عَنْ أبي هُريرَةَ - ﵁ - أن رَجُلًا قالَ للنَّبيِّ - ﷺ -: أوصِني، قال: "لا تَغْضَبْ" فردَّد مِرارًا قال: "لا تَغْضَبْ". رواهُ البُخاريُّ (^١).
هذا الحديثُ خرَّجه البخاري من طريق أبي حَصِين الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولم يُخرجه مسلم؛ لأن الأعمشَ رواه عن أبي صالح، واختلف عليه في إسناده فقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، كقول أبي حَصين، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، وعند يحيى بن معين أن هذا هو الصحيحُ، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد، وقيل: عنه عن أبي صالح عن أبي هريرة أو جابر، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن رجل من الصحابة غير مسمى.
وخرَّج الترمذي (^٢) هذا الحديثَ من طريق أبي حصين أيضًا ولفظُه: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله علِّمني شيئًا ولا تُكثر عليَّ لَعَلِّي أعيه، قال: "لا تَغْضب"، فردد ذلك مرارًا كلُّ ذلك يقول: "لا تغضب" وفي رواية أخرى لغير الترمذي قال: قلتُ: يا رسولَ الله دلني على عمل يدخلني الجنة ولا تُكثِرْ عليَّ، قال: "لا تَغْضَب".
فهذا الرجلُ طلب مِن النبيّ - ﷺ - أن يُوصِيَه وصيةً وجيزةً جامعةً لِخصال
_________________
(١) برقم (٦١١٦)، ورواه أحمد ٢/ ٣٦٢ و٤٦٦.
(٢) برقم (٢٠٢٠).
[ ١ / ٣٦١ ]
الخيرِ، ليحفظها عنه خشيةَ أن لا يحفظها لكثرتها، فوصاه النبيُّ - ﷺ - أن لا يغضب، ثم ردَّدَ هذه المسألة عليه مرارًا، والنبيُّ - ﷺ - يردِّدُ عليه هذا الجوابَ، فهذا يدلُّ على أن الغضب جِماعُ الشرِّ، وأن التحرُّز منه جماعُ الخير.
ولعلَّ هذا الرجلَ الذي سأل النبىَّ - ﷺ - هو أبو الدرداء، فقد خرَّج الطبراني من حديث أبي الدرداء قال: قلتُ: يا رسولَ الله دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: "لا تَغْضَبْ ولك الجَنَّةُ" (^١).
وقد روى الأحنفُ بنُ قيسٍ، عن عمه جارية بن قدامة أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ قُلْ لي قولًا، وأقْلِلْ عليَّ لعلي أعقِلُهُ، قال: "لا تغضب"، فأعاد عليه مرارًا كُلُّ ذلك يقول: "لا تَغضَبْ" خرجه الإمام أحمد (^٢)، وفي رواية له (^٣) أن جارية بن قُدامة قال: سألت النبيّ - ﷺ - فذكره.
فهذا يغلب على الظنِّ أن السائلَ هو جارية بنُ قدامة، ولكن ذكر الإمامُ أحمد عن يحيى القطان (^٤) أنه قال: هكذا قال هشام، يعني: أن هشامًا ذكر في الحديث أن جارية سأل النبيَّ - ﷺ -، قال يحيى: وهم يقولون: لم يُدرك النبيَّ - ﷺ -، وكذا قال العجليُّ وغيرُه: إنه تابعي وليس بصحابي.
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث الزهري، عن حُميد بنِ عبد الرحمن، عن
_________________
(١) ذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ٧٠، وقال: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وأحد إسنادي "الكبير" رجاله ثقات.
(٢) ٣/ ٤٨٤ و٥/ ٣٤، وإسناده صحيح، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير صحابيِّه جارية بن قدامة، فقد روى له النَّسَائِي في "مسند علي" وصححه ابن حبان (٥٦٨٩) و(٥٦٩٠).
(٣) هو في "المسند" ٥/ ٣٤، ورجاله ثقات رجال الشيخين أيضًا.
(٤) ذكره في "المسند" بإثر الروايتين.
[ ١ / ٣٦٢ ]
رجلٍ من أصحاب النبيِّ - ﷺ - قال: قلتُ: يا رسولَ الله أوصني، قال: "لا تَغْضَبْ" قال الرجل: ففكرتُ حين قال النبيُّ - ﷺ - ما قال، فإذا الغَضَبُ يجمع الشرَّ كُلَّه (^١) ورواه مالك في "الموطأ" (^٢) عن الزهري عن حُميد، مرسلًا.
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث عبد اللهِ بنِ عمرو أنه سأل النبيَّ - ﷺ -: ماذا يُبَاعِدُني مِنْ غَضَبِ اللهِ ﷿؟ قال: "لا تَغْضَب" (^٣).
وقول الصحابي: ففكرتُ فيما قال النبيُّ - ﷺ - فإذا الغضبُ يجمع الشرَّ كلَّه يشهد لما ذكرناه أن الغضبَ جماعُ الشرِّ، قال جعفر بنُ محمد: الغضبُ مفتاحُ كلِّ شرٍّ. وقيل لابنِ المبارك: اجْمَعْ لنا حسنَ الخلق في كلمة، قال: تركُ الغضبِ.
وكذا فسر الإمام أحمد، وإسحاقُ بنُ راهويه حسنَ الخلق بتركِ الغضب، وقد رُوي ذلك مرفوعًا، خرجه محمدُ بن نصر المروزي في كتاب "الصلاة" (^٤) من حديث أبي العلاء بن الشِّخِّير أن رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ - مِن قِبَلِ وجهه، فقالَ: يا رسولَ الله أيُّ العملِ أَفضلُ؟ قال: "حُسْنُ الخُلُق" ثم أتاه عن يمينه، فقال: أيُّ العمل أفضل؟ قال: "حسنُ الخُلُقِ"، ثم أتاه عن شِماله فقال: يا رسول الله، أيُّ العمل أفضل؟ قال: "حسنُ الخُلُقِ"، ثم أتاه من بعده، يعني: من خلفه، فقال: يا رسولَ الله أيُّ العملِ أفضلُ؟ فالتفت إليه رسولُ الله - ﷺ - فقال: "مالك لا تَفْقَهُ! حُسْنُ الخُلُقِ هو أن لا تَغْضَبَ إن استطعْتَ". وهذا مرسل.
فقولُه - ﷺ - لمن استوصاه: "لا تَغْضَبْ" يحتَملُ أمرين:
_________________
(١) "المسند" ٢/ ١٧٥، ٣٦٢، ٤٦٦، و٣/ ٤٨٤، و٥/ ٣٤، ٣٧٠، ٣٧٢، ٣٧٣.
(٢) ٢/ ٩٠٦.
(٣) "المسند" ٢/ ١٧٥، وصححه ابن حبان (٢٩٦).
(٤) رقم (٨٧٨)، وهو على إرساله، رجاله ثقات، رجال الشيخين.
[ ١ / ٣٦٣ ]
أحدُهما: أن يكون منَ مرادُه الأمرَ بالأسباب التي توجب حُسْنَ الخُلُقِ من الكرم والسخاء والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكفِّ الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ، والطَّلاقةِ والبِشْرِ، ونحوِ ذلك من الأخلاق الجميلة، فإن النفسَ إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه.
والثاني: أن يكونَ المرادُ: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حَصَلَ لك، بل جاهد نفسَك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابنَ آدم كان كالآمر الناهي له، ولهذا المعنى قال الله ﷿: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤] فإذا لم يمتثل الإنسانُ ما يأمره به غضبُه، وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شرُّ الغضب، وربما سكن غَضَبُهُ، وذهب عاجلًا، فكأنه حينئذ لم يغضب، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارةُ في القرآن بقوله ﷿: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، وبقوله ﷿: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وكان النبيُّ - ﷺ - يأمر من غَضِبَ بتعاطي أسبابٍ تدفعُ عنه الغضبَ، وتُسَكِّنُهُ، ويمدح من ملك نفسَه عند غضبه، ففي "الصحيحين" عن سليمانَ بنِ صُرَد قال: استَبَّ رجلانِ عندَ النبيِّ - ﷺ - ونحنُ عنده جلوسٌ، وأحدُهما يَسُبُّ صاحبهُ مغضبًا قد احمرَّ وجهُهُ، فقال النبيُّ - ﷺ -: "إني لأعْلَمُ كلمةً لو قالها، لذهبَ عنه ما يجد، لو قال: أعوذُ بالله من الشَّيطان الرجيم" فقالوا للرجل: ألا تسمعُ ما يقولُ النبيُّ - ﷺ -؟ قال: إني لَسْتُ بمجنونٍ (^١).
وخرَّج الإمامُ أحمد والترمذيُّ من حديثَ أبي سعيد الخُدري أن النبيَّ - ﷺ -
_________________
(١) رواه البخاري (٦١١٥) و(٣٢٨٢) و(٦٠٤٨)، ومسلم (٢٦١٠)، وانظر تفسير قوله: "إني لست بمجنون" في "فتح الباري" ١٠/ ٤٦٧.
[ ١ / ٣٦٤ ]
قال في خُطْبته: "ألا إنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ في قَلب ابنِ آدمَ، أفما رأيتُم إلى حُمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحسَّ من ذلك شَيئًا، فليَلْزَقْ بالأرضِ" (^١).
وخرَّج الِإمامُ أحمدُ، وأبو داود من حديث أبي ذرٍّ أن النبيَّ - ﷺ - قال: "إذا غَضِبَ أحدُكُم وهو قائِمٌ، فَلْيَجْلِس، فإن ذَهَبَ عَنه الغضبُ وإلا فليَضطجِعْ" (^٢).
وقد قيل: إن المعنى في هذا أن القائم متهيِّئ، للانتقام، والجالس دونَه في ذلك، والمضطجع أبعدُ عنه، فأمره بالتباعد عن حالةِ الانتقام، ويَشْهَدُ لذلك أنه رُوي من حديث سِنان بنِ سعد، عن أنس، عن النبيِّ - ﷺ -، ومن حديث الحسن مرسلًا عن النبيِّ - ﷺ - قال: "الغَضَبُ جَمرةٌ في قَلب الإنسانِ تَوَقَّدُ ألا ترى إلى حُمرةِ عَيْنَيهِ وانْتِفَاخِ أوداجِهِ، فإذا أحس أحدُكُم مِنْ ذَلك شيئًا، فليَجْلِسْ، ولا يَعْدُوَنَّه الغَضَبُ" (^٣).
والمرادُ: أنه يحبسه في نفسه، ولا يُعديه إلى غيره بالأذى بالفعلِ، ولهذا المعنى قال النبيُّ - ﷺ - في الفتن: "إنَّ المضطجِعَ فيها خَيْرٌ من القَاعِدِ، والقَاعِدَ فيها خيرٌ من القَائِم، والقائِمَ خَيرٌ مِنَ المَاشِي، والمَاشِي خَيرٌ مِنَ السَّاعي" (^٤) وإن
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ١٩ و٦١، والترمذي (٢١٩١) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ومع ذلك فقد حسنه الترمذي.
(٢) رواه أحمد ٥/ ١٥٢ وأبو داو (٤٧٨٢)، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٥٦٨٨).
(٣) الحديث من رواية أنس لم نجده فيما تيسر لنا من المصادر ورواية الحسن المرسلة عند عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٢٨٩) عن معمر، عنه.
(٤) رواه من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث مسلم (٢٨٨٧) وأبو داود (٤٢٥٦) وأحمد ٥/ ٤٨. وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري (٧٠٨١) ومسلم (٢٨٨٦) وعن سعد بن=
[ ١ / ٣٦٥ ]
كان هذا على وجه ضرب المثالِ في الإسراع في الفتن، إلا أن المعنى: أن من كان أقرب إلى الإسراع فيها، فهو شر ممن كان أبعد عن ذلك.
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث ابنِ عباس عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إذا غَضِبَ أحَدُكُمْ، فليَسْكُتْ"، قالها ثلاثًا (^١).
وهذا أيضًا دواء عظيم للغضب؛ لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرًا من السِّباب وغيره مما يعظم ضَرَرُهُ، فإذا سكت زال هذا الشرّ كله عنه، وما أحسنَ قولَ مورق العجلي ﵀: ما امتلأتُ غيظًا قَطُّ ولا تكلَّمتُ في غضبٍ قطُّ بما أندمُ عليه إذا رضيتُ. وغضب يومًا عمرُ بنُ عبد العزيز فقال له ابنُه عبدُ الملكِ رحمهما اللُه: أنتَ يا أميرَ المؤمنين مع ما أعطاك الله وفضَّلك به تغضبُ هذا الغَضبَ؟ فقال له: أوما تغضبُ يا عبدَ الملك؟ فقال عبد الملك: وما يُغني عني سعةُ جوفي إذا لم أرَدِّدْ فيه الغضبَ حتى لا يظهر؟ فهؤلاء قوم ملكوا أنفسهم عند الغضب - ﵃ -.
وخرَّج الإمامُ أحمد، وأبو داود من حديث عُروة بنِ محمد السَّعدي أنَّه كلَّمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم قال: حدثني أبي عن جدِّي عطيةَ، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيطانِ، وإن الشيطانَ خُلِقَ من النَّارِ، وإنما تُطفَأ النار بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحَدُكُم، فَليَتوضَّأ" (^٢).
_________________
(١) = أبي وقاص عند أحمد ١/ ١٦٨ - ١٦٩ والترمذي (٢١٩٤) وأبي داود (٤٢٥٧)، وعن ابن مسعود عند أحمد ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩.
(٢) ١/ ٢٣٩ و٢٨٢، ورواه البزار في "مسنده" ١/ ٩٠، وفي سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، كما قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٣١.
(٣) رواه أحمد ٤/ ٢٢٦، وأبو داود (٤٧٨٤) والبخاري في "تاريخه" ٨/ ٧ والبغوي في "شرح السنة" (٣٥٨٣) وسنده حسن، وأخطأ مَنْ ضعَّفه ممن ينتحل صناعة الحديث في زماننا.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وروى أبو نعيم (^١) بإسناده عن أبي مسلم الخولاني أنه كَلَّم معاوية بشيءٍ وهو على المنبر، فغضب، ثم نزل فاغتسل، ثم عاد إلى المنبر، وقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الغضبَ مِن الشيطان، والشيطانَ من النار، والماءُ يُطفئ النار، فإذا غَضِبَ أحدكم فليغتسل".
وفي "الصحيحين" (^٢) عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لَيْسَ الشَّديدُ بالصُّرعَةِ، إنما الشَّديدُ الَّذي يَملِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ".
وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ما تَعُدُّونَ الصُّرَعة فيكم؟ " قلنا: الذي لا تَصْرَعُهُ الرِّجالُ، قال: "ليس ذلك، ولكنه الذي يَملِكُ نَفْسَه عندَ الغضبِ".
وخرَّج الإمامُ أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من كَظَمَ غَيظًا وهو يستطيعُ أن ينفذه، دعاه الله يومَ القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أيِّ الحورِ شاء" (^٤).
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث ابن عمر عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما تَجَرَّع عبدٌ
_________________
(١) في "الحلية" ٢/ ١٣٠، ورواه ابن عساكر في "تاريخه" ١٦/ ٣٦٥/ ١، وفي سنده ضعيف ومجهول.
(٢) البخاري (٦١١٤) ومسلم (٢٦٠٩). قال ابن الأثير: والصُّرَعَة بضم الصاد وفتح الراء: شديد الصرع للرجال، والمراد به هاهنا: الحليم عند الغضب، وهذا من الألفاظ التي نقلها النبي - ﷺ - عن وضْعها في اللغة بضرب من التوسع والمجاز، وهو من فصيح الكلام، كأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ، قد ثارت عليه شهوة الغضب، فقهرها بحِلْمه، وصرعها بثباته، وكان صُرَعَة كما يَصْرع الصُّرَعَةُ الرجال.
(٣) رقم (٢٦٠٨).
(٤) رواه أحمد ٣/ ٤٤٠ والترمذي (٢٠٢١) وأبو داود (٤٧٧٧)، وابن ماجه (٤١٨٦) وسنده حسن، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
[ ١ / ٣٦٧ ]
جُرعَةً أفضلَ عندَ اللهِ من جُرعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُها ابتغاءَ وجهِ الله ﷿" (^١) ومِن حديث ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَا مِنْ جُرْعَةٍ أحبَّ إلى اللهِ من جُرعةِ غَيظٍ يَكظِمُها عبد، ما كظم عبدٌ لله إلا ملأ الله جوفَه إيمانًا" (^٢). وخرَّج أبو داود معناه من رواية بعضِ الصحابة عن النبيِّ - ﷺ - وقال: "ملأه الله أمنًا وإيمانًا" (^٣).
وقال ميمون بن مِهران: جاء رجلٌ إلى سلمان، فقال: يا أبا عبدِ الله أوصني، قال: لا تغضب، قال: أمرتني أن لا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملِكُ، قال: فإن غضبتَ، فامْلِكْ لِسانك ويَدَك. خرَّجه ابن أبي الدنيا، وملكُ لسانه ويده هو الذي أشار إليه النبيُّ - ﷺ - بأمره لمن غَضِبَ أن يجلس، ويضطجع وبأمره له أن يسكت.
قال عمرُ بنُ عبد العزيز: قد أفلحَ مَنْ عُصِمَ من الهوى، والغضب، والطمع (^٤).
وقال الحسن: أربعٌ من كُنَّ فيه عصمه الله من الشيطان، وحرَّمه على النار: مَنْ ملك نفسَه عندَ الرغبة والرهبة والشهوةِ والغضبِ.
وهذه الأربع التي ذكرها الحسن هي مبدأ الشرِّ كُلِّه، فإن الرغبةَ في الشيء هي ميلُ النفس إليه لاعتقاد نفعه، فمن حصل له رغبةٌ في شيءٍ، حملته تلك
_________________
(١) صحيح، رواه أحمد ٢/ ١٢٨، وابن ماجه (٤١٨٩) ورجاله ثقات. الجُرعة، بضم الجيم، وهي الاسم من التجرع، أي: الشرب، ويجوز فتحها، وهي المرة الواحدة منه، والجرعة بالضم أيضًا: ملء الفم يبتلعها. وتجرع الجرعة: شربها وابتلعها، وجرع الغيظ: كظمه، على المثل بذلك. قال ابن الأثير: كظم الغيظ: تجرعه واحتمال سببه، والصبر عليه.
(٢) رواه أحمد ١/ ٣٢٧، وسنده ضعيف.
(٣) برقم (٤٧٧٨) وسنده حسن في الشواهد، وهذا منها.
(٤) ذكره أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٩٠.
[ ١ / ٣٦٨ ]
الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يَظُنُّه موصلًا إليه؛ وقد يكون كثير منها محرمًا؛ وقد يكون ذلك الشيء المرغوبُ فيه محرمًا.
والرهبة: هي الخوفُ من الشيء، وإذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكلِّ طريق يظنه دافعًا له، وقد يكون كثير منها محرَّمًا.
والشهوة: هي ميلُ النفس إلى ما يُلائمها، وتلتذُّ به، وقد تميل كثيرًا إلى ما هو محرَّم كالزنى والسرقة وشرب الخمر، بل وإلى الكفر والسحر والنفاق والبدع.
والغضب: هو غليانُ دم القلب طلبًا لدفع المؤذي عندَ خشية وقوعه، أو طلبًا للانتقام ممن حصل منه الأذى بعدَ وقوعه، وينشأ من ذلك كثيرٌ من الأفعال المحرمة كالقتل والضرب وأنواعِ الظلم والعُدوان؛ وكثيرٍ من الأقوال المحرَّمة كالقذفِ والسبِّ والفحشَ، وربما ارتقى إلى درجة الكفر، كما جرى لجبلة بن الأيهم (^١)، وكالأيمان التي لا يجوزُ التزامُها شرعًا، وكطلاق الزوجة الذي يُعقب الندمَ.
والواجبُ على المؤمن أن تكون شهوتُه مقصورةً على طلب ما أباحه الله له، وربما تناولها بنيةٍ صالحةٍ، فأثيب عليها، وأن يكونَ غضبه دفعًا للأذى في الدين له أو لغيره وانتقامًا ممن عصى الله ورسولَه، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥].
وهذه كانت حالَ النبيِّ - ﷺ -، فإنه كان لا ينتقِمُ لنفسه، ولكن إذا انتهكت
_________________
(١) هو جبلة بن الأيهم بن جبلة الغسّاني، من آل جفنة: آخر ملوك الغساسنة في الشام. أسلم وهاجر إلى المدينة ثم ارتد، وخرج إلى بلاد الروم ولم يزل فيها حتى توفي سنة ٢٠ هـ. انظر أخباره في "الأغاني" ١٥/ ١٦٦، و"شرح المقامات" ٢/ ٩٧ - ٩٩ للشريشي و"خزانة الأدب" ٤/ ٣٩٢ - ٤٠٠.
[ ١ / ٣٦٩ ]
حرماتُ الله لم يَقُمْ لِغضبه شيء (^١) ولم يضرب بيده خادمًا ولا امرأة إلا أن يجاهِدَ في سبيل الله (^٢). وخدمه أنس عشرَ سنين، فما قال له: "أفٍّ" قط، ولا قال له لشيء فعله: "لم فعلتَ كذا" (^٣)، ولا لشيء لم يفعله: "ألا فعلت كذا". وفي رواية أنه كان إذا لامه بعضُ أهله قال - ﷺ -: "دعوه فلو قُضي شيءٌ كان". وفي رواية للطبراني (^٤) قال أنس: خدمتُ رسولَ الله - ﷺ - عشر سنين، فما دَرَيْتُ شيئًا قطُّ وافقه، ولا شيئًا قط خالفه، رضي من الله بما كان.
وسئلت عائشةُ عن خُلُقِ رسول اللّه - ﷺ -، فقالت: كان خُلُقُه القُرآن (^٥)، تعني: أنه تأدَّب بآدابه، وتخلَّق بأخلاقه، فما مدحه القرآن، كان فيه رضاه، وما ذمه القرآنُ، كان فيه سخطه، وجاء في رواية عنها، قالت: كان خُلُقُه القُرآن يرضى لِرضاه ويسخط لسخطه.
وكان - ﷺ - لِشدَّةِ حيائه لا يُواجِهُ أحدًا بما يكره، بل تُعرف الكراهة في وجهه، كما في "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبيُّ - ﷺ - أشدً حياءً من العذراءِ في خِدْرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه، عرفناه في وجهه (^٦). ولما بلَّغَه ابنُ
_________________
(١) رواه البخاري (٦١٢٦) ومسلم (٢٣٢٧) وأبو داود (٤٧٨٥) عن عائشة، ولفظ البخاري: " … وما انتقم رسول الله - ﷺ - لنفسه في شيء قط، إلّا أن تنتهك حرمة الله فينتقم".
(٢) رواه مسلم (٢٣٢٨) وأبو داود (٤٧٨٦) وابن ماجه (١٩٨٤) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٣) رواه البخاري (٦٠٣٨) ومسلم (٢٣٠٩) من حديث أنس، وصححه ابن حبان (٢٨٩٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) في "المعجم الصغير" (١١٠٠) مطولًا، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٩/ ١٦، وزاد نسبته إلى "الأوسط"، وقال: وفيه من لم أعرفه، وفي الصحيح بعضه.
(٥) رواه مسلم (٧٤٦) وأحمد ٥٤/ ٦، ٩١، ١١١، ١٨٨، و٢١٦، والنسائي ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠ وابن ماجه (٢٣٣٣) والدارمي ١/ ٣٤٥.
(٦) رواه البخاري (٦١٠٢) ومسلم (٢٣٢٠).
[ ١ / ٣٧٠ ]
مسعودٍ قَولَ القائل: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، شقَّ عليه - ﷺ -، وتَغيَّر وجهه، وغَضِبَ، ولم يَزِدْ على أن قال: "قد أوذِيَ موسى بأكثر من هذا فصبر" (^١).
وكان - ﷺ - إذا رأى، أو سَمِعَ ما يكرهه الله، غَضِبَ لذلك، وقال فيه، ولم يَسْكُتْ، وقد دخل بيتَ عائشة فرأى سترًا فيه تصاويرُ، فتَلَوَّنَ وجهُهُ وهتكه، وقال: "إن مِنْ أشدَّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ الَّذينَ يُصوِّرُونَ هذه الصُّورَ" (^٢). ولما شُكِيَ إليه الإمامُ الذي يُطيل بالناس صلاته حتى يتأخرَ بعضهم عن الصَّلاة معه، غَضِبَ، واشتد غضبُه، ووَعَظَ النَّاسَ، وأمر بالتَّخفيف (^٣).
ولما رأى النُّخامَةَ في قبلة المسجد، تغَيَّظ، وحكَّها، وقال: "إنَّ أحدَكُمْ إذا كان في الصَّلاةِ، فإن الله حِيالَ وَجْهِهِ، فلا يَتَنخَّمَنَّ حِيال وجهه في الصَّلاةِ" (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٥٠) و(٤٣٣٦) ومسلم (١٠٦٢).
(٢) رواه البخاري (٥٩٥٤) و(٦٠١٩) ومسلم (٢١٠٧) (٩٢)، وصححه ابن حبان (٥٨٤٧) وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) رواه مسلم (٤٦٦) من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إنّي لأَتأَخَّرُ عن صلاة الصُّبح من أجل فلانٍ ممَّا يُطيلُ بنا، فما رأيت النبي - ﷺ - غضب في موعظة قطُّ أشدَّ مما غضب يومئذٍ، فقال: "يا أيها الناسُ، إنَّ منكُم مُنفِّرينَ، فأيُّكم أمَّ الناسَ فليوجِزْ، فإنَّ من ورائه الكبيرَ والضعيفَ وذا الحاجةِ".
(٤) رواه من حديث ابن عمر مالكٌ ١/ ١٩٤، والبخاري (٤٠٦) و(٧٥٣) و(١٢١٣) و(٦١١١) ومسلم (٥٤٧) وأبو داود (٤٧٩) والنسائي ٢/ ٥١. ورواه من حديث أنس البخاري (٤٠٥) و(٤١٣) ومسلم (٥٥١). ورواه من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة البخاري (٤٠٨) و(٤٠٩) ومسلم (٥٤٨).
[ ١ / ٣٧١ ]
وكان من دعائه - ﷺ -: "أسألك كَلِمَة الحقِّ في الغضب والرِّضا" (^١) وهذا عزيز جدًا، وهو أن الِإنسانَ لا يقول سوى الحقِّ سواء غَضِبَ أو رضي، فإن أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول.
وخرَّج الطبراني من حديث أنس مرفوعًا: "ثلاثٌ من أخلاقِ الِإيمان: مَنْ إذا غَضِبَ لم يُدخله غضبُهُ في باطلٍ، ومن إذا رَضِيَ، لم يُخرجه رضاه مِن حقٍّ، ومن إذا قَدَرَ، لم يتعاطَ ما ليسَ له" (^٢).
وقد روي عن النبيِّ - ﷺ -: "أنه أخبر عن رجلين ممن كان قبلنا كان أحدُهما عابدًا، وكان الآخرُ مسرفًا على نفسه، فكان العابدُ يَعِظُهُ، فلا ينتهي، فرآه يومًا على ذنبٍ استعظمه، فقال: والله لا يَغفِرُ الله لك، فغفر الله للمذنب، وأحبط عملَ العابًد". وقال أبو هريرة: لقد تكلَّم بكلمة أوبقت دنياه وآخِرَته، فكان أبو هريرة يُحَذِّرُ الناسَ أن يقولوا مثلَ هذه الكلمة في غضب. وقد خرجه الِإمامُ أحمد
_________________
(١) قطعة من حديث صحيح رواه النَّسَائِي ٣/ ٥٤ - ٥٥ وأحمد ٤/ ٢٦٤ عن عمار بن ياسر أنه صلى صلاة فأوجز فيها، فأنكروا ذلك، فقال: ألم أُتِمَّ الركوعَ والسجودَ؟ قالوا: بلى قال: أما إنِّي قد دعوتُ فيهما بدعاء كان رسول الله - ﷺ - يدعو به: "اللهُمَّ بعِلْمِك الغيبَ وقدرتك على الخلق أحيِني ما علمت الحياةَ خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي، أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصدَ في الفقر والغنى، ولذَّة النظر إلى وجهك، والشَّوق إلى لقائك، وأعوذُ بك من ضرَّاءَ مُضرَّةٍ ومن فتنةٍ مُضلَّة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مهديّين". وصححه ابن حبان (١٩٧١).
(٢) رواه الطبراني في "الصغير" (١٦٤)، وفي سنده بشر بن الحسين الأصبهاني صاحب الزبير بن عدي، قال البخاري: فيه نظر، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: عامة حديثه ليس بمحفوظ، وقال أبو حاتم: يكذب على الزبير.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وأبو داود (^١)، فهذا غَضِبَ لله، ثم تكلَّم في حال غضبه لله بما لا يجوزُ، وحتم على الله بما لا يعلم، فأحبط الله عمله، فكيف بمن تكلَّم في غضبه لنفسه، ومتابعة هواه بما لا يجوز.
وفي "صحيح مسلم" عن عِمران بنِ حُصين: أنهم كانوا مع النبيِّ - ﷺ - في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقةٍ، فضَجِرَتْ، فلعَنَتها فسَمِعَ النَّبيُّ - ﷺ -، فقال: "خذُوا مَتَاعَها ودَعُوها" (^٢).
وفيه أيضًا عن جابر قال: سِرنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة ورجلٌ من الأنصارٍ على ناضح له، فتلدَّنَ عليه بعض التلدُّن، فقال له: سِرْ، لَعنَك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "انْزِلْ عنه، فلا تَصْحَبْنا بملعونٍ، لا تدعوا على أنفُسِكُم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تَدْعوا على أموالكم لا تُوافِقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم" (^٣).
فهذا كله يدلُّ على أن دعاء الغضبانِ قد يُجاب إذا صَادف ساعةَ إجابةٍ، وأنَّه ينهى عن الدعاء على نفسه وأهله وماله في الغضب.
وأما ما قاله مجاهد (^٤) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، قال: هو الواصِلُ لأهله وولده وماله إذا غضِبَ عليه، قال: اللهمَّ لا تُبارِكْ فيه، اللهم العنه، يقول: لو عجل له ذلك، لأهلك مَنْ دعا عليه، فأماتَه. فهذا يدلّ على أنه لا يُستجاب
_________________
(١) هو في "المسند" ٢/ ٣٢٣ وسنن أبي داود (٤٩٠١)، وسنده حسن.
(٢) هو في "صحيح مسلم" (٢٥٩٥).
(٣) هو في "صحيح مسلم" (٣٠٠٩). وقوله: تَلدَّن: تلكَّأ وتوقف. وقوله: "شأْ": كلمة زجر للبعير.
(٤) في "تفسيره" ١/ ٢٩٢، وانظر تفسير الطبري ١٥/ ٣٤ - ٣٥.
[ ١ / ٣٧٣ ]
جميعُ ما يدعو به الغضبانُ على نفسه وأهله وماله، والحديثُ دلَّ على أنه قد يُستجابُ لمصادفته ساعة إجابة.
وأما ما رُوي عن الفُضيل بنِ عياض قال: ثلاثةٌ لا يُلامون على غضبٍ: الصائمُ والمريضُ والمسافرُ، وعن الأحنف بن قيس قال: يوحي الله إلى الحافظين اللذين مع ابن آدم: لا تكتبا على عبدي في ضجره شيئًا، وعن أبي عمران الجوني قال: إن المريضَ إذا جزع فأذنب، قال المَلَكُ الذي على اليمين للملك الذي على الشمال: لا تكتب، خرَّجه ابن أبي الدنيا، فهذا كلُّه لا يُعرف له أصلٌ صحيحٌ من الشرع يدلُّ عليه، والأحاديثُ التي ذكرناها من قبل تدلُّ على خلافه.
وقول النبيّ - ﷺ -: "إذا غضبتَ فاسكت" يدلّ على أن الغضبانَ مُكَلَّفٌ في حال غضبه بالسكوت، فيكون حينئذ مؤاخذًا بالكلام، وقد صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - أنه أمر من غضب أن يتلافى غضبَه بما يُسكنه من أقوال وأفعال، وهذا هو عينُ التكليف له بقطع الغضب، فكيف يقال: إنَّه غيرُ مكلَّف في حال غضبه بما يصدر منه.
وقال عطاءُ بنُ أبي رباح: ما أبكى العلماءَ بكاء آخر العمر من غضبة يغضبُها أحدُهُم فتهدِمُ عملَ خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سَبعينَ سنة، وربَّ غضبة قد أقحمت صاحبها مقحمًا ما استقاله. خرجه ابن أبي الدنيا.
ثم أن من قال مِن السلف: إن الغضبان إذا كان سببُ غضبه مباحًا، كالمرض، أو السفر، أو طاعةً كالصَّوْم لا يُلام عليه إنما مرادُه أنه لا إثمَ عليه إذا كان مما يقع منه في حال الغضب كثيرًا من كلام يُوجبُ تضجرًا أو سبًا ونحوه كما قال - ﷺ -: "إنَّما أنا بَشَرٌ أرضَى كما يرضىَ البَشَرُ، وأغْضَبُ كما يَغْضَبُ
[ ١ / ٣٧٤ ]
البشر، فأيّما مسلم سببتُه أو جلدتُه، فأجعلها له كفارةً" (^١).
فأما ما كان من كفر، أو ردَّةٍ، أو قتل نفس، أو أخذ مالٍ بغير حقٍّ ونحو ذلك، فهذا لا يشكُّ مسلم أنهم لم يُريدوا أنَّ الغضبانَ لا يُؤاخذُ به، وكذلك ما يقعُ من الغضبان من طلاقٍ وعَتاقٍ، أو يمينٍ، فإنه يُؤاخَذُ بذلك كُلِّه بغيرِ خلافٍ. وفي "مسند الإمام أحمد" (^٢) عن خويلة بنت ثعلبة امرأة أوس بنِ الصامت أنَّها راجعت زوجَها، فغَضِبَ، فظاهر منها وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خُلُقُه وضَجرَ، وأنها جاءت إلى النبيِّ - ﷺ -، فجعلت تشكو إليه ما تلقى من سوء خلقه، فأنزل الله آيةَ الظهار، وأمره رسول الله - ﷺ - بكفارة الظِّهار في قصة طويلة، وخرجها ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن أبي العالية: أن خُويلة غضب زوجها فظاهر منها، فأتت النبي - ﷺ -، فأخبرته بذلك، وقالت: إنه لم يُردِ الطلاقَ، فقال النبيُّ - ﷺ -: "ما أراكِ إلا حَرُمْتِ عليه"، وذكر القصةَ بطولها، وفي آخرها، قال: فحوَّل الله الطلاقَ، فجعله ظهارًا.
فهذا الرجل ظاهر في حال غضبه، وكان النبيُّ - ﷺ - يرى حينئذ أن الظهارَ طلاق، وقد قال: إنها حَرُمَتْ عليه بذلك، يعني: لزمه الطلاق، فلما جعله الله ظهارًا مكفرًا ألزمه بالكفارة، ولم يُلغه.
وروى مجاهد عن ابنِ عباس أن رجلًا قال له: إني طلقت امرأتي ثلاثًا وأنا
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة البخاري (٦٣٦١) ومسلم (٢٦٠١) وصححه ابن حبان (٦٥١٦). ورواه مسلم (٢٦٠٠) من حديث عائشة، و(٢٦٠١) من حديث جابر بن عبد الله، و(٢٦٠٣) من حديث أنس بن مالك، وصححه ابن حبان (٦٥١٤).
(٢) ٦/ ٤١٠، وهو حديث صحيح مخرج في "صحيح ابن حبان" (٤٢٧٩).
[ ١ / ٣٧٥ ]
غضبان، فقال: إنَّ ابنَ عباس لا يستطيع أن يُحِل لك ما حرَّم الله عليك، عصيتَ ربَّك وحرمت عليك امرأتك. خرجه الجوزجاني والدارقطني (^١) بإسناد على شرط مسلم.
وخرج القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب "أحكام القرآن" بإسنادٍ صحيح عن عائشة قالت: اللغو في الأيمان ما كان في المراءِ والهزل والمزاحة، والحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وأيمانُ الكفارة على كلِّ يمينٍ حلفت عليها على جدٍّ من الأمر في غضب أو غيره: لَتَفْعَلنَّ أو لَتَترُكنَّ، فذلك عقدُ الأيمان فيها الكفارة. وكذا رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (^٢) وهذا من أصحِّ الأسانيد، وهذا يدلُّ على أن الحديث المروي عنها مرفوعًا: "لا طلاقَ ولا عتاق في إغْلاقٍ" (^٣) إما أنه غير صحيح، أو أن تفسيرَه
_________________
(١) في "سننه" ٤/ ١٣ من طريق حبان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن سليمان المخزومي، عن مجاهد بن جبر قال: جاء رجلٌ من قريشٍ إلى ابنِ عباس فقال: يا أبا عباس إني طلقت امرأتي ثلاثًا وأنا غضبانُ، فقال: إن أبا عباس لا يستطيع أن يُحلَّ لك ما حرُمَ عليك: عصيتَ ربك، وحرمت عليك امرأتك، إنك لم تتق الله، فيجعَلَ لك مخرجًا، ثم قرأ: إذا طَلَّقتم النِّساء فطلِّقوهنَّ في قُبُلِ عدَّتهنَّ طاهرًا من غير جماعٍ، قال سيف: وليس "طاهرًا من غير جماع" في التلاوة، ولكنه تفسيره. قال: وَنا ابن المبارك: أنا سفيان، عن عمر بن مرة، عن سعيد بن جبير. قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني طلقت امرأتي ألفًا، قال: أمَّا ثلاثٌ فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر اتخذت آيات الله هزوًا. وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين.
(٢) ذكره الحافظ في "الفتح" ١١/ ٤٨، عن ابن وهب، وزاد نسبته إلى ابن أبي عاصم من طريق الزبيدي، وعن عبد الرزاق في "المصنف" عن معمر، ثلاثتهم عن الزهري عن عروة عن عائشة.
(٣) رواه أحمد ٦/ ٢٧٦ وأبو داود (٢١٩٣)، وابن أبي شيبة ٥/ ٤٩، والدارقطني ٤/ ٣٦، والحاكم ٢/ ١٩٨، والبيهقي ٧/ ٣٥٧ من طرق عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد=
[ ١ / ٣٧٦ ]
بالغضب غيرُ صحيح (^١). وقد صحَّ عن غير واحد من الصحابة أنهم أفْتَوا أن يمينَ الغضبان منعقدة وفيها الكفارةُ، وما روي عن ابن عباس مما يُخالِفُ ذلك فلا يصحُّ إسنادُه، قال الحسنُ: طلاقُ السنة أن يُطلقها واحدة طاهرًا من غير جماعٍ، وهو بالخيار ما بينه وبيْنَ أن تحيضَ ثلاث حيض، فإن بدا له أن يُراجِعَهَا كان أملكَ بذلك، فإن كان غضبان، ففي ثلاثِ حيض، أو في ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيضُ ما يذهب غضبَهُ. وقال الحسن: لقد بَيَّن الله لئلا يندم أحدٌ في طلاق كما أمره الله. خرّجه القاضي إسماعيل.
_________________
(١) = الكلاعي، عن محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، وهذا سند ضعيف لضعف محمد بن عبيد. ورواه الدارقطني من طريق قَزَعة بن سويد، (وهو ضعيف) عن زكريا بن إسحاق، ومحمد بن عثمان، عن صفية، عن عائشة. ورواه الحاكم من طريق نعيم بن حماد، عن أبي صفوان عبد الله بن سعيد الأموي، عن ثور بن يزيد، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة. قلت: ونعيم بن حماد صاحب مناكير، وقد سقط من هذا الإسناد محمد بن عبيد.
(٢) برقم (١٩٥٥)، ورواه الترمذي (١٤٠٩) وأبو داود (٢٨١٥) والنسائي ٧/ ٢٢٧، وصححه ابن حبان (٥٨٨٣). قال الخطابي في "معالم السنن" ٣/ ٢٤٢: معنى الإغلاق: الإكراه، وكان عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس - ﵃ - لا يرون طلاق المكره طلاقًا، وهو قولُ شريح وعطاء وطاووس، وجابر بن يزيد، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم وسالم، وإليه ذهب مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وقال ابن تيمية فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم في "مختصر السنن" ٣/ ١١٧ - ١١٨: والإغلاق: انسداد باب العلم، والقصد عليه، فيدخل فيه طلاقُ المعتوه والمجنون والسكران والمكره والغضبان الذي لا يعقل ما يقول؛ لأن كلا من هؤلاء قد أغلق عليه باب العلم والقصدِ، والطلاقُ إنَّما يقع من قاصدٍ له، عالم به، والله أعلم.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وقد جعل كثيرٌ من العلماء الكناياتِ معَ الغضب كالصريح في أنه يقعُ بها الطلاقُ ظاهرًا؛ ولا يقبل تفسيرُها مع الغضبِ بغيرَ الطلاق، ومنهم مَنْ جعل الغضب مع الكنايات كالنية، فأوقع بذلك الطلاق في الباطن أيضًا، فكيف يجعل الغضب مانعًا من وقوع صريحِ الطلاق.
[ ١ / ٣٧٨ ]