملائكةُ: ربِّ ذاك عبدُك يريدُ أن يعملَ سيِّئةً - وهو أبصرُ به - قال: ارقبوه، فإن عملَها، فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها، فاكتبوها له حسنةً، إنَّما تركها من جرَّايَ". قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أحسنَ أحدُكم إسلامه، فكلُّ حسنةٍ يعملُها تُكتبُ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وكلُّ سيِّئةٍ يعملُها تُكتَبُ بمثلها حتَّى يلقى الله".
وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَف: الحسنةُ عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، قال الله - ﷿ -: إلَّا الصِّيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدعُ شهوتَه وطعامَه وشرابَه مِنْ أجلي"، وفي رواية بعد قوله: "إلى سبع مئة ضعف": "إلى ما يشاء الله" (^١).
وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "يقولُ الله: مَنْ عمل حسنةً، فله عشرُ أمثالها أو أَزِيدُ، ومن عمل سَيِّئةً، فجزاؤها مِثلُها أو أغفرُ" (^٢).
وفيه أيضًا عن أنس، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "من همَّ بحسنةٍ، فلم يعْمَلها، كُتِبَت له حسنةً، فإن عَمِلَها، كتبت له عشرًا، ومن همَّ بسَيِّئةٍ، فلم يعملها لم يُكتب عليه شيءٌ، فإن عَمِلَها، كُتِبَت عليه سيِّئةً واحدةً" (^٣).
وفي "المسند" عن خُرَيْمِ بن فاتكٍ عن النَّبي - ﷺ -، قال: "من همَّ بحسنة،
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١)، والترمذي (٧٦٤)، والنسائي ٤/ ١٦٢ - ١٦٣، وابن ماجه (١٦٣٨) و(٣٨٢٣)، وصححه ابن حبان (٣٤٢٣) و(٣٤٢٤).
(٢) رواه مسلم (٢٦٨٧)، وأحمد ٥/ ١٥٣، والبغوي (١٢٥٣).
(٣) رواه مسلم (١٦٢)، وهو حديث الإِسراء، وما استشهد به المصنف هنا هو في آخره.
[ ٢ / ٣١٢ ]
فلم يعملها، فعلم الله أنَّه قد أشعرها قلبه، وحَرَصَ عليها، كُتِبَت له حسنة، ومن همَّ بسيئة لم تُكتب عليه، ومن عَمِلَها كتبت له واحدة، ولم تُضاعَف عليه، ومن عَمِلَ حسنة كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفقَ نفقةً في سبيلِ الله، كانت له بسبع مئة ضعف" (^١). وفي المعنى أحاديث أُخر متعددة.
فتضمنت هذه النُّصوص كتابةَ الحسنات، والسيِّئات، والهمّ بالحسنةِ والسيِّئة، فهذه أربعة أنواع:
النوع الأول: عملُ الحسنات، فتضاعف الحسنة بعشرِ أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعافٍ كثيرةٍ، فمُضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازمٌ لكلِّ الحسنات، وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وأما زيادةُ المضاعفةِ على العشر لمن شاء الله أن يُضاعف له، فدلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فدلَّت هذه الآيةُ على أنَّ النَّفقة في سبيل الله تُضاعف بسبع مئة ضعف.
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن أبي مسعود، قال: جاء رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: "لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة".
وفي "المسند" (^٣) بإسنادٍ فيه نظر عن أبي عُبيدة بنِ الجرَّاح، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "من أنفق نفقةً فاضلةً في سبيل الله فبسبع مئةٍ، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عادَ مريضًا، أو مازَ أذى، فالحسنةُ بعشرِ أمثالها".
_________________
(١) رواه أحمد ٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦، وصححه ابن حبان (٦١٧١).
(٢) رقم (١٨٩٢)، ورواه النسائي ٦/ ٤٩، وأحمد ٤/ ١٢١.
(٣) ١/ ١٩٥ و١٩٦، ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" ٧/ ٢١، وأبو يعلى (٨٧٨)، والحاكم ٣/ ٢٦٥، وسكت عنه هو والذهبي، وسنده محتمل للتحسين.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وخرَّج أبو داود من حديث سهل بنِ معاذٍ عن أبيه، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ الصَّلاةَ، والصِّيامَ، والذِّكرَ يُضاعف على النَّفقة في سبيل الله بسبع مئة ضعف" (^١).
وروى ابنُ أبي حاتم (^٢) بإسناده عن الحسن، عن عمران بنِ حُصين عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "من أرسل نفقةً في سبيلِ الله، وأقام في بيته، فله بكلِّ درهم سبع مئة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، فلهُ بكلِّ درهم سبع مئة ألف درهم" ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وخرَّج ابنُ حبان في "صحيحه" (^٣) من حديث عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لمَّا نزلتْ هذه الآية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، قال رسولُ الله - ﷺ -: "ربِّ زد أمتي"، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فقال: "ربِّ زدْ أمَّتي"، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٤٩٨)، والبيهقي ٩/ ١٧٢، وفيه زَبان بن فائد، وهو ضعيف، ومع ذلك صححه الحاكم ٢/ ٧٨، ووافقه الذهبي!
(٢) عن الخليل بن عبد الله، كما في "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٢٥، عن الحسن، عن عمران بن حصين، والخليلُ بن عبد الله لا يعرف، كما قال الذهبي وابن عبد الهادي، والحسن المشهور أنه لم يسمع من عمران، ولذا قال الحافظ ابن كثير: حديث غريب. ورواه ابن ماجه (٢٧٧١) من طريق الخليل بن عبد الله عن الحسن، عن علي بن أبي طالب، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، كلهم يحدث عن رسول الله - ﷺ -، فذكره.
(٣) رقم (٤٦٤٨).
[ ٢ / ٣١٤ ]
وخرَّج الإِمامُ أحمد من حديث عليِّ بنِ زيد بنِ جُدعان، عن أبي عُثمان النَّهديِّ، عن أبي هريرة، عن النَّبي - ﷺ -، قال: "إنَّ الله ليُضاعِفُ الحسنةَ ألفي ألفِ حسنةٍ"، ثم تلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. وقال: "إذا قال الله أجرًا عظيمًا، فمن يقدر قدره؟ " وروي عن أبي هريرة موقوفًا (^١).
وخرَّج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "من دخل السُّوقَ، فقال: لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، له الملك، وله الحمدُ، يُحيي ويُميتُ، وهو حيٌّ لا يموت، بيدِه الخيرُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، كتب اللهُ له ألفَ ألفِ حسنةٍ، ومحا عنه ألفَ ألفِ سيِّئة، ورفع له ألفَ ألفِ درجةٍ" (^٢).
ومن حديث تميم الداري مرفوعًا: "من قال: أشهدُ أن لا إله إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، إلهًا واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد عشرَ مرات، كتبَ الله له أربعين ألفَ ألفَ حسنةٍ" (^٣)، وفي كلا الإِسنادين ضعف.
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٢٩٦، وعلي بن زيد ضعيف، وذكره ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٤٤٢، عن الإِمام أحمد، وقال: هذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلال المؤدب، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا محمد بن عقبة الرفاعي، عن زياد الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتيت أبا هريرة، فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألفَ ألفِ حسنة، فقال: وما أعجبك من ذلك؟ لقد سمعته من النبي - ﷺ - يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألفٍ حسنة".
(٢) رواه الترمذي (٣٤٢٨) و(٣٤٢٩)، وابن ماجه (٢٢٣٥)، والدارمي ٢/ ٢٩٣، والطبراني في "الدعاء" (٧٨٩) - (٧٩٣)، والحاكم ١/ ٥٣٨، وانظر "شرح الأذكار" ٦/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٣) رواه الترمذي (٣٤٧٣)، وفيه خليل بن مرة، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٣١٥ ]
وخرَّج الطبراني بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابنِ عمر مرفوعًا: "من قال: سبحان الله، كتب الله له مئة ألف حسنة، وأربعة وعشرين ألف حسنة" (^١).
وقوله في حديث أبي هريرة: "إلَّا الصيام، فإنَّه لي، وأنا أجزي به" (^٢) يدلُّ على أنَّ الصِّيامَ لا يَعلمُ قدر مضاعفة ثوابه إلَّا الله - ﷿ - لأنَّه أفضلُ أنواع الصَّبر، و﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقد رُوِيَ هذا المعنى عن طائفةٍ مِنَ السَّلف، منهم كعبٌ وغيره. وقد ذكرنا فيما سبق في شرح حديث: "من حسن إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يعنيه" (^٣) أنَّ مضاعفة الحسنات زيادةً على العشرِ تكونُ بحسبِ حُسنِ الإِسلام، كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث أبي هريرة وغيره، وتكون بحسب كمال الإِخلاص، وبحسب فضلِ ذلك العمل في نفسه، وبحسب الحاجة إليه. وذكرنا من حديث ابن عمر أنَّ قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] نزلت في الأعراب، وأن قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] نزلت في المهاجرين (^٤).
النوع الثاني: عمل السيئات، فتكتب السيئةُ بمثلها مِنْ غير مضاعفةٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقوله: "كتبت له سيئة واحدة" إشارةٌ إلى أنَّها غيرُ مضاعفة، ما صرَّح به في
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير" (١٣٥٩٧)، وفي سنده النضر بن عبيد، قال الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٧٨: ولم أعرفه. ورواه الطبراني أيضًا في "الدعاء" (١٦٩٤)، وفيه أيوب بن عتبة، وهو ضعيف.
(٢) تقدم ص ٧٨٤ ت (١).
(٣) وهو الحديث الثاني عشر.
(٤) انظر ص ٢٤٥.
[ ٢ / ٣١٦ ]
حديث آخر، لكن السَّيِّئة تعظُمُ أحيانًا بشرف الزَّمان، أو المكان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: في كلِّهنَّ، ثم اختصَّ مِنْ ذلك أربعةَ أشهُر، فجعلهنَّ حرمًا، وعظم حُرماتهنَّ، وجعل الذَّنبَ فيهنَّ أعظمَ، والعمل الصالح والأجر أعظم (^١).
وقال قتادة في هذه الآية: اعلموا أنَّ الظلمَ في الأشهرِ الحُرُمِ أعظمُ خطيئةً ووزْرًا فيما سوى ذلك، وإن كان الظُّلمُ في كلِّ حالٍ غيرَ طائل، ولكنَّ الله تعالى يُعظِّم من أمره ما يشاء تعالى ربنا (^٢).
وقد روي في حديثين مرفوعين أنَّ السيئاتِ تُضاعَفُ في رمضان، ولكن إسنادهما لا يصحُّ.
وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال ابن عمر: الفسوق: ما أُصيبَ مِنْ معاصي الله صيدًا كان أو غيره (^٣)، وعنه قال: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
_________________
(١) رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "شعب الإِيمان" كما في "الدر المنثور" ٤/ ١٨٦.
(٢) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ١٨٧، ونسبه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
(٣) رواه الطبري في "جامع البيان" (٣٦٥٦).
(٤) رواه الطبري (٣٦٥٥).
[ ٢ / ٣١٧ ]
وكان جماعة من الصحابة يتَّقونَ سُكنى الحرم، خَشيةَ ارتكابِ الذُّنوبِ فيه: منهمُ ابنُ عباس، وعبدُ الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئةُ فيه أعظم (^١). ورُوي عن عمر بن الخطاب، قال: لأَنْ أُخطئ سبعينَ خطيئةً - يعني بغيرِ مكَّةَ - أحبُّ إليَّ مِنْ أن أُخطئ خطيئة واحدةً بمكة. وعن مجاهد قال: تُضاعف السيئات بمكة كما تُضاعف الحسنات (^٢). وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة بمئة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك.
وقال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمدَ: في شيءٍ من الحديث أنَّ السيئة تُكتب بأكثرَ مِنْ واحدة؟ قال: لا، ما سمعنا إلَّا بمكَّة لِتعظيم البلد "ولو أنَّ رجلًا بعدن أبين همَّ". وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد، وقوله: ولو أنَّ رجلًا بعدن أبين همَّ هو من قول ابن مسعود، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى (^٣).
وقد تُضاعَفُ السيِّئاتُ بشرف فاعلها، وقوَّة معرفته بالله، وقُربِه منه، فإنَّ مَنْ عَصى السُّلطان على بِساطِه أعظمُ جُرمًا مِمَّن عصاه على بُعد، ولهذا توعَّد الله خاصَّةَ عباده على المعصية بمضاعَفةِ الجزاء، وإن كان قد عصمَهم مِنها، ليبيِّنَ لهم فضله عليهم بعِصمَتهم مِنْ ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥].
وقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ
_________________
(١) رواه عبد الرزاق وعبد بن حميد كما في "الدر المنثور" ٦/ ٢٩.
(٢) ذكره السيوطي، ونسبه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.
(٣) انظر ص ٧٩٨ ت (٣).
[ ٢ / ٣١٨ ]
صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠، ٣١]. وكان عليُّ بن الحسين يتأوَّل في آل النبيِّ - ﷺ - من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النَّبيِّ - ﷺ -.
النوع الثالث: الهمُّ بالحسنات، فتكتب حسنة كاملة، وإن لم يعملها، كما في حديث ابن عباس وغيره، وفي حديث أبي هريرة الذي خرَّجه مسلمٌ كما تقدم: "إذا تحدث عبدي بأن يعملَ حسنةً، فأنا أكتبُها له حسنةً"، والظَّاهِرُ أن المرادَ بالتَّحدُّث: حديث النفس، وهو الهمُّ، وفي حديث خريم بن فاتك: "مَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها، فعَلِمَ الله أنَّه قد أشعرها قلبَه، وحَرَصَ عليها، كتبت له حسنة"، وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بالهمِّ هنا: هو العزمُ المصمّم الذي يُوجَدُ معه الحرصُ على العمل، لا مجرَّدُ الخَطْرَةِ التي تخطر، ثم تنفسِخُ من غير عزمٍ ولا تصميم.
قال أبو الدرداء: من أتى فراشه، وهو ينوي أن يُصلِّي مِن اللَّيل، فغلبته عيناه حتَّى يصبحَ، كتب له ما نوى. وروي عنه مرفوعًا، وخرَّجه ابن ماجه مرفوعًا. قال الدارقطني: المحفوظ الموقوف (^١)، وروي معناه من حديث عائشة عن النَّبي - ﷺ - (^٢).
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١٣٤٤)، والنسائي ٣/ ٢٥٨، والبيهقي ٣/ ١٥، عن أبي الدرداء مرفوعًا، وصححه ابن خزيمة (١١٧٢)، والحاكم ١/ ٣١١، ووافقه الذهبي. ورواه البيهقي عن أبي الدرداء موقوفًا، وصححه أيضًا ابن خزيمة (١١٧٣)، والحاكم ١/ ٣١١. ورواه ابن حبان (٢٥٨٨) عن أبي الدرداء أو أبي ذر مرفوعًا. ورواه عبد الرزاق (٤٢٢٤)، وابن خزيمة (١١٧٤) و(١١٧٥) عن أبي الدرداء أو عن أبي ذر موقوفًا.
(٢) رواه مالك ١/ ١١٧، ومن طريقه أبو داود (١٣١٤)، والنسائي ٣/ ٢٥٧، وأحمد =
[ ٢ / ٣١٩ ]
وروي عن سعيد بن المسيب، قال: من همَّ بصلاةٍ، أو صيام، أو حجٍّ، أو عمرة، أو غزو، فحِيلَ بينه وبينَ ذلك، بلَّغه الله تعالى ما نوى.
وقال أبو عِمران الجونيُّ: يُنادى المَلَكُ: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقولُ: يا ربِّ، إنَّه لم يعملْهُ، فيقول: إنَّه نواه.
قال زيدُ بن أسلم: كان رجِلٌ يطوفُ على العلماء، يقول: من يدلُّني على عملٍ لا أزال منه لله عاملًا، فإنِّي لا أُحبُّ أنَّ تأتيَ عليَّ ساعةٌ مِنَ الَّليلِ والنَّهار إلَّا وأنا عاملٌ للهِ تعالى، فقيل له: قد وجدت حاجتَكَ، فاعمل الخيرَ ما استطعتَ، فإذا فترْتَ، أو تركته فهمَّ بعمله، فإنَّ الهامَّ بعمل الخير كفاعله.
ومتى اقترن بالنيَّة قولٌ أو سعيٌ، تأكَّدَ الجزاءُ، والتحقَ صاحبُه بالعامل، كما روى أبو كبشة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّما الدُّنيا لأربعةِ نفرٍ: عبدٍ رَزَقَهُ الله مالًا وعلمًا، فهو يَّتقي فيه ربَّه، ويَصِلُ به رحِمَه، ويعلمُ للهِ فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علمًا، ولم يرزقه مالًا، فهو صادِقُ النِّيَّة، يقول: لو أنَّ لي مالًا، لعمِلْتُ بعملِ فلانٍ، فهو بنيتِه، فأجرُهُما سواءٌ، وعبدٍ رزقه الله مالًا، ولم يرزُقه علمًا يَخبِطُ في ماله بغير علمٍ، لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يَصِلُ فيه رحمهُ، ولا يعلمُ لله فيه حقًا، فهذا بأخبثِ المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا،
_________________
(١) = ٦/ ١٨٠، والبيهقي ٣/ ١٥، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن رجل عنده رضا، أنه أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من امرئ تكون له صلاة بليل، فيغلبه عليها نوم إلا كتبَ الله له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه". وقوله: "عن رجل عنده رضا" قال ابن عبد البر: قيل: إنه الأسود بن يزيد النخعي، فقد أخرجه النسائي ٣/ ٢٥٨ من طريق أبي جعفر الرازي، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، به. ورواه النسائي أيضًا من وجه آخر، عن أبي جعفر، عن ابن المنكدر، عن سعيد، عن عائشة، بلا واسطة، وجزم الحافظ بأن روايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا، لعَمِلتُ فيه بعمل فلانٍ فهو بنيته فوِزْرُهما سواءٌ". خرَّجه الإِمام أحمد والترمذي وهذا لفظُه، وابن ماجه (^١).
وقد حمل قوله: "فهما في الأجر سواءٌ" على استوائهما في أصلِ أجرِ العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفةُ يختصُّ بها من عَمِلَ العمل دونَ من نواه، فلم يعمله، فإنَّهما لو استويا مِنْ كلِّ وجه، لكُتِبَ لمن همَّ بحسنةٍ ولم يعملها عشرُ حسناتٍ، وهو خلافُ النُّصوصِ كلِّها، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]. قال ابن عباس وغيره: القاعدون المفضَّلُ عليهم المجاهدون درجة همُ القاعدون من أهلِ الأعذار، والقاعدون المفضَّل عليهم المجاهدون درجاتٍ هم القاعدون من غير أهل الأعذار (^٢).
النوع الرابع: الهمُّ بالسَّيِّئات من غير عملٍ لها، ففي حديث ابن عباس: أنَّها تُكتب له حسنةً كاملةً، وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما: أنَّها تُكتَبُ حسنةً، وفي حديث أبي هريرة قال: "إنَّما تركها مِن جرَّايَ" يعني: من أجلي، وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ مَنْ قَدَرَ على ما همَّ به مِنَ المعصية، فتركه لله تعالى، وهذا لا رَيبَ في أنَّه يُكتَبُ له بذلك حسنة؛ لأنَّ تركه للمعصية بهذا القصد عملٌ صالحٌ.
فأمَّا إن همَّ بمعصية، ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين، أو مراءاةً لهم، فقد قيل: إنَّه يُعاقَبُ على تركها بهذه النيَّة، لأنَّ تقديم خوفِ المخلوقين على خوف الله محرَّم. وكذلك قصدُ الرِّياءِ للمخلوقين محرَّم، فإذا اقترنَ به تركُ
_________________
(١) بل هو لفظ الترمذي (٢٣٢٥). ورواه أحمد ٤/ ٢٣٠ و٢٣١، وابن ماجه (٤٢٢٨)، والطبراني في "الكبير" ٢٢/ (٨٦٨)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو كما قال.
(٢) رواه الترمذي (٣٠٣٢)، والطبري في "جامع البيان" (١٠٢٤٢).
[ ٢ / ٣٢١ ]
المعصية لأجله، عُوقِبَ على هذا الترك. وقد خرَّج أبو نعيم (^١) بإسنادٍ ضعيف عن ابن عباس، قال: يا صاحب الذَّنب، لا تأمننَّ سوءَ عاقبته، ولمَا يَتبعُ الذَّنبَ أعظمُ مِنَ الذَّنب إذا عملتَه، وذكر كلامًا، وقال: وخوفُك من الريح إذا حرَّكت سترَ بابك وأنت على الذَّنب، ولا يضطربُ فؤادُك مِن نظرِ الله إليك، أعظمُ مِنَ الذَّنب إذا عملته.
وقال الفضيلُ بنُ عِياض: كانوا يقولون: تركُ العمل للناس رياءٌ، والعمل لهم شرك.
وأمَّا إن سعى في حُصولها بما أمكنه، ثمَّ حالَ بينه وبينها القدرُ، فقد ذكر جماعةٌ أنَّه يُعاقَب عليها حينئذٍ لقول النبيِّ - ﷺ: "إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفُسَها، ما لم تكلَّمْ به أو تعمل" (^٢) ومن سعى في حُصول المعصية جَهدَه، ثمَّ عجز عنها، فقد عَمِل، وكذلك قولُ النبيِّ - ﷺ -: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتِلُ والمقتولُ في النَّار"، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتلُ، فما بالُ المقتول؟! قال: "إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه" (^٣).
وقوله: "ما لم تكلَّم به، أو تعمل" يدُلُّ على أنَّ الهامَّ بالمعصية إذا تكلَّم بما همَّ به بلسانه أنَّه يُعاقَبُ على الهمِّ حينئذٍ، لأنه قد عَمِل بجوارحِه معصيةً، وهو التَّكلُّمُ باللِّسانِ، ويدلُّ على ذلك حديث الذي قال: "لو أنَّ لي مالًا،
_________________
(١) في "الحلية" ١/ ٣٢٤.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة البخاري (٢٥٢٨) و(٢٥٢٩) و(٦٦٦٤)، ومسلم (١٢٧)، وأبو داود (٢٢٠٩)، والترمذي (١١٨٣)، والنسائي ٦/ ١٥٦ - ١٥٧، وابن ماجه (٢٠٤٠) و(٢٠٤٤).
(٣) رواه من حديث أبي بكرة البخاري (٣١) و(٦٨٧٥) و(٧٠٨٣) ومسلم (٢٨٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٨)، والنسائي ٧/ ١٢٥، وابن ماجه (٣٩٦٥)، وصححه ابن حبان (٥٩٤٥) و(٥٩٨١).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
لعملتُ فيه ما عَمِلَ فلان" (^١) يعني: الذي يعصي الله في ماله، قال: "فهما في الوزر سواءٌ".
ومن المتأخرين من قالَ: لا يُعاقَبُ على التكلُّم بما همَّ به ما لم تكنِ المعصيةُ التي همَّ بها قولًا محرَّمًا، كالقذف والغيبةِ والكذب؛ فأمَّا ما كان متعلّقُها العملَ بالجوارح، فلا يأثَمُ بمجرَّدِ التكلُّمِ ما همَّ به، وهذا قد يستدلُّ به على حديث أبي هريرة المتقدم: "وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرُها له ما لم يعملها". ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس، جمعًا بينه وبين قوله: "ما لم تكلّم به أو تعمل"، وحديث أبي كبشة يدلُّ على ذلك صريحًا، فإنَّ قول القائل بلسانه: "لو أنَّ لي مالًا، لعملتُ فيه بالمعاصي، كما عمل فلانٌ"، ليس هو العمل بالمعصية التي همَّ بها، وإنَّما أخبر عمَّا همَّ به فقط ممَّا متعلّقه إنفاقُ المالِ في المعاصي، وليس له مالٌ بالكلّيّة، وأيضًا، فالكلام بذلك محرَّمٌ، فكيف يكون معفوًّا عنه، غيرَ مُعاقَبٍ عليه؟
وأمَّا إن انفسخت نِيَّتُه، وفترَت عزيمتُه من غيرِ سببٍ منه، فهل يُعاقبُ على ما همَّ به مِنَ المعصية، أم لا؟ هذا على قسمين:
أحدهما: أن يكون الهمُّ بالمعصية خاطرًا خطرَ، ولم يُساكِنهُ صاحبه، ولم يعقِدْ قلبَه عليه، بل كرهه، ونَفَر منه، فهذا معفوٌّ عنه، وهو كالوَساوس الرَّديئَةِ التي سُئِلَ النبيُّ - ﷺ - عنها، فقال: "ذاك صريحُ الإِيمان" (^٢).
ولمَّا نزل قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
_________________
(١) قطعة من حديث أبي كبشة الذي سلف قريبًا.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٩٧ و٤٤١ و٤٥٦، ومسلم (١٣٢)، وأبو داود (٥١١١)، وابن حبان (١٤٥)، ورواه من حديث ابن مسعود مسلم (١٣٣)، وابن حبان (١٤٩).
[ ٢ / ٣٢٣ ]
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، شقَّ ذلك على المسلمين، وظنُّوا دُخولَ هذه الخواطر فيه، فنزلت الآية التي بعدها، وفيها قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] (^١)، فبيَّنت أنَّ ما لا طاقةَ لهم به، فهو غيرُ مؤاخذٍ به، ولا مكَلّف به، وقد سمى ابنُ عباس وغيرُه ذلك نسخًا، ومرادُهم أنَّ هذه الآية أزالتِ الإِيهامَ الواقعَ في النُّفوسِ من الآية الأولى، وبيَّنت أنَّ المرادَ بالآية الأُولى العزائم المصمَّمُ عليها، ومثل هذا كان السَّلفُ يسمُّونَه نسخًا.
القسم الثاني: العزائم المصممة التي تقع في النفوس، وتدوم، ويساكنُها صاحبُها، فهذا أيضًا نوعان:
أحدهما: ما كان عملًا مستقَّلًا بنفسه من أعمالِ القلوب، كالشَّكِّ في الوحدانية، أو النبوَّة، أو البعث، أو غير ذلك مِنَ الكفر والنفاق، أو اعتقاد تكذيب ذلك، فهذا كلّه يُعاقَبُ عليه العبدُ، ويصيرُ بذلك كافرًا ومنافقًا. وقد رُوِيَ عن ابن عباس أنَّه حمل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، على مثلِ هذا (^٢). وروي عنه حملُها على كتمان الشَّهادة (^٣) لِقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
ويلحق بهذا القسم سائرُ المعاصي المتعلِّقة بالقلوبِ، كمحبةِ ما يُبغضهُ الله، وبغضِ ما يحبُّه الله، والكبرِ، والعُجبِ، والحَسدِ، وسوءِ الظَّنِّ بالمسلم من غير موجِب، مع أنَّه قد رُوي عن سفيان أَنَّه قال في سُوء الظَّنِّ إذا لم يترتب عليه قولٌ أو فعلٌ، فهو معفوٌّ عنه. وكذلك رُوي عنِ الحسن أنه قال في الحسد، ولعلَّ هذا محمولٌ من قولهما على ما يجدهُ الإِنسانُ، ولا يمكنهُ دفعُه، فهو يكرهُه ويدفعهُ عن نفسه، فلا يندفِعُ إلَّا على ما يساكِنُه، ويستروِحُ إليه، ويُعيدُ حديثَ
_________________
(١) رواه مسلم (١٢٦)، والترمذي (٢٩٩٢)، وصححه ابن حبان (٥٠٦٩).
(٢) رواه الطبري (٦٤٨١)، وسنده ضعيف.
(٣) رواه الطبري (٦٤٤٩) و(٦٤٥٠) وفي سنده يزيد بن أبي زياد الدمشقي، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
نفسهِ به ويُبديه.
والنوع الثاني: ما لم يكن مِنْ أعمال القلوب، بل كان من أعمالِ الجوارحِ، كالزِّنى، والسَّرقة، وشُرب الخمرِ، والقتلِ، والقذفِ، ونحو ذلك، إذا أصرَّ العبدُ على إرادة ذلك، والعزم عليه، ولم يَظهرْ له أثرٌ في الخارج أصلًا. فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء:
أحدهما: يؤاخذ به، قال ابنُ المبارك: سألتُ سفيان الثوريَّ: أيُؤاخذُ العبدُ بالهمَّة؟ فقال: إذا كانت عزمًا أُوخِذَ (^١). ورجَّح هذا القولَ كثيرٌ من الفُقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين من أصحابنا وغيرهم، واستدلوا له بنحو قوله - ﷿ -: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وبنحو قول النبيِّ - ﷺ: "الإِثمُ ما حاكَ في صدركَ، وكرهتَ أن يطَّلع عليه النَّاسُ" (^٢)، وحملوا قوله - ﷺ -: "إن الله تجاوزَ لأُمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفُسَها، ما لم تكلَّم به أو تعمل" على الخَطَراتِ، وقالوا: ما ساكنه العبدُ، وعقد قلبه عليه، فهو مِنْ كسبه وعملِه، فلا يكونُ معفوًّا عنه، ومِنْ هؤلاء من قال: إنَّه يُعاقَبُ عليه في الدُّنيا بالهموم والغموم، رُويَ ذلك عن عائشة مرفوعًا وموقوفًا، وفي صحَّته نظر (^٣).
وقيل: بل يُحاسَبُ العبدُ به يومَ القيامة، فيقفُه الله عليه، ثمَّ يعفو عنه، ولا يعاقبه به، فتكونُ عقوبته المحاسبة، وهذا مرويٌّ عن ابن عبّاس، والربيع بن أنس، وهو اختيار ابن جرير (^٤)، واحتجَّ له بحديث ابن عمر في النجوى (^٥)،
_________________
(١) ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١١/ ٣٢٨.
(٢) هو حديث النواس بن سمعان السالف برقم (٢٧).
(٣) رواه الطبري (٦٤٩٤) عن عائشة موقوفًا، وهو مرسل.
(٤) انظر "جامع البيان" (٦٤٨٥) و(٦٤٨٦).
(٥) حديث ابن عمر، رواه البخاري (٢٤٤١) و(٤٦٨٥)، ومسلم (٢٧٦٨)، والطبري في =
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وذاك ليس فيه عمومٌ، وأيضًا، فإنَّه واردٌ في الذُّنوب المستورة في الدُّنيا، لا في وساوس الصُّدور.
والقول الثاني: لا يُؤاخَذُ بمجرَّد النية مطلقًا، ونُسِبَ ذلك إلى نصِّ الشافعيِّ، وهو قولُ ابن حامدٍ مِنْ أصحابنا عملًا بالعمومات. وروى العَوْفيُّ عن ابنِ عباس ما يدلُّ على مثل هذا القول.
وفيه قول ثالث: أنَّه لا يُؤاخَذُ بالهمِّ بالمعصية إلَّا بأنْ يهِمَّ بارتكابها في الحَرَم، كما روى السُّديُّ، عن مرَّةَ، عن عبد الله بنِ مسعود، قال: ما من عبدٍ يهِمُّ بخطيئةٍ، فلم يَعمَلها، فتكتب عليه، ولو همَّ بقتل إنسان عندَ البيت، وهو بِعَدَنِ أبْيَنَ (^١)، أذاقَهُ الله من عذابٍ أليم، وقرأ عبدُ الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. خرَّجه الإِمام أحمد وغيره. وقد رواه عن السدي شعبةُ وسفيان، فرفعه شعبة ووقفه سفيان، والقول قول سفيان في وقفه (^٢).
وقال الضحَّاك: إنَّ الرجل ليهِمُّ بالخطيئة بمكَّة، وهو بأرض أخرى، فتكتب
_________________
(١) = "جامع البيان" (٦٤٩٦)، وصححه ابن حبان (٧٣٥٥).
(٢) قال القاضي إسماعيل الأكوع، في تعليقه على "البلدان اليمنية" ص ١٦: أبيَن: مخلاف مشهور يقع شرق شمال عدن، وإليه تنسب عدن، فيقال: عدنُ أبينَ، للتمييز بينها وبين عدن لاعة.
(٣) رواه الطبري في "جامع البيان" ١٧/ ١٤٠ - ١٤١ من طريق سفيان، عن السدي، عن مُرّة، عن ابن مسعود موقوفًا، وصححه الحافظ في "الفتح" ١٢/ ٢١٠. ورواه أحمد ١/ ٤٢٨، والطبري ١٧/ ١٤١، والبزار (٢٢٣٦) من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وقال ابن كثير (٣/ ٢٢٥): ووقفه أشبه من رفعه.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
عليه (^١)، ولم يعملها، وقد تقدَّم عن أحمد وإسحاق ما يدلُّ على مثل هذا القول (^٢)، وكذا حكاه القاضي أبو يعلى عن أحمد. وروى أحمد في رواية المروذي حديثَ ابنِ مسعودٍ هذا، ثم قال أحمد يقول: مَنْ يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ، قال أحمد: لو أنَّ رجلًا بعدنِ أَبْيَنَ همَّ بقتل رجل في الحرم، هذا قول الله سبحانه: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، هكذا قال ابن مسعود - ﵀ -.
وقد ردَّ بعضهم هذا إلى ما تقدم من المعاصي التي مُتَعلَّقُها القلب، وقال: الحرمُ يجبُ احترامُهُ وتعظيمُه بالقلوب، فالعقوبة على ترك هذا الواجب، وهذا لا يصحُّ، فإنَّ حُرمَةَ الحرمِ ليست بأعظمَ منَ حُرمَةِ محرِّمه سبحانه، والعزمُ على معصية الله عزمٌ على انتهاكِ محارمِه، ولكن لو عزم على ذلك قصدًا، لانتهاكِ حُرمةِ الحرم، واستخفافًا بحُرمته، فهذا كما لو عَزَمَ على فعلِ معصيةٍ لقصدِ الاستخفافِ بحرمةِ الخالق - ﷿ -، فيكفُرُ بذلك، وإنَّما ينتفي الكفرُ عنه إذا كان همُّه بالمعصية لمجرَّد نيل شهوته، وغرض نفسه، مع ذهولِه في قصدِ مخالفة الله، والاستخفافِ بهيبته وبنظره، ومتى اقترن العملُ بالهمِّ، فإنَّه يُعاقَبُ عليه، سواءً كان الفعلُ متأخِّرًا أو متقدمًا، فمن فعل محرَّمًا مرَّةً، ثم عزم على فعله متى قدَرَ عليه، فهو مُصِرٌّ على المعصية، ومعاقَبٌ على هذه النية، وإن لم يَعُدْ إلى عمله إلَّا بعد سنين عديدة. وبذلك فسَّر ابنُ المبارك وغيرُه الإِصرار على المعصية.
وبكلِّ حالٍ، فالمعصيةُ إنَّما تكتَبُ بمثلِها من غير مضاعفةٍ، فتكونُ العقوبةُ على المعصيةِ، ولا ينضمُّ إليها الهمُّ بها، إذ لو ضُمَّ إلى المعصية الهمُّ بها، لعُوقِبَ على عمل المعصية عقوبتين، ولا يقال: فهذا يلزم مثلُه في عمل الحسنة، فإنه إذا عملها بعد الهمِّ بها، أُثيب على الحسنة دُونَ الهمِّ بها، لأنَّا
_________________
(١) رواه الطبري ١٧/ ١٤١.
(٢) انظر ص ٧٩٠ ت (٣).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
نقول: هذا ممنوع، فإنَّ من عَمِلَ حسنة، كُتِبَت له عشرَ أمثالِها، فيجوزُ أنَّ يكونَ بعضُ هذه الأمثال جزاءً للهمِّ بالحسنة، والله أعلم.
وقوله في حديث ابن عباس في رواية مسلم: "أو محاها الله" يعني: أنَّ عمل السيئة: إمَّا أن تُكتَبَ لعاملها سيئة واحدةٌ، أو يمحوها الله بما شاءَ مِنَ الأسباب، كالتوبة والاستغفار، وعمل الحسنات. وقد سبق الكلامُ على ما تُمحى به السيِّئات في شرح حديث أبي ذرّ: "اتَّقِ اللهَ حيثُما كنت، وأتبع السيِّئةَ الحسنة تمحُها" (^١).
وقوله بعد ذلك: "ولا يَهلِكُ على الله إلَّا هالكٌ": يعني بعد هذا الفضل العظيم من الله، والرحمة الواسعة منه بمضاعفة الحسنات، والتَّجاوز عن السَّيِّئات، لا يَهلِكُ على الله إلَّا من هلك، وألقى بيديه إلى التَّهلُكة، وتجرَّأ على السَّيئات، ورَغِبَ عن الحسنات، وأعرض عنها. ولهذا قال ابنُ مسعود: ويلٌ لمن غلب وحْدانُه عشراته. وروى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس، مرفوعًا: "هَلَك مَنْ غلَبَ واحدُهُ عشرًا" (^٢).
وخرَّج الإِمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خَلَّتانِ لا يُحصِيهِما رجلٌ مسلمٌ إلَّا دخلَ الجنَّة، وهما يسيرٌ، ومَنْ يعمَلُ بهما قليلٌ: تُسبِّح الله في دبر كلِّ صلاةٍ عشرًا، وتَحمدُه عشرًا، وتُكبِّرُه عشرًا، قال: فتلك خمسون، ومئة باللسان، وألف
_________________
(١) وهو الحديث الثامن عشر.
(٢) ضعيف جدًا، الكلبي: هو محمد بن السائب، متروك، وقال ابن حبان: مذهبه في الدين ووضوحُ الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإِغراق في وصفه، يروي عن أبي صالح، عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف .. لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به، قلت: وأبو صالح - واسمه باذام - ضعيف عندهم.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وخمس مئة في الميزان، وإذا أخذتَ مضجعك، تُسبحه، وتكبره، وتحمده مئة، فتلك مئة باللسان، وألف في الميزان، فأيُّكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمس مئة سيئة (^١).
وفي "المسند" (^٢) عن أبي الدرداء، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يَدَعْ أحدٌ منكُم أن يعمل لله ألف حسنة حين يُصبح يقول: سبحانَ اللهِ وبحمده مئة مرة، فإنَّها ألفُ حسنةٍ، فإنه لن يعمل إن شاءَ الله تعالى مثل ذلك في يومه من الذنوب، ويكون ما عمل من خير سوى ذلك وافرًا".
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٥٠٢، وأبو داود (٥٠٦٠)، والترمذي (٣٤١٠)، والنسائي ٣/ ٧٤، وفي "عمل اليوم والليلة" (٨١٩)، وابن ماجه (٩٢٦)، وصححه ابن حبان (٢٠١٢) و(٢٠١٨).
(٢) ٦/ ٤٤٠، في سنده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، وهو ضعيف كما قال الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١١٣.
[ ٢ / ٣٢٩ ]