وأمَّا النِّيَّةُ بالمعنى الَّذي يذكره الفُقهاءُ، وهو أن تمييزَ العبادات من العاداتِ، وتمييز العباداتِ بعضها مِنْ بعض، فإنَّ الإِمساكَ عن الأكلِ والشُّرب يقعُ تارةً حميةً، وتارةً لعدمِ القُدرةِ على الأكل، وتارةً تركًا للشهواتِ للهِ ﷿، فيحتاجُ في الصِّيامِ إلى نيَّةٍ ليتميَّزَ بذلك عَنْ تركِ الطَّعامِ على غيرِ هذا الوجه.
وكذلك العباداتُ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ، منها فرضٌ، ومنها نفلٌ.
والفرضُ يتنوَّعُ أنواعًا، فإنَّ الصَّلواتِ المفروضاتِ خمسُ صلواتِ كلَّ يومٍ وليلةٍ، والصَّومُ الواجبُ تارةً يكونُ صيامَ رمضان، وتارةً صيامَ كفَّارةٍ، أو عن نذرٍ، ولا يتميَّزُ هذا كلُّه إلَّا بالنِّيَّةِ، وكذلك الصَّدقةُ، تكونُ نفلًا، وتكونُ فرضًا، والفرضُ منه زكاةٌ، ومنه كفَّارةٌ، ولا يتميَّزُ ذلكَ إلَّا بالنِّيَّةِ، فيدخلُ ذلك في عمومِ قوله - ﷺ -: "وإنَّما لامرئٍ ما نَوى".
وفي بعضِ ذلك اختلافٌ مشهورٌ بينَ العُلماء فإنَّ منهم مَنْ لا يُوجِبُ تعيينَ النِّيَّةِ للصَّلاةِ المفروضَةِ، بل يكفي عندَه أن ينويَ فرضَ الوقتِ، وإنْ لم يستحضِرْ تسميتَه في الحال، وهو روايةٌ عن الإِمام أحمدَ. ويُبنى على هذا القولِ: أن منْ فاتَته صلاةٌ مِنْ يومٍ وليلةٍ، ونسيَ عينَها، أن عليه أن يقضي ثلاثَ صلواتٍ: الفجرَ والمغربَ ورُباعيَّةً واحدة (^١).
وكذلك ذهبَ طائفةٌ مِنَ العُلماءِ إلى أن صيامَ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ تعيينية أيضًا، بل تُجزئُ بنيَّة الصِّيامِ مُطلقًا، لأنَّ وقتَه غيرُ قابلٍ لصيامٍ آخر،
_________________
(١) قال صاحب "المبدع" ١/ ٣٥٨: وإن نسي صلاة من خمس يجهل عينها صلّى خمسًا نصّ عليه بنيَّة الفرض، وعنه: فجرًا، ثمّ مغربًا، ثمّ رباعية.
[ ١ / ٨٥ ]
وهو أيضًا روايةً عن الإمام أحمدَ (^١). وربَّما حُكِي عن بعضِهم أن صيامَ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ بالكُلِّيَّةِ، لتعيينه بنفسه، فهو كردِّ الودائع، وحُكِي عن الأوزاعيِّ أن الزَّكاةَ كذلك. وتأوَّلَ بعضُهم قولَه على أنَّه أرادَ أنَّها تُجزئُ بنيَّةِ الصَّدقةِ المُطلَقَةِ كالحجِّ. وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدَّق بالنِّصاب كله مِنْ غيرِ نيَّةٍ، أجزأه عن زكاته.
وقد رُوي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه سَمع رجُلًا يُلبِّي بالحَجِّ عنْ رجُلٍ، فقال له: أحَجَجْت عن نَفسك؟ " قال: لا، قال: "هذه عَنْ نفسِك، ثمَّ حُجَّ عن الرَّجُلِ". وقد تُكُلِّم في صحَّةِ هذا الحديثِ، ولكنَّه صحيحٌ عن ابن عبَّاسٍ وغيره (^٢). وأخذ بذلك الشَّافعيُّ وأحمدُ في المشهور عنه وغيرُهما، في أن حَجَّة الإسلام تسقطُ بنيَّةِ الحجِّ مطلقًا، سواءً نوى التَّطُّوعَ أو غيرَه، ولا يُشتَرطُ للحجِّ تعيينُ النِّيَّةِ، فمنْ حجَّ عنْ غيرِه، ولم يحجَّ عن نفسِهِ، وقع عنْ نفسه، وكذا لو حجَّ عَنْ نذرهِ، أو نفلًا، ولم يكن حجَّ حجَّةَ الإِسلام، فإنه ينقلِبُ عنها، وقد ثبت عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه أمرَ أصحابَهُ في حجَّةِ الوداعِ بعدَ ما دخلُوا معه، وطافوا، وسعَوا أنْ يَفسَخُوا حجَّهم، ويجعلوها عمرةً، وكان منهم القارنُ والمفرِدُ (^٣)، وإنَّما كانَ طوافُهم عندَ قُدومهم طوافَ القدومِ وليسَ بفرضٍ، وقد أمرهم أن يجعلُوه
_________________
(١) انظر: "المغني" ٣/ ٩٣.
(٢) رواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وأبو يعلى (٢٤٤٠)، والدّارَقطني ٢/ ٢٧٠، وصححه ابن خزيمة (٣٠٣٩)، وابن حبان (٣٩٨٨).
(٣) رواه من حديث جابر البخاري (١٥٦٨) و(١٦٥١) و(١٧٨٥)، ومسلم (١٢١٣) - (١٢١٦)، وأبو داود (١٧٨٥) - (١٧٨٩)، والنسائي ٥/ ١٧٨ - ١٧٩. ورواه من حديث ابن عبّاس البخاري (١٥٦٤)، ومسلم (١٢٤٠)، وأبو داود (١٩٨٧)، والنّسائي ٥/ ١٨٠ - ١٨١ و٢٠١ - ٢٠٢، وأحمد ١/ ٢٥٢.
[ ١ / ٨٦ ]
طوافَ عمرةٍ وهو فرضٌ، وقد أخذَ بذلكَ الإمامُ أحمدُ في فسخِ الحجِّ، وعملَ به، وهو مشكلٌ على أصلهِ، فإنَّه يُوجِبُ تعيينَ الطوافِ الواجب للحجِّ والعمرة بالنِّيَّةِ، وخالفَهُ في ذلك أكثرُ الفُقهاءِ، كمالكٍ والشَّافعيِّ وأبي حنيفةَ.
وقد يفرِّقُ الإمامُ أحمدُ بينَ أنْ يكونَ طوافُهُ في إحرامٍ انقلبَ، كالإِحرام الَّذي يفسخُه، ويجعلهُ عمرةً، فينقلبُ الطَّوافُ فيه تبعًا لانقلاب الإحرامِ، كما ينقلبُ الطَّوافُ في الإِحرامِ الَّذي نوى به التَّطوُّعَ إذا كان عليهَ حَجَّةُ الإسَلام، تبعًا لانقلاب إحرامهِ مِنْ أصَله، ووقوعِه عن فَرضِه، بخلاف ما إذا طافَ للزيارةِ بنيَّةِ الودَاعِ، أو التَّطُّوعِ، فإنَّ هذا لا يُجزئه لأنَّه لم يَنوِ به الفَرضَ، ولم ينقلبْ فرضًا تبعًا لانقلابِ إحرامِه، والله أعلمُ.
وممَّا يدخُلُ في هذا الباب: أن رجلًا في عهد النَّبيِّ - ﷺ - كانَ قد وضعَ صدقتَه عندَ رجُلٍ، فجاءَ ابنُ صاحب الصَّدقَةِ، فأخذها ممَّن هي عنده، فعلم بذلكَ أبوهُ، فخاصمه إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: ما إيَّاكَ أردتُ، فقال النَّبيُّ - ﷺ - للمتصدِّقِ: "لكَ ما نَويتَ"، وقال للآخِذِ: "لَك ما أخذْتَ" خرَّجه البخاريُّ (^١).
وقد أخذَ الإمامُ أحمدُ بهذا الحديثِ، وعملَ به في المنصوصِ عنه، وإنْ كان أكثرُ أصحابِهِ على خلافِه، فإنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُمنعُ من دفعِ الصَّدقةِ إلى ولده خشيةَ أن يكونَ محاباةً، فإذا وصلتْ إلى ولده من حيثُ لا يشعر، فالمحاباةُ منتفيَةٌ، وهو مِنْ أهلِ استحقاقِ الصَّدقةِ في نفس الأمرِ، ولهذا لو دفعَ صدقَته إلى مَنْ يظنُّه فقيرًا، وكان غنيًّا في نفس الأمرِ، أجزَأتهُ على الصَّحيحِ، لأنَّه إنَّما دفَعَ إلى مَنْ يعتقدُ استحقاقَه، والفقرُ أمَرٌ خفيٌّ، لا يكادُ يُطَّلعُ على حقيقته.
وأمَّا الطَّهارةُ، فالخلافُ في اشتراطِ النِّيَّةِ لها مشهورٌ، وهو يرجعُ إلى أن الطَّهارةَ للصَّلاةِ هل هي عبادةٌ مستقلَّةٌ، أم هي شرطٌ من شروطِ الصَّلاةِ، كإزالةِ
_________________
(١) برقم (١٤٢٢).
[ ١ / ٨٧ ]
النَّجاسةِ، وسَترِ العورةِ؟ فمن لم يشترِط لها النِّيَّةَ، جعلها كسائرِ شُروطِ الصَّلاةِ، ومَنِ اشترطَ لها النِّيَّةَ، جعلها عبادةً مُستقلَّةً، فإذا كانت عبادةً في نفسها، لم تصحَّ بدونِ نيَّةٍ، وهذا قولُ جمهور العلماءِ، ويدلُّ على صحَّةِ ذلك تكاثرُ النُّصوصِ الصَّحيحةِ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: بأنَّ الوُضوءَ يكفِّر الذُّنوبَ والخطايا، وأنَّ مَنْ توضَّأ كما أُمِرَ، كان كَفَّارةً لذُنوبه (^١).
وهذا يدلُّ على أن الوُضوءَ المأمورَ به في القرآنِ عبادةٌ مستقلَّةٌ بنفسها، حيث رتَّب عليه تكفيرَ الذنوبِ، والوضوءُ الخالي عن النِّيَّةِ لا يُكفرُ شيئًا من الذُّنوبِ بالاتِّفاقِ، فلا يكونُ مأمورًا به، ولا تصحُّ به الصَّلاةُ، ولهذا لم يَرِد في شيءٍ من بقيَّةِ شرائطِ الصَّلاةِ، كإزالةِ النَّجاسةِ، وسَترِ العورةِ ما ورد في الوُضوءِ مِنَ الثَّواب، ولو شَرَكَ بينَ نيَّةِ الوُضوءِ، وبينَ قصدِ التَّبرُّد، أو إزالةِ النَّجاسةِ أو الوسخَ، أجزأه في المنصوصِ عن الشَّافعيِّ، وهو قولُ أكثرِ أصحاب أحمدَ، لأنَّ هذا القصدَ ليسَ بمحرَّمٍ، ولا مَكروهٍ، ولهذا لو قصدَ مع رفعِ الحدَثِ تعليمَ الوضوءِ، لم يضرَّهُ ذلك. وقد كان النَّبيُّ - ﷺ - يقصِدُ أحيانًا بالصَّلاةِ تعليمَها للنَّاس، وكذلك الحجُّ، كما قال: "خذوا عنِّي مناسِكَكُم" (^٢).
وممَّا تدخُلُ النِّيَّةُ فيه مِنْ أبوابِ العلمِ: مسائلُ الأيْمان.
فلغوُ اليمينِ لا كفَّارةَ فيه، وهو ما جرى على اللِّسان منْ غيرِ قصدٍ بالقلبِ إليه، كقوله: لا والله، وبلى والله في أثناءِ الكلامِ، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ
_________________
(١) رواه من حديث عثمان بن عفان - ﵁ - أحمد ١/ ٦٦ و٦٩، والبخاري (١٦٠)، ومسلم (٢٣١)، والنّسائي ١/ ٩١، وابن ماجه (٢٨٥) و(٤٥٩)، وصححه ابن حبان (٣٦٠). ورواه من حديث عاصم بن سفيانَ أحمدُ ٥/ ٤٢٣، والدارمي ١/ ١٩٢، والنّسائي ١/ ٩٠ - ٩١، وابن ماجه (١٣٩٦)، وصححه ابن حبان (١٠٤٢).
(٢) رواه من حديث جابر: مسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنّسائي ٥/ ٢٧٠.
[ ١ / ٨٨ ]
اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] (^١).
وكذلك يُرجَعُ في الأيمان إلى نيَّةِ الحالِف وما قصدَ بيمينه، فإنْ حَلَفَ بطلاقٍ أو عَتاقٍ، ثم ادَّعى أنَّه نوى ما يُخالِفُ ظاهرَ لفظه، فإنَّه يُدَيَّنُ فيما بينه وبينَ الله ﷿.
وهل يُقبل منه في ظاهرِ الحُكم؟ فيه قولانِ للعُلماءِ مشهوران، وهما روايتانِ عَنْ أحمَدَ، وقد رُوي عَنْ عمرَ أنَّه رُفعَ إليه رجلٌ قالتْ له امرأته: شبِّهني، قال: كأنَّكِ ظبيةٌ، كأنَّك حمامةٌ، فقالت: لا أرضى حتَّى تقولَ: أنت خلِيَّةٌ طالِقٌ، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها فهي امرأتُك. خرَّجه أبو عبيد (^٢) وقال: أراد النَّاقةَ تكونُ معقولةً، ثم تُطْلَقُ من عِقالها ويُخلَّى عنها، فهي خَليَّةٌ مِنَ العِقالِ، وهي طالقٌ، لأنَّها قد طَلَقَت منه، فأرادَ الرَّجُلُ ذلك، فأسقطَ عنه عمرُ الطَّلاق لنيَّته. قال: وهذا أصلٌ لكلِّ مَنْ تكلَّم بشيءٍ يُشبه لفظَ الطَّلاق والعَتاق، وهو ينوي غيرَه أن القولَ فيه قولُه فيما بينَه وبينَ الله، وفي الحُكمِ على تأويلِ مذهب عمرَ ﵁.
ويُروى عن سُمَيطٍ السَّدوسيِّ، قال: خطبتُ امرأةً، فقالوا: لا نزوِّجُكَ حتَّى تُطلِّق امرأتَك، فقلت: إنِّي قد طلَّقتُها ثلاثًا، فزوَّجوني، ثمَّ نظروا، فإذا امرأتي عندي، فقالوا: أليسَ قد طلَّقتها ثلاثًا؟ فقلتُ: كان عندي فلانةٌ فطلقتُها، وفلانةٌ فطلَّقتُها، فأمَّا هذه، فلم أطلِّقْها، فأتيتُ شقيقَ بن ثورٍ وهو يريدُ الخروجَ إلى
_________________
(١) روى أبو داود (٣٢٥٤)، وابن حبان من طريق إبراهيم بن الصائغ، قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن اللغو في اليمين، فقال: قالت عائشة: إنّ رسول الله - ﷺ - قال: "هو كلام الرجل: كلّا واللهِ، وبلى واللهِ". ورواه مالك ٢/ ٤٧٧، والبخاري (٦٦٦٣) عن عائشة موقوفًا. قال الحافظ في "تلخيص الحبير" ٤/ ١٦٧: وصحح الدّارقطني الوقف.
(٢) في "غريب الحديث" ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
[ ١ / ٨٩ ]
عثمانَ وافدًا، فقلتُ: سل أميرَ المؤمنين عَنْ هذه، فخرج فسأله، فقال: نيَّتُه.
خرَّجه أبو عبيد في "كتاب الطَّلاق"، وحكى إجماعَ العُلماءِ على مِثلِ ذلكَ.
وقال إسحاقُ بنُ منصورٍ: قلتُ لأحمدَ: حديثُ السُّمَيطِ تَعرفُهُ؟ قال: نعم، السَّدوسيّ، إنَّما جعلَ نيَّته بذلك، فذكر ذلك شقيق لعثمان، فجعلها نيَّته.
فإن كانَ الحالِفُ ظالمًا، ونوى خِلافَ ما حلَّفه عليه غريمُه، لم تنفَعْه نيَّتُه، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هُريرة، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "يمينُكَ على ما يُصدِّقُك عليه صاحبُك" (^١). وفي رواية له: "اليمينُ على نيَّةِ المُستحْلِفِ" (^٢)، وهذا محمولٌ على الظَّالم، فأمَّا المظلومُ، فينفعهُ ذلك. وقد خرَّج الإِمام أحمدُ، وابنُ ماجه مِنْ حديثِ سُويد بن حنظلةَ، قال: خرجنا نُريدُ رسول الله - ﷺ -، ومعنا وائلُ بنُ حُجْرٍ، فأخذه عدوٌّ له، فتحرَّجَ النَّاسُ أن يحلِفوا، فحلفتُ أنا إنَّه أخي، فخلى سبيلَه، فأتينا النَّبيَّ - ﷺ -، فأخبرتُهُ أن القومَ تحرَّجُوا أن يحلفوا، وحلفتُ أنا إنَّه أخي، فقال: "صدقتَ، المسلمُ أخو المسلم" (^٣).
وكذلك تدخلُ النِّيَّةُ في الطَّلاق والعَتاقِ، فإذا أتى بلفظٍ مِنْ ألفاظ الكناياتِ المحتملَةِ للطَّلاقِ أو العَتاقِ، فلا بُدَّ له من النِّيَّةِ.
وهل يقومُ مقامَ النِّيَّةِ دَلالةُ الحالِ مِنْ غضبٍ أو سُؤالِ الطَّلاقِ ونحوهِ أم لا؟
_________________
(١) رواه مسلم (١٦٥٣).
(٢) رواه مسلم (١٦٥٣)، ورواه أيضًا أبو داود (٣٢٥٥)، والترمذي (١٣٥٤)، وابن ماجه (٢١٢٠).
(٣) رواه ابن ماجه (٢١١٩)، وأحمد ٤/ ٧٩، وأبو داود (٣٢٥٦) من طرق عن إسرائيل بن يونس بن إسحاق، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن جدته، عن أبيها سويد بن حنظلة. ورجاله ثقات غير جدّة إبراهيم بن عبد الأعلى، فإنّها لا تعرف، لكن الحديث حسَن لغيره.
[ ١ / ٩٠ ]
فيه خلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءِ، وهل يقعُ بذلك الطَّلاق في الباطن كما لو نواهُ، أم يلزمُ به في ظاهر الحُكم فقط؟ فيه خلافٌ مشهورٌ أيضًا، ولو أوقعَ الطَّلاقَ بكنايةٍ ظاهرة، كالبَتَّةِ ونحوها، فهل يقعُ به الثَّلاثُ أو واحدةٌ؟ فيه قولان مشهوران، وظاهرُ مذهب أحمدَ أنَّه يقعُ به الثَّلاثُ مع إطلاقِ النِّيَّةِ، فإن نوى به ما دُونَ الثَّلاثِ، وقعَ به مَا نواه، وحُكِي عنه رواية أنَّه يلزمه الثَّلاثُ أيضًا.
ولو رأى امرأةً، فظنَّها امرأتهُ، فطلَّقها، ثم بانت أجنبيَّة، طلقَتِ امرأتُهُ، لأنَّه إنَّما قصدَ طلاقَ امرأتِهِ. نصَّ على ذلك أحمدُ، وحُكِي عنه رواية أخرى: أنَّها لا تطلُق، وهو قول الشَّافعيِّ، ولو كان العكس، بان رأى امرأةً ظنَّها أجنبيَّةً، فطلَّقها، فبانت امرأتُه، فهل تطلُق؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد، والمشهور مِنْ مذهب الشَّافعيِّ وغيره أنَّها تطلُق.
ولو كان له امرأتان، فنهى إحداهما عَن الخُروج، ثم رأى امرأةً قد خرجَتْ، فظنَّها المنهيَّةَ، فقال لها: فلانةُ خرجْتِ؟ أنَت طالقٌ، فقد اختلفَ العُلماء فيها، فقال الحسن: تطلُقُ المنهيَّةُ، لأنها هي الَّتي نواها. وقال إبراهيمُ: تطلقان، وقال عطاءٌ (٧): لا تطلُق واحدةٌ منهما، ومذهبُ أحمد: أنَّه تطلُقُ المنهيَّةُ روايةً واحدةً، لأنه نوى طلاقَها. وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه، واختلف الأصحاب على القولِ بأنَّها تطلُق: هل تطلق في الحُكم فقط، أم في الباطن أيضًا؟ على طريقتين لهم.
وقد استدلَّ بقولهِ - ﷺ -: "الأعمال بالنيَّاتِ، وإنَّما لامرئٍ ما نوى" على أن العُقودَ الَّتي يُقصَدُ بها في الباطنِ التَّوصُّلُ إلى ما هو محرَّمٌ غيرُ صحيحةٍ، كعقودِ البُيوعِ الَّتي يُقصدُ بها معنى الرِّبا ونحوها، كما هو مذهبُ مالكٍ وأحمدَ وغيرهما، فإنَّ هذا العقدَ إنَّما نوي به الرِّبا، لا البيعَ، "وإنَّما لامرئٍ ما نوى".
ومسائلُ النِّيَّةِ المتعلِّقةُ بالفقه كثيرةٌ جدًّا، وفيما ذكرناه كفايةٌ.
[ ١ / ٩١ ]
وقد تقدَّم عنِ الشَّافعيِّ أنَّه قال في هذا الحديث: إنَّه يدخلُ في سبعينَ بابًا من الفقهِ، والله أعلمُ.
والنِّيَّةُ: هي قصدُ القلب، ولا يجبُ التَّلفُّظ بما في القَلب في شيءٍ مِنَ العباداتِ، وخرَّج بعضُ أصحاب الشَّافعيِّ له قولًا باشتراطِ التَّلفُّظ بالنِّيَّةِ للصلاةِ، وغلَّطه المحقِّقون منهم، واختلفَ المتأخِّرون من الفُقهاء في التَّلفُّظ بالنِّيَّة في الصَّلاة وغيرها، فمنهم مَن استحبَّه، ومنهم مَنْ كرهه.
ولا يُعلمُ في هذه المسائل نقلٌ خاصٌّ عن السَّلفِ، ولا عن الأئمَّةِ إلَّا في الحَجِّ وحدَهُ، فإنَّ مُجاهدًا قال: إذا أراد الحجَّ، يُسمِّي ما يُهلُّ به، ورُوي عنه أنَّه قال: يسمِّيه في التَّلبيةِ، وهذا ليس مِمَّا نحنُ فيه، فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يذكرُ نُسُكَه في تلبيته، فيقول: "لَبَّيكَ عُمْرةً وحَجًّا" (^١)، وإنَّما كلامُنا في أنَّه يقولُ عندَ إرادةِ عقدِ الإِحرام: اللَّهُمَّ إنِّي أُريدُ الحجَّ أو العمرةَ، كما استَحَبَّ ذلك كثيرٌ من الفُقهاءِ، وكلامُ مجاهدٍ ليس صريحًا في ذلك. وقال أكثر السَّلفِ، منهم عطاءٌ وطاووسٌ والقاسمُ بنُ محمَّدٍ والنَّخعيُّ: تجزئه النِّيَّةُ عندَ الإِهلالِ. وصحَّ عَنِ ابن عمرَ أنَّه سمعَ رجُلًا عندَ إحرامِهِ يقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أريدُ الحجَّ أو العمرةَ، فقال لهَ: أتعلمُ النَّاس؟ أوليسَ الله يعلمُ ما في نَفسكَ؟.
ونصَّ مالكٌ على مِثلِ هذا، وأنَّه لا يستحبُّ له أنْ يُسمِّيَ ما أحرمَ به. حكاه صاحب كتاب "تهذيب المدوَّنة" مِنْ أصحابه. وقال أبو داود (^٢): قلتُ لأحمدَ: أتقولُ قبلَ التَّكبير - يعني في الصَّلاة - شيئًا؟ قال: لا. وهذا قد يدخُلُ فيه أنَّه لا يتلفَّظُ بالنِّيَّةِ. والله أعلم.
_________________
(١) رواه مسلم (١٢٣٢)، والنّسائي ٥/ ١٥٠ من حديث أنسٍ، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لبَّيك حجّة وعمرة".
(٢) في "مسائل الإمام أحمد" له ص ٣٠.
[ ١ / ٩٢ ]