عَنْ أبي هُرَيرة ﵁ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ الله تعالى أمرَ المُؤمِنينَ بما أَمرَ به المُرسَلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفرَ: أشْعَثَ أغْبَرَ، يمُدُّ يدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبّ يا ربّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُه حرامٌ، وغُذِي بالحَرَام، فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟ ". رواهُ مُسلمٌ (^١).
هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية فضيل بن مرزوق، عن عديّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وخرَّجه الترمذي، وقال: حسن غريب. وفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرج له مسلم دون البخاري.
وقوله - ﷺ -: "إن الله تعالى طيب" هذا قد جاء أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إن الله طيِّبٌ يحبُّ الطَّيِّبَ، نظيفٌ يحبُّ النظافة، جواد يحبُّ الجود". خرجه الترمذي، وفي إسناده مقال (^٢). والطيب هنا: معناه الطاهر.
والمعنى أنَّه تعالى مقدَّسَ منزّه عن النقائص والعيوب كلها، وهذا كما في
_________________
(١) رواه مسلم (١٠١٥)، والترمذي (٢٩٨٩)، وأحمد ٢/ ٣٢٨، والدارمي ٢/ ٣٠٠.
(٢) "الترمذي" (٢٧٩٩)، وفي سنده خالد بن إلياس، ضعَّفوه.
[ ١ / ٢٥٨ ]
قوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]، والمراد: المنزهون من أدناس الفواحش وأوضَارها.
وقوله: "لا يقبل إلا طيبًا" قد ورد معناه في حديث الصدقة، ولفظُه: "لا يتصدَّق أحدٌ بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبًا … " (^١) والمراد أنه تعالى لا يقبل مِن الصدقات إلا ما كان طيبًا حلالًا.
وقد قيل: إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله: "لا يقبلُ الله إلا طيبًا" أعمُّ مِنْ ذلك، وهو أنَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا طاهرًا من المفسدات كلِّها، كالرياء والعُجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبًا حلالًا، فإنَّ الطيب تُوصَفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ، فكلُّ هذه تنقسم إلى طيِّبٍ وخبيثٍ.
وقد قيل: إنه يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] هذا كلُّه.
وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ووصف الرسول - ﷺ - بأنه يحلُّ الطيبات ويحرِّمُ الخبائث.
وقد قيل: إنه يدخل في ذلك الأعمالُ والأقوال والاعتقاداتُ أيضًا، ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] وإن الملائكة تقولُ عند الموت: اخرُجي أيتها النفس الطَّيِّبة كانت في الجسد الطيّب، وإن الملائكة تسلِّمُ عليهم عندَ دُخول الجنة، ويقولون
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٤١٨، والبخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤)، والترمذي (٦٦١)، والنسائي ٥/ ٥٧، وابن ماجه (١٨٤٢)، وصححه ابن حبان (٢٧٠).
[ ١ / ٢٥٩ ]
لهم: طبتم، وقد ورد في الحديث أنَّ المؤمن إذا زار أخا له في الله تقول له الملائكة: "طِبْتَ، وطابَ ممشاك، وتبوَّأْت من الجنة منزلًا" (^١).
فالمؤمن كله طيب قلبُه ولسانُه وجسدُه بما سكن في قلبه من الِإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هىٍ ثمرة الإيمان، وداخلة في اسمه. فهذه الطيبات كلُّها يقبلها الله ﷿.
ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمَال للمؤمن طيبُ مطعمه، وأن يكون من حلال، فبذلك يزكو عملُه.
وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يقبل العملُ ولا يزكو إلَّا بأكل الحلال، وأنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبولَه، فإنَّه قال بعد تقريره: "إن الله لا يقبلُ إلَّا طيبًا" إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
والمراد بهذا أنَّ الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما دام الأكل حلالًا، فالعملُ صالح مقبول، فإذا كان الأكلُ غير حلالٍ، فكيف يكون العمل مقبولًا؟
وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنَّه كيف يتقبل مع الحرام، فهو مثالٌ لاستبعاد قَبُولِ الأعمال مع التغذية بالحرام. وقد خرَّج الطبراني بإسناد فيه نظر عن ابن عباسٍ، قال: تُليَتْ هذه الآية عند رسول الله - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، فقام سعدُ بنُ أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادعو الله أنَّ يجعلني مستجابَ الدعوة، فقال النبيِّ - ﷺ -: "يا سعد،
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٣٢٦، والترمذي (٢٥٠٨)، وابن ماجه (١٤٤٣)، وابن حبان (٢٩٦١)، وفي سنده عيسى بن سنان القسملي، وهو ضعيف.
[ ١ / ٢٦٠ ]
أطبْ مطعَمَك تكن مستجاب الدَّعوة، والذي نفس محمد بيده، إنَّ العبدَ ليقذف الَلُّقمة الحرام في جوفه ما يُتقبل منه عمل أربعين يومًا، وأيُّما عبدٍ نبت لحمُه من سُحْتٍ، فالنارُ أولى به" (^١).
وفي "مسند" الإمام أحمد بإسناد فيه نظر أيضًا عن ابن عمر قال: "من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم في ثمنه درهمٌ حرام، لم يقبلِ الله له صلاة ما كان عليه"، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال: صُمَّتا إن لم أكن سمعته من رسول الله - ﷺ - (^٢). ويُروى من حديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا معناه أيضًا، خرجه البزار وغيره بإسنادٍ ضعيف جدًا (^٣).
وخرج الطبراني بإسنادٍ فيه ضعفٌ من حديث أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إذا خرج الرجلُ حاجًا بنفقةٍ طيبة، ووضع رجله في الغَرْزِ، فنادى: لبَّيْكَ اللهمَّ لبَّيكَ، ناداه منادٍ من السَّماء: لبَّيْكَ وسَعْدَيك زادُك حلالٌ، وراحلتك حلالٌ، وحجك مبرورٌ غيرُ مأزورٍ (^٤)، وإذا خرج الرجلُ بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في
_________________
(١) رواه ابن مردويه في "تفسيره" عن الطبراني كما في "تفسير ابن كثير" ١/ ٢٩٢، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٢٩١، وقال: رواه الطبراني في "الصغير"، وفيه من لم أعرفهم.
(٢) رواه أحمد ٢/ ٩٨ من طريق بقية بن الوليد، عن عثمان بن زفر، عن هاشم عن ابن عمر. وبقية مدلس وقد عنعن، وهاشم هكذا دون نسبة لا يعرف، قاله غير واحد. ووقع في "تاريخ بغداد" ١٤/ ٢١ - ٢٢ قال: هاشم الأوقص، قال الذهبي في "الميزان" نقلًا عن البخاري: غير ثقة. وقال الحافظ العراقي فيما نقله عن المناوي في "فيض القدير": سنده ضعيف جدًا.
(٣) رواه البزار (٣٥٦١)، وفيه النضر بن منصور، قال البخاري: منكر الحديث، وأبو الجنوب عقبة بن علقمة، وهو ضعيف. وذكر الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٢٩٢، وقال: وفيه أبو الجنوب، وهو ضعيف.
(٤) الجادَّة: "موزور" من الوزر، يقال: وُزر فهو موزور.
[ ١ / ٢٦١ ]
الغَرْزِ، فنادى: لبَّيكَ الّلهمَّ لبَّيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبَّيْكَ ولا سَعْدَيك، زادُك حرام، ونفقتُك حرام، وحجُّك غيرُ مبرورٍ" (^١). ويُروى من حديث عمر نحوه بإسناد ضعيف أيضًا.
وروى أبو يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباسٍ، قال: لا يقبل الله صلاة امرئٍ في جوفه حرام (^٢).
وقد اختلفَ العلماءُ في حجِّ من حجَّ بمالٍ حرام، ومن صلَّى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك، وفيه عن الِإمام أحمد روايتان، وهذه الأحاديث المذكورة تدلُّ على أنَّه لا يتقبل العملُ مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يُراد به الرضا بالعمل، ومدحُ فاعله، والثناءُ عليه بين الملائكة والمباهاةُ به، وقد يُراد به حصولُ الثواب والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة، فإنَّ كان المراد هاهنا القبولَ بالمعنى الأوَّل أو الثاني، لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة، كما ورد أنه لا تقبل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخطٌ، ولا من أتى كاهنًا، ولا من شرب الخمر أربعين يومًا، والمراد - والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأوَّل أو الثاني، وهو المراد - والله أعلم - من قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. ولهذا كانت هذه الآية يشتدُّ منها خوفُ السلف على نفوسهم، فخافوا أنَّ لا يكونوا مِنَ المتَّقين الذين يُتقبل منهم.
وسُئل أحمد عن معنى "المتقين" فيها، فقال: يتقي الأشياء، فلا يقع فيما لا يَحِلُّ له.
وقال أبو عبد الله النباجي الزاهد ﵀: خمسُ خصال بها تمامُ العمل:
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أبو يحيى القتات، لين الحديث.
[ ١ / ٢٦٢ ]
الإيمان بمعرفة الله ﷿، ومعرفةُ الحقِّ، وإخلاصُ العمل للهِ، والعمل على السُّنَّةِ، وأكلُ الحلالِ، فإن فُقِدَتْ واحدةٌ، لم يرتفع العملُ، وذلك أنَّك إذا عرَفت الله ﷿، ولم تَعرف الحقَّ، لم تنتفع، وإذا عرفتَ الحقَّ، ولم تَعْرِفِ الله، لم تنتفع، وإن عرفتَ الله، وعرفت الحقَّ، ولم تُخْلِصِ العمل، لم تنتفع، وإن عرفت الله، وعرفت الحق، وأخلصت العمل، ولم يكن على السُّنة، لم تنتفع، وإن تمَّتِ الأربع، ولم يكن الأكلُ من حلال لم تنتفع (^١).
وقال وُهيب بن الورد: لو قمتَ مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أو حرام (^٢).
وأما الصدقة بالمال الحرام، فغير مقبولةٍ كما في "صحيح مسلم" (^٣) عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: "لا يقبل الله صلاةً بغير طهورٍ، ولا صدقةً من غلولٍ ".
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما تصدَّق أحدٌ بصدقة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطَّيِّبَ - إلا أخذها الرحمن بيمينه" وذكر الحديث (^٤).
وفي "مسند" الِإمام أحمد عن ابن مسعود عن النبيِّ - ﷺ - قال: "لا يكتسب عبدٌ مالًا من حرام، فيُنفِقَ منه، فَيُبارَكَ له فيه، ولا يتصدّقُ به، فيتقبلَ منه، ولا يتركه خلفَ ظهره إلا كان زادَه إلى النار، إن الله لا يمحو السيِّىَء بالسيِّئ، ولكن
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٩/ ٣١٠، وأبو عبد الله الساجي اسمه: سعيد بن يزيد.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٨/ ١٥٤.
(٣) برقم (٢٢٤)، ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٢٠، والترمذي (١)، والغلول بضم الغين: الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة، وكل من خان في شيءٍ خفيةً فقد غل، وسميت غلولًا؛ لأن الأيدي فيها مغلولة، أي: ممنوعة.
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٠٩.
[ ١ / ٢٦٣ ]
يمحو السيَّئَ بالحسن، إن الخبيثَ لا يمحو الخبيثَ" (^١).
ويُروى من حديث دراج، عن ابن حُجيرة عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "من كسب مالًا حرامًا، فتصدق به، لم يكن له فيه أجرٌ، وكان إصرُه عليه ". خرَّجه ابنُ حبان في "صحيحه" (^٢)، ورواه بعضهم موقوفًا على أبي هريرة.
ومن مراسيل القاسم بن مُخَيْمِرَة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أصاب مالًا مِنْ مأثم، فوَصَلَ به رحمه، أو تصدَّق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جميعًا، ثم قذف به في نار جهنم" (^٣).
ورُوي عن أبي الدرداء، ويزيد بن مَيْسَرَة أنهما جعلا مثلَ من أصاب مالًا من غير حلِّه، فتصدَّق به مثلَ من أخذ مال يتيم، وكسَا بِهِ أرملةً (^٤).
وسُئِلَ ابنُ عباسٍ عمَّن كان على عمل، فكان يَظلِمُ ويأْخُذُ الحرام، ثمَّ تابَ، فهو يحجُّ ويعتِق ويتصدَّق منه، فقال: إن الخبيث لا يُكَفِّرُ الخبيثَ. وكذا قال ابن مسعود: إن الخبيث لا يُكفِّر الخبيث، ولكن الطَّيِّب يُكفِّرُ الخبيث (^٥). وقال الحسنُ: أيُّها المتصدِّق على المسكين يرحمُه، أرحم من قد ظَلَمْتَ.
واعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين:
أحدهما: أنَّ يتصدَّقَ به الخائنُ أو الغاصبُ ونحوهما عن نفسه، فهذا هو
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ٣٧٨، وفي سنده الصباح بن محمد، وهو ضعيف.
(٢) برقم (٣٣٦٨)، وإسناده حسن.
(٣) ذكره المزي في ترجمة القاسم من "تهذيب الكمال" ص ١١١٨، والذهبي في "السير ٥/ ٢٠٣ عن القاسم بن مخيمرة قوله، ولم يرفعه.
(٤) انظر "الزهد" لأحمد ص ١٣٧.
(٥) رواه البزار (٩٣٢)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ٣/ ١١٢، وقال: فيه قيس بن الربيع، وفيه كلام، وقد وثقه شعبة والثوري.
[ ١ / ٢٦٤ ]
المراد من هذه الأحاديث أنَّه لا يُتَقبَّلُ منه: بمعنى أنَّه لا يُؤْجَرُ عليه، بل يأثمُ بتصرفه في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصلُ للمالك بذلك أجرٌ، لعدم قصده ونيته، كذا قاله جماعةٌ من العلماء، منهم: ابنُ عقيلٍ من أصحابنا، وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنَّه سال سعيد بنَ المسيب قال: وجدت لقطةً، أفأتصدق بها؟ قال: لا تُؤجر أنت ولا صاحبُها (^١). ولَعلَّ مرادَه إذا تَصدَّقَ بها قبلَ تعريفها الواجب. ولو أخذ السلطانُ، أو بعضُ نوابه من بيت المال ما لا يستحقه، فتصدق منه أو أعتق (^٢)، أو بنى به مسجدًا أو غيره مما ينتفع به الناسُ، فالمنقولُ عن ابنِ عمر أنَّه كالغاصبِ إذا تصدق بما غصبه، كذلك قال لعبد الله بن عامر أميرِ البصرة، وكان الناس قد اجتمعُوا عنده في حال موته وهم يُثنون عليه ببرة وإحسانه، وابن عمر ساكتٌ، فطلب منه أنَّ يتكلَّم، فروى له حديث: "لا يقبلُ الله صدقةً من غُلولٍ"، ثم قال له: وكنت على البصرة (^٣).
وقال أسدُ بنُ موسى في "كتاب الورع ": حدثنا الفضيلُ بن عياض، عن منصور، عن تميم بن سلمة قال: قال ابنُ عامر لعبد الله بنِ عمر: أرأيتَ هذا العقاب التي نُسَهِّلُها، والعيون التي نُفجِّرُها، أَلَنا فيها أجرٌ؟ فقال ابن عمر: أما علمتَ أنَّ خبيثًا لا يُكَفِّرُ خبيثًا قط؟
حدثنا عبدُ الرحمن بنُ زياد، عن أبي مليح، عن ميمون بنِ مِهران قال: قال ابنُ عمر لابنِ عامر وقد سأله عن العتق: مَثَلُكَ مثلُ رجلٍ سرق إبلَ حاجٍّ، ثم جاهد بها في سبيل الله، فانظر هل يقبل منه؟
وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع كطاووسٍ ووهيب بن الورد
_________________
(١) انظر "مصنف عبد الرزاق" (١٨٦٢٢).
(٢) في (أ) و(ب): "وأعتق".
(٣) رواه أحمد ٢/ ٢٠ و٥١ و٧٣، ومسلم (٢٢٤).
[ ١ / ٢٦٥ ]
يَتَوقَّوْن الانتفاع بما أحدثه مثلُ هؤلاء الملوك، وأما الإمام أحمد ﵀، فإنه رخَّصَ فيما فعلوه من المنافع العامة، كالمساجد والقناطر والمصانع، فإنَّ هذه يُنفق عليها من مال الفيء، اللهمّ إلَّا أنَّ يتيقَّن أنهم فعلوا شيئًا من ذلك بمالٍ حرام كالمُكوس والغصوب ونحوها، فحينئذ يتوقَّى الانتفاع بما عمل بالمال الحرام، ولعلَّ ابنَ عمر إنما أنكر عليهم أخذَهُم لأموال بيت المال لأنفسهم، ودعواهم أنَّ ما فعلوه منها بعد ذلك، فهو صدقة منهم، فإنَّ هذا شبيه بالغصوب، وعلى مثل هذا يُحمل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد.
قال أبو الفرج بنُ الجوزي: رأيت بعضَ المتقدمين سئل عمن كسب حلالًا وحرامًا من السلاطين والأمراء، ثم بنى الأربطة والمساجد: هل له ثواب؟ فأفتى بما يُوجِبُ طيب قلب المنفق، وأنَّ له في إيقاف ما لا يملكه نوعٍ سمسرة؛ لأنَّه لا يعرف أعيان المغصوبين، فيرد عليهم. قال: فقلتُ واعجبًا من متصدِّرين للفتوى لا يعرفونَ أصولَ الشريعة، ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أوَّلًا، فإن كان سلطانًا، فما يخرج من بيت المال، قد عرفت وجوهُ مصارفِه، فكيف يمنع مستحقيه، ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط؟ وإن كان مِن الأمراء ونوَّاب السلاطين، فيجب أن يردَّ ما يجب ردُّه إلى بيت المال، وإن كان حرامًا أو غصَبًا، فكلُّ تصرف فيه حرام، والواجب ردُّه على من أخذ منه أو ورثته، فإنَّ لم يعرف ردّ إلى بيت المال يصرف في المصالح أو في الصدقة، ولم يحظ آخذه بغير الإثم. انتهى.
وإنما كلامُه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم، ويتصرَّفونَ فيه لأنفسهم تصرف المُلَّاكِ ببناء ما ينسبونه إليهم من مدارسَ وأربطةٍ ونحوها مما قد لا يحتاج إليه، ويخص به قومًا دون قوم، فأما لو فرض إمامٌ عادلٌ يعطي الناس حقوقهم من الفيء، ثم يبني لهم
[ ١ / ٢٦٦ ]
منه ما يحتاجون إليه من مسجدٍ أو مدرسة، أو مارستان، ونحوِ ذلك كان ذلك جائزًا، ولو كان بعضُ من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذه بناء محتاجًا إليه في حال، يجوز البناء فيه من بيتِ المال، لكنه نسبه إلى نفسه، فقد يتخرَّجُ على الخلاف في الغاصب إذا ردَّ المالَ إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم لا؟ وهذا كله إذا بني على قدر الحاجة من غير سرفٍ ولا زخرفةٍ. وقد أمر عمرُ بنُ عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من مال بيت المال، ونهاهم أنَّ يتجاوزوا ما تصدَّع منه، وقال: إني لم أجد للبنيان في مال الله حقًا. ورُوي عنه أنَّه قال: لا حاجة للمسلمين فيما أضرَّ ببيت مالهم.
واعلم أنَّ من العلماء من جعل تصرُّف الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفًا على إجازة مالكه، فإنَّ أجاز تصرُّفه فيه، جاز، وقد حكى بعضُ أصحابنا روايةً عن أحمد أنَّ من أخرج زكاته من مالٍ مغصوبٍ، ثم أجازه له المالك، جاز وسقطت عنه الزكاة، وكذلك خرج ابن أبي موسى روايةً عن أحمد أنَّه إذا أعتق عبدَ غيره عن نفسه ملتزمًا ضمانه في ماله، ثم أجازه المالك جاز، ونفذ عتقه، وهو خلافُ نصِّ أحمد. وحكي عن الحنفية أنَّه لو غصب شاة، فذبحها لمتعته وقرانه، ثم أجازها المالك أجزأت عنه.
الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أنَّ يتصدَّق به عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه أو إلى (^١) ورثته، فهذا جائزٌ عند أكثر العلماء، منهم مالك، وأبو حنيفة، وأحمد وغيرهم. قال ابنُ عبد البر: ذهب الزُّهري ومالك والثوري، والأوزاعي، والليث إلى أنَّ الغالَّ إذا تفرَّق أهلُ العسكر ولم يَصِلْ إليهم أنَّه يدفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي (^٢)، روي ذلك عن عُبادة بن
_________________
(١) في (أ) و(ب): "وإلى".
(٢) وقال الحافظ في "الفتح" ٦/ ١٨٦: قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ على الغالِّ أنْ يعيد=
[ ١ / ٢٦٧ ]
الصامت ومعاوية، والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس لأنهما كانا يريان أنَّ يتصدَّق بالمال الذي لا يعرف صاحبه، قال: وقدَ أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مخيرًا بين الأجر والضمان، وكذلك الغصوب. انتهى.
وروي عن مالك بن دينار، قال: سألتُ عطاء بن أبي رباح عمن عنده مالٌ حرام، ولا يعرف أربابه، ويريدُ الخروج منه؟ قال: يتصدق به ولا أقول: إن ذلك يُجزئ عنه. قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحبَّ إلي من وزنه ذهبًا.
وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئًا مغصوبًا: يردة إليهم، فإنَّ لم يقدر عليهم، تصدَّق به كلَّه، ولا يأخذ رأس ماله، وكذا قال فيمن باع شيئًا ممن تكره معاملته لشبهة ماله، قال: يتصدَّقُ بالثمن، وخالفه ابنُ المبارك، وقال: يتصدق بالرِّبح خاصَّةً. وقال أحمد: يتصدَّق بالربح.
وكذا قال فيمن ورث مالًا من أبيه، وكان أبوه يبيعُ ممَّن تكره معاملته: أنَّه يتصدَّق منه بمقدار الرِّبح، ويأخذ الباقي. وقد رُوي عن طائفةٍ من الصَّحابة نحوُ ذلك: منهم عمرُ بنُ الخطاب، وعبدُ الله بنُ يزيد الأنصاري.
والمشهور عن الشافعي ﵀ في الأموال الحرام أنّها تُحفظ، ولا يُتَصَدَّقُ بها حتى يظهر مستحقُّها.
وكان الفضيلُ بنُ عياض يرى أنَّ من عنده مالٌ حرامٌ لا يعرف أربابه، أنَّه يُتلفه، ويُلقيه في البحر، ولا يتصدَّق به، وقال: لا يتقرَّب إلى الله إلَّا بالطيب. والصحيح الصدقةُ به؛ لأنَّ إتلاف المال واضاعته منهيٌّ عنه، وإرصاده أبدًا تعريض له للإتلاف، واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه
_________________
(١) = ما غل قبل القسمة، وأما بعدها، فقال الثوري والأوزاعي ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي.
[ ١ / ٢٦٨ ]
حتى يكونَ تقرُّبًا منه بالخبيث، وإنَّما هي صدقةٌ عن مالكه، ليكون نفعُه له في الآخرة حيث يتعذَّرُ عليه الانتفاعُ به في الدنيا.
وقوله: "ثم ذكر الرجل يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدّ يديه إلى السَّماء: يا رب، يا رب، ومطعمُه حرام، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟! ".
هذا الكلام أشار فيه - ﷺ - إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابَته، وإلى ما يمنع من إجابته، فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:
أحدها: إطالةُ السفر، والسفر بمجرَّده يقتضي إجابةَ الدعاء، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: "ثلاثُ دعواتٍ مستجابات لا شك فيهن: دعوةُ المظلومِ، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالد لولده" (^١) خرَّجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وعنده: "دعوة الوالد على ولده ".
وروي مثله عن ابن مسعود من قوله.
ومتى طال السفر، كان أقربَ إلى إجابةِ الدُّعاء؛ لأنَّه مَظِنَّةُ حصول انكسار النفس بطول الغُربة عن الأوطان، وتحمُّل المشاق، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء.
والثاني: حصولُ التبذُّل في اللِّباس والهيئة بالشعث والإغبرار، وهو - أيضًا - من المقتضيات لإجابة الدُّعاء، كما في الحديث المشهور عن النبيِّ - ﷺ -: "ربَّ
_________________
(١) حديث حسن رواه أبو داود (١٥٣٦)، والترمذي (١٩٠٥) و(٣٤٤٨)، وابن ماجه (٣٨٦٢)، وأحمد ٢/ ٢٥٨، والبخاري في "الأدب المفرد" (٣٢) و(٤٨١)، وصححه ابن حبان (٢٦٩٩)، وله شاهد يتقوى به من حديث عقبة بن عامر عند أحمد ٤/ ١٥٤.
[ ١ / ٢٦٩ ]
أشعث أغبرَ ذي طِمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه" (^١). ولما خرج النبيُّ - ﷺ - للاستسقاء، خرج متبذِّلًا متواضعًا متضرِّعًا (^٢). وكان مُطَرِّفُ بنُ عبد الله قد حُبسَ له ابنُ أخٍ، فلبس خُلْقان ثيابه، وأخذ عكازًا بيده، فقيل له: ما هذا؟ قال: أستكين لربي، لعلَّه أنَّ يشفِّعني في ابن أخي (^٣).
الثالث: مدُّ يديه إلى السَّماء، وهو من آداب الدُّعاء التي يُرجى بسببها إجابته، وفي حديث سلمانَ عن النبيِّ - ﷺ -: "إنَّ الله تعالى حييُّ كريمٌ، يستحي إذا رفع الرجلُ إليه يديه أنَّ يردَّهما صِفرًا خائبتين" خرجه الِإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (^٤). وروي نحوه من حديث أنس (^٥) وجابر (^٦) وغيرهما.
وكان النبيُّ - ﷺ - يرفع يديه في الاستسقاء حتى يُرى بياضُ إبطيه (^٧)، ورَفَع
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٢٢) و(٢٨٤٦)، وابن حبان (٦٤٨٣).
(٢) روى أحمد ١/ ٢٣٠، والترمذي (٥٥٩)، والنسائي ٣/ ١٦٣، وابن ماجه (١٢٦٦)، وأبو داود (١١٦٥) عن ابن عباسٍ قال: خرج رسول الله - ﷺ - متبذلًا متمسكنًا متضرعًا متواضعًا، وصححه ابن حبان (٢٨٦٢)، واللفظ له.
(٣) رواه ابن عساكر في "تاريخه" ١٦/ ٢٩٠، والذهبي في "السير" ٤/ ١٩٥.
(٤) رواه أحمد ٥/ ٤٣٨، وأبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وصححه ابن حبان (٨٧٦) و(٨٨٠)، والحاكم ١/ ٤٩٧، ووافقه الذهبي، وجود إسناده الحافظ في "الفتح" ١١/ ١٤٣.
(٥) رواه عبد الرزاق (١٩٦٤٨)، والطبراني في "الدعاء" (٢٠٤) و(٢٠٥)، والحاكم ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨، والبغوي (١٣٨٦) بأسانيد ضعيفة.
(٦) رواه أبو يعلى (١٨٦٧)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١٤٩، وزاد نسبته للطبراني في "الأوسط"، وقال: فيه يوسف بن محمد بن المنكدر، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجالهما رجال الصحيح.
(٧) رواه من حديث أنس البخاري (١٠٣١)، ومسلم (٨٩٥)، وصححه ابن حبان (٢٨٩٥).
[ ١ / ٢٧٠ ]
يديه يومَ بدرٍ يستنصرُ على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه (^١).
وقد روي عن النبيِّ - ﷺ - في صفة رفع يديه في الدُّعاء أنواعٌ متعددة، فمنها أنَّه كان يُشير بأصبعه السَّبَّابةِ فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر (^٢)، وفعله لما ركب راحلته (^٣).
وذهب جماعة من العلماء إلى أنَّ دعاء القنوت في الصلاة يُشير فيه بأصبعه، منهم الأوزاعي وسعيدُ بن عبد العزيز، وإسحاق بن راهويه. وقال ابن عباسٍ وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء (^٤). وعن ابنُ سيرين: إذا أثنيت على الله، فأَشِرْ بأصبعٍ واحدة.
ومنها: أنه - ﷺ - رفع يديه وجعل ظُهورَهما إلى جهةِ القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما ممَّا يلي وجهَه. وقد رُويت هذه الصِّفةُ عن النبيِّ - ﷺ - في دعاء الاستسقاء (^٥)، واستحبّ بعضُهمُ الرفعَ في الاستسقاء على هذه الصفة، منهم الجوزجاني.
وقال بعض السلف: الرفع على هذا الوجه تضرُّع.
_________________
(١) رواه من حديث عمر مسلم (١٧٦٣) وابن حبان (٤٧٩٣).
(٢) رواه من حديث عمارة بن رويبة أحمد ٤/ ١٣٥، ومسلم (٨٧٤)، والنسائي ٣/ ١٠٨، وأبو داود (١١٠٤)، وصححه ابن حبان (٨٨٢).
(٣) وذلك في خُطبته في حجة الوداع كما رواه مسلم (١٧٦٣) وغيره من حديث جابر الطويل في وصف حجة النبي - ﷺ -.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٨٧ و٣٨١، وعبد الرزاق (٣٢٤٤)، والبيهقي ٢/ ١٣٣.
(٥) انظر حديث أنس في البخاري (١٠٣١)، ومسلم (٨٩٥). وحديث عمير مولى آبي اللحم عند أبي داود (١١٦٨)، وأحمد ٥/ ٢٢٣، وصححه الحاكم ١/ ٣٢٧، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٧١ ]
ومنها عكسُ ذلك، وقد رُوي عَنِ النبيِّ - ﷺ - في الاستسقاء أيضًا (^١)، ورُوي عن جماعة من السَّلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا الوجه استجارةٌ بالله ﷿، واستعاذة به، منهم: ابنُ عمر، وابنُ عباسٍ، وأبو هريرة، ورُوي عن النبي - ﷺ - أنَّه كان إذا استعاذَ، رفع يديه على هذا الوجه (^٢).
ومنها رفع يديه، جعل كفَّيه إلى السَّماء وظهورهما إلى الأرض. وقد ورد الأمرُ بذلك في سُؤال الله ﷿ في غيرِ حديث، وعن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن سيرين أنَّ هذا هو الدُعاء والسُّؤال لله ﷿.
ومنها عكسُ ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما مما يلي الأرض. وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن أنس أن النبيَّ - ﷺ - استسقى فأشار بظهر كفَّيه إلى السَّماء. وخرجه الِإمام أحمد (^٤) ﵀ ولفظه: "فبسط يديه، وجعل ظاهرهما مما يلي السماء". وخرجه أبو داود (^٥)، ولفظه: استسقى هكذا يعني: مدّ يديه، وجعل بطونَهما مما يلي الأرض.
وخرج الإِمام أحمد (^٦) من حديث أبي سعيد الخدري، قال: كان النبيُّ - ﷺ - واقفًا بعرفة يدعو هكذا ورفع يديه حيال ثُنْدوتِه، وجعل بُطونَ كفَّيه مما يلي
_________________
(١) في سنن أبي داود (١١٧١) من حديث أنس: كان النبي - ﷺ - يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
(٢) رواه أحمد ٤/ ٥٦ عن خلاد بن السائب مرسلًا، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١٦٨، وقال: إسناده حسن!.
(٣) برقم (٨٩٦).
(٤) "المسند" ٣/ ٢٤١.
(٥) برقم (١١٧١)، وإسناده صحيح.
(٦) في "المسند" ٣/ ١٣. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٨٧، وذكره الهيثمي في "المجمع " ١٠/ ١٦٨، وقال: فيه بشر بن حرب، وهو ضعيف.
[ ١ / ٢٧٢ ]
الأرض. وهكذا وصف حمادُ بن سلمة رفع النبيُّ - ﷺ - يديه بعرفة. ورُوي عن ابن سيرينَ أنَّ هذا هو الاستجارة. وقال الحميدي: هذا هو الابتهالُ.
والرابع: الإِلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو مِنْ أعظم ما يُطلب به إجابةُ الدعاء، وخرَّج البزارُ (^١) من حديث عائشة مرفوعًا: "إذا قال العبدُ: يا ربَّ أربعًا، قال الله: لَبَّيْكَ عَبدي، سل تُعْطَه ".
وخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة: أنَّ قومًا شَكَوا إلى النبيِّ - ﷺ - قُحُوط المطر، فقال: "اجثُوا على الرُّكَب، وقولوا: يا ربَّ يا ربَّ" ورفع السَّبَّابة إلى السَّماء، فسُقُوا حتى أحبُّوا أنَّ يُكشَفَ عنهم (^٢).
وفي "المسند" وغيره عن الفضل بن عباسٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "الصلاةُ مثنى مثنى، وتَشَهُّدٌ في كلِّ ركعتين، وتضرُّعٌ، وتخشع وتمسكنٌ، وتُقنِعُ يَديك - يقول: ترفعهما إلى ربِّك مستقبلًا بهما وجهَك - وتقول: يا ربّ ياربّ، فمن لم يفعل ذلك فهي خِداجٌ" (^٣).
وقال يزيد الرَّقاشي عن أنس: ما مِنْ عبدٍ يقول: يا ربَّ يا ربَّ يا ربّ، إلا قال له ربُّه: "لبيك لبيك ".
_________________
(١) برقم (٣١٤٥)، وذكره الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١٥٩، وقال: فيه الحكم بن سعيد الأموي، وهو ضعيف.
(٢) لا يصح، ورواه البزار (٦٦٥)، والبخاري في "التاريخ" ٦/ ٤٥٧، وفي سنده عامر بن خارجة، قال البخاري: في إسناده نظر. وقال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه ٣/ ١٨٨: إسناده منكر.
(٣) رواه أحمد ١/ ٢١١، والترمذي (٣٨٥)، وفي سنده عبد الله بن نافع بن العمياء، وهو مجهول. ورواه أحمد ٤/ ١٦٧، وأبو داود (١٢٩٦)، وابن ماجه (١٣٢٥) من حديث المطلب بن ربيعة، وفيه أيضًا عبد الله بن نافع بن العمياء.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وروي عن أبي الدرداء وابن عباسٍ أنهما كانا يقولان: اسم الله الأكبر ربِّ ربِّ (^١) وعن عطاءٍ قال: ما قال عبدٌ يا ربُّ يا ربُّ ثلاث مرات، إلَّا نظر الله إليه، فذكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرؤون القرآن؟ ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٥] (^٢).
ومن تأمَّل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبًا تفتتح باسم الرَّبِّ، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. ومثل هذا في القرآن كثير.
وسئل مالك وسفيان عمَّن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقالا: يقول: يا ربّ. زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم.
وأما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار - ﷺ - إلى أنَّه التوسُّع في الحرام أكلًا
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٧٢، وصححه الحاكم ١/ ٥٠٥، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٤١٠، وزاد نسبته لابن أبي حاتم.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٣١٣.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وشربًا ولبسًا وتغذيةً، وقد سبق حديثُ ابن عباسٍ في هذا المعنى أيضًا، وأن النبيِّ - ﷺ - قال لسعد: "أَطِبْ مطعمَكَ، تَكُن مُستجاب الدعوة" (^١) فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجبٌ لإجابة الدعاء.
ورَوى عكرمةُ بن عمار: حدَّثنا الأصفر، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: تُستجابُ دعوتُك من بين أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ فقال: ما رفعتُ إلى فمي لقمةً إلا وأنا عالمٌ من أين مجيئُها، ومن أين خرجت.
وعن وهب بن مُنبِّه قال: من سرَّه أنَّ يستجيب الله دعوته، فليُطِب طُعمته. وعن سهل بن عبد الله قال: من أكل الحلال أربعين صباحًا أُجيبَت دعوتُه. وعن يوسف بن أسباط قال: بلغنا أنَّ دعاءَ العبد يحبس عن السماوات بسوءِ المطعم.
وقوله - ﷺ -: "فأنَّى يستجاب لذلك" معناه: كيف يُستجاب له؟ فهو استفهامٌ وقع على وجه التَّعجُّب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فَيُؤْخَذُ من هذا أنَّ التوسُّع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإِجابة، وقد يُوجد ما يمنعُ هذا المانع من منعه، وقد يكونُ ارتكابُ المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار، وفعل الطاعات يكون موجبًا لاستجابة الدعاء (^٢). ولهذا لمَّا توسَّل الذين دخلوا الغارَ، وانطبقت
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) روى أحمد ٦/ ١٥٩، والبزار (٣٣٠٤) عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: "يا أيها الناس، إن الله ﵎ يقول لكم: مُروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبلَ أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم ". وذكره الهيثمي في "المجمع" ٧/ ٢٦٦، وقال: روى ابن ماجه (٤٠٠٤) بعضه، وفيه عاصم بن عمر أحد المجاهيل. وله شاهد من حديث حذيفة رواه الترمذي (٢١٦٩)، وفيه عبد الله بن عبد الرحمن=
[ ١ / ٢٧٥ ]
عليهمُ الصخرةُ بأعمالهم الصالحةِ التي أخلصوا فيها لله تعالى ودَعُوا الله بها، أجيبت دعوتهم (^١).
وقال وهب بن مُنبِّه: مَثَلُ الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وَتَر (^٢). وعنه قال: العملُ الصالحُ يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وعن عمر قال: بالورع عما حرَّم الله يقبلُ الله الدعاء والتسبيحَ.
وعن أبي ذر ﵁ قال: يكفي مع البرِّ من الدعاء مثلُ ما يكفي الطعامُ من الملح (^٣).
وقال محمد بن واسع: يكفي من الدعاء مع الورع اليسيرُ، وقيل لسفيان: لو دعوتَ الله؟ قال: إن تركَ الذنوب هو الدعاء.
وقال ليث: رأى موسى ﵇ رجلًا رافعًا يديه وهو يسأل الله مجتهدًا، فقال موسى: أي ربَّ عبدُك دعاكَ حتى رحمتَه، وأنت أرحمُ الراحمين، فما صنعتَ في حاجته؟ فقال: يا موسى لو رفع يديه حتَّى يَنقَطِعَ ما نظرتُ في حاجته حتى ينظر في حقِّي.
وخرج الطبراني بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عباسٍ مرفوعًا معناه.
وقال مالك بنُ دينار: أصاب بني إسرائيل بلاءٌ، فخرجوا مخرجًا، فأوحى الله تعالى إلى نبيِّه أنَّ أَخبرهم أنكم تخرُجون إلى الصَّعيد بأبدانٍ نجسة،
_________________
(١) = الأنصاري، لم يوثقه غير ابن حبان، وانظر "المجمع" ٧/ ٢٦٦.
(٢) انظر "البخاري" (٢٢١٥)، و"مسلمًا" (٢٧٤٣)، وابن حبان (٨٩٧).
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣٢٢)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٥٣.
(٤) رواه أحمد في "الزهد" ص ١٤٦، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ١٦٤.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وترفعون إليَّ أكُفًّا قد سفكتُم بها الدماء وملأتم بها بيوتَكم من الحرام، الآن اشتدَّ غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدًا.
وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإِجابة، وقد سددتَ طرقها بالمعاصي، وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
نحن نَدْعُو الإله في كُلِّ كَربٍ … ثُمَّ نَنساهً عِندَ كَشفِ الكُروبِ
كَيْفَ نَرجُو إجابةً لدُعاءٍ … قَدْ سَدَدْنا طرِيقَها بالذُّنوب
[ ١ / ٢٧٧ ]