قد ذكرنا في أوَّل الكتاب أنَّ النبيَّ - ﷺ - بُعِثَ بجوامع الكلم، فكان - ﷺ - يُعجِبُه جوامع الذكر، ويختاره على غيره من الذكر، كما في "صحيح مسلم" (^١) عن ابن عباس، عن جُويرية بنت الحارث أن النَّبيَّ - ﷺ - خرج من عندها بُكرةً حين صلَّى الصبحَ وهي في مسجدها، ثمَّ رجع بعد أن أضحى وهي جالسةٌ، فقال: "مازلتِ على الحال التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم، فقال النبيُّ - ﷺ -: "لقد قلتُ بعدَك أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مرات، لو وُزِنَت بما قلتِ منذ اليوم لوزَنتهُنَّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزِنَةَ عرشه، ومداد كلماته".
وخرَّجه النسائي (^٢)، ولفظه: "سبحانَ الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومِداد كلماته".
وخرَّج أبو داود، والترمذيُّ، والنسائي من حديث سعد بن أبي وقَّاص أنَّه دخل مع النبيِّ - ﷺ - على امرأةٍ وبَين يديها نوى، أو قال: حَصى تسبِّح به، فقال: "ألا أُخبِرُك بما هو أيسرُ من هذا وأفضل؟ سبحانَ الله عددَ ما خلق في السماء، وسبحانَ الله عدد ما خلَق في الأرض، وسُبحان الله عدد ما بينَ ذلك، وسبحانَ الله عددَ ما هو خالق، والله أكبر مثلُ ذلك، والحمد لله مثلُ ذلك، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله مثل ذلك" (^٣).
_________________
(١) رقم (٢٧٢٦)، ورواه أيضًا أحمد ١/ ٢٥٨، وأبو داود (١٥٠٣)، وصححه ابن حبان (٨٣٢).
(٢) في "عمل اليوم والليلة" (١٦١).
(٣) رواه أبو داود (١٥٠٠)، والترمذي (٣٥٦٨)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" كما في "التحفة" ٣/ ٣٢٥، والبغوي في "شرح السنة" (١٢٧٩)، والطبراني في "الدعاء" (١٧٣٨) والدورقي في "مسند سعد" (٨٨) من طرق عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن خزيمة، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها. =
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وخرَّج الترمذي (^١) من حديث صَفيَّة، قالت: دخل عليَّ رسولُ الله - ﷺ - وبَينَ يدي أربعة آلاف نواة أسبح الله بها فقُلتُ: لقد سبَّحت بهذه، فقال: "ألا أعلمك بأكثر ممَّا سبَّحت به؟ " فقلت: علمني، فقال: "قولي: سبحان الله عددَ خلقه".
وخرَّج النسائى، وابنُ حبان في "صحيحه" من حديث أبي أُمامة أن النبيَّ - ﷺ - مرَّ به وهو يحرِّك شفتيه، فقال: "ماذا تقولُ يا أبا أمامة؟ " قال: أذكر ربي، قال: "ألا أخبرك بأكثرَ وأفضلَ من ذكرك اللَّيل مع النَّهار والنهار مع الليل؟ أن تقولَ: سبحان الله عدد ما خلقَ، وسُبحان الله ملءَ ما خلق، وسُبحان الله عددَ ما في الأرض والسَّماء، وسُبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابُه، وسبحان الله ملءَ ما أحصى كتابه، وسبحان الله عدد كلّ شيءٍ، وسبحان الله ملء كلِّ شيء، وتقولَ: الحمد لله مثل ذلك" (^٢).
_________________
(١) = وهذا سند رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، غير خزيمة هذا، فإنه لم يوثقه غيرُ ابن حبان، وحسن الترمذي حديثه هذا، وكذلك الحافظ ابن حجر في "أمالى الأذكار" فيما نقله عنه ابن علان ١/ ٢٤٥. ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٨٣٧)، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٥٤٧ - ٥٤٨، من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب بهذا الإِسناد، بإسقاط خزيمة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، فإن سعيد بن أبي هلال أدرك عائشة بنت سعد، فإنها توفيت سنة (١١٧) وهو ولد سنة (٧٠) ونشأ بالمدينة، وتوفي سنة (١٣٥) أو (١٣٣) وقال ابن حبان (١٤٩). ويشهد له حديث صفية الآتي عند المؤلف.
(٢) رقم (٣٥٥٤)، ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" ٢٤/ (١٩٥)، والحاكم ١/ ٥٤٧، وفي سنده هاشم بن سعيد الكوفي، وقد ضُعِّف، لكنه متابع عند الطبراني في "الدعاء" (١٧٤٠) بسند حسن في الشواهد، فهو حسن بها، وانظر لزامًا رسالة "وصول التهاني" للأستاذ محمود سعيد ممدوح.
(٣) رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٦٦)، وصححه ابن حبان (٨٣٠) وانظر تمام =
[ ٢ / ٥٣١ ]
وخرَّج البزار (^١) نحوه من حديث أبي الدرداء.
وخرَّج ابن أبي الدُّنيا بإسناد له أن النبيَّ - ﷺ - قال لمعاذ: "يا معاذ، كم تذكرُ ربَّك كلَّ يوم؟ تذكره كلَّ يوم عشرة آلاف مرة؟ " قال: كلُّ ذلك أفعل، قال: "أفلا أدلُّك على كلمات هنَّ أهونُ عليك من عشرة آلاف وعشرة آلاف أن تقول: لا إله إلا الله عدد ما أحصاه، لا إله إلا الله عدد كلماتِه، لا إله إلا الله عدد خلقه، لا إله إلا الله زِنة عرشه، لا إله إلا الله مِلء سماواته، لا إله إلا الله ملء أرضه، لا إله إلا الله مثل ذلك معه، والله أكبر مثل ذلك معه، والحمد لله مثل ذلك معه" (^٢).
وبإسناده أن ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقَّدة، فقال: ألا أدلُّك على ما هو خير لك منه؟ سبحان الله ملء البرِّ والبحر، سبحان الله ملء السماوات والأرض، سبحان الله عدد خلقه، ورضا نفسه، فإذا أنت قد ملأت البرّ والبحر والسماء والأرض.
وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي قال: كان أبي يحدث خمسة أحاديث ثم يقول: أمهلوا، سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله، والله أكبرُ، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله عدد ما خلق وعدد ما هو خالق، وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق، وملءَ ما خلق، وملءَ ما هو خالق، وملء سماواته، وملءَ أرضه، ومثل ذلك وأضعاف ذلك، وعدد خلقه، وزنة عرشه، ومنتهى رحمته، ومداد كلماته، ومبلغ رضاهُ حتَّى يرضى وإذا رضي، وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضى، وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي، في كلِّ سنة وشهر وجمعة ويومٍ وليلة وساعة من
_________________
(١) = تخريجه فيه.
(٢) رقم (٣٠٨٠).
(٣) ورواه الدولابي في "الكنى والأسماء" ١/ ٣٩ من طريق واصل بن مرزوق عن رجل من بني مخزوم يكنى أبا شبل، عن جده، وكان من أصحاب النبي - ﷺ -.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
الساعات، وتنسم وتنفس من أبدٍ إلى الأبد أبد الدُّنيا والآخرة أمد من ذلك لا ينقطع أولاه، ولا ينفد أخراه.
وبإسناده عن المعتمر بن سليمان قال: رأيت عبد الملك بن خالد بعد موته، فقلت: ما صنعتَ؟ قال: خيرًا، فقلت: ترجو للخاطئ شيئًا؟ قال: يلتمس علم تسبيحات أبي المعتمر نعم الشيء.
قال ابن أبي الدُّنيا: وحدثني محمد بن الحسين، حدثني بعض البصريين أن يونسَ بن عبيد رأى رجلًا فيما يرى النَّائم كان قد أصيب ببلادِ الرُّوم، فقال: ما أفضل ما رأيت ثَمَّ من الأعمال؟ قال: رأيتُ تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان.
وكذلك كان النبيُّ - ﷺ - يُعجبه من الدعاء جوامعه، ففي "سنن أبي داود" (^١) عند عائشة، قالت: كان النبيُّ - ﷺ - يُعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك.
وخرَّج الفريابي وغيره من حديث عائشة أيضًا أن النبيَّ - ﷺ - قال لها: "يا عائشة، عليك بجوامع الدُّعاء: اللهمَّ إنِّي أسألك من الخير كلِّه عاجلهِ وآجله، ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذُ بك من الشرِّ كلِّه عاجلِه وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. اللهمَّ إنِّي أسألك مِنْ خير ما سألك منه محمد عبدك ونبيك، وأعوذُ بك من شرِّ ما عاذ منه عبدك ونبيك، اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، وأعوذ بك من النَّار، وما قرَّب إليها من قول وعمل، وأسألُك ما قضيتَ لي من قضاءٍ، أن تجعل عاقبته رشدًا" وخرَّجه الإِمام أحمد، وابنُ ماجه، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم، وليس عندهم ذكر جوامع الدعاء، وعند
_________________
(١) رقم (١٤٨٢). ورواه أيضًا أحمد ١/ ١٤٨ و١٤٩، وصححه ابن حبان (٨٦٧)، والحاكم ١/ ٥٣٨، ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
الحاكم "عليك بالكوامل" وذكره. وخرَّجه أبو بكر الأثرم وعنده أن النبيَّ - ﷺ - قال لها: "ما منعك أن تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه؟ " وذكر هذا الدعاء (^١).
وخرَّج الترمذي (^٢) من حديث أبي أمامة قال: دعا رسول الله - ﷺ - بدعاءٍ كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقلنا: يا رسول الله، دعوتَ بدعاءٍ كثيرٍ لم نحفظ منه شيئًا، فقال: "ألا أدلُّكم على ما يجمعُ ذلك كلَّه؟ تقولون: اللهمَّ إنَّا نسألكَ من خير ما سألك منه نبيُّك محمد، ونعوذُ بك من شرِّ ما استعاذَ منه نبيُّك محمد، وأنت المستعانُ، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله".
وخرَّجه الطبراني وغيره من حديث أم سلمة أن النبيَّ - ﷺ - كان يقول في دعاء له طويل: "اللهم إنِّي أسألك فواتحَ الخير، وخواتِمه، وجوامعَه، وأوَّله وآخره، وظاهره، وباطنه" (^٣).
وفي "المسند" (^٤) أن سعد بن أبي وقاص سمِع ابنًا له يدعو، ويقول: اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة ونعيمها وإستَبرقَها ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسِلها وأغلالها، فقال: لقد سألتَ الله خيرًا كثيرًا، وتعوَّذت بالله من شرٍّ كثير، وإني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إنه سيكونُ قومٌ يعتدون في الدُّعاء، وقرأ هذه الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] وإن بِحَسبكَ أن تقول: اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ،
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ١٣٤ و١٤٦ - ١٤٧، والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٣٩)، وابن ماجه (٣٨٤٦)، وصححه ابن حبان (٨٦٩)، والحاكم ١/ ٥٢١ - ٥٢٢، ووافقه الذهبي.
(٢) رقم (٣٥٢١)، وقال: حديث حسن غريب، مع أن في سنده ليث بن أبي سليم، وهو سيء الحفظ.
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" ٢٣/ (٧١٧)، وصححه الحاكم ١/ ٥٢٠، ووافقه الذهبي، مع أن في سنده عاصم بن أبي عُبيد راويه عن أم سلمة، لم يوثقه غير ابن حبان ٥/ ٢٣٨.
(٤) ١/ ١٧٢ و١٨٣، وإسناده ضعيف لجهالة مولى سعد.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وأعوذُ بك من النَّار وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ".
وفي "الصحيحين" (^١) عن ابن مسعود، قال: كنا نقول في الصَّلاة خلف رسول الله - ﷺ -: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فقال لنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم: "إن الله هو السلامُ، فإذا قعدَ أحدُكم في الصَّلاة، فليقل: التحيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النَّبي ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، فإذا قالها أصابت كلَّ عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يَتخيَّرُ من المسألة ما شاء".
وفي "المسند" (^٢) عن ابن مسعود قال: إن رسول الله - ﷺ - عُلِّمَ فواتِحَ الخير وجوامعه، أو جوامعَ الخير وفواتحه وخواتمه، وإنّا كنَّا لا ندري ما نقولُ في صلاتنا حتَّى علَّمنا، فقال: "قولوا: التحيات لله" فذكره إلى آخره، والله أعلم.
آخر الكتاب والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبُنا الله ونعم الوكيل
_________________
(١) رواه البخاري (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢)، وانظر "صحيح ابن حبان" (١٩٤٨) - (١٩٥١) و(١٩٥٥) و(١٩٥٦).
(٢) ١/ ٤٠٨، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي الأحوص، واسمه عوف بن مالك الجشمي، فمن رجال مسلم.
[ ٢ / ٥٣٥ ]