عَنْ أبي مَسعودٍ البَدريِّ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبوَّةِ الأوُلى: إذَا لَم تَستَحْيِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ" رَواهُ البُخاريُّ (^١).
هذا الحديثُ خرَّجه البخاري من رواية منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حِراش، عن أبي مسعود، عن النبيِّ - ﷺ -، وأظن أن مسلمًا لم يخرجه، لأنه قد رواه قوم، فقالوا: عن رِبعي، عن حذيفة، عن النبي - ﷺ - (^٢) فاختلف في إسناده، لكن أكثر الحفاظ حكموا بأنَّ القولَ قولُ من قال: عن أبي مسعود، منهم البخاري، وأبو زرعة الرازي (^٣)، والدارقطني (^٤) وغيرهم، ويدلُّ على صحة ذلك
_________________
(١) رواه الطيالسي (٦٢١)، وأحمد ٤/ ١٢١ و١٢٢ و٥/ ٢٧٣، وابنه عبد الله في "زوائد المسند" ٥/ ٢٧٣، والبخاري (٣٤٨٣)، و(٣٤٨٤) و(٦١٢٠)، وفي "الأدب المفرد" (٥٩٧) و(١٣١٦)، وأبو داود (٤٧٩٧)، وابن ماجه (٤١٨٣)، وابن أبي الدُّنيا في "مكارم الأخلاق" (٨٣)، والطبراني في "الأوسط" (٢٣٣٢)، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٣٧٠ و٨/ ١٢٤، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٩٢، وفي "الآداب" (١٩٨)، والبغوي (٣٥٩٧)، وصححه ابن حبان (٦٠٧).
(٢) حديث حذيفة رواه أحمد ٥/ ٣٨٣ و٤٠٥، والبزار (٢٠٢٨)، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٣٧١، وفي "أخبار أصبهان" ٢/ ٧٨، والخطيب في "تاريخه" ٢/ ١٣٥ و١٣٦، وإسناده صحيح على شرط مسلم. وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ٢٧، وقال: رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح.
(٣) نقله عنه ابن أبي حاتم في "العلل" ٢/ ٣٣٨.
(٤) في "العلل" كما في "الفتح" ٦/ ٥٢٣.
[ ١ / ٤٩٦ ]
أنَّه قد رُويَ من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه (^١).
وخرَّجه الطبراني من حديث أبي الطفيل، عن النبيِّ - ﷺ - أيضًا (^٢).
فقولُه - ﷺ -: "إنَّ ممَّا أدرك الناسُ من كلام النبوَّةِ الأولى" يشيرُ إلى أن هذا مأثورٌ عن الأنبياء المتقدمين، وأنَّ الناس تداولوه بينهم، وتوارثوه عنهم قرنًا بعد قرنٍ، وهذا يدلُّ على أن النبوات المتقدِّمة جاءت بهذا الكلام، وأنه اشتهر بَيْنَ الناسِ حتَّى وصل إلى أوَّل هذه الأمة. وفي بعض الروايات قال: "لم يدركِ الناسُ مِنْ كلام النبوَّةِ الأولى إلَّا هذا". خرَّجها حميدُ بن زنجويه وغيره.
وقوله: "إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت" في معناه قولان:
أحدهما: أنه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء، ولكنه على معنى الذمِّ والنهي عنه، وأهل هذه المقالة لهم طريقان:
أحدهما: أنه أمرٌ بمعنى التهديد والوعيد، والمعنى: إذا لم يكن لك حياء، فاعمل ما شئت، فإن الله يجازيك عليه، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥]، وقول النبيِّ - ﷺ -: "من باع الخمر، فَليُشَقِّص الخنازير" (^٣) يعني ليقطعها إما لبيعها
_________________
(١) رواه عبد الرزاق (٢٠١٤٩)، وإسناده صحيح.
(٢) رواه الطبراني في "الأوسط" وذكره الهيثمي في "المجمع" ٨/ ٢٧، وقال: فيه من لم أعرفهم.
(٣) رواه من حديث المغيرة بن شعبة بن أبي شيبة ٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦، وأحمد ٤/ ٢٥٣ وأبو داود (٣٤٨٩)، والبيهقي ٦/ ١٢، والمزي في "تهذيب الكمال" ١٣/ ٣٨٥، وفيه عمر بن بيان التغلبي، لم يوثقه غير ابن حبان. وقوله: "فليشقص الخنازير" قال ابن الأثير: أي: فليقطعها قطعًا، ويفصلها أعضاء كما تفصل الشاة إذا بيع لحمها، يقال: =
[ ١ / ٤٩٧ ]
أو لأكلها، وأمثلته متعدِّدة، وهذا اختيارُ جماعة منهم أبو العباس ثعلب.
والطريق الثاني: أنه أمر، ومعناه: الخبر، والمعنى: أن من لم يستحي، صنع ما شاء، فإن المانعَ من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياءٌ، انهمك في كلِّ فحشاء ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياء على حدِّ قوله - ﷺ -: "مَنْ كَذَب عليَّ فليتبوَّأ مقعده من النارِ" (^١)، فإن لفظه لفظُ الأمر، ومعناه الخبر، وأن من كذب عليه تبوأ مقعده من النار، وهذا اختيارُ أبي عبيد (^٢) القاسم بن سلام ﵀، وابنِ قتيبة، ومحمدِ بن نصر المروزي وغيرهم، وروى أبو داود عن الإِمام أحمد ما يدلُّ على مثل هذا القول.
وروى ابنُ لهيعة عن أبي قَبيل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "إذا أبغض الله عبدًا، نزَعَ مِنْهُ الحَياءَ، فإذا نزع منه الحياءَ، لم تلقه إلا بغيضًا متبغِّضًا، ونزع منه الأمانة، فإذا نزع منه الأمانة، نزع منه الرَّحمة، فإذا نزع منه الرَّحمةَ، نزع منه رِبْقَةَ الإِسلام، فإذا نزع منه رِبقةَ الإِسلام، لم تلقه إلا شيطانًا مريدًا". خرَّجه حميدُ بنُ زنجويه (^٣)، وخرَّجه ابنُ ماجه (^٤) بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا أيضًا.
وعن سلمان الفارسي قال: إنَّ الله إذا أرادَ بعبدٍ هلاكًا، نَزَعَ منه الحياءَ، فإذا
_________________
(١) = شقَّصه يُشقصه، وبه سمي القصاب مشقصًا، المعنى: من استحل بيع الخمر. فليستحل بيع الخنزير، فإنهما في التحريم سواء، وهذا لفظ أمر معناه النهي، تقديره من باع الخمر، فليكن للخنازير قصابًا.
(٢) حديث صحيح متواتر روي عن الجم الغفير من الصحابة انظر تخريج الكثير منها في "صحيح ابن حبان" (٢٨) - (٣١).
(٣) انظر "غريب الحديث" ٣/ ٣٢.
(٤) ضعيف وذكره السيوطي في "الجامع الكبير" ١/ ٣١، ونسبه للبيهقي في "الشعب" (٧٧٢٤).
(٥) رقم (٤٠٥٤) وفي سنده سعيد بن سنان، وهو متروك، واتهمه الدارقطني بالوضع.
[ ١ / ٤٩٨ ]
نزع منه الحياء، لم تلقه إلَّا مقيتًا مُمَقَّتًا، فإذا كان مقيتًا ممقتًا، نزع منه الأمانةَ، فلم تلقه إلا خائنًا مخوَّنًا، فإذا كان خائنًا مخونًا، نزع منه الرحمة، فلم تلقه إلا فظًا غليظًا، فإذا كان فظًا غليظًا، نزع رِبْقَ الإِيمان من عنقه، فإذا نزع رِبْقَ الإِيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانًا لعينًا ملعنًا (^١).
وعن ابن عباس، قال: الحياءُ والإِيمانُ في قَرَنٍ، فإذا نُزِعَ الحياءُ، تبعه الآخر. خرَّجه كله حميدُ بن زنجويه في كتاب "الأدب" (^٢).
وقد جعل النبيُّ - ﷺ - الحياءَ مِنَ الإِيمان كما في "الصحيحين" عن ابن عمر أن النبيَّ - ﷺ - مرَّ على رجلٍ وهو يُعاتِبُ أخاه في الحياء يقولُ: إنك لتستحيي، كأنَّه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "دَعْهُ، فإنَّ الحياءَ مِنَ الإِيمانِ" (^٣).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٠٤.
(٢) ورواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس مرفوعًا. قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ٩٢: وفيه يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب. قلت: في الباب ما يُغني عنه، فقد روى الحاكم ١/ ٢٢، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٢٩٧ من طريقين عن موسى بن إسماعيل التبوذكي، حدثنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: "الحياء والإِيمان قرنا جميعًا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" وهذا سند صحيح على شرطهما كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الحافظ العراقي فيما نقله عنه المناوي: حديث صحيح غريب إلا انه اختلف على جرير بن حازم في رفعه ووقفه. قلت: رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٨/ ٥٢٥ عن أبي أسامة، عن جرير، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قوله. وعن أبي موسى الأشعري عند الطبراني في "الصغير" (٦٢٢)، و"الأوسط" ومن طريقه الخطيب في "تاريخه" ١٠/ ٩٥ عن شيخه عبد الله بن محمد بن عبيدة القومسي، وقال: تفرد به.
(٣) رواه البخاري (٢٤) و(٦١١٨)، ومسلم (٣٦)، ومالك ٢/ ٩٠٥، وأحمد ٢/ ٩، وأبو =
[ ١ / ٤٩٩ ]
وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة قال: "الحياءُ شُعبةٌ من الإِيمان" (^١).
وفي "الصحيحين" عن عمران بن حصين، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "الحياءُ لا يأتي إلَّا بخيرٍ" وفي رواية لمسلم قال: "الحياء خيرٌ كلُّه"، أو قال: "الحياءُ كلُّه خير" (^٢).
وخرَّج الإِمام أحمد والنسائي من حديث الأشج العصري قال: قال لي رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّ فيك لخُلُقَيْن يُحبُّهما الله"، قلت: ما هما؟ قال: "الحِلْمُ والحياء" قلت: أقديمًا كان أو حديثًا؟ قال: "بل قديمًا"، قلت: الحمد لله الذي جعلني على خُلُقين يحبهما الله. (^٣)
وقال: إسماعيل بن أبي خالد دخل عيينة بنُ حِصنٍ على النبيِّ - ﷺ - وعنده رجلٌ فاستسقى، فأُتِيَ بماءٍ فشرب، فستره النبيُّ - ﷺ -، فقال: ما هذا؟ قال:
_________________
(١) = داود (٤٧٩٥)، والترمذي (٢٦١٥)، والنسائي ٨/ ١٢١، وابن ماجه (٥٨)، وصححه ابن حبان (٦١٠).
(٢) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥)، والنسائي ٨/ ١١٠، وصححه ابن حبان (١٦٧) و(١٩٠).
(٣) رواه البخاري (٦١١٧)، ومسلم (٣٧).
(٤) رواه أحمد ٤/ ٢٠٦، والنسائي في "فضائل الصحابة" (٢١٠)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٥٨٤)، وابن أبي شيبة ٨/ ٥٢٢ - ٥٢٣، وابن سعد في "الطبقات" ٥/ ٥٥٨، وابن الأثير في "أسد الغابة" من طريق عبد الرَّحمن بن أبي بكرة عن الأشج. وذكره الهيثمي في "المجمع" ٩/ ٣٨٧ - ٣٨٨، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، إلا أن ابن أبي بكرة لم يسمع من الأشج قلت: ورواه مسلم في "صحيحه" (١٨) في خبر مطول من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". واسم الأشج: المنذر بن عائذ العبدي العصَري قدم إلى رسول الله - ﷺ - في وفد عبد القيس.
[ ١ / ٥٠٠ ]
"الحياء خلَّةٌ أُوتوها ومُنِعْتُموها" (^١).
واعلم أن الحياء نوعان:
أحدهما: ما كان خَلْقًا وجِبِلَّةً غير مكتسب، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يَمنَحُهَا الله العبدَ ويَجبلُه عليها، وَلهذا قال - ﷺ -: "الحياء لا يأتي إلَّا بخير"، فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءةِ الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِنْ خصال الإيمان بهذا الاعتبار، وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: من استحيى، اختفى، ومن اختفى، اتقى، ومن اتقى وُقي.
وقال الجَرَّاح بنُ عبد الله الحكمي - وكان فارس أهل الشام -: تركتُ الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع (^٢). وعن بعضهم قال: رأيتُ المعاصي نذالةً، فتركتها مُروءَةً، فاستحالت دِيانة.
والثاني: ما كان مكتسبًا من معرفة اللهِ، ومعرفة عظمته وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمِه بخائنة الأعين وما تُخفي الصدور، فهذا من أعلى خصالِ الإيمان، بل هو مِنْ أعلى درجات الإحسان، وقد تقدَّم أن النبيَّ - ﷺ - قال لِرجل: "استحي مِنَ اللهِ كما تستحي رجلًا مِنْ صالحِ عشيرتِكَ" (^٣).
وفي حديث ابن مسعود: "الاستحياءُ مِنَ اللهِ أن تحفط الرَّأسَ وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموتَ والبلَى؛ ومن أراد الآخرة تركَ زينةَ الدُّنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيى مِنَ الله" خرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي مرفوعًا (^٤).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٢٤ عن وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: دخل عُيينة، وفيه: "أعطوها وضيعتموها".
(٢) انظر "السير" ٥/ ١٩٠.
(٣) تقدم تخريجه ص ٧٨.
(٤) رواه أحمد ١/ ٤٠٨، والترمذي (٢٤٥٨)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٢٢٣، وفيه الصباح بن=
[ ١ / ٥٠١ ]
وقد يتولَّدُ من الله الحياءُ من مطالعة نِعمه ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سُلِبَ العبدُ الحياءَ المكتسب والغريزي، لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح، والأخلاق الدنيئة، فصار كأنه لا إيمانَ له. وقد روي من مراسيل الحسن، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "الحياء حياءانِ: طَرفٌ من الإيمان، والآخر عجز" ولعله من كلام الحسن، وكذلك قال بُشَير بن كعب العدوي لِعمران بن حصين: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينةً ووقارًا لله، ومنه ضعف، فغضب عِمران وقال: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتعارض فيه (^١)؟
والأمر كما قاله عِمران ﵁، فإن الحياءَ الممدوح في كلام النبيِّ - ﷺ - إنما يُريد به الخُلُقَ الذي يَحُثُّ على فعل الجميل، وتركِ القبيح، فأمَّا الضعف والعجزُ الذي يوجب التقصيرَ في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده، فليس هو من الحياء، إنما هو ضعفٌ وخوَرٌ، وعجزٌ ومهانة، والله أعلم.
_________________
(١) = محمد، وهو ضعيف ويرفع الموقوف، وقال الذهبي في "الميزان" ٢/ ٣٠٦ رفع حديثين هما من قول عبد الله. ومع ذلك فقد صححه الحاكم ٤/ ٣٢٣، ووافقه الذهبي. وذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٤٠٠ و٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠، وصوب وقفه على ابن مسعود. ورواه من طريق آخر الطبراني في "الكبير" (١٠٢٩٠)، و"الصغير" (٤٩٤)، وعنه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٢٠٩، وقال: غريب. وفيه: السري بن سهل شيخ الطبراني، قال البيهقي: لا يحتج به ولا بشيخه، وقال ابن عدي: كان يسرق الحديث. وله شاهد لا يُفرح به من حديث عائشة عند الطبراني في "الأوسط"، وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو متروك، قاله الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٢٨٤، وآخر مثله من حديث الحكم بن عمير، رواه الطبراني في "الأوسط" قال الهيثمي: وفيه عيسى بن إبراهيم القرشي، وهو متروك، وثالث من حديث الحسن مرسلًا، رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣١٧).
(٢) انظر ص ٤٥٠ ت (١).
[ ١ / ٥٠٢ ]
والقول الثاني في معنى قوله: "إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت": أنَّه أمر بفعل ما يشاء على ظاهرِ لفظه، وأن المعنى: إذا كان الذي تريدُ فعله مما لا يُستحيى من فعله، لا من الله ولا من الناس، لكونه من أفعال الطاعات، أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة، فاصنعْ منه حينئذ ما شئتَ، وهذا قولُ جماعةٍ من الأئمة، منهم أبو إسحاق المروزي الشافعي، وحُكي مثله عن الإِمام أحمد، ووقع كذلك في بعض نسخ "مسائل أبي داود" المختصرة عنه، ولكن الذي في النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبلُ، وكذلك حكاه عنه الخلال في كتاب "الأدب"، ومن هذا قولُ بعض السلف - وقد سئل عن المروءة - فقال: أن لا تعملَ في السرِّ شيئًا تستحيي منه في العلانية، وسيأتي قولُ النبي - ﷺ -: "الإِثم ما حاكَ في صدرك، وكرهتَ أن يطلع عليه الناس" في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى (^١).
وروى عبد الرزاق في كتابه (^٢) عن معمر عن أبي إسحاق عن رجلٍ من مزينة قال: قيلَ: يا رسولَ الله، ما أفضلُ ما أوتي الرجلُ المسلم؟ قال: "الخلق الحسن"، قال: فما شرُّ ما أُوتي المسلم؟ قال: "إذا كرهت أن يُرى عليكَ شيءٌ في نادي القوم، فلا تفعله إذا خلوتَ".
وفي "صحيح ابن حبان" (^٣) عن أسامةَ بن شريك قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "ما كرهَ الله منكَ شيئًا، فلا تفعله إذا خلوتَ".
وخرَّج الطبرانيُّ من حديثِ أبي مالكٍ الأشعري قال: قلت: يا رسول اللهِ
_________________
(١) هو الحديث السابع والعشرون.
(٢) "المصنف" (٢٠١٥١).
(٣) برقم (٤٠٣)، وفيه مؤمل بن إسماعيل، وهو سيء الحفظ.
[ ١ / ٥٠٣ ]
ما تمامُ البرِّ؟ قال: "أن تعمل في السرِّ عملَ العلانية" (^١). وخرَّجه أيضًا من حديث أبي عامر السكوني، قال: قلت: يا رسولَ الله، فذكره (^٢).
وروى عبد الغني بنُ سعيد الحافظ في كتاب "أدب المحدث" بإسناده عن حرملةَ بن عبد الله، قال: أتيتُ النبيَّ - ﷺ - لأزداد مِنَ العلمِ، فقمتُ بين يديه، فقلت: يا رسولَ اللهِ، ما تأمُرني أن أعملَ به؟ قال: "ائتِ المعروفَ، واجتنبِ المنكرَ، وانظر الذي سمعته أُذُنُكَ مِنَ الخيرِ يقولُه القومُ لك إذا قمتَ من عندهم فأتِه، وانظرِ الذي تكره أن يقولَه القومُ لك إذا قمتَ مِنْ عندهم، فاجتنبه" قال: فنظرت فإذا هما أمران لم يتركا شيئًا: إتيانُ المعروف، واجتنابُ المنكر (^٣).
وخرَّجه ابن سعد في "طبقاته" (^٤) بمعناه.
وحكى أبو عبيد (^٥) في معنى الحديث قولًا آخر حكاه عن جرير قال: معناه أن يُريدَ الرجلُ أن يعمل الخيرَ، فيدعهُ حياءً من الناس كأنه يخاف الرِّياء، يقول: فلا يمنعنك الحياءُ مِنَ المُضيِّ لما أردت، كما جاء في الحديث: "إذا جاءك الشيطانُ وأنت تصلِّي، فقال: إنَّك تُرائي، فزدها طولًا" ثم قال أبو عُبيد: وهذا
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير" (٣٤٢٠) وفي سنده ابن لهيعة وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم وكلاهما ضعيف، وانظر "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٩٠.
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" ٢٢/ (٨٠٠) وفيه ابن لهيعة وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم أيضًا. انظر "المجمع".
(٣) ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٢٢)، وأبو داود الطيالسي ١/ ٣١٩، وأحمد ٤/ ٣٠٥، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٣٥٩، وابن الأثير في "أسد الغابة" ١/ ٤٧٥، وذكره الحافظ في "الإصابة" ١/ ٣١٩ وحسن إسناده.
(٤) ٧/ ٥٠.
(٥) في "غريب الحديث" ٣/ ٣١.
[ ١ / ٥٠٤ ]
الحديث ليس يجيء سياقُه ولا لفظُه على هذا التفسير، ولا على هذا يحمله الناس.
قلت: لو كان على ما قاله جرير، لكان لفظُ الحديث: إذا استحييتَ مما لا يُستحيى منه، فافعل ما شئتَ، ولا يخفى بُعْدُ هذا من لفظ الحديث ومعناه، والله أعلم.
[ ١ / ٥٠٥ ]