معلومٌ أن الله ﷿ فرض على المسلمين أن يذكروهُ كل يوم وليلة خمس مرَّات، بإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها المؤقتة، وشَرَع لهم مع هذه الفرائض الخمس أن يذكروه ذكرًا يكونُ لهم نافلةً، والنافلةُ: الزِّيادة، فيكونُ ذلك زيادةً على الصلوات الخمس، وهو نوعان:
أحدهما: ما هو من جِنس الصلاة، فشرع لهم أن يُصلُّوا مع الصَّلوات الخمس قبلها، أو بعدها أو قَبلها وبعدها سننًا، فتكون زيادةً على الفريضة، فإن كان في الفريضة نقصٌ، جَبَر نقصها بهذه النوافل، وإلَّا كانت النَّوافلُ زيادةً على الفرائض.
وأطولُ ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة ما بَينَ
_________________
(١) = ٦/ ١٨١ من حديث ابن عمر، وفيه عمران القصير، قال فيه البخاري: منكر الحديث. وروى القسم الأول منه الطبراني في "الكبير" (٩٧٩٧) و"الأوسط" (٢٧٣)، والبزار (٣٠٦٠)، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٦٨ من حديث ابن مسعود بأسانيد ضعيفة. ورواه أيضًا أحمد في "الزهد" ص ٣٢٨ عن ابن مسعود موقوفًا، وإسناده حسن.
(٢) "الحلية" ٤/ ٢٠٤.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
صلاة العشاء وصلاة الفجر، وما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فشرع كلِّ واحدة من هاتين الصَّلاتين صلاة تكون نافلةً؛ لئلاَّ يطولَ وقتُ الغفلة عن الذِّكر، فشرع ما بَين صلاةِ العشاء، وصلاة الفجر صلاةَ الوتر وقيامَ الليل، وشرع ما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر صلاة الضحى.
ويعضُ هذه الصلوات آكدُ من بعض، فآكدُها الوتر، ولذلك اختلفَ العلماءُ في وجوبه، ثمَّ قيامُ الليل، وكان النبيُّ - ﷺ - يُداومُ عليه حضرًا وسفرًا، ثمَّ صلاة الضحى، وقد اختلف الناسُ فيها، وفي استحباب المداومة عليها، وفي الترغيب فيها أحاديث صحيحة، وورد التَّرغيبُ أيضًا في الصَّلاة عقيبَ زوالِ الشَّمس.
وأما الذكرُ باللسان، فمشروعٌ في جميع الأوقات، ويتأكَّدُ في بعضها.
فممَّا يتأكَّد فيه الذكرُ عقيبَ الصَّلوات المفروضات، وأن يُذكر الله عقيبَ كلِّ صلاة منها مئة مرة ما بين تسبيح وتحميدٍ وتكبيرٍ وتهليلٍ.
ويُستحبُّ -أيضًا- الذِّكرُ بعدَ الصَّلاتين اللتين لا تَطوُّعَ بعدهما، وهما: الفَجرُ والعصرُ، فيُشرع الذكرُ بعد صلاة الفجر إلى أن تطلُع الشَّمسُ، وبعدَ العصر حتَّى تغربَ الشمس، وهذان الوقتان -أعني وقت الفجر ووقت العصر- هما أفضلُ أوقات النَّهار للذِّكر، ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]، وقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
[ ٢ / ٥٢٥ ]
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
وأفضلُ ما فعل في هذين الوقتين من الذكر: صلاةُ الفجر وصلاةُ العصر، وهما أفضلُ الصلوات. وقد قيل في كل منهما: إنَّها الصلاةُ الوسطى، وهما البَردَانِ اللذان من حَافَظ عليهما، دخلَ الجنة، ويليهما من أوقات الذكر: الليلُ. ولهذا يُذكر بعد ذكر هذين الوقتين في القرآن تسبيحُ اللَّيلِ وصلاته.
والذكرُ المطلقُ يدخل فيه الصَّلاةُ، وتلاوة القرآن، وتعلُّمه، وتعليمُه، والعلمُ النافع، كما يدخلُ فيه التَّسبيحُ والتَّكبير والتَّهليل، ومِن أصحابنا من رجَّح التلاوة على التَّسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر. وسُئلَ الأوزاعيُّ عن ذلك، فقال: كان هديهُم ذكرَ الله، فإن قرأ، فحسن. وظاهر هذا أنَّ الذكر في هذا الوقت أفضلُ من التلاوة، وكذا قال إسحاق في التَّسبيح عقيبَ المكتوبات مئة مرة: إنه أفضلُ من التلاوة حينئذٍ. والأذكارُ والأدعيةُ المأثورةُ عن النبيِّ - ﷺ - في الصَّباح والمساء كثيرة جدًا.
ويستحبُّ أيضًا إحياءُ ما بين العشاءين بالصَّلاة والذِّكر، وقد تقدَّم (^١) حديثُ أنس أنه نزل في ذلك قولُه تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦].
ويستحبُّ تأخيرُ صلاة العشاء إلى ثُلث اللَّيل، كما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة -وهو مذهبُ الإِمام أحمد وغيره- حتَّى يفعل هذه الصَّلاة في أفضل وقتها، وهو آخرُه، ويشتغل منتظرُ هذه الصَّلاة في الجماعة في هذا الثلث الأول مِنَ اللَّيل بالصَّلاة، أو بالذِّكر وانتظار الصَّلاة في المسجد، ثمَّ إذا صلَّى العشاءَ، وصلَّى بعدَها ما يتبعُها من سننها الراتبة، أو أوتَرَ بعدَ ذلك إن كان يُريد أن يُوتِرَ قبلَ النوم.
_________________
(١) ص ٢٥٨.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
فإذا أوى إلى فراشه بعدَ ذلك للنوم، فإنه يُستحبُّ له أن لا ينامَ إلا على طهارةٍ وذكرٍ، فيُسبِّح ويحمد ويكبِّر تمام مئة، كما علَّم النبي - ﷺ - فاطمةَ وعليًا أن يفعلاه عندَ منامهما (^١) ويأتي بما قدر عليه من الأذكار الواردة عن النبيِّ - ﷺ - عندَ النوم، وهي أنواع متعدِّدةٌ من تلاوة القرآن وذكر الله، ثم ينام على ذلك.
فإذا استيقظ من الليل، وتقلَّب على فِراشه، فليذكر الله كلَّما تقلَّب، وفي "صحيح البخاري" (^٢) عن عُبادة، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ تعارَّ مِنَ اللَّيلِ، فقال: لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له، له الملكُ ولهُ الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله، ثم قال: ربِّ اغفر لي -أو قال: "ثم دعا- استجيب له، فإن عزم، فتوضأ ثم صلى قُبِلت صلاته".
وفي "الترمذي" (^٣) عن أبي أُمامة عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "من أوى إلى فراشه طاهرًا يذكرُ الله حتَّى يُدرِكَه النُّعاس، لم يتقلَّبْ ساعةً من الليل يسألُ الله شيئًا من خيرِ الدُّنيا والآخرة، إلَّا أعطاه إيَّاه".
وخرَّجه أبو داود بمعناه من حديث معاذ (^٤)، وخرَّجه النسائي (^٥) من حديث
_________________
(١) انظر "البخاري" (٣١١٣)، ومسلمًا (٢٧٢٧)، وأبا داود (٢٩٨٨) و(٥٠٦٢)، والترمذي (٣٤٠٨).
(٢) رقم (١١٥٤). ورواه أيضًا أحمد ٥/ ٣١٣، والترمذي (٣٤١٤)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٦١)، وصححه ابن حبان (٢٥٩٦).
(٣) رقم (٣٥٢٦)، ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" (٧٥٦٨)، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف، لكن الحديث حسن بشواهده.
(٤) رواه أبو داود (٥٠٤٢)، وابن ماجه (٣٨٨١)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٠٥)، وفيه شهر بن حوشب.
(٥) في "عمل اليوم والليلة" (٨٠٧) - (٨٠٩) من طريق شهر بن حوشب عن عمرو.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
عمرو بن عبسة.
وللإمام أحمد (^١) من حديث عمرو بن عبسة في هذا الحديث: "وكان أوَّل ما يقول إذا استيقظ: سبحانك لا إله إلَّا أنت اغفر لي، إلا انسلخَ من خطاياه كما تنسلخُ الحية من جلدها".
وثبت أنه - ﷺ - كان إذا استيقظ من منامه يقول: "الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور" (^٢).
ثم إذا قام إلى الوضوء والتهجد، أتى بذلك كلِّه على ما ورد عن النبيِّ - ﷺ -، ويَختِمُ تهجُّده بالاستغفار في السحر، كما مدح الله المستغفرين بالأسحار، وإذا طلع الفجر، صلَّى ركعتي الفجرِ، ثمَّ صلَّى الفجر، ويشتغل بعد صلاة الفجر بالذِّكر المأثور إلى أن تطلع الشَّمسُ على ما تقدَّم ذكره، فمن كان حالُه على ما ذكرنا، لم يزل لسانُه رطبًا بذكر الله، فيستصحبُ الذكر في يقظته حتَّى ينامَ عليه، ثم يبدأُ به عندَ استيقاظه، وذلك من دلائل صدقِ المحبة، كما قال بعضهم:
وآخِرُ شيءٍ أنت في كلِّ هَجعةٍ … وأوَّل شيءٍ أنتَ وقتَ هُبُوبي
وأول ما يفعله الإِنسان في آناء الليل والنهار من مصالح دينه ودنياه، فعامَّةُ ذلك يشرع ذكرُ اسم الله عليه، فيُشرعُ له ذكرُ اسم الله وحمده على أكلِه وشُربه ولباسه وجماعه لأهله ودخوله منزله، وخروجه منه، ودخولِه الخلاء، وخروجه
_________________
(١) ليس هو في المطبوع من "مسند أحمد" ورواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" ص ٨٠، من طريق شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة أنه قال: من بات طاهرًا على ذكر، فيتعار من الليل فيقول: سبحانك لا إله إلا أنت، انخلع من ذنوبُه كما ينقشر جلد الحية.
(٢) رواه البخاري (٦٣١٢) من حديث حذيفة، و(٦٣٢٥) من حديث أبي ذر، ورواه مسلم (٢٧١١) من حديث البراء بن عازب.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
منه، وركوبه دابته، ويُسمَّي على ما يذبحه من نُسكٍ وغيره.
ويُشرع له حمدُ الله تعالى على عُطاسه، وعند رؤية أهل البلاء في الدِّين أو الدُّنيا، وعندَ التقاء الإِخوان، وسؤال بعضهم بعضًا عن حاله، وعندَ تجدُّد ما يحبه الإِنسانُ من النِّعَمِ، واندفاع ما يكرهه من النِّقَمِ، وأكملُ مِنْ ذلك أن يحمد الله على السَّراء والضَّرَّاء والشدَّة والرَّخاء، ويحمدُه على كلِّ حال.
ويُشرع له دعاءُ الله تعالى عند دخولِ السوق، وعندَ سماعِ أصواتِ الدِّيَكةِ باللَّيل، وعندَ سماعِ الرَّعد، وعند نزولِ المطر، وعند اشتداد هبوب الرياح، وعند رؤية الأهلّة، وعند رؤية باكورة الثِّمار.
ويشرع أيضًا ذكرُ الله ودعاؤه عند نزول الكَرْب، وحدوثِ المصائب الدنيوية، وعندَ الخروج للسفر، وعند نزول المنازل في السفر، وعند الرجوع من السفر.
ويُشرع التعوُّذ بالله عند الغضب، وعندَ رؤية ما يكره في منامه، وعند سماع أصواتِ الكلاب والحمير بالليل.
وتُشرع استخارة الله عند العزم على ما لا يظهر الخيرة فيه.
وتجب التَّوبة إلى الله والاستغفارُ من الذُّنوب كلِّها صغيرها وكبيرِها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فمن حافظ على ذلك، لم يزل لسانه رطبًا بذكر الله في كلِّ أحواله.
[ ٢ / ٥٢٩ ]