قد تقدَّم أنَّ الأعمالَ تدخُلُ في مُسمَّى الإسلامِ ومسمَّى الإيمانِ أيضًا، وذكرنا ما يدخلُ في ذلك مِنْ أعمالِ الجوارحِ الظَّاهرَةِ، ويدخلُ في مسمَّاها أيضًا أعمالُ الجوارحِ الباطنةِ.
فيدخل في أعمالِ الإسلام إخلاصُ الدِّينِ للهِ، والنُّصْحُ له ولعبادهِ، وسلامةُ القلبِ لهم مِنَ الغِشِّ والحسَدِ والحِقْدِ، وتوابعُ ذلك مِنْ أنواع الأذى.
ويدخُلُ في مسمَّى الإيمانِ وجَلُ القُلوب مِنْ ذكرِ اللهِ، وخشوعُها عندَ سماعِ ذكرهِ وكتابه، وزيادةُ الإيمانِ بذلك، وتحقيقُ التوكُّل على اللهِ، وخوفُ اللهِ سرًّا وعلانيةً، والرِّضا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ - ﷺ - رسولًا، واختيارُ تَلَفِ النُّفوسِ بأعظمِ أنواعِ الآلامِ على الكُفرِ، واستشعارُ قُرب الله مِنَ العَبدِ، ودوامُ استحضارِهِ، وإيثارُ محبَّةِ اللهِ ورسوله على محبَّةِ ما سواهمَا، والمحبةُ في اللهِ والبُغضُ في اللهِ، والعطاءُ له، والمنعُ له، وأن يكونَ جميعُ الحركاتِ والسَّكناتِ له، وسماحةُ النُّفوسِ بالطَّاعةِ الماليَّةِ والبدنيَّةِ، والاستبشارُ بعملِ الحسناتِ، والفرحُ بها، والمَساءَةُ بعملِ السَّيِّئاتِ والحزن عليها، وإيثارُ المؤمنينَ لرسول اللهِ - ﷺ - على أنفسهم وأموالهم، وكثرةُ الحياءِ، وحسنُ الخلقِ، ومحبَّةُ ما يحبُّه لنفسه لإِخوانه المؤمنين، ومواساةُ المؤمنينَ، خصوصًا الجيران، ومعاضدةُ المؤمنين، ومناصرتهم، والحزنُ بما يُحزنُهم.
ولنذكُرْ بعضَ النُّصوص الواردة بذلك:
فأمَّا ما ورد في دُخوله في اسم الإسلامِ، ففي "مسند الإمام أحمد"،
[ ١ / ١١٦ ]
و"النَّسائيّ" (^١) عن معاويةَ بن حَيْدةَ، قال: قلت: يا رسول الله، بالَّذي بعثكَ بالحقِّ، ما الَّذي بعثك به؟ قال: "الإسلامُ"، قلت: وما الإسلام؟ قال: "أن تُسلِمَ قلبَك للهِ، وأن توجه وجهَك إلى اللهِ، وتُصلِّي الصَّلاةَ المكتوبة، وتُؤدِّيَ الزَّكاة المفروضة"، وفي رواية له: قلت: وما آيةُ الإسلام؟ قال: "أن تقولَ: أسلمتُ وجهيَ للهِ، وتخلَّيتُ، وتقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وكلُّ مسلمٍ على مسلمٍ حرام".
وفي السُّنن (^٢) عن جُبير بن مُطعم، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال في خُطبته بالخَيْفِ مِنْ مِنى: "ثلاثٌ لا يُغِلُّ عليهنَّ قلبُ مسلم؛ إخلاصُ العملِ للهِ، ومُناصحةُ وُلاةِ الأمورِ، ولزومُ جماعةِ المسلمينَ، فإنَّ دعوتَهُم تُحيطُ مِنْ ورائهم"، فأخبرَ أن هذه الثَّلاثَ الخصالَ تنفي الغِلَّ عَنْ قلبِ المسلم.
وفي "الصَّحيحين" (^٣) عن أبي موسى، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه سُئِلَ: أيُّ المسلمين أفضلُ؟ فقال: "مَنْ سلمَ المسلمونَ مِنْ لسانِهِ ويده".
_________________
(١) أحمد ٥/ ٣ و٤ و٥، والنسائي ٤/ ٥ و٨٢ - ٨٣، ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير ١٩/ ١٠٣٦، وصححه ابن حبان (١٦٠).
(٢) قول المصنف: "وفي السّنن .. " يوهم أنه في السّنن الأربعة أو أحدها، وليس هو في شيء منها، إنما رواه أحمد ١/ ٨ و٨٢، والدارمي ١/ ٧٤ و٧٥، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ١/ ١٠، والطبراني في "الكبير (١٥٤١)، والحاكم ١/ ٨٧، وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلِّس وقد عنعن. إلَّا أن الحديث صحيح لغيره، فقد رواه من حديث زيد بن ثابت أحمد ٥/ ١٨٣، وابن ماجه (٢٣٠)، وصححه ابن حبان (٦٧) و(٦٨٠). وله شواهد أُخر انظرها في "مجمع الزوائد" ١/ ١٣٧ - ١٣٩.
(٣) البخاري (١١)، ومسلم (٤٢)، ورواه أيضًا الترمذي (٢٥٠٤)، والنّسائي ٨/ ١٠٦ - ١٠٧.
[ ١ / ١١٧ ]
وفي "صحيح مسلم" (^١) عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: "المسلمُ أخو المسلم، فلا يظلمُهُ ولا يَخذُلُهُ، ولا يحقرُه. بحسب امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يحْقِرَ أخاهُ المُسلمَ، كلُّ المسلمِ على المُسلمِ حرامٌ: دمُه، ومالهُ وعِرضهُ".
وأمَّا ما وردَ في دُخوله في اسمِ الإِيمانِ، فمثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]. وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقوله: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن العباس بن عبد المطلب، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "ذاقَ طعم الإيمان مَنْ رضيَ باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا".
والرِّضا بربوبيَّة اللهِ يتضمَّنُ الرِّضا بعبادته وحدَه لا شريكَ له، وبالرِّضا بتدبيره للعبد واختيارهِ له.
والرِّضا بالإسلام دينًا يقتضي اختيارَه على سائر الأَديان.
والرِّضا بمحمَّدٍ لرسولًا يقتضي الرِّضا بجميع ما جاء به من عِندِ اللهِ، وقبولِ ذلك بالتَّسليمِ والانشراحِ، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
_________________
(١) برقم (٢٥٦٤)، ورواه البغوي في "شرح السنة" (٣٥٤٩).
(٢) برقم (٣٤). ورواه أحمد ١/ ٢٠٨، والترمذي (٢٦٢٣)، والبغوي (٢٥)، وصححه ابن حبان (١٦٩٤).
[ ١ / ١١٨ ]
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وفي "الصحيحين" عن أنسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمان: مَنْ كَانَ الله ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سِواهما، وأنْ يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلَّا للهِ، وأنْ يكره أن يرجعَ إلى الكُفرِ بعدَ إذْ أنقذهُ الله منه كما يكرهُ أنْ يُلقى في النارِ". وفي رواية: "وجد بهنَّ طعمَ الإيمانِ"، وفي بعض الرِّوايات: "طعمَ الإيمانِ وحلاوتَه" (^١).
وفي "الصحيحين" (^٢) عن أنسٍ عَن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليهِ من ولدِهِ، ووالدهِ، والنَّاس أجمعينَ"، وفى رواية: "مِنْ أهلهِ، ومالهِ، والنَّاس أجمعينَ".
وفي "مسند الإمام أحمد" (^٣) عن أبي رزينٍ العُقيليّ قال: قلتُ: يا رسول الله، ما الإيمانُ؟ قال: "أن تشهدَ أنْ لا إله إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولهُ، وأن يكونَ الله ورسولُهُ أحبَّ إليكَ ممَّا سواهُما، وأنْ تحترِقَ في النَّارِ أحبُّ إليكَ مِنْ أنْ تُشرِكَ باللهِ، وأنْ تحبَّ غيرَ ذي نسبٍ لا تُحبُّهُ إلَّا للهِ، فإذا كُنتَ كذلك، فقد دخَلَ حبُّ الإيمانِ في قلبكَ كما دخلَ حبُّ الماءِ للظمآنِ في اليومِ القائظِ". قلت: يا رسول الله، كيف لي بأن أعلمَ أنِّي مؤمنٌ؟ قال:
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ١٠٣ و١١٣ و١٧٢، والبخاري (١٦) و(٢١) و(٦٠٤١) و(٦٩٤١)، ومسلم (٤٣)، والترمذي (٢٦٢٤)، والنسائي ٨/ ٩٤ و٩٦ و٩٧، وابن ماجه (٤٠٣٣)، وصححه ابن حبان (٢٣٧) و(٢٣٨).
(٢) البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤)، ورواه أيضًا أحمد ٣/ ١٧٧ و٢٠٧ و٢٧٥ و٢٧٨، والنّسائي ٨/ ١١٤ و١١٥، وابن ماجه (٦٧)، وصححه ابن حبان (١٧٩).
(٣) ٤/ ١١ - ١٢. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ٥٤: فيه سليمان بن موسى، وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم، وضعفه آخرون.
[ ١ / ١١٩ ]
"ما مِنْ أمَّتي - أو هذه الأمَّة - عبدٌ يعملُ حسنةً، فيعلم أنها حسنة، وأنَّ الله ﷿ جازيه بها خيرًا، ولا يعملُ سيِّئةٌ، فيعلم أنَّها سيِّئةٌ، ويستغفرُ الله منها، ويعلمُ أنه لا يغفر إلا هو، إلا وهو مؤمنٌ".
وفي "المُسند" (^١) وغيره عن عمرَ بن الخطَّاب، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "مَنْ سرَّته حسنتُه، وساءَتْهُ سيِّئَتُه فهو مؤمنٌ".
وفي "مُسندِ بقي بن مخلدٍ" (^٢) عنْ رجلٍ سمع رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: "صريحُ الإيمان إذا أسأتَ، أو ظَلَمْتَ أحدًا: عبدَكَ، أو أَمَتَكَ، أو أحدًا مِنَ النَّاسِ، صُمتَ أو تَصدَّقتَ، وإذا أحسنتَ استبشرتَ".
وفي "مُسند الإمام أحمد" (^٣) عن أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "المؤمنونَ في الدُّنيا على ثلاثةِ أجزاء: الَّذين آمنوا باللهِ ورسولهِ، ثم لم يَرتابُوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، والذي يأمنُهُ النَّاسُ على أموالهم وأنفسهم، ثمَّ الَّذي إذا أشرف على طمعٍ، تركه لله ﷿".
_________________
(١) ١/ ١٨ و٢٦، والترمذي (٢١٦٦)، وقال: حسَن صحيح، وصححه ابن حبان (٤٥٧٦)، والحاكم ١/ ١١٤، ووافقه الذهبي.
(٢) هو الإمام القدوة الحافظ أبو عبد الرحمن الأندلسي القرطبي المتوفى (٢٧٦ هـ) و"مسنده" هذا - فيما قاله ابن حزم - روى فيه عن ألف وثلاث مئة صاحب ونيّف، ورتب حديث كلّ صاحب على أبواب الفقه، فهو مسند ومصنَّف، وما أعلمُ هذه الرتبة لأحد قبله مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث. مترجم له في "السير" ٣/ ٢٨٥ - ٢٩٦. قلت: وهذا المسند على جلالته يُعد في جملة ما فقد من تراثنا العظيم، والحديث الذي نسبه المؤلف إليه لم نجده عند غيره في المصادر المتيسرة لنا.
(٣) ٣/ ٨، وإسناده ضعيف، فيه رِشدين بن سعد، وهو ضعيف، ودراج أبو السَّمح ضعيف في روايته عن أبي الهيثم.
[ ١ / ١٢٠ ]
وفيه أيضًا (^١) عن عمرو بن عبَسَة، قال: قلت: يا رسول، ما الإسلام؟ قال: "طيبُ الكلامِ، وإطعامُ الطعام". قلت: ما الإيمانُ؟ قال: "الصبرُ والسَّماحةُ". قلت: أيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: "مَنْ سلمَ المُسلمونَ مِنْ لسانِهِ ويدهِ". قلت: أيُّ الإيمانِ أفضلُ؟ قال: "خُلُقٌ حسنٌ".
وقد فسر الحسن البصريُّ الصبر والسماحةَ، فقال: هو الصَّبرُ عن محارمِ اللهِ، والسَّماحةُ بأداءِ فرائضِ الله ﷿ (^٢).
وفي "الترمذي" (^٣) وغيره عن عائشةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهُم خُلُقًا"، وخرّجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة.
وخرَّج البزار في "مسنده" (^٤) من حديث عبد اللهِ بن معاويةَ الغاضِري، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "ثلاثٌ مَنْ فعلهُنَّ، فقد طَعِمَ طعْمَ الإِيمانِ: مَنْ عَبَدَ الله وحدَهُ بأنَّه لا إله إلَّا الله، وأعطى زكاةَ ماله طيِّبةً بها نفسُه في كلِّ عام" وذكر الحديثَ، وفي آخره: فقال رجلٌ: وما تزكيةُ المرءِ نفسَه يا رسولَ الله؟ قال: "أنْ يعلمَ أن
_________________
(١) ٤/ ٣٨٥، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف.
(٢) "حلية الأولياء" ٢/ ١٥٦، ذكره أبو نعيم في ترجمة الحسن البصري.
(٣) برقم (٢٦١٢) من طريق أبي قلابة عن عائشة، وقال الترمذي: ولا نعرف لأبي قلابة سماعًا عن عائشة. ورواه أيضًا أحمد ٦/ ٤٧ و٩٩، وابن أبي شيبة ٨/ ٥١٥، وصححه الحاكم ١/ ٥٣، وردّه الذهبي بقوله: فيه انقطاع. لكن يشهد له حديث أبي هريرة الذي أورده المؤلف بإثر هذا، وهو حديث حسن رواه أحمد ٢/ ٢٥٠ و٤٧٢، وابن أبي شيبة ٨/ ٥١٥، وأبو داود (٢٦٨٢)، والترمذي (١١٦٢)، وصححه ابن حبان (٤١٧٦)، والحاكم ١/ ٣، ووافقه الذهبي.
(٤) ورواه أيضًا البخاري في "التاريخ الكبير" ٥/ ٣١ - ٣٢، والطبراني في "الصغير" (٥٥٥)، وروى أوله أبو داود (١٥٨٢) كما قال المصنّف. ورجاله ثقات.
[ ١ / ١٢١ ]
الله معه حيث كانَ". وخرَّج أبو داود أول الحديثِ دونَ آخره.
وخرَّج الطَّبرانيُّ (^١) من حديث عُبَادة بن الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ أفضلَ الإيمانِ أنْ تعلمَ أن الله معكَ حيثُ كنتَ".
وفي "الصحيحين" (^٢) عن عبد الله بن عمرَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "الحياءُ مِنَ الإيمانِ".
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، وابن ماجه مِنْ حديثِ العِرباضِ بن ساريةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّما المُؤمِن كالجملِ الأنِفِ، حيثما قِيدَ، انقادَ" (^٣).
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
وفي "الصحيحين" (^٤) عَنِ النُّعمانِ بن بشيرٍ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "مثلُ المؤمنينَ في توادِّهم وتعاطفهم وتراحمهم مَثَل الجسدِ، إذا اشتكى منهُ عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهر". وفي رواية لمسلم: "المؤمنونَ كرجُلٍ
_________________
(١) في "الكبير" و"الأوسط"، وقال: وقد تفرد به عثمان بن كثير، وقال الهيثمي في "المجمع" ١/ ٦٠: ولم أر مَنْ ذكره بثقة ولا جرح. ومن طريق عثمان هذا رواه نُعيم بن حماد كما في "تفسير ابن كثير" ٦/ ٥٤٨، وقال: غريب.
(٢) البخاري (٢٤) و(٦١١٨)، وأخرجه أيضًا أحمد ٢/ ٩، والترمذي (٢٦١٥)، وابن ماجه (٥٨)، وأبو داود (٤٧٩٥)، وابن حبان (٦١٠).
(٣) رواه أحمد ٤/ ١٢٦، وابن ماجه (٤٣). وانظر الحديث الثامن والعشرين من هذا الكتاب.
(٤) البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٥٨٦)، ورواه أيضًا أحمد ٤/ ٢٦٨ و٢٧٠، وابن حبان (٢٣٣).
[ ١ / ١٢٢ ]
واحدٍ". وفي رواية له أيضًا: "المسلمونَ كرجُلٍ واحد إن اشتَكى عينُه، اشتَكى كلُّهُ، وإنْ اشتَكى رأسُه، اشتكى كلُّه".
وفي "الصَّحيحين" (^١) عن أبي موسى، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنيانِ يَشُدُّ بعضُه بعضًا"، وشبَّك بين أَصابعِه.
وفي "مسند الإمام أحمد" (^٢) عن سهلِ بن سعدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "المؤمن من أهلِ الإيمانِ بمنزلةِ الرَّأسِ مِنَ الجَسدِ، يألَمُ المؤمن لأهلِ الإيمانِ كما يألمُ الجَسَد لِما في الرَّأسِ".
وفي "سنن أبي داود" (^٣) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "المؤمن مرآةُ المؤمِنِ، المؤمنُ أخو المؤمن، يكُفُّ عنه ضَيعَتَه، ويحوطُه من ورائه".
وفي "الصحيحين" (^٤) عن أنسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "لا يُؤمنُ أحدُكم حتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه".
وفي "صحيح البخاري" (^٥) عن أبي شريحٍ الكعبيِّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "والله لا يؤمِنُ، واللهِ لا يُؤمِنُ، واللهِ لا يُؤمِنُ" قالوا: مَنْ ذاك يا رسولَ اللهِ؟! قال:
_________________
(١) البخاري (٤٨١) و(٦٠٢٦)، ومسلم (٢٥٨٥)، ورواه أيضًا أحمد ٤/ ٤٠٤، والنّسائي ٥/ ٧٩، وابن حبان (٢٣٢).
(٢) ٥/ ٣٤٠، ورجاله رجال الصحيح. ورواه أيضًا ابن المبارك في "الزهد" (٦٩٣)، والطبراني في "الكبير" (٥٧٤٣)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٣٦).
(٣) برقم (٤٩١٨)، ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٣٨) و(٢٣٩)، والقضاعي (١٢٥)، وحسَّنه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" ٢/ ١٨٢ والضيعة: الحرفة.
(٤) البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥). ورواه أيضًا أحمد ٣/ ١٧٦ و٢٧٢، والترمذي (٢٥١٥)، والنسائي ٨/ ١٢٥، وابن حبان (٢٣٤)، (٢٣٥).
(٥) برقم (٦٠١٦)، ورواه البخاري أيضًا (٦٠١٦)، ومسلم (٤٦) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٢٣ ]
"مَنْ لا يأمَنُ جارُهُ بوائِقَهُ".
وخرَّج "الحاكم" (^١) من حديث ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "ليسَ المؤمنُ الَّذي يَشبَعُ وجارُه جائعٌ".
وخرَّج الإمام أحمد والترمذيُّ من حديثِ سهل بن مُعاذٍ الجُهنيِّ عن أبيه، عن النَّبي - ﷺ -، قال: "مَنْ أعطى للهِ، ومنع للهِ، وَأحَبَّ للهِ، وأبغضَ للهِ" زاد الإمام أحمد: "وأنكحَ للهِ، فقد استكملَ إيمانه" (^٢). وفي رواية للإمام أحمد (^٣): أنَّه سَألَ النَّبيَّ - ﷺ - عن أفضلِ الإيمانِ، فقال: "أنْ تُحبَّ للهِ، وتُبغضَ للهِ، وتُعمِلَ لِسانَكَ في ذكرِ اللهِ"، فقال: وماذا يا رسول الله؟ قال: "أن تُحبَّ للنَّاسِ ما تحبُّ لنفسكَ، وتكره لهمْ ما تكرهُ لنفسك"، وفي رواية له: "وأن تقولَ خيرًا أو تصمتَ".
وفي هذا الحديث أن كثرةَ ذكرِ اللهِ من أفضلِ الإِيمانِ.
وخرَّج أيضًا من حديثِ عمرو بن الجَموحِ أنَّه سمعِ النَّبيَّ - ﷺ - يقول: "لا يستحقُّ العبدُ صريحَ الإيمانِ حتَّى يحبَّ للهِ، ويُبغض للهِ، فإذا أحبَّ للهِ، وأبغضَ للهِ، فقد استحقَّ الولايةَ مِنَ اللهِ تعالى" (^٤).
وخرَّج أيضًا من حديث البراءِ بن عازبٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ أوثقَ عُرى الإِيمانِ أنْ تُحبَّ في اللهِ، وتبغضَ في اللهِ" (^٥).
_________________
(١) في "المستدرك" ٤/ ١٦٧، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٤٤٠، والترمذي (٢٥٢١)، وصححه الحاكم ١/ ١٦٤، ووافقه الذهبي. وسنده قوي، وله شاهد من حديث أبي أمامة عند أبي داود (٤٦٨١)، وسنده حسن.
(٣) ٥/ ٢٤٧ من حديث معاذ بن جبل.
(٤) هو في "المسند" ٣/ ٤٣٠.
(٥) رواه أحمد ٤/ ٢٨٦.
[ ١ / ١٢٤ ]
وقال ابن عبَّاس: أحِبَّ في اللهِ، وأبغِضْ في اللهِ، ووالِ في اللهِ، وعادِ في اللهِ، فإنَّما تُنالُ ولايةُ اللهِ بذلك، ولن يَجِدَ عبدٌ طعمَ الإيمان - وإن كثُرَتْ صلاته وصومُه - حتَّى يكونَ كذلك، وقد صارَت عامَّةُ مُؤاخاة النَّاسِ على أمرِ الدُّنيا، وذلك لا يُجدي على أهله شيئًا. خرجه ابنُ جريرٍ الطبري، ومحمَّدُ بنُ نصرٍ المروزي (^١).