عَنِ النُّعمانِ بن بشِيرٍ ﵄ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقول: "إنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ وإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَينَهُما أُمُورٌ مُشتَبهاتٌ، لا يَعْلَمُهنَّ كثيرٌ مِن النَّاسِ، فمَن اتَّقى الشُّبهاتِ استبرأ لِدينِهِ وعِرضِه، ومَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحَرَام، كالرَّاعِي يَرعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرتَعَ فِيهِ، ألا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ محارِمُهُ، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إذا صلَحَتْ صلَحَ الجَسَدُ كلُّه، وإذَا فَسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كلُّه، ألا وهِيَ القَلبُ" رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ (^١).
هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعضُ الزيادة والنقص، والمعنى واحد أو متقارب.
وقد روي عن النبيِّ - ﷺ - من حديث ابن عمر (^٢)، وعمار بن ياسر (^٣)، وجابر (^٤)، وابن مسعود، وابن عباس (^٥)، وحديث النعمان أصح أحاديث الباب.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٢) و(٢٠٥١)، ومسلم (١٥٩٩)، وصححه ابن حبان (٧٢١) وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) سيأتي تخريجه ص ٦٩.
(٣) رواه أبو يعلى (١٦٥٣)، وفيه رجل مجهول، وموسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، وانظر "المجمع" ٤/ ٧٣ و١٠/ ٢٩٣.
(٤) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" ٩/ ٧٠، وإسناده ضعيف.
(٥) رواه الطبراني في "الكبير" (١٠٨٢٤)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٢٩٤، وقال: فيه سابق الجزري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
[ ١ / ١٩٣ ]
فقوله - ﷺ -: "الحلالُ بيِّن والحرامُ بيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من النَّاس" معناه: أن الحلال المحضَ بَيِّنٌ لا اشتباه فيه، وكذلك الحرامُ المحضُ، ولكن بين الأمرين أمورٌ تشتبه على كثيرٍ من النَّاس، هل هي من الحلال أم من الحرام؟. وأما الرَّاسخون في العلم، فلا يشتبه عليهم ذلك، ويعلمون من أيِّ القسمين هي.
فأما الحلالُ المحضُ: فمثل أكلِ الطيبات من الزروع، والثمار، وبهيمةِ الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباسِ ما يحتاج إليه من القطن والكتَّان، أو الصوف أو الشعر، وكالنكاح، والتسرِّي وغير ذلك إذا كان اكتسابُه بعقدٍ صحيح كالبيع، أو بميراث، أو هِبة، أو غنيمة.
والحرام المحضُ: مثلُ أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الأكساب المحرَّمة كالرِّبا والميسر وثمن ما لا يحل بيعه، وأخذِ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب أو تدليس أو نحو ذلك.
وأما المشتبه: فمثلُ أكل بعضِ ما اختلفَ في حلِّه أو تحريمه، إمَّا من الأعيان كالخيلِ والبغالِ والحميرِ، والضبِّ، وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يُسكِرُ كثيرُها، ولبسِ ما اختلف فيه إبَاحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل العِينة (^١) والتورّق (^٢) ونحو
_________________
(١) هي أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها من المشتري قبل قبض الثمن بثمنٍ نقدٍ أقلَّ من ذلك القدر.
(٢) في "القواعد النورانية" ص ١٢١: ولو كان مقصود المشتري الدراهم، وابتاع السلعة إلى أجلٍ ليبيعها ويأخذ ثمنها، فهذا يسمَّى التَّورُّق، ففي كراهته عن أحمد روايتان، والكراهة قول عمر بن عبد العزيز ومالك فيما أظن بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة، أو غرضه الانتفاع أو القُنية، فهذا يجوز شراؤه إلى أجلٍ بالاتفاق.
[ ١ / ١٩٤ ]
ذلك، وبنحو هذا المعنى فسر المشتبهات أحمدُ وإسحاق وغيرهما من الأئمة.
وحاصلُ الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب، وبين فيه للأمة ما يحتاجُ إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] قال مجاهد وغيرُه: لكلِّ شيءٍ أُمِرُوا به أو نُهوا عنه، وقال تعالى في آخر سورة النساء [الآية: ١٧٦] التي بَيَّنَ الله فيها كثيرًا من أحكام الأموال والأبضاع: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] ووكل بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول - ﷺ - كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وما قُبض ﷺ حتَّى أكمل له ولأُمته الدينَ، ولهذا أنزل عليه بعرفة قَبْلَ موته بمدة يسيرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال - ﷺ -: "تَركتُكُم على بَيضاءَ نقية لَيلُها كنهارِها لا يَزِيغُ عنها إلَّا هالِكٌ" (^١).
وقال أبو ذرٍّ: توفي رسولُ الله - ﷺ - وما طائِرٌ يُحرِّكُ جناحَيهِ في السَّماءِ إلَّا وقد ذَكَرَ لنا منه عِلمًا (^٢).
_________________
(١) قطعة من حديثٍ حسن، رواه أحمد ٤/ ٢٦ وابن ماجه (٤٣)، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٧٩) من حديث العِرباض بن سارية.
(٢) رواه أحمد ٥/ ٥٣ و١٦٢، قال في "المجمع" ٨/ ٢٦٣ - ٢٦٤: رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يُسمَّ. =
[ ١ / ١٩٥ ]
ولمَّا شكَّ النَّاسُ في موته - ﷺ -، قال عمُّه العباس ﵁: والله ما ماتَ رسولُ الله - ﷺ - حتَّى تركَ السبيلَ نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلالَ وحرَّم الحرامَ، ونكَحَ وطلَّق، وحارب وسالم، وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال يَخْبطُ عليها العِضاهَ بمِخْبَطهِ، ويَمْدُرُ حوضَها بيده بأنصَب ولا أدأب من رسول الله - ﷺ - كانَ فيكُم (^١).
وفي الجملة فما ترك الله ورسولُه حلالًا إلَّا مُبيَّنًا ولا حرامًا إلَّا مُبيَّنًا، لكن بعضَه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانُه، واشتهرَ، وعُلِمَ من الدِّين بالضَّرورة من ذلك لم يبق فيه شكٌّ، ولا يُعذر أحدٌ بجهله في بلدٍ يظهر فيه الإِسلام، وما كان بيانُه دونَ ذلك، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب:
منها أنه قد يكون النصُّ عليه خفيًا لم ينقله إلا قليلٌ من النَّاس، فلم يبلغ جميع حملة العلم.
ومنها أنه قد ينقل فيه نصان، أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفةً أحدُ النصين دون الآخرين، فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معًا من لم يبلغه التاريخ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ.
_________________
(١) = قلت: وله شاهد من حديث أبي الدرداء عند الطبراني. قال في "المجمع": ورجاله رجال الصحيح.
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات" ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧. عن عارم بن الفضل، عن حماد بن زياد، عن أبي أيوب، عن عكرمة .. وهذا سندٌ رجاله ثقات إلا أنه مرسل.
[ ١ / ١٩٦ ]
ومنها ما ليس فيه نصٌّ صريحٌ، وإنَّما يُؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهامُ العلماء في هذا كثيرًا.
ومنها ما يكون فيه أمر، أو نهي، فتختلفُ العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التَّحريم أو التنزيه، وأسبابُ الاختلاف أكثرُ مما ذكرنا.
ومع هذا فلا بد في الأمة من عالم يُوافق قولُه الحقَّ، فيكون هو العالِم بهذا الحكم، وغيرُه يكون الأمر مشتبهًا عليه ولا يكون عالمًا بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهرُ أهلُ باطلها على أهلِ حقِّها، فلا يكونُ الحقُّ مهجورًا غير معمولٍ به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال رسول الله - ﷺ - في المشتبهات: "لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من النَّاس" فدل على أن من النَّاس من يعلمها، وإنَّما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء.
وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر، وهو أن مِن الأشياء ما يعلم سببُ حِلِّه وهو الملك المتيقن. ومنها ما يُعلم سببُ تحريمه وهو ثبوتُ ملك الغير عليه، فالأوَّل لا تزولُ إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه، اللهمَّ إلَّا في الأبضاع عندَ من يُوقعُ الطلاقَ بالشك فيه كمالكٍ، أو إذا غلب على الظن وقوعُه كإسحاق بن راهويه. والثاني: لا يزول تحريمُه إلا بيقينِ العلم بانتقال الملك فيه.
وأمَّا ما لا يعلم له أصلُ ملكٍ كما يجده الإِنسان في بيته ولا يدري: هل هو له أو لغيره فهذا مشتبه، ولا يحرم عليه تناوُله، لأن الظاهر أن ما في بيته ملكُه لثبوت يده عليه، والورعُ اجتنابه، فقد قال النَّبيُّ - ﷺ -: "إنِّي لأنقلب إلى أهلي فأجدُ التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقةً فألقيها"
[ ١ / ١٩٧ ]
خرَّجاه في "الصحيحين" (^١). فإن كان هناك من جنس المحظور، وشكَّ هل هو منه أم لا؟ قويت الشبهةُ. وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن النَّبيَّ - ﷺ - أصابه أرقٌ من الليل، فقال له بعضُ نسائه: يا رسول الله أرقت الليلة. فقال: "إنِّي كنتُ أصبتُ تمرةً تحت جنبي، فأكلتُها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيتُ أن تكون منه" (^٢).
ومن هذا أيضًا ما أصلهُ الإِباحة كطهارة الماء، والثوب، والأرض إذا لم يتيقن زوال أصله، فيجوز استعمالُه، وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان، فلا يحلّ إلا بيقين حله من التذكية والعقد، فإن تردَّد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فبنى عليه، فيبني فيما أصله الحرمة على التَّحريم ولهذا نهى النَّبيُّ - ﷺ - عن أكل الصيدِ الذي يجدُ فيه الصائد أثر سهمٍ غيرِ سهمه، أو كلبٍ غير كلبِه، أو يجده قد وقع في ماء (^٣). وعلل بأنَّه لا يُدرى: هل مات من السبب المبيح له أو من غيره، ويرجع فيما أصله الحلُّ إلى الحِلِّ، فلا ينجسُ الماءُ والأرض والثوبُ بمجرّد ظنِّ النجاسة، وكذلك البدنُ إذا تحقق طهارته، وشكَّ: هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء خلافًا لمالك ﵀ إذا لم يكن قد دخل في الصلاة. وقد صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ -: "أنه شُكي إليه الرَّجلُ يُخيل إليه أنه يجد الشيءَ في الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتَّى يسمع
_________________
(١) البخاري (٢٣٢)، ومسلم (١٠٦٩) من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه أحمد في "مسنده" ٢/ ١٨٣ و١٩٣، وسنده حسن.
(٣) انظر حديث أبي هريرة في البخاري (١٧٥) و(٢٠٥٤) و(٥٤٧٥) و(٥٤٧٦) و(٥٤٧٧) و(٥٤٨٣) و(٥٤٨٥) و(٥٤٨٦) و(٥٤٨٧) و(٧٣٩٧)، ومسلم (١٩٢٩)، وانظر: "جامع الأصول" ٧/ ٢٤ - ٣٠، وانظر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند النسائي ٧/ ١٩١.
[ ١ / ١٩٨ ]
صوتًا أو يجد ريحًا" (^١) وفي بعض الروايات: "في المسجد" بدل الصلاة.
وهذا يعمُّ حالَ الصلاةِ وغيرها، فإن وُجِدَ سبب قوي يغلب معه على الظنّ نجاسة ما أصلُه الطهارة مثل أن يكونَ الثوبُ يلبسه كافر لا يتحرَّزُ من النجاسات، فهذا محلّ اشتباه، فمن العلماء من رخص فيه أخذًا بالأصل، ومنهم من كرهه تنزيهًا، ومنهم من حرمه إذا قوي ظن النجاسة مثل أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحتُه أو يكون ملاقيًا لعورته كالسراويل والقميص، وترجع هذه المسائل وشبهها إلى قاعدةِ تعارض الأصل والظاهر، فإن الأصل الطهارة والظاهر النجاسة. وقد تعارضت الأدلَّةُ في ذلك.
فالقائلون بالطهارة يستدلون بأنَّ الله أحلَّ طعام أهل الكتاب، وطعامهم إنَّما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم، وقد أجاب النَّبيّ - ﷺ - دعوة يهودي، وكان هو وأصحابه يلبسون ويستعملون ما يجلب إليهم مما نَسَجَه الكفارُ من الثياب والأواني، وكانوا في المغازي يقتسمون ما وقع لهم من الأوعية والثياب، ويستعملونها، وصحّ عنهم أنهم استعملوا الماء مِنْ مزادة مشركة (^٢).
والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنَّه صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه سئل عن آنية أهلِ الكتابِ الذين يأكلون الخنزيرَ، ويشربون الخمر، فقال: إن لم تجدوا غيرها، فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها (^٣).
وقد فسر الإِمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بينَ الحلال والحرام: يعني الحلالَ المحض والحرام المحض، وقال: من اتَّقاها، فقد استبرأ لدينه، وفسَّرها تارةً باختلاط الحلال والحرام.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٧) و(١٧٧) و(٢٠٥٦)، ومسلم (٣٦١)، وأبو داود (١٧٦)، والنسائي ١/ ٩٩ من حديث عبد الله بن زيد.
(٢) انظر البخاري (٣٤٤).
(٣) رواه البخاري (٥٤٧٨)، ومسلم (١٩٣٠) من حديث أبي ثعلبة الخشني، وصححه ابن حبان (٥٨٧٩).
[ ١ / ١٩٩ ]
ويتفرّعُ على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإن كان أكثرُ ماله الحرامَ؛ فقال أحمد: ينبغي أن يجتنبه إلا أن يكونَ شيئًا يسيرًا، أو شيئًا لا يعرف، واختلف أصحابنا: هل هو مكروه أو محرَّم؟ على وجهين.
وإن كان أكثرُ ماله الحلال، جازت معاملته والأكلُ من ماله. وقد روى الحارث عن عليّ أنه قال في جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يُعطيكم من الحلال أكثر مما يُعطيكم من الحرام (٥). وكان النَّبيُّ - ﷺ - وأصحابه يُعاملون المشركين وأهلَ الكتاب مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرامَ كلَّه.
وإن اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركُه. قال سفيان: لا يعجبني ذلك، وتركه أعجب إليَّ.
وقال الزُّهريُّ ومكحول: لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرامٌ بعينه، فإن لم يُعلم في ماله حرام بعينه، ولكنه علم أن فيه شبهةً؛ فلا بأس بالأكل منه، نصّ عليه أحمد في رواية حنبل.
وذهب إسحاق بنُ راهويه إلى ما رُوي عن ابن مسعود وسلمانَ وغيرهِما منَ الرُّخصة، وإلى ما رُوي عَنِ الحسنِ وابنِ سيرين في إباحةِ الأخذ مما يقضي من الرِّبا والقمار، نقله عنه ابنُ منصور.
وقال الإِمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المالُ كثيرًا، أخرج منه قدرَ الحرام، وتصرَّف في الباقي، وإن كان المالُ قليلًا، اجتنبه كلَّه، وهذا لأنَّ القليل إذا تناول منه شيئًا، فإنَّه تَبْعُدُ معه السلامةُ من الحرام بخلاف الكثير، ومن أصحابنا منْ حَمَل ذلك على الورع دُون التَّحريم، وأباح التصرُّف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قولُ الحنفيَّة وغيرهم، وأخذ به قومٌ مِنْ أهل الورع منهم بشرٌ الحافي.
ورخَّص قومٌ من السَّلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنَّه
[ ١ / ٢٠٠ ]
من الحرام بعينه، كما تقدَّم عن مكحول والزُّهريُّ. وروي مثلُه عن الفُضيل بن عياض.
وروي في ذلك آثارٌ عن السلف، فصحَّ عن ابن مسعود أنَّه سُئِلَ عمَّن له جارٌ يأكلُ الرِّبا علانيةً ولا يتحرَّجُ من مال خبيثٍ يأخُذُه يدعوه إلى طعامه، قال: أجيبوهُ، فإنَّما المَهْنأُ لكم والوِزرُ عليه (^١). وفي رواية أنَّه قال: لا أعلم له شيئًا إلا خبيثًا أو حرامًا، فقال: أجيبوه. وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود، ولكنه عارضه بما رُوي عنه أنَّه قال: الإثم حَوَازُّ القلوب (^٢).
وروي عن سلمان مثلُ قولِ ابنِ مسعود الأول (^٣)، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، ومُورِّق العِجلي، وإبراهيم النخعي، وابنِ سيرين وغيرهم، والآثار بذلك موجودة في كتاب "الأدب" لحُمَيد بن زَنجويه، وبعضها في كتاب "الجامع" للخلال، وفي مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم (^٤).
ومتى علم أن عينَ الشيءِ حرامٌ، أُخِذَ بوجه محرم، فإنَّه يحرم تناولُه، وقد حَكى الإجماعَ على ذلك ابنُ عبد البر وغيرُه، وقد رُوي عن ابن سيرين في
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٤٦٧٥) و(٤٦٧٦) وإسناده صحيح.
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" (٨٧٤٧) - (٨٧٥٠)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٧٦، وقال: رواه الطبراني كلَّه بأسانيد رجالها ثقات. والحواز: قال في "النهاية": هي الأمور التي تحز في القلوب، أي: تؤثر فيها كما يؤثر الحز في الشيء، وهو ما يخطر فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها، وهي بتشديد الزاي: جمعُ حاز ..، ورواه شمر: "الإثم حوَّاز القلوب" بتشديد الواو، أي: يحوزها ويتملكها، ويغلب عليها، ويروى: "الإثم حزاز القلوب" بزايين، الأولى مشددة، وهي فعَّال من الحزّ.
(٣) رواه عبد الرزاق (١٤٦٧٧).
(٤) انظر "مصنف عبد الرزاق" ٨/ ١٥٠، ١٥١.
[ ١ / ٢٠١ ]
الرجل يقضى من الرِّبا، قال: لا بأس به، وعن الرجل يُقضى من القمار قال: لا بأس به، خرّجه الخلّال بإسناد صحيح، ورُوي عن الحسن خلاف هذا، وأنَّه قال: إنَّ هذه المكاسب قد فسدت، فخذوا منها شبه المضطَر.
وعارض المروي عن ابن مسعود وسلمان، ما روي عن أبي بكر الصدِّيق أنَّه أكل طعامًا ثم أخبر أنَّه من حرام، فاستقاءه (^١).
وقد يقع الاشتباه في الحكم، لكون الفرع متردِّدًا بين أصول تجتذبُه، كتحريم الرجل زوجته، فإنَّ هذا متردِّدٌ بين تحريم الظِّهار الذي ترفعه الكفَّارةُ الكبرى، وبين تحريم الطَّلقة الواحدة بانقضاء عدَّتها الذي تُباحُ معه الزوجة بعقدٍ جديدٍ، وبين تحريم الطَّلاق الثلاث الذي لا تُباح معه الزوجة بدون زوج وإصابة وبين تحريم الرجل عليه ما أحلَّه الله له مِنَ الطَّعام والشراب الذي لا يحرمه، وإنما يُوجب الكفَّارة الصُّغرى، أو لا يُوجب شيئًا على الاختلاف في ذلك، فمن هاهنا كَثُرَ الاختلافُ في هذه المسألة من زمن الصحابة فمن بعدهم.
وبكلِّ حالٍ، فالأمور المشتبهة التي لا يتبين أنَّها حلال ولا حرام لكثيرٍ مِنَ
_________________
(١) رواه البخاري (٣٨٤٢) من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: "كان لأبي بكرٍ غلامٌ يُخرجُ له الخَراجَ، وكان أبو بكرٍ يأكلُ من خَراجِهِ، فجاءَ يومًا بشيءٍ فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ: وما هو؟ قال: كنت تكَهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهليَّةِ، وما أُحسن الكهانةَ، إلَّا أني خدعتهُ فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه. فأدخل أبو بكرٍ يده فقاء كلَّ شيءٍ في بطنه ". وقوله: "يخرج له الخراج" أي: يأتيه بكسبه، والخراج: ما يقرره السيد على عبده من مالٍ يحضره له من كسبه. قال الحافظ: والذي يظهر أن أبا بكر إنِّما قاء لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن، وحلوان الكاهن هو ما يأخذه على كهانته، والكاهن: من يخبر بما سيكون عن غير دليل شرعي، وكان ذلك قد كثر في الجاهلية خصوصًا بعد ظهور النبي - ﷺ -.
[ ١ / ٢٠٢ ]
النَّاس، كما أخبر به النبي - ﷺ -، قد يتَبيَّنُ لبعض النَّاس أنها حلال أو حرام، لما عِنده مِنْ ذلك من مزيدِ علمٍ، وكلام النبيِّ - ﷺ - يدل على أن هذه المشتبهات مِنَ النَّاسِ من يعلمُها، وكثير منهم لا يعلمها، فدخل فيمن لا يعلمها نوعان:
أحدهما: من يتوقَّف فيها، لاشتباهها عليه.
والثاني: من يعتقدُها على غيرِ ما هي عليه، ودل كلامُه على أنَّ غير هؤلاء يعلمها، ومرادُه أنَّه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أنَّ المصيبَ عند الله في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلفِ فيها واحدٌ عندَ الله ﷿، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى أنَّه غيرُ مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر، وإن كان يعتقدُ فيها اعتقادًا يستندُ فيه إلى شبهة يظنها دليلًا، ويكون مأجورًا على اجتهاده، ومغفورًا له خطؤه لعدم اعتماده.
وقوله - ﷺ -: "فمن اتَّقى الشُّبهاتِ، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقَعَ في الشُّبهَاتِ، وقع في الحرام" قسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين، وهذا إنَّما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، وهو من لا يعلمها، فأمَّا مَنْ كان عالمًا بها، واتَّبع ما دلَّه علمهُ عليها، فذلك قسمٌ ثالث، لم يذكره لظهور حكمه، فإنَّ هذا القسم أفضلُ الأقسام الثلاثةِ؛ لأنَّه عَلِمَ حكمَ الله في هذه الأمور المشتبهة على النَّاس، واتَّبع علمَه في ذلك. وأما من لم يعلم حكم الله فيها، فهم قسمان: أحدهما من يتقي هذه الشبهات، لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه.
ومعنى استبرأ: طلب البراءة لدينه وعرضه مِنَ النَّقْص والشَّين، والعوض: هو موضعُ المدح والذمِّ من الإنسان، وما يحصل له بذكره بالجميل مدحُ، وبذكره بالقبيح قدحٌ، وقد يكون ذلك تارةً في نفس الإنسان، وتارةً في سلفه، أو في
[ ١ / ٢٠٣ ]
أهله، فمن اتَّقى الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حَصَّنَ عِرْضَهُ مِنَ القَدح والشَّين الداخل على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل على أنَّ من ارتكب الشُّبهات، فقد عرض نفسه للقدح فيه والطَّعن، كما قال بعض السَّلف: من عرض نفسه للتُّهم، فلا يلومنَّ من أساء به الظنَّ.
وفي رواية للترمذي في هذا الحديث: "فمن تركها، استبراءً لدينه وعرضه، فقد سَلِمَ " والمعنى: أنَّه يتركُها بهذا القصد - وهو براءةُ دينه وعرضه من النقص - لا لغرضٍ آخر فاسدٍ من رياءٍ ونحوه.
وفيه دليلٌ على أنَّ طلب البراءة للعرض ممدُوحٌ كطلب البراءة للدين، ولهذا ورد: "أنَّ ما وقى به المرءُ عِرضَه، فهو صدقةٌ".
وفي رواية في "الصحيحين" (^١) في هذا الحديث: "فمن ترك ما يشتبه عليه مِنَ الإثمِ، كان لما استبانَ أتركَ" يعني: أن من ترك الإثمَ مع اشتباهه عليه، وعدم تحققه، فهو أولى بتركه إذا استبان له أنَّه إثمٌ، وهذا إذا كان تركه تحرُّزًا من الإثم، فأمَّا من يَقصِدُ التصنعَ للناسِ، فإنَّه لا يتركُ إلا ما يَظُنُّ أنَّه ممدوحٌ عندهم تركُه.
القسم الثاني: من يمع في الشبهات مع كونها مشتبهةً عنده، فأمَّا مَنْ أتى شيئًا مما يظنُّه الناس شبهةً، لعلمه بأنَّه حلال في نفس الأمر، فلا حَرَج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشيَ من طعن الناس عليه بذلك، كان تركُها حينئذ استبراءً لعرضه، فيكون حسنًا، وهذا كما قال النبيُّ - ﷺ - لمن رآه واقفًا مع صفية: إنَّها صفيَّةُ بنتُ حُيي" (^٢). وخرج أنس إلى الجمعة، فرأى الناسَ قد صلَّوا
_________________
(١) هي رواية للبخاري (٢٥٠١)، وليست عند مسلم.
(٢) رواه البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥)، وأبو داود (٢٤٧٠)، وأحمد ٦/ ٣٣٧ من حديث صفيَّة.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ورجعوا، فاستحيى، ودخل موضعًا لا يراهُ النَّاس فيه، وقال: "من لا يستحيي من الناس، لا يستحيي من الله". وخرَّجه الطبراني مرفوعًا، ولا يصحّ (^١).
وإن أتى ذلك لاعتقاده أنَّه حلال، إمَّا باجتهادٍ سائغٍ، أو تقليدٍ سائغٍ، وكان مخطئًا في اعتقاده، فحكمهُ حكمُ الذي قبلَه، فإنَّ كان الاجتهادُ ضعيفًا، أو التقليدُ غيرَ سائغٍ، وإنَّما حمل عليه مجرّد اتباع الهوى، فحكمُهُ حكمُ من أتاه مع اشتباهه عليه، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، فقد أخبر عنه النبيُّ - ﷺ - أنَّه وقع في الحرام، وهذا يفسر بمعنيين:
أحدهما: أنَّه يكونُ ارتكابُهُ للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنَّه حرام بالتدريج والتسامح.
وفي رواية في "الصحيحين" لهذا الحديث: "ومن اجترأَ على ما يشكُّ فيه مِنَ الإثمِ، أَوشَكَ أن يُواقعَ ما استبانَ" (^٢). وفي رواية (^٣): "ومَنْ يُخالطِ الرِّيبةَ، يوشِكُ أن يَجْسُرَ" أي: يَقرُب أنْ يَقْدَمَ على الحرام المحضِ، والجسورُ: المقدام الذي لا يهابُ شيئًا، ولا يُراقب أحدًا، ورواه بعضهم: "يجشُر" بالشِّين المعجمة، أي: يرتع، والجَشْر: الرعي، وجشرتُ الدابة: إذا رعيتها. وفي مراسيل أبي المتوكل الناجي عن النبي - ﷺ -: "مَنْ يرعى بجنباتِ الحرامِ، يوشكُ أنْ يُخالطهُ، ومن تهاون بالمحقِّرات، يُوشِكُ أنْ يُخالِطَ الكبائر".
والمعني الثاني: أن من أقدم على ما هو مشتبهٌ عنده، لا يدري: أهو حلالٌ أو حرام، فإنَّه لا يأمن أن يكون حرامًا في نفس الأمر، فيُصادِفُ الحرام وهو لا
_________________
(١) رواه الطبراني في " الأوسط "، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ٢٧، وقال: وفيه جماعة لم أعرفهم.
(٢) هي رواية للبخاري (٢٠٥١) فقط.
(٣) هي لابن حبان (٧٢١)، والنسائي ٨/ ٣٢٧، وأبي داود (٣٣٢٩).
[ ١ / ٢٠٥ ]
يدري أنَّه حرامٌ. وقد رُوي من حديث ابن عمر عن النبيِّ - ﷺ - قال: "الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّن وبينهما مُشتبهات، فمن اتَّقاها، كان أنزَه لدينِهِ وعِرضه، ومن وقعَ في الشُّبهَاتِ أوشَكَ أنْ يقع في الحَرامِ، كالمرتع حَولَ الحِمى، يُوشِكُ أنْ يُواقعَ الحِمى وهو لا يشعر" خرجه الطبراني وغيره (^١).
واختلف العلماء: هل يُطيع والديه في الدُّخول في شيءٍ من الشُّبَهة أم لا يُطيعهما؟ فرُوي عن بشر بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشُّبهةِ، وعن محمَّد بن مقاتل العبَّادانيِّ قال: يُطيعهما، وتوقف أحمد في هذه المسألة، وقال: يُدارِيهما، وأبى أن يُجيبَ فيها.
وقال أحمد: لا يشبعُ الرجل مِنَ الشُّبهة، ولا يشتري الثوبَ للتَّجمُّل مِن الشبهة، وتوقف في حدِّ ما يُؤكل وما يُلبس منها، وقال في التَّمرة يلقيها الطيرُ: لا يأكلُها، ولا يأخذها، ولا يتعرَّضُ لها.
وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلُسَ أو الدَّراهِم: أحبُّ إليَّ أن يتنزَّهُ عنها، يعني: إذا لم يدرِ من أين هي. وكان بعضُ السَّلف لا يأكلُ إلَّا شيئًا يعلمُ من أينَ هو، ويسأل عنه حتى يقفَ على أصله. وقد رُويَ في ذلك حديثٌ مرفوعٌ، إلا أن فيه ضعفًا (^٢).
_________________
(١) قال الهيثمي في "المجمع" ٤/ ٧٤: رواه الطبراني في "الأوسط "، وفي إسناده سعد بن زنبور، قال أبو حاتم: مجهول.
(٢) روى الطبراني في "الكبير" ٢٥/ (٤٢٨)، وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" ٥/ ٤٧١، وابن الأثير في "أسد الغابة" ٧/ ٣٥٩، عن أمِّ عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله - ﷺ - بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في طول النَّهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها: " أنى كان لكِ هذا اللبن؟ " فقالت: من شاة لي، فرد إليها رسولها: "أنى كانت لك هذه الشَّاة؟ " فقالت: اشتريتها من مالي، فأخذه منها، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله، فقالت: يا رسول الله، بعثت إليك باللبن مرثية لك من طول
[ ١ / ٢٠٦ ]
وقوله - ﷺ -: "كالرَّاعي يرعى حولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يرتَعَ فيه، ألا وإن لكلِّ ملكٍ حِمى، وإنَّ حِمى اللهِ محارمه": هذا مَثَلٌ ضربه النبيُّ - ﷺ - لمن وقع في الشُّبهات، وأنَّه يقرُب وقوعه في الحرام المحض، وفي بعض الروايات أن النبيَّ - ﷺ - قال: "وسأضرب لذلك مثلًا"، ثم ذكر هذا الكلامَ، فجعل النبيُّ - ﷺ - مثلَ المحرمات كالحِمى الذي تحميه الملوكُ، ويمنعون غيرهم من قُربانه، وقد جعل النبيُّ - ﷺ - حول مدينته اثني عشر ميلًا حِمى محرمًا لا يُقطعُ شجرُه ولا يُصادُ صيدُه (^١)، وحمى عمرُ وعثمان أماكنَ ينبتُ فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة (^٢).
_________________
(١) = النهار وشدة الحر، فرددت الرسول فيه؟ فقال لها: "بذلك أمرت الرسل أن لا نأكل إلَّا طيّبًا ولا نعمل إلا صالحًا". وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٥/ ٢٩١، وقال: فيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.
(٢) رواه مسلم (١٣٧٢) (٤٧٣) من حديث أبي هريرة.
(٣) رواه البخاري (٢٣٧٠) من طريق يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "لا حمى إلَّا لله ولرسوله "، وقال: (القائل هو الزهري): بلغنا أن النبي - ﷺ - حمى النقيع، وأن عمر حمى الشَّرَف والرَّبَذَةَ. وفيه أيضًا (٣٠٥٩) من طريق زيد بن أسلم عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل مولى له يدعى هُنيًّا على الحِمى فقال: يا هُنَيُّ اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المسلمين، فإنَّ دعوة المظلوم مستجابة، وأَدخِل ربَّ الصُّرَيمة وربَّ الغُنيمةِ، وإيّاي ونَعَم ابنِ عوفٍ ونَعَم ابنِ عفَّان؛ فإنَّهما إن تهلِكْ ماشيَتُهما يرجعا إلى نخلٍ وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلِك ماشيتُهما يأتني ببنيه، فيقول: يا أمير المؤمنين. أفَتاركُهم أنا لا أبالك؟ فالماء والكلأ أيسر عليَّ من الذهب والوَرِق، وايمُ اللهِ إنهم ليرونَ أني قد ظلمتهم، إنها لَبِلادُهم، فقاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المالُ الذي أحملُ عليه في سبيل الله، ما حميتُ عليهم من بلادهم شِبرًا".=
[ ١ / ٢٠٧ ]
والله ﷿ حمى هذه المحرَّمات، ومنع عباده من قربانها وسمَّاها حدودَه، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذا فيه بيان أنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهم وما حرَّم عليهم، فلا يقولُوا الحرامَ، ولا يتعدَّوا الحلال، ولذلك قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجعل من يرعى حول الحمى وقريبًا منه جديرًا بان يدخُلَ الحِمى ويرتع فيه، فكذلك من تعدَّى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنَّه قد قارب الحرام غايةَ المقاربة، فما أخلقَهُ بأن يُخالِطَ الحرامَ المحضَ، ويقع فيه، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّه ينبغي التباعد عنِ المحرَّماتِ، وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزًا.
وقد خرّج الترمذي وابن ماجه مِنْ حديثِ عبد الله بن يزيد عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتَّقين حتى يَدَعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأسٌ " (^١).
_________________
(١) =وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح فيما قاله الحافظ في "الفتح" ٥/ ٤٥ عن نافع، عن ابن عمر أن عمر حمى الربذة لنِعَمِ الصدقة. وروى البيهقي في "سننه" ٦/ ١٤٧ من حديث أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان بن عفان ﵁ أن وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم، فلما سمعوا به أقبلوا نحوه، قال: وكره أن يَقدموا عليه المدينة فأتوه فقالوا له: ادع بالمصحف، وافتح السابعة - وكانوا يسمون سورة يونس السابعة - فقرأها حتى أتى على هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾، قالوا له: قف. أرأيت ما حميت من الحِمى، الله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه، نزلت في كذا وكذا، فأمَّا الحمى، فإنَّ عمر حمى الحِمى قبلي لإبلِ الصدقة، فلما وُلِّيتُ زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لما زاد في الصدقة. وانظر "شرح السنة" ٨/ ٢٧٢ - ٢٧٥.
(٢) رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥)، وقال الترمذي: حسن غريب مع أن في=
[ ١ / ٢٠٨ ]
وقال أبو الدرداء: تمامُ التقوى أن يتقي الله العبدُ، حتّى يتقيَه مِنْ مثقال ذرَّة، وحتى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلال، خشيةَ أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبمنَ الحرام.
وقال الحسنُ: ما زالتِ التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.
وقال الثوري: إنَّما سُموا المتقين لأنهم اتَّقَوْا ما لا يُتقى (^١). وروي عن ابن عمر قال: إنِّي لأحبُّ أن أدعَ بيني وبين الحرام سترةً من الحلال لا أخرقها.
وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلالُ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال (^٢).
وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبدٌ حقيقة الإِيمان حتى يجعل بينه وبينَ الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدعَ الإثم وما تشابه منه (^٣).
ويستدلُّ بهذا الحديثِ مَنْ يذهب إلى سدِّ الذرائع إلى المحرَّمات وتحريم الوسائل إليها، ويَدُلُّ على ذلك أيضًا من قواعدِ الشريعة تحريمُ قليلِ ما يُسكر كثيرُه، وتحريمُ الخلوة بالأجنبية، وتحريمُ الصَّلاة بعد الصُّبح وبعدَ العصرِ سدًّا لذريعة الصَّلاة عندَ طُلوع الشمس وعندَ غروبها، ومنعُ الصَّائم من المباشرة إذا كانت تحرِّكُ شهوتَه، ومنع كثيرٍ من العلماءِ مباشرةَ الحائضِ فيما بين سرّتها ورُكبتها إلَّا مِنْ وراء حائلٍ، كما كان النبيُّ - ﷺ - يأمر امرأتَه إذا كانت حائضًا أن تتَّزر، فيباشِرُها مِنْ فوق الإزار (^٤).
_________________
(١) = سنده عبد الله بن يزيد الدمشقي وهو ضعيف.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٧/ ٢٨٤ من قول سفيان بن عيينة.
(٣) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٨٤.
(٤) "الحلية" ٧/ ٢٨٨.
(٥) روى أحمد ٦/ ١٣٤، والبخاري (٣٠٠)، ومسلم (٢٩٣)، وأبو داود (٢٦٨)، والترمذي=
[ ١ / ٢٠٩ ]
ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبيُّ - ﷺ -: من سيَّبَ دابَّته ترعى بقُرْب زرع غيرِه، فإنَّه ضامن لما أفسدته من الزرع، ولو كان ذلك نهارًا، هذا هو الصحيح؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ بإرسالها في هذه الحال.
وكذا الخلافُ لو أرسل كلبَ الصَّيدِ قريبًا من الحرم، فدخل الحرمَ فصاد فيه، ففي ضمانه روايتان عن أحمد، وقيل: يضمنه بكل حال.
وقوله - ﷺ -: "ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب"، فيه إشارة إلى أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارحه، واجتنابه للمحرَّمات واتِّقاءه للشُّبهات بحسب صلاحِ حركةِ قلبِه.
فإن كان قلبُه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها، ونشأ عن ذلك اجتنابُ المحرَّماتِ كلها، وتوقي الشبهات حذرًا مِنَ الوقوعِ في المحرّمات.
وإن كان القلبً فاسدًا، قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه، وطلب ما يحبُّه، ولو كرهه الله، فسدت حركاتُ الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتِّباع هوى القلب.
ولهذا يقال: القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنَّ كان الملكُ صالحًا كانت هذه الجنود صالحةً، وإن كان فاسدًا كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلا القلبُ السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]،
_________________
(١) = (١٣٢)، والنسائي ١/ ١٥٩، وابن ماجه (٦٣٦) عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يأمر إحدانا إذا كانت حائضًا أن تتَّزر، ثم يباشرها. وصححه ابن حبان (١٣٦٤).
[ ١ / ٢١٠ ]
وكان النبيُّ - ﷺ - يقول في دعائه: "أَسأَلُكَ قلبًا سليمًا" (^١)، فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلُّها، وهو القلبُ الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يحبُّه الله، وخشية الله، وخشية ما يُباعد منه.
وفي "مسند" الإِمام أحمد (^٢) عن أنس عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه ".
والمراد باستقامة إيمانه: استقامةُ أعمال جوارحه، فإنَّ أعمالَ الجوارحِ لا تستقيمُ إلَّا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب أن يكونَ ممتلئًا مِنْ محبَّةِ الله، ومحبَّة طاعته، وكراهة معصيته.
قال الحسن لرجل: داوِ قلبكَ؛ فإنَّ حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم: يعني أنَّ مراده منهم ومطلوبه صلاحُ قلوبهم، فلا صلاحَ للقلوب حتى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبَّتُه وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليه، وتمتلئَ مِنْ ذلك، وهذا هو حقيقةُ التوحيد، وهو معنى "لا إله إلَّا الله"، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألَهُه وتعرفه وتحبُّه وتخشاه هو الله وحده لا شريكَ له، ولو كان في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
_________________
(١) روى أحمد ٤/ ١٢٥، والترمذي (٣٤٥٧)، والنسائي ٣/ ٥٤ عن شداد بن أوس أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في صلاته: "اللهمّ إني أسألكَ الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم ". وصححه ابن حبان (١٩٧٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) ٣/ ١٩٨، وتمامه: "ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجلٌ الجنة لا يأمن جاره بوائقه ". وذكره الهيثمي في "المجمع" ١/ ٥٣، وقال: فيه علي بن مسعدة، وثقه جماعة، وضعّفه آخرون.
[ ١ / ٢١١ ]
فعلم بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَم العلويِّ والسُّفليّ معًا حتى تكونَ حركاتُ أهلها كلُّها لله، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلب وإرادته، فإنَّ كانت حركتُه وإرادتُه لله وحدَه، فقد صَلَحَ وصَلَحَتْ حركاتُ الجسدِ كله، وإن كانت حركةُ القلب وارادته لغيرِ الله تعالى، فسدَ، وفسدت حركاتُ الجسد بحسب فساد حركة القلب.
وروى الليثُ عن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] قال: لا تحبُّوا غيري.
وفي "صحيح الحاكم" (^١) عن عائشة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "الشِّركُ أخفى من دبيب الذرِّ على الصفا في اللَّيلة الظَّلماء، وأدناهُ أن تُحِبَّ على شيءٍ من الجور، وأن تُبغض على شيءٍ من العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبّ والبغض؟ قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^٢) [آل عمران: ٣١]. فهذا يدلُّ على أن محبةَ ما يكرهه اللهَ، وبغضَ ما يُحبه متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيِّ، ويدلّ على ذلك قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباعَ رسولهِ، فدلَّ على أن المحبَة لا تتمّ بدون الطاعة والموافقة.
قال الحسن: قال أصحابُ النبي - ﷺ -: يا رسول الله، إنَّا نُحِبُّ ربنا حبًا شديدًا. فأحبَّ الله أن يجعل لحبه عَلَمًا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. ومن هنا قال الحسن: اعلم أنك لن تُحِبَّ الله حتى تُحِبَّ طاعته.
_________________
(١) ٢/ ٢٩١، وصححه على شرط الشَّيخين، وردَّه الذهبي بقوله: عبد الأعلى (أحد رواة الحديث) قال الدارقطني: ليس بثقة.
(٢) رواه ابن جرير في "تفسيره" (٦٨٤٨) من طريق أبي بكر الحنفي، عن عبَّاد بن منصور عن الحسن.
[ ١ / ٢١٢ ]
وسئل ذو النون: متى أُحِبُّ ربي؟ قال: إذا كان ما يُبغضه عندك أمرَّ من الصبر. وقال بشر بن السَّرِي: ليس من أعلام الحبِّ أن تُحبَّ ما يُبغِضُه حبيبك (^١) وقال أبو يعقوب النهرجوري (^٢): كلُّ من ادَّعى محبةَ الله ﷿، ولم يُوافَق الله في أمره، فدعواه باطل. وقال رُويم: المحبة الموافقة في كلِّ الأحوال (^٣)، وقال يحيى بنُ معاذ: ليسر. بصادقٍ من ادَّعى محبة الله ولم يحفظ حدوده، وعن بعض السلف قال: قرأتُ في بعض الكتب السالفة: من أحبَّ الله لم يكن عنده شيءٍ آثرَ من رضاه، ومن أحبَّ الدنيا لم يكن عنده شيءٍ آثر من هوى نفسه.
وفي " السنن " عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ أعطى لله، ومنع لله، وأحبَّ لله، وأبغض لله، فقد استكمل الِإيمان" (^٤) ومعنى هذا أن حركات القلب والجوارح إذا كانت كلُّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهرًا وباطنًا، ويلزمُ من صلاح حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الل وارادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه، وعما يخشى أن يكونَ مما يكرهه وإن لم يتيقن ذلك.
قال الحسن: ما نظرتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمي حتى أنظر على طاعةٍ أو على معصية؟ فإنَّ كانت طاعةٌ تقدمت، وإن كانت معصية تأخَّرت.
_________________
(١) الخير في "الحلية" ٨/ ٣٥٠.
(٢) اسمه إسحاق بن محمد من رجال "الحلية" ١٠/ ٣٥٦.
(٣) ذكره في "الحلية" ١٠/ ٣١١ في ترجمة رويم، وأنشده بإثره .. ولو قيل لي: مُت مُتُّ سمعًا وطاعةً … وقلت لداعي الموت أهلًا ومرحبا
(٤) حديث حسن وقد تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢١٣ ]
وقال محمد بن الفضل البَلخي (^١): ما خطوتُ منذ أربعين سنة خطوةً لغير الله ﷿. وقيل لداود الطائي: لو تنحيتَ من الظلّ إلى الشمس، فقال: هذه خُطا لا أدري كيف تكتب.
فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبُهم، فلم يبق فيها إرادة لِغير الله ﷿، صلحت جوارحُهم، فلم تتحرّك إلا لله ﷿، وبما فيه رضاه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) له ترجمة في "الحلية" ١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣، ونقل عنه قوله: ست خصال يعرف بها الجاهل: الغضب في غير شيءٍ، والكلام في غير نفع، والعِظة في غير موضعها، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد، ولا يعرف صديقه من عدوه.
[ ١ / ٢١٤ ]