لم توفر المصادر التي بين أيدينا، التفصيل الكامل عن أسرة هذا الإمام، وبذلك أغفلت الكثير من الجوانب المهمة عن حياته، بل قصارى ما عرفناه في هذه المصادر، هي أسطر قليلة قد ألقت الضوء على حياة جده أبي أحمد المعروف برجب، وحياة والده أبي العباس شهاب الدين أحمد، ويبدو أنه ينحدر من أسرة علمية عريقة في العلم.
_________________
(١) انظر ترجمته في: ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي: ١٨٠، والدرر الكامنة لابن حجر ٢/ ٣٢١، ووجيز الكلام للسخاوي ١/ ٣٠٨، وطبقات الحفاظ للسيوطي (١١٧٠)، وشذرات الذهب لابن العماد ٦/ ٣٣٩، وكشف الظنون لحاجي خليفة ١/ ٥٩، والأعلام للزركلي ٣/ ٢٩٤.
(٢) الدرر الكامنة ٢/ ٣٢١.
[ ٧ ]
أما جده عبد الرحمن فكل ما ذكره عنه حفيده ابن رجب هو قوله: «قرئ على جدي أبي أحمد - رجب بن الحسن - غير مرة ببغداد وأنا حاضر في الثالثة والرابعة والخامسة: أخبركم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزار، سنة ست وثمانين وستمئة، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي … عن سلمة بن الأكوع، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (^١). وهذا الخبر يدل على أن جده كان مهتمًا بعلم الحديث، ويقرأ عليه الناس.
وأما أبوه فهو الشيخ شهاب الدين أحمد ولد في بغداد وسمع من مشايخها، ثم رحل مع أولاده إلى دمشق سنة أربع وأربعين وسبعمئة (^٢).
ولما كان ابن رجب ﵀ ينحدر من هذه الأسرة التي اهتمت بالعلوم والمعارف، فقد نشأ نشأة علمية أهلته أن يكون في مصاف العلماء الكبار الذين صنعوا للإسلام أزهى أمجاده، فذاع صيته وكثر مريدوه من كل البلاد، وتنوعت فنونه. فكانت بداية طلبه للعلم في سن الصغر إذ رحل به والده إلى بلاد أخرى وحصل على إجازات من بعض المشايخ، فأجازه ابن النقيب وغيره، وسمع أيضًا من علماء مكة ومصر وغيرها، وقيل: «إنه اشتغل بسماع الحديث باعتناء والده (^٣)» فقد كان إمامًا في صناعة الأسانيد وفن العلل، بالإضافة إلى أنَّه كان عالمًا بالفقه، حتى صار من أعلام المذهب الحنبلي، ويشهد لذلك ما خلفه من تراث ضخم في هذه العلوم، وهكذا يكون أحد الجهابذة الذين جمعوا بين الحديث والفقه، مما أدى إلى انفتاح قرائح العلماء في الثناء عليه كما سيأتي، إلا أنَّ هذه المنزلة الكبيرة التي بلغها هذا العالم لم تزده إلا صفاءً وخلقًا وتواضعًا فمالت إليه القلوب بالمحبة، واجتمعت عليه الفرق، وفي ذلك يقول ابن العماد: «وكانت مجالس تذكيره للقلوب صارعة وللناس عامة مباركة نافعة، اجتمعت الفرق عليه ومالت القلوب بالمحبة إليه (^٤)»، كيف لا وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها.