عَنْ أَبي هُريرة ﵁، عَنِ رسول الله - ﷺ -، قال: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِنٍ كُرْبةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيامَةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَليهِ في الدُّنْيَا والآخرَةِ، ومَنْ سَتَرَ مُسلِمًا، سَتَره اللهُ في الدُّنيا والآخِرة، واللهُ فِي عَوْنِ العَبْد ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخيهِ، ومَنْ سَلَكَ طَريقًا يَلتَمِسُ فِيهِ عِلمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طريقًا إلى الجَنَّةِ، وما جَلَس قَومٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ، ويَتدَارَسُونَه بَينَهُم، إلَّا نَزَلَتْ عليهِمُ السَّكينَةُ، وغَشِيتْهُمُ الرَّحمَةُ، وحَفَّتْهُم المَلائكَةُ، وذَكَرَهُم الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، ومَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لم يُسرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" رواهُ مسلمٌ (^١).
هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واعترض عليه غيرُ واحدٍ مِنَ الحفَّاظ في تخريجه، منهم أبو الفضل الهروي والدارقطني، فإنَّ أسباط بن محمَّدِ رواه عن الأعمَش؛ قال: حُدِّثْتُ عن أبي صالح (^٢)، فتبيَّن أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح ولم يذكر من حدثه به عنه، ورجَّح التّرمذي وغيره هذه الرواية، وزاد بعضُ أصحاب الأعمش في
_________________
(١) برقم (٢٦٩٩). ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٢٥٢ و٤٠٧، وأبو داود (٣٦٤٣)، والترمذي (٢٦٤٦) و(٢٩٤٥)، وابن ماجه (٢٢٥)، وابن أبي شيبة ٨/ ٧٢٩، والدارمي ١/ ٩٩، والبغوي (١٢٧)، و(١٣٠)، وصححه ابن حبان (٨٤) و(٥٣٤) و(٥٠٤٥).
(٢) رواه أبو داود (٤٩٤٦)، والترمذي (١٤٢٥) و(١٩٣٠).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
متن الحديث: "ومن أقال مسلمًا أقال الله عثرتَه يومَ القيامة" (^١).
وخرجا في "الصحيحين" من حديث ابن عمرَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه، ولا يُسْلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرَّجَ عن مسلم، فرَّج الله عنه كُربةً مِنْ كُرَب يومِ القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" (^٢).
وخرَّج الطبراني (^٣) من حديث كعب بن عُجرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ نفَّس عن مؤمنٍ كُربةً مِنْ كُرَبِهِ، نفَّس اللهُ عنهُ كُربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن ستر على مؤمن عورته، ستر الله عورتَه، ومن فرَّج عن مؤمن كُربةً، فرَّج الله عنه كُربته".
وخرَّج الإِمام أحمد من حديث مسلمة بنِ مُخلَّدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "من ستر مسلمًا في الدنيا، ستره الله في الدُّنيا والآخرة، ومن نجَّى مَكروبًا، فكَّ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته" (^٤).
فقوله - ﷺ -: "من نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدُّنيا، نفَّس الله عنه كُربة من كرب يوم القيامة" هذا يرجعُ إلى أنَّ الجزاءَ من جنس العمل، وقد تكاثرت النُّصوصُ بهذا المعنى، كقوله - ﷺ -: "إنَّما يرحمُ الله من عِبادهِ الرُّحماء" (^٥)،
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ١٥٢، وأبو داود (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٢١٩٩)، والحاكم ٢/ ٤٥، وصححه ابن حبان (٥٠٣٠).
(٢) رواه البخاري (٢٤٤٢) و(٦٩٥١)، ومسلم (٢٥٨٠)، وأحمد ٢/ ٩١، وأبو داود (٤٨٩٣)، والترمذي (١٤٢٦)، وصححه ابن حبان (٥٣٣).
(٣) في "الكبير" ١٩/ (٣٥٠)، وفيه ليث بن أبي سُليم وهو ضعيف، وشعيب الأنماطي، قال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٩٣: مجهول.
(٤) رواه أحمد ٤/ ١٠٤، وفيه عنعنة ابن جريج، وانظر "مجمع الزوائد" ١/ ١٣٤، و"الرحلة في طلب الحديث" ص ١١٨ - ١٢٤.
(٥) رواه من حديث أسامة بن زيد البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣)، وأبو داود (٣١٢٥)، =
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وقوله: "إنَّ الله يعذِّب الَّذين يُعذِّبونَ النَّاس في الدُّنيا" (^١).
والكُربة: هي الشِّدَّةُ العظيمة التي تُوقِعُ صاحبَها في الكَرب، وتنفيسُها أن يُخفَّفَ عنه منها، مأخوذٌ مِنْ تنفيس الخناق، كأنه يُرخى له الخناق حتَّى يأخذ نفسًا، والتفريجُ أعظمُ منْ ذلك، وهو أن يُزيلَ عنه الكُربةَ، فتنفرج عنه كربتُه، ويزول همُّه وغمُّه، فجزاءُ التَّنفيسِ التَّنفيسُ، وجزاءُ التَّفريجِ التفريجُ، كما في حديث ابن عمر، وقد جُمِعَ بينهما في حديثِ كعبِ بنِ عُجرة.
وخرَّج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أيما مُؤْمِنٍ أطعمَ مؤمنًا على جُوعٍ، أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمنًا على ظمأ، سقاه الله يومَ القيامة من الرَّحيق المختوم، وأيما مؤمنٍ كسا مؤمنًا على عُري، كساه الله من خضر الجنة". وخرَّجه الإِمام أحمد بالشكّ في رفعه، وقيل: إن الصحيح وقفه (^٢).
_________________
(١) = والنسائي ٤/ ٢٢، وابن ماجه (١٥٨٨).
(٢) رواه من حديث هشام بن حكيم بن حزام مسلم (٢٦١٣)، وأبو داود (٣٠٤٥)، وصححه ابن حبان (٥٦١٢).
(٣) رواه الترمذي (٢٤٤٩)، وأحمد ٣/ ١٣ - ١٤، وفي سنده عطية العوفي، وهو ضعيف، وقال الترمذي: حديث غريب (أي: ضعيف)، وقد روي موقوفًا على أبي سعيد، وهو أصح. ورواه أبو داود (١٦٨٢) من طريق آخر، وفي سنده أبو خالد الدالاني وهو كثير الخطأ. وقوله: "من الرحيق المختوم" الرحيق: الشراب الخالص الذي لا غش فيه، والمختوم: الذي يختم من أوانيها، وهو عبارة عن نفاستها وكرامتها. وقوله: "من خُضْر الجنة": هو بضم الخاء وسكون الضاد، جمعُ أخضر، أي: من ثيابها الخضر، فهو من إقامة الصفة مقام الموصوف.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وروى ابن أبي الدُّنيا (^١) بإسناده عن ابن مسعود قال: "يُحشر الناسُ يوم القيامة أعرى ما كانوا قطُّ، وأجوعَ ما كانوا قطُّ، وأظمأَ ما كانوا قطُّ، وأنصبَ ما كانوا قط، فمن كسا للهِ - ﷿ -، كساه الله، ومن أطعم لله - ﷿ -، أطعمه الله، ومن سقى لله - ﷿ -، سقاه الله، ومن عفَا لله - ﷿ -، أعفاه الله".
وخرَّج البيهقي من حديث أنس مرفوعًا: "أن رجلًا من أهل الجنةِ يُشرف يومَ القيامة على أهلِ النَّارِ، فيُناديه رجلٌ من أهلِ النَّار: يا فلان، هل تعرفني؟ فيقول: لا والله ما أَعرِفُك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررتَ بي في دار الدُّنيا، فاستسقيتني شَربةً من ماءٍ، فسقيتُك، قال: قد عرفتُ، قال: فاشفع لي بها عند ربِّك، قال: فيسأل الله - ﷿ -، ويقول: شفِّعني فيه، فيأمر به، فيُخرجه من النار" (^٢).
وقوله: "كُربة من كُرَبِ يوم القيامة"، ولم يقل: "من كُرب الدُّنيا والآخرة" كما قال في التَّيسير والسَّتر، وقد قيل في مناسبة ذلك: إنَّ الكُرَبَ هي الشَّدائدُ العظيمة، وليس كلّ أحد يحصُلُ له ذلك في الدُّنيا، بخلاف الإِعسار والعورات المحتاجة إلى الستر، فإنَّ أحدًا لا يكادُ يخلو في الدُّنيا من ذلك، ولو بتعسُّر بعض الحاجات المهمَّة. وقيل: لأنَّ كُرَبَ الدُّنيا بالنِّسبة إلى كُرَب الآخرة كلا شيءٍ، فادَّخر الله جزاءَ تنفيسِ الكُرَبِ عندَه، لينفِّسَ به كُرَب الآخرة، ويدلُّ على ذلك قولُ النَّبيِّ - ﷺ -: "يجمع اللهَ الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ، فيسمَعُهُم الدَّاعي، وينفُذُهُم البصر، وتدنو الشَّمسُ منهم، فيبلُغُ النَّاسُ من الغمِّ
_________________
(١) في كتاب "اصطناع المعروف" كما في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٦٦.
(٢) ورواه أبو يعلى (٣٤٩٠) وفي سنده علي بن أبي سارة، قال أبو داود: تركوا حديثه، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٣٨٢: متروك. ورواه ابن ماجه (٣٦٨٥) بنحوه، وفيه يزيد بن أبان الرقاشي.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
والكرب ما لا يُطيقون ولا يحتملون، فيقول النَّاسُ بعضُهم لبعض: ألا ترونَ ما قد بلغكُم؟ ألا تنظرون من يشفعُ لكم إلى ربِّكم؟ "، وذكر حديثَ الشفاعة، خرَّجاه بمعناه من حديث أبي هريرة (^١).
وخرَّجا من حديث عائشة عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "تُحشرون حُفاةً عُراةً غُرْلًا"، قالت: فقلتُ: يا رسول الله، الرِّجال والنِّساءُ ينظرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟ قال: "الأمرُ أشدُّ من أن يُهِمَّهم ذلك" (^٢).
وخرَّجا من حديث ابن عمر عن النَّبيِّ - ﷺ - في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، قال: "يقومُ أحدُهم في الرَّشح إلى أنصاف أذنيه" (^٣).
وخرَّجا من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "يَعْرَقُ النَّاسُ يومَ القيامةِ حتَّى يذهب عرَقُهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويُلجمُهُم حتَّى يبلغَ آذانهم" ولفظه للبخاري، ولفظ مسلم: "إنَّ العرق ليذهبُ في الأرض سبعين باعًا، وإنَّه ليبلغ إلى أفواهِ النَّاس، أو إلى آذانهم" (^٤).
وخرَّج مسلم (^٥) من حديث المقداد، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "تدنُو الشَّمسُ مِنَ العباد حتَّى تكون قدرَ ميلٍ أو ميلين، فتصهرُهم الشَّمسُ، فيكونون في
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (٩٤)، وأحمد ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦.
(٢) رواه البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩)، والنسائي ٤/ ١١٤.
(٣) رواه البخاري (٦٥٣١)، ومسلم (٢٨٦٢).
(٤) رواه البخاري (٦٥٣٢)، ومسلم (٢٨٦٣).
(٥) هذا اللفظ الذي ساقه المؤلف هو لفظ الترمذي (٢٤٢١)، ولفظ مسلم (٢٨٦٤): عن عبد الرحمن بن جابر، حدثني سُليم بن عامر، حدثني المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل".
[ ٢ / ٢٨٨ ]
العَرَقِ كقدر أعمالهم، فمنهم مَنْ يأخذُه إلى عَقِبَيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حَقْويْهِ، ومنهم من يُلجمه إلجامًا".
وقال ابن مسعود: الأرضُ كلُّها يومَ القيامةِ نارٌ، والجنَّةُ من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، فيعرَقُ الرَّجلُ حتَّى يرشَح عرقُه في الأرض قدرَ قامةٍ، ثم يرتفعُ حتَّى يبلغَ أنفه، وما مسَّه الحسابُ، قال: فمم ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ممَّا يرى النَّاس يُصنَعُ بهم (^١).
وقال أبو موسى: الشَّمسُ فوق رؤوسِ النَّاس يومَ القيامة، وأعمالهم تُظِلُّهم أو تُضحِيهم (٨).
وفي "المسند" (^٢) من حديث عُقبة بن عامرٍ مرفوعًا: "كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقته حتَّى يُفصَلَ بينَ النَّاسِ".
قوله - ﷺ -: "ومن يسَّر على مُعسِرٍ، يسَّرَ الله عليه في الدُّنيا والآخرة". هذا أيضًا يدلُّ على أنَّ الإِعسار قد يحصُل في الآخرة، وقد وصف الله يومَ القيامة بأنَّه يومٌ عسير وأنَّه على الكافرين غيرُ يسير، فدلَّ على أنَّه يسير على غيرهم، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إمَّا بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجبٌ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وتارةً بالوضع عنه إن كان غريمًا، وإلَّا، فبإعطائه ما يزولُ به إعسارُه، وكلاهما له فضل عظيم.
_________________
(١) رواه الطبراني في "البعث"، وقوى إسناده الحافظ في "الفتح" ١١/ ٣٩٤، ومعنى "تُضحيهم": تظهرهم وتبرزهم، من قولهم: ضحيت للشمس، أي: برزت لها.
(٢) ٤/ ١٤٧ - ١٤٨، وصححه ابن حبان (٣٣١٠).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرةَ عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "كان تاجرٌ يُدايِنُ النَّاسَ، فإذا رأى معسرًا، قال لصبيانه: تجاوزوا عنه، لعلَّ الله أن يتجاوزَ عنَّا، فتجاوز الله عنه" (^١).
وفيهما عن حُذيفة وأبي مسعود الأنصاري سمعا النَّبيَّ - ﷺ - يقول: "مات رجل فقيل له، فقال: كنتُ أبايعُ النَّاس، فأتجاوزُ عَن المُوسِر، وأُخَفِّفُ عنِ المُعسِرِ" وفي رواية، قال: كنتُ أُنظِرُ المعسِرَ، وأتجوَّزُ في السِّكَّة، أو قال: في النَّقد، فغُفِرَ له" (^٢). وخرَّجه مسلم (^٣) من حديث أبي مسعود عن النبيِّ - ﷺ -. وفي حديثه: "فقال الله: نحنُ أحقُّ بذلك منه، تجاوزوا عنه".
وخرَّج أيضًا من حديث أبي قتادةَ عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "من سرَّه أن يُنجيَه الله مِنْ كُرَب يومِ القيامة، فلينفِّس عن مُعسرٍ، أو يضعْ عنه" (^٤).
وخرَّج أيضًا من حديث أبي اليَسَر، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظلِّه يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظلُّه" (^٥).
وفي "المسند" (^٦) عن ابنِ عمرَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "من أراد أن تُستجاب
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٧٨) و(٣٤٨٠)، ومسلم (١٥٦٢)، والنسائي ٧/ ٣١٨، وصححه ابن حبان (٥٠٤١) و(٥٠٤٢).
(٢) رواه البخاري (٢٠٧٧) و(٢٣٩١) و(٣٤٥١)، ومسلم (١٥٦٠).
(٣) برقم (١٥٦١).
(٤) رواه مسلم (١٥٦٣).
(٥) رواه مسلم (٣٠٠٦)، وجملة: "يوم لا ظل إلا ظله" لم ترد فيه، وإنما هي عند الطبراني في "الكبير" ١٩/ (٣٧٢) و(٣٧٩) و(٣٨٠)، والشهاب القضاعي في "مسنده" (٤٦٠) و(٤٦١) و(٤٦٢)، وأبي نعيم في "الحلية" ٢/ ١٩ - ٢٠، والحديث مخرج في "صحيح ابن حبان" (٥٠٤٤).
(٦) ٢/ ٢٣ من طريق زيد العمي عن ابن عمر، وزيد العمي على ضعفه لم يسمع من ابن =
[ ٢ / ٢٩٠ ]
دعوته، وتُكشفَ كُربَتُه، فليفرِّجْ عن مُعسِرٍ".
وقوله - ﷺ -: "ومن ستَرَ مُسلمًا، ستره الله في الدُّنيا والآخرة". هذا مما تَكاثرتِ النُّصوص بمعناه. وخرَّج ابن ماجه (^١) من حديث ابن عباس، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "من ستر عورةَ أخيه المسلم، ستر الله عورته يومَ القيامة، ومن كشفَ عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتَّى يفضحه بها في بيته".
وخرَّج الإِمام أحمد من حديث عقبة بن عامر سمع النَّبي - ﷺ -، يقول: "من ستر مؤمنًا في الدنيا على عورةٍ، ستره الله - ﷿ - يوم القيامة" (^٢).
وقد روي عن بعض السَّلف أنه قال: أدركتُ قومًا لم يكن لهم عيوبٌ، فذكروا عيوبَ الناس، فذكر الناسُ لهم عيوبًا، وأدركتُ أقوامًا كانت لهم عيوبٌ، فكفُّوا عن عُيوبِ الناس، فنُسِيَت عيوبهم، أو كما قال.
وشاهد هذا حديث أبي بَرْزَةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، أنه قال: "يا معشرَ من آمن بلسانه، ولم يدخُلِ الإِيمانُ في قلبه، لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تتبعُوا عوراتهم، فإنَّه منِ اتَّبَع عوراتهم، تتبَّع الله عورته، ومن تتبَّع الله عورته، يفضحه في بيته"
_________________
(١) = عمر.
(٢) برقم (٢٥٤٦)، وحسن إسناده الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٢٣٩، وقال البوصيري في "الزوائد" ورقة ١٦٣: هو إسناد فيه مقال، محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي، قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في "الثقات" وباقي رجال الإِسناد ثقات، وله شاهد من حديث أبي هريرة، ورواه مسلم في "صحيحه" وأصحاب السنن، ورواه الترمذي من حديث ابن عمر، قلت: فالحديث صحيح.
(٣) رواه أحمد ٤/ ١٥٩، وفي سنده انقطاع، كما قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٣٤، وانظر "الرحلة في طلب الحديث" للخطيب (٣٤) و(٣٥).
[ ٢ / ٢٩١ ]
خرَّجه الإِمام أحمد وأبو داود (^١)، وخرَّج الترمذي معناه من حديث ابن عمر (^٢).
واعلم أن النَّاس على ضربين:
أحدهما: من كان مستورًا لا يُعرف بشيءٍ مِنَ المعاصي، فإذا وقعت منه هفوةٌ، أو زلَّةٌ، فإنَّه لا يجوزُ كشفُها، ولا هتكُها، ولا التَّحدُّث بها، لأنَّ ذلك غيبةٌ محرَّمةٌ، وهذا هو الذي وردت فيه النُّصوصُ، وفي ذلك قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]. والمراد: إشاعةُ الفاحشةِ على المؤمن المستتر فيما وقع منه، أو اتُّهِمَ به وهو بريء منه، كما في قصَّة الإِفك. قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمرُ بالمعروف: اجتهد أن تستُرَ العُصَاةَ، فإنَّ ظهورَ معاصيهم عيبٌ في أهل الإِسلام، وأولى الأمور ستر العيوب، ومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا، وأقرَّ بحدٍّ، ولم يفسِّرْهُ، لم يُستفسر، بل يُؤمَر بأنْ يرجع ويستُر نفسه، كما أمر النبيُّ - ﷺ - ماعزًا والغامدية (^٣)، وكما لم يُستفسرِ الذي قال: "أصبتُ حدًّا، فأقمه عليَّ" (^٤). ومثلُ هذا لو أخذَ بجريمته، ولم يبلغِ الإِمامَ، فإنه يُشفع له حتَّى لا يبلغ الإِمام. وفي مثله جاء الحديثُ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم". خرَّجه أبو داود والنسائي مِن حديث عائشة (^٥).
_________________
(١) حديث صحيح، رواه أحمد ٤/ ٤٢٠ - ٤٢١ و٤٢٤، وأبو داود (٤٨٥٩) وسنده حسن في الشواهد، وهذا منها.
(٢) رواه الترمذي (٢٠٣٢)، وقال: حسن غريب، وهو كما قال، وصححه ابن حبان (٥٧٦٣)، وهو شاهد لما قبله، وفي الباب عن البراء بن عازب عند أبي يعلى (١٦٧٥).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) هو ماعز، وقد تقدم حديثه.
(٥) رواه أبو داود (٤٣٧٥)، والنسائي في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" ١٢/ ٤١٣، وأحمد ٦/ ١٨١، والبخاري في "الأدب المفرد" (٤٦٥)، وصححه ابن =
[ ٢ / ٢٩٢ ]
والثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي، معلنًا بها لا يُبالي بما ارتكبَ منها، ولا بما قيل له فهذا هو الفاجرُ المُعلِنُ، وليس له غيبة، كما نصَّ على ذلك الحسنُ البصريُّ وغيره، ومثلُ هذا لا بأس بالبحث عن أمره، لِتُقامَ عليه الحدودُ. صرَّح بذلك بعضُ أصحابنا، واستدلّ بقولِ النبيِّ - ﷺ -: "واغدُ يا أُنيس على امرأةِ هذا، فإن اعترفت، فارجُمها" (^١). ومثلُ هذا لا يُشفَعُ له إذا أُخِذَ، ولو لم يبلغِ السُّلطان، بل يُترك حتَّى يُقامَ عليه الحدُّ لينكفَّ شرُّه، ويرتدعَ به أمثالُه. قال مالك: من لم يُعرَفْ منه أذى للنَّاس، وإنما كانت منه زلَّةٌ، فلا بأس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإِمام، وأمَّا من عُرِفَ بشرٍّ أو فسادٍ، فلا أحبُّ أن (^٢) يَشفعَ له أحدٌ، ولكن يترك حتى يُقام عليه الحدُّ، حكاه ابن المنذر وغيره.
وكره الإِمام أحمد رفعَ الفسَّاق إلى السلطان بكلِّ حالٍ، وإنَّما كرهه، لأنهم غالبًا لا يُقيمون الحدودَ على وجهها، ولهذا قال: إنْ علمتَ أنَّه يقيمُ عليه الحدَّ فارفعه، ثم ذكر أنَّهم ضربوا رجلًا، فمات: يعني لم يكن قتلهُ جائزًا.
ولو تاب أحدٌ مِنَ الضَّرب الأوَّل، كان الأفضلُ له أن يتوبَ فيما بينه وبين الله تعالى، ويستر على نفسه.
وأما الضربُ الثاني، فقيل: إنه كذلك، وقيل: بلِ الأولى له أن يأتيَ الإِمامَ، ويقرَّ على نفسه بما يُوجِبُ الحدَّ حتى يطهِّرَه.
قوله: "والله في عونِ العبد ما كان العبدُ في عون أخيه" وفي حديث ابنِ عمر: "ومن كان في حاجةِ أخيه، كان الله في حاجته". وقد سبق في شرح الحديث الخامس والعشرين والسادس والعشرين فضلُ قضاءِ الحوائجِ والسَّعي
_________________
(١) = حبان (٩٤).
(٢) رواه من حديث أبي هريرة البخاري (٢٣١٤)، ومسلم (١٦٩٧)، وصححه ابن حبان (٤٤٣٧).
(٣) في (أ): "أن لا"، وهو خطأ.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فيها. وخرَّج الطبراني (^١) من حديث عمر مرفوعًا: "أفضلُ الأعمال إدخالُ السُّرور على المؤمن: كسوت عورته، أو أشبعت جَوْعَتُه، أو قضيت له حاجة".
وبعث الحسنُ البصريُّ قومًا من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: مرُّوا بثابت البناني، فخذوه معكم، فأتوا ثابتًا، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، فقال: قولوا له: يا أعمش أما تعلم أن مشيك في حاجةِ أخيك المسلم خير لك مِنْ حجة بعد حَجَّةٍ؟ فرجعوا إلى ثابتٍ، فترك اعتكافه، وذهب معهم.
وخرَّج الإِمام أحمد (^٢) من حديث ابنةٍ لخبَّاب بن الأرت، قالت: خرج خبَّاب في سريَّةٍ، فكان النبيُّ - ﷺ - يتعاهدُنا حتَّى يحلُب عنزةً لنا في جَفْنَةٍ لنا، فتمتلئ حتَّى تفيضَ، فلمَّا قدم خبَّابٌ حلبَها، فعادَ حِلابها إلى ما كان.
_________________
(١) في "الأوسط" كما في الورقة ٦٩/ ٢ من "مجمع البحرين" نسخة الحرم المكي، وضعفه الهيثمي في "المجمع" ٣/ ١٣٠، وفي سنده محمد بن بشير الكندي وكثير النواء، وهما ضعيفان. قلت: ويتقوى بحديث أبي هريرة، رفعه "أفضل الأعمال أن تُدخل على أخيك المؤمن المسلم سرورًا، أو تَقضي له دينًا، أو تطعمه خبزًا" رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحاجة (١١٢)، عن أحمد بن جميل، عن عمار بن محمد ابن أخت سفيان الثوري، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهذا سند حسن. وروى ابن المبارك في "الزهد" (٦٨٤)، أخبرنا هشام بن الغاز، عن رجل، عن أبي شريك، أن رسول الله - ﷺ - قال: "مِن أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على المسلم، أو أن تفرج عنه همًّا، أو تقضي عنه دينًا، أو تطعمه من جوعٍ".
(٢) في "المسند" ٦/ ٣٧٢، قال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ٣١٢، وزاد نسبته إلى الطبراني: ورجالهما رجال الصحيح، غير عبد الرحمن بن زيد الفائشي، وهو ثقة. قلت: في "التعجيل" ص ٢٥٠: قال ابن المديني: مجهول، وذكره ابن حبان، وقال: قتل بالجماجم، وقد قيل: إن اسم أبيه يزيد، بزيادة ياء في أوله.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وكان أبو بكر الصدِّيق يحلبُ للحيِّ أغنامهم، فلمَّا استخلف، قالت جاريةٌ منهم: الآن لا يحلُبُها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلتُ فيه عن شيءٍ كنتُ أفعلُه، أو كما قال.
وإنما كانوا يقومون بالحِلاب، لأن العربَ كانت لا تَحلُبُ النِّساءُ منهم، وكانوا يستقبحونَ ذلك، فكان الرجالُ إذا غابوا، احتاج النساءُ إلى من يحْلُبُ لهنَّ. وقد روي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال لقوم: "لا تسقوني حَلَبَ امرأةٍ" (^١).
وكان عمر يتعاهد الأرامل فيستقي لهنّ الماءَ باللَّيل، ورآه طلحةُ بالليل يدخلُ بيتَ امرأةٍ، فدخلَ إليها طلحةُ نهارًا، فإذا هي عجوزٌ عمياءُ مقعدةٌ، فسألها: ما يصنعُ هذا الرَّجلُ عندك؟ قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يُصلِحُني، ويخرج عنِّي الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمُّكَ طلحةُ، عثراتِ عمر تتبع؟ (^٢)
وكان أبو وائل يطوفُ على نساء الحيِّ وعجائزهم كلَّ يوم، فيشتري لهنَّ حوائجهنّ وما يُصلِحُهُنَّ.
وقال مجاهد: صحبتُ ابنَ عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدُمُني (^٣).
وكان كثيرٌ من الصَّالِحين يشترطُ على أصحابه في السفر أن يخدُمَهم.
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٤٣، والبزار (٢٩٠٣) من طريق امرئ القيس المحازلي، عن عاصم بن بجر، عن ابن أبي شيخ مرفوعًا. وامرؤ القيس، قال الأزدي فيما نقله عنه الذهبي في "الميزان" ١/ ٢٧٥: حدث عن عاصم بن بجير بخبر منكر لا يصح، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٥/ ٨٣، وقال: وفيه جماعة لم أعرفهم.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٤٨.
(٣) "الحلية" ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وصحب رجلٌ قومًا في الجهاد، فاشترط عليهم أن يخدُمَهم، فكان إذا أرادَ أحدٌ منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه، قال: هذا من شرطي، فيفعله، فمات فجرَّدوهُ للغسل، فرأَوا على يده مكتوبًا: من أهل الجنة، فنظروا، فإذا هي كتابةٌ بين الجلد واللحم.
وفي "الصحيحين" عن أنس، قال: كنَّا مع النَّبيِّ - ﷺ - في السَّفر، فمنَّا الصَّائم، ومنَّا المفطرُ، قال: فنزلنا منزلًا في يومٍ حارٍّ، أكثرنا ظلًّا صاحبُ الكساءِ، ومنَّا من يتَّقي الشَّمسَ بيده، قال: فسقط الصُّوَّام، وقام المفطرون، وضربُوا الأبنية، وسَقوا الرِّكابَ، فقال رسول الله - ﷺ -: "ذهب المفطرونَ اليومَ بالأجرِ" (^١).
ويُروى عن رجلٍ من أسلم أنَّ النبيَّ - ﷺ - أُتِي بطعامٍ في بعض أسفاره، فأكل منه وأكل أصحابُهُ، وقبض الأسلميُّ يده، فقال له رسول الله - ﷺ -: "مالك؟ " قال: إنِّي صائمٌ، قال: "فما حملَك على ذلك؟ " قال: معي ابناي يرحلان لي ويخدُماني، فقال: "ما زال لهُمُ الفضلُ عليك بعدُ".
وفي "مراسيل أبي داود" (^٢) عن أبي قِلابة أنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - قدِموا يُثنونَ على صاحبٍ لهم خيرًا، قالوا: ما رأينا مثلَ فلانٍ قطُّ، ما كان في مسيرٍ إلَّا كان في قراءةٍ، ولا نزلنا منزلًا إلَّا كان في صلاةٍ، قال: "فمن كان يكفيه ضيعته؟ " حتى ذكر: "ومن كان يعلِف جمله أو دابَّته؟ " قالوا: نحن، قال: "فكلُّكم خيرٌ منه".
قوله - ﷺ -: "ومن سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٩٠)، ومسلم (١١١٩)، والنسائي ٤/ ١٨٢، وصححه ابن حبان (٣٥٥٨).
(٢) رقم (٣٠٦) بتحقيقنا، ورجاله ثقات، والضيعة: الحاجة.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
الجنة"، وقد روى هذا المعنى أيضًا أبو الدرداء عن النبيِّ - ﷺ - (^١)، وسلوكُ الطَّريقِ لالتماس العلم يدخُلُ فيه سلوكُ الطَّريق الحقيقيِّ، وهو المشيُ بالأقدام إلى مجالسِ العلماء، ويدخلُ فيه سلوكُ الطُّرُق المعنويَّة المؤدِّية إلى حُصولِ العلمِ، مثل حفظه، ودراسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهُّم له، ونحو ذلك مِنَ الطُّرق المعنوية التي يُتوصَّل بها إلى العلم.
وقوله: "سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة"، قد يُراد بذلك أنَّ الله يسهِّلُ له العلمَ الذي طلبَه، وسلك طريقه، وييسِّرُه عليه، فإنَّ العلمَ طريق موصلٌ إلى الجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. قال بعض السلف (^٢): هل من طالبِ علمٍ فيعانَ عليه؟
وقد يُراد أيضًا: أنَّ الله يُيسِّرُ لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجهَ الله الانتفاعَ به والعملَ بمقتضاه، فيكون سببًا لهدايته ولدخولِ الجنَّة بذلك.
وقد يُيَسِّرُ الله لطالب العلم علومًا أُخَرَ ينتفع بها، وتكونُ موصلة له إلى الجنَّة، كما قيل: من عَمِلَ بما علِمَ، أورثه الله علم ما لم يعلم، وكما قيل: ثوابُ الحسنة الحسنةُ بعدَها، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
وقد يدخل في ذلك أيضًا تسهيلُ طريق الجنَّة الحِسيِّ يومَ القيامة - وهو الصِّراط - وما قبله وما بعدَه من الأهوال، فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣)، وصححه ابن حبان (٨٨) وهو حسن في الشواهد.
(٢) هو مطر الوراق، رواه عنه الطبري في "جامع البيان" ٢٧/ ٩٧، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٧٦.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
به، فإنَّ العلم يدلُّ على الله مِنْ أقرب الطرق إليه، فمن سلك طريقَه، ولم يُعرِّجْ عنه، وصل إلى الله وإلى الجنَّةِ مِنْ أقرب الطُّرق وأسهلها فسَهُلَت عليه الطُّرُق الموصلةُ إلى الجنَّة كلها في الدنيا والآخرة، فلا طريقَ إلى معرفة الله، وإلى الوصول إلى رضوانه، والفوزِ بقربه، ومجاورته في الآخرة إلَّا بالعلم النَّافع الذي بعثَ الله به رُسُلَه، وأنزل به كتبه، فهو الدَّليل عليه، وبه يُهتَدَى في ظُلماتِ الجهل والشُّبَهِ والشُّكوك، ولهذا سمَّى الله كتابه نورًا؛ لأنَّه يُهتَدى به في الظُّلمات. قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
ومثل النبيُّ - ﷺ - حَمَلَةَ العلم الذي جاء به بالنُّجوم التي يُهتدى بها في الظُّلمات، ففي "المسند" (^١) عن أنس عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ مثلَ العُلَماءِ في الأرض كمثلِ النُّجوم في السَّماء، يُهتدى بها في ظُلُمات البرِّ والبحرِ، فإذا انطمست النُّجوم، أوشك أن تَضِلَّ الهُداة".
وما دام العلمُ باقيًا في الأرض، فالنَّاس في هُدى، وبقاءُ العلم بقاءُ حَمَلَتِه، فإذا ذهب حملتُه ومَنْ يقومُ به، وقع النَّاسُ في الضَّلال، كما في "الصحيحين" عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبي - ﷺ -، قال: "إنَّ الله لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُه مِنْ صُدورِ النَّاسِ، ولكن يقبضُه بقبض العُلماء، فإذا لمَ يَبقَ عالِمٌ، اتَّخذ النَّاسُ رؤساءَ جُهَّالًا، فسئِلوا، فأفتَوا بِغيرِ عِلمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا" (^٢).
وذكر النبيُّ - ﷺ - يومًا رفع العلم، فقيل له: كيف يذهبُ العلم وقد قرأنا القرآن، وأقرأناه نساءَنا وأبناءَنا؟ فقال النبيُّ - ﷺ -: "هذه التَّوراة والإِنجيلُ عندَ اليهود والنَّصارى، فماذا تُغني عنهم؟ " فسئل عبادةُ بن الصَّامت عن هذا
_________________
(١) ٣/ ١٥٧، وإسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد أحد رواته.
(٢) رواه البخاري (١٠٠) و(٧٣٠٧)، ومسلم (٢٦٧٣)، وصححه ابن حبان (٤٥٧١).
[ ٢ / ٢٩٨ ]
الحديث، فقال: لو شئت لأخبرتُك بأوَّلِ علمٍ يرفع مِنَ النَّاس: الخشوع (^١)، وإنما قال عُبادة هذا، لأنَّ العلم قسمان:
أحدهما: ما كان ثمرتُه في قلبِ الإِنسان، وهو العلمُ بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله المقتضية لخشيتِهِ، ومهابتِه، وإجلالِه، والخضوعِ له، ولمحبَّتِه، ورجائهِ، ودعائه، والتوكُّل عليه، ونحو ذلك، فهذا هو العلمُ النافع، كما قال ابنُ مسعود: إنَّ أقوامًا يقرؤون القرآن لا يُجاوِزُ تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه، نفع.
وقال الحسنُ: العلم علمان: علمٌ على اللسان، فذاك حُجَّة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع (^٢).
والقسم الثاني: العلمُ الذي على اللِّسانِ، وهو حجَّةُ الله كما في الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" (^٣)، فأوَّلُ ما يُرفعُ مِنَ العلم: العلمُ النَّافع، وهو العلم الباطنُ الَّذي يُخالِطُ القلوبَ ويُصلحها، ويبقى علمُ اللِّسان حجَّةً، فيتهاونُ الناسُ به، ولا يعملون بمقتضاه، لا حملتُه ولا غيرهم، ثم يذهبُ هذا العلم
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٦٥٣)، وحسنه وصححه الحاكم ١/ ٩٩، ووافقه الذهبي. وله شاهد من حديث عوف بن مالك عند أحمد ٦/ ٢٦ - ٢٧، والنسائي في العلم من "الكبرى" كما في "التحفة" ٨/ ٢١١، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٤٥٧٢) و(٦٧٢٠). وعن زياد بن لبيد الأنصاري عند أحمد ٤/ ٢١٩، وابن ماجه (٤٠٤٨)، وصححه الحاكم ١/ ١٠٠، ووافقه الذهبي. وروى الطبراني في "الكبير" من حديث أبي الدرداء، رفعه "أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعًا" وحسن إسناده الهيثمي في "المجمع" ٢/ ١٣٦، وله شاهد من حديث شداد بن أوس عند الطبراني (٧١٨٣)، ولا بأس بإسناده في الشواهد.
(٢) ورواه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٣٥، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤، عن الحسن، عن النبي - ﷺ -، ورجاله ثقات، لكنه مرسل.
(٣) قطعة من حديث صحيح، من حديث أبي مالك الأشعري السالف برقم (٢٣).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
بذهاب حمَلتِه، فلا يبقى إلا القرآنُ في المصاحف، وليس ثَمَّ من يعلمُ معانيه، ولا حدوده، ولا أحكامه، ثمَّ يسرى به في آخر الزمان، فلا يبقى في المصاحف ولا في القُلوب منه شيءٌ بالكلِّيَّةِ، وبعد ذلك تقومُ السَّاعة، كما قال - ﷺ -: "لا تقومُ السَّاعة إلَّا على شرارِ النَّاس" (^١)، وقال: "لا تقومُ الساعةُ وفي الأرض أحدٌ يقول: الله الله" (^٢).
قوله - ﷺ -: "وما جلس قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ، يتلونَ كتابَ الله، ويتدارسونه بينهم، إلَّا نزلت عليهمُ السَّكينةُ، وغشيتهُم الرَّحمة، وحفَّتهم الملائكةُ، وذكرهمُ اللهُ فيمن عنده". هذا يدلُّ على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حُمِل على تعلم القرآن وتعليمه، فلا خلاف في استحبابه، وفي "صحيح البخاري" (^٣) عن عثمان، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه". قال أبو عبد الرحمن السلمي: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا، وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ الحجَّاجَ بن يوسف.
_________________
(١) رواه من حديث عبد الله بن مسعود مسلم (٢٩٤٩)، وصححه ابن حبان (٦٨٥٠).
(٢) رواه من حديث أنس مسلم (١٤٨)، والترمذي (٢٢٠٧) وصححه ابن حبان (٦٨٤٨) و(٦٨٤٩). وقوله: "وفي الأرض أحد يقول: الله الله" المراد من لفظ الجلالة هنا كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" كما جاء مفسرًا بذلك في رواية ابن حبان وغيره، والمعنى: لا يبقى في الأرض مسلم. وقد جانب الصواب من استنبط من المتأخرين من هذا الحديث مشروعية الذكر بالاسم المفرد، فإنه لم يشرع، لا في كتابٍ ولا سنة ولا هو مأثور عن السلف الصالح من هذه الأمة، والذكر من العبادة فلا مجال للرأي فيه، والذكر ثناء على الله بما هو أهله، وهو لا يكون إلا بجملةٍ تامة يحسن السكوت عليها، مثل: "لا إله إلا الله"، ومثل: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر"، ومثل: "لا حول ولا قوة إلا بالله" وغير ذلك مما ثبت عنه - ﷺ -.
(٣) برقم (٥٠٢٧) و(٥٠٢٨)، ورواه أيضًا أحمد ١/ ٥٨، وأبو داود (١٤٥٢)، والترمذي (٢٩٠٧)، وابن ماجه (٢١٢)، وصححه ابن حبان (١١٨).
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وإن حمل على ما هو أعمُّ مِنْ ذلك، دخل فيه الاجتماعُ في المساجد على دراسة القرآن مطلقًا، وقد كان النبيُّ - ﷺ - أحيانًا يأمرُ مَنْ يقرأ القرآن ليستمع قراءته، كما أمر ابن مسعود أن يقرأ عليه، وقال: "إنِّي أُحِبُّ أن أسمعَهُ مِنْ غيري" (^١) وكان عمرُ يأمرُ من يقرأُ عليه وعلى أصحابه وهم يسمعون، فتارةً يأمرُ أبا موسى، وتارةً يأمرُ عُقبةَ بن عامر.
وسئل ابن عباس: أيُّ العمل أفضل؟ قال: ذكرُ الله، وما جلس قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتعاطَوْنَ فيه كتابَ الله فيما بينهم ويتدارسونه، إلَّا أظلَّتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك حتَّى يُفيضوا في حديثٍ غيره. ورُوي مرفوعًا والموقوف أصحُّ.
وروى يزيد الرقاشي عن أنس قال: كانوا إذا صلُّوُا الغداة، قعدوا حِلَقًا حِلَقًا، يقرؤون القرآنَ، ويتعلَّمونَ الفرائضَ والسُّنَن، ويذكرون الله - ﷿ -.
وروى عطية عن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "ما مِنْ قومٍ صلَّوا صلاةَ الغداةِ، ثمَّ قعدُوا في مُصلَّاهم، يتعاطَونَ كتابَ اللهِ، ويتدارسونه، إلَّا وكَّلَ الله بهم ملائكةً يستغفرُون لهم حتَّى يخوضوا في حديثٍ غيره" وهذا يدلُّ على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن، ولكن عطية فيه ضعف.
وقد روى حربٌ الكرمانيُّ بإسناده عن الأوزاعيِّ أنَّه سُئِلَ عن الدِّراسة بعدَ صلاةِ الصُّبح، فقال: أخبرني حسَّانُ بن عطيَّة أنَّ أوَّلَ من أحدَثها في مسجد دمشقَ هشامُ بن إسماعيل المخزوميُّ في خلافة عبد الملك بن مروان، فأخذ النَّاسُ بذلك.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٨٢)، ومسلم (٨٠٠)، وأبو داود (٣٦٦٨)، والترمذي (٣٠٢٤)، وصححه ابن حبان (٧٣٥).
[ ٢ / ٣٠١ ]
وبإسناده عن سعيد بنِ عبد العزيز، وإبراهيم بنِ سليمان: أنَّهما كانا يدرسان القرآن بعد صلاة الصبح ببيروت والأوزاعي في المسجد لا يُغَيِّرُ عليهم.
وذكر حربٌ أنَّه رأى أهلَ دمشق، وأهلَ حمص، وأهلَ مكة، وأهل البصرة يجتمعون على القراءة بعدَ صلاة الصُّبح، لكن أهل الشام يقرؤون القرآن كُلهم جملةً مِنْ سورةٍ واحدةٍ بأصواتٍ عالية، وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون، فيقرأ أحدُهم عشرَ آياتٍ، والنَّاسُ يُنصِتون، ثم يقرأُ آخرُ عشرًا، حتَّى يفرغوا. قال حرب: وكلُّ ذلك حسن جميل.
وقد أنكر ذلك مالكٌ على أهل الشام. قال زيدُ بنُ عبيدٍ الدِّمشقيُّ: قال لي مالكُ بنُ أنسٍ: بلغني أنّكم تجلِسونَ حِلَقًا تقرؤون، فأخبرتُه بما كان يفعلُ أصحابنا، فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرِفُ هذا، قال: فقلت: هذا طريف؟ قال: وطريفٌ رجل يقرأ ويجتمعُ الناس حوله، فقال: هذا عن غير رأينا.
قال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفروي: سمعنا مالكَ بن أنسٍ يقول: الاجتماعُ بكرة بعدَ صلاة الفجر لقراءة القرآن بدعةٌ، ما كان أصحابُ رسول الله - ﷺ -، ولا العلماء بعدَهم على هذا، كانوا إذا صلَّوا يَخْلوا كلٌّ بنفسه، ويقرأ، ويذكرُ الله - ﷿ -، ثم ينصرفون من غير أن يُكلِّم بعضهم بعضًا، اشتغالًا بذكرِ الله، فهذه كلُّها محدثة.
وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لم تكن القراءةُ في المسجد من أمرِ النَّاسِ القديم، وأوَّلُ من أحدثَ ذلك في المسجد الحجاجُ بن يوسف، قال مالك: وأنا أكره ذلك الذي يقرأ في المسجد في المصحف. وقد روى هذا كلُّه أبو بكر النيسابوري في كتاب "مناقب مالك ﵀".
واستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجُملة
[ ٢ / ٣٠٢ ]
بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذِّكر، والقرآن أفضلُ أنواع الذكر، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إن للهِ ملائكةً يطوفونَ في الطُّرق، يلتمِسُون أهلَ الذِّكر، فإذا وجدُوا قومًا يذكرون الله - ﷿ -، تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم، فيحفُّونهم بأجنحتهم إلى السَّماء الدُّنيا، فيسألهُم ربُّهم - وهو أعلمُ بهم -: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبِّحُونَك، ويكبِّرونك، ويحمَدُونَك، ويمجِّدونك، فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوْكَ، فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك، كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشدَّ لكَ تمجيدًا وتحميدًا، وأكثر لك تسبيحًا، فيقول: فما يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنَّة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا ربِّ، ما رأوها، فيقول: كيف لو أنَّهم رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها، كانوا أشدّ عليها حرصًا وأشدَّ لها طلبًا، وأشدّ فيها رغبةً، قال: فممَّ يتعوَّذونَ؟ فيقولون: من النَّار، قال: يقول: فهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا ربِّ ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها، كانوا أشدَّ منها فرارًا، وأشدّ لها مخافةً، فيقول الله تعالى: أُشهِدُكم أنِّي قد غفرتُ لهم، فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنَّما جاء لحاجته، قال: هُمُ الجلساءُ لا يشقى بهم جليسهم" (^١).
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن مُعاوية أنَّ رسول الله - ﷺ - خرج على حلقةٍ من أصحابه، فقال: "ما يُجلسكُم"؟ قالوا: جلسنا نذكر الله - ﷿ -، ونحمَدُه لما هدانا للإِسلام، ومنَّ علينا به، فقال: "آللهِ ما أجلسكم إلَّا ذلك؟ " قالوا: آللهِ ما أجلسنا إلا ذلك، قال: "أما إنِّي لم أستحلِفْكُم لتهمةٍ لكم، إنه أتاني جبريل، فأخبرني أنَّ الله تعالى يُباهي بكم الملائكة".
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩)، والترمذي (٣٦٠٠)، وأحمد ٢/ ٢٥١، وصححه ابن حبان (٨٥٦) و(٨٥٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رقم (٢٧٠١). ورواه أيضًا أحمد ٤/ ٩٢، والترمذي (٣٣٧٩)، والنسائي ٨/ ٢٤٩، وصححه ابن حبان (٨١٣).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وخرَّج الحاكم (^١) من حديث معاوية، قال: كنتُ مع النبيِّ - ﷺ - يومًا، فدخل المسجدَ، فإذا هو بقومٍ في المسجد قعود، فقال النبيُّ - ﷺ -: "ما أقعدكم؟ " فقالوا: صلَّينا الصَّلاةَ المكتوبةَ، ثم قعدنا نتذاكرُ كتاب الله - ﷿ - وسنَّة نبيّه - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن الله إذا ذكر شيئًا تعاظم ذكرُه".
وفي المعنى أحاديث أُخَرُ متعددة.
وقد أخبر - ﷺ - أنَّ جزاءَ الذين يجلسونَ في بيت الله يتدارسون كتابَ الله أربعة أشياء:
أحدها: تَنزُّل السكينة عليهم، وفي "الصحيحين" عن البراء بن عازب، قال: كان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهف وعنده فرسٌ، فتغشَّته سحابةٌ، فجعلت تدورُ وتدنُو، وجعل فرسه يَنفِرُ منها، فلمَّا أصبح، أتى النبيَّ - ﷺ -، فذكر ذلك له، فقال: "تلك السَّكينة تنزَّلت للقرآن" (^٢).
وفيهما أيضًا عن أبي سعيدٍ أنَّ أُسيدَ بنَ حُضيرٍ بينما هو ليلةً يقرأ في مِربَدِه، إذ جالت فرسُه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا، فقال أُسيدٌ: فخشيتُ أن تطأ يحيى - يعني ابنَه - قال: فقمتُ إليها، فإذا مثلُ الظُّلَّةِ فوق رأسي فيها أمثالُ السُّرُجِ عرجت في الجوِّ حتَّى ما أراها، قال: فغدا على النبيِّ - ﷺ -، فذكر ذلك له، فقال - ﷺ -: "تلك الملائكةُ كانت تستَمِعُ لك، ولو قرأت، لأصبحَتْ يراها الناس ما تستتر منهم" واللفظ لمسلم فيهما (^٣).
_________________
(١) في "المستدرك" ١/ ٩٤، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه البخاري (٣٦١٤)، ومسلم (٧٩٥).
(٣) رواه البخاري (٥٠١٨) تعليقًا، فقال: وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حضير … ثم قال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، عن أسيد بن حضير، قال الحافظ في "الفتح" ٥/ ٦٣: وقد وصله أبو عبيد في =
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وروى ابن المبارك عن يحيى بن أيوبَ، عن عُبيد الله بنِ زَحْرٍ، عن سعدِ بن مسعود أنَّ رسول الله - ﷺ - كان في مجلسٍ، فرفعَ بصرَه إلى السَّماء، ثمَّ طأطأ بصرَه، ثمَّ رفعه، فسئل رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: "إن هؤلاء القوم كانوا يذكُرون الله تعالى - يعني أهلَ مجلسٍ أمامَه - فنزلت عليهمُ السَّكينةُ تحملها الملائكةُ كالقُبَّةِ، فلمَّا دنت منهم تكلَّم رجلٌ منهم بباطلٍ، فرُفِعَت عنهم" وهذا مرسل.
والثاني: غِشيانُ الرَّحمة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وخرَّج الحاكم (^١) من حديث سلمان أنه كان في عِصابةٍ يذكرون الله تعالى، فمرَّ بهم رسولُ الله - ﷺ -، فقال: "ما كنتم تقولون؟ فإنِّي رأيتُ الرَّحمةَ تنزِلُ عليكم، فأردت أن أشارِكَكُم فيها".
وخرَّج البزارُ (^٢) من حديث أنسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إن لله سيَّارةً مِنَ الملائكة، يطلبون حِلَق الذِّكر، فإذا أتوا عليهم حَفُّوا بهم، ثم بعثوا رائدَهم إلى السماء إلى ربِّ العزّة ﵎ فيقولون: ربَّنا أتينا على عبادٍ من عبادِكَ
_________________
(١) = "فضائل القرآن" عن يحيى بن بكير، عن الليث، بالإِسنادين جميعًا. قلت: والاعتماد في وصل الحديث على الإِسناد الثاني، لأن محمد بن إبراهيم - وهو التيمي - من صغار التابعين، ولم يدرك أسيد بن حضير، فروايته عنه منقطعة. ورواه مسلم (٧٩٦) من طريقين، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، عن أسيد بن حضير.
(٢) في "المستدرك" ١/ ١٢٢، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) رقم (٣٠٦٢)، ورواه أيضًا أبو نعيم في "الحلية" ٦/ ٢٦٨، وحسن إسناده الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٧٧، مع أن في سنده زائدة بن أبي الرقاد، قال البخاري والنسائي: منكر الحديث، وشيخه فيه زياد بن عبد الله النميري، ضعيف.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
يُعظِّمونَ آلاءَك، ويتلونَ كتابَك، ويصلُّون على نبيِّك، ويسألونَك لآخرتهم ودنياهم، فيقول ﵎: غشُّوهم برحمتي، فيقولون: ربَّنا، إنَّ فيهم فلانًا الخطّاء، إنَّما اعتنقهُمُ اعتناقًا، فيقول تعالى: غشوهم برحمتي، [فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم] ".
والثالث: أنَّ الملائكة تحفُّ بهم، وهذا مذكورٌ في هذه الأحاديث التي ذكرناها، وفي حديث أبي هريرة المتقدّم: "فيحفُّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا". وفي رواية للإِمام أحمد (^١): "علا بعضُهم على بعض حتَّى يبلغوا العرش".
وقال خالدُ بنُ معدان، يرفعُ الحديث: "إنَّ للهِ ملائكةً في الهواء، يَسيحون بين السَّماءِ والأرض، يلتمسون الذِّكرَ، فإذا سمعوا قومًا يذكرون الله تعالى، قالوا: رويدًا زادكم الله، فينشرون أجنحتَهم حولَهم حتَّى يصعَدَ كلامُهم إلى العرش". خرَّجه الخلال في كتاب "السنة" (^٢).
الرابع: أنَّ الله يذكرُهم فيمن عنده، وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ -، قال: "يقولُ الله - ﷿ -: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرُني، فإن ذكرني في نفسِه، ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم" (^٣).
وهذه الخصال الأربعُ لكلِّ مجتمعين على ذكر الله تعالى، كما في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة وأبي سعيد، كلاهما عن النَّبي - ﷺ -، قال: "إنَّ لأهلِ ذكرِ
_________________
(١) ٢/ ٣٥٨.
(٢) إسناده ضعيف لإِرساله.
(٣) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، وأحمد ٢/ ٢٥١، والترمذي (٣٦٠٣)، وابن ماجه (٣٨٢٢)، وصححه ابن حبان (٨١١) و(٨١٢).
[ ٢ / ٣٠٦ ]
الله تعالى أربعًا: تنزلُ عليهمُ السَّكينةُ، وتغشاهمُ الرَّحمةُ، وتحفُّ بهم الملائكةُ، ويذكرُهُم الرَّبُّ فيمن عنده" (^١). وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وذكر الله لعبده: هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته ومباهاتهم به وتنويهه بذكره. قال الربيعُ بنُ أنس (^٢): إنَّ الله ذاكرٌ مَنْ ذكرهُ، وزائدٌ مَنْ شكره، ومعذِّبٌ من كفره، وقال - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]، وصلاةُ الله على عبده: هو ثناؤه عليه بين ملائكته، وتنويههُ بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاري في "صحيحه" (^٣).
وقال رجلٌ لأبي أمامة: رأيتُ في المنام كأنَّ الملائكة تُصلِّي عليك، كلَّما دخلتَ، وكلما خرجتَ، وكلَّما قمتَ، وكلَّما جلستَ، فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم، صلَّت عليكمُ الملائكةُ، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ " خرَّجه الحاكم (^٤).
_________________
(١) هو بهذا اللفظ، رواه ابن أبي الدنيا كما في "الدر المنثور" ١/ ٣٦٣، ولفظ مسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد (٢٧٠٠): "لا يقعدُ قوم يذكرون الله - ﷿ - إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده".
(٢) وروى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم نحوه، عن قتادة كما في "الدر المنثور" ٥/ ٧.
(٣) ٨/ ٥٣٢ في التفسير: باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. . .﴾، وقال ابن كثير في "تفسيره" ٦/ ٤٤٧: وقد رواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية.
(٤) في "المستدرك" ٢/ ٤١٨، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ومن طريق الحاكم رواه البيهقي في "دلائل النبوة" ٧/ ٢٥.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
قوله - ﷺ -: "ومن بطَّأ به عملُه، لم يُسرِعْ بهِ نسبه": معناه أنَّ العملَ هو الذي يبلُغ بالعبدِ درجاتِ الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]، فمن أبطأ به عمله أن يبلُغَ به المنازلَ العالية عند الله تعالى، لم يُسرِعْ به نسبه، فيبلغه تلكَ الدَّرجاتِ، فإن الله تعالى رتَّبَ الجزاءَ على الأعمال، لا على الأنساب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، كما قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤] الآيتين، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].
قال ابن مسعود: يأمر الله بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمرُّ النَّاسُ على قدر أعمالهم زُمَرًا زُمرًا، أوائلُهم كلمح البرقِ، ثمَّ كمرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمرِّ الطَّير، ثمَّ كمرِّ البهائمِ، حتَّى يمرَّ الرَّجُلُ سعيًا، وحتَّى يمرَّ الرَّجلُ مشيًا، حتَّى يمرَّ آخرهُم يتلبَّط على بطنِه، فيقول: يا ربِّ، لم بطَّأْتَ بي؟ فيقول: إنِّي لم أبطِّئ بك، إنَّما بطَّأ بكَ عملُك (^١).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ - حين أُنزِلَ عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: "يا معشر قريش، اشترُوا أنفسَكم من اللهِ، لا أُغني عنكم من اللهِ شيئًا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئًا، يا
_________________
(١) حسن، روي مرفوعًا وموقوفًا، وهو مخرج في "الدر المنثور" ٤/ ٢٨١، وفي "شرح الطحاوية" لابن أبي العز ٢/ ٦٠٦، طبع مؤسسة الرسالة.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
صفية عمّة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئًا" (^١). وفي رواية خارج "الصحيحين": "إنَّ أوليائي منكمُ المتَّقون لا يأتي النَّاسُ بالأعمال، وتأتُوني بالدُّنيا تحملونها على رقابكم، فتقولون: يا محمَّدُ، فأقول: قد بلَّغتُ".
وخرَّج ابنُ أبي الدُّنيا من حديث أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ أوليائي المتقونَ يومَ القيامة، وإن كان نسبٌ أقربَ مِنْ نسبٍ، يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون: يا محمدُ، يا محمدُ، فأقول هكذا وهكذا" وأعرض في كلا عِطفَيهِ (^٢).
وخرَّج البزارُ (^٣) من حديث رفاعة بنِ رافع أن النبيَّ - ﷺ - قال لعمرَ: "اجمع لي قومك يعني: قريشًا، فجمعهم، فقال: "إن أوليائي منكم المتَّقون، فإن كنتُم أولئك، فذاك، وإلَّا، فانظروا، لا يأتي النَّاسُ بالأعمال يَومَ القيامة وتأتونَ بالأثقالِ، فيُعْرَضَ عنكم". وخرَّجه الحاكم مختصرًا وصححه.
وفي "المسند" عن معاذ بن جبل أنَّ النَّبي - ﷺ - لمَّا بعثه إلى اليمن، خرج معه يُوصيه، ثم التفت، فأقبل بوجهه إلى المدينة، فقال: "إنَّ أولى النَّاس بي المتَّقونَ مَنْ كَانُوا، وحيثُ كانوا". وخرَّجه الطبراني، وزاد فيه: "إنَّ أهلَ بيتي هؤلاء يرونَ أنَّهم أولى النَّاسِ بي، وليس كذلك، إنَّ أوليائي منكمُ المتَّقونَ، من كانوا وحيث كانوا" (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٨٩٧)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢١٢) و(١٠١٢)، وإسناده حسن.
(٣) رقم (٢٧٨٠)، رواه الطبراني في "الكبير" (٤٥٤٤)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٥)، وصححه الحاكم ٤/ ٧٣، ووافقه الذهبي!
(٤) رواه أحمد ٥/ ٢٣٥، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٢٤١)، وصححه ابن حبان (٦٤٧).
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ويشهد لهذا كلِّه ما في "الصحيحين" عن عمرو بن العاص، أنَّه سمع النبيَّ - ﷺ - يقول: "إنَّ آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، وإنَّما وليِّيَ الله وصالح المؤمنين" (^١) يشير إلى أنَّ ولايته لا تُنال بالنَّسب، وإنْ قَرُبَ، وإنَّما تُنالُ بالإِيمان والعمل الصالح، فمن كان أكملَ إيمانًا وعملًا، فهو أعظمُ ولاية له، سواءٌ كانَ له منه نسبٌ قريب، أو لم يكن، وفي هذا المعنى يقولُ بعضهم:
لَعَمْرُكَ ما الإِنسانُ إلَّا بدينِهِ … فلا تَتْرُكِ التَّقوى اتِّكالًا على النَّسَب
لقَد رَفَع الإِسلامُ سَلمَانَ فَارِسٍ … وقَد وضَعَ الشِّركُ الشقيَّ (^٢) أَبَا لَهب
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢١٥).
(٢) في (أ) و(ب): "النسيب".
[ ٢ / ٣١٠ ]