عَنْ أَبي هُرُيرة - ﵁ - قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «ما نَهَيتُكُمْ عَنْهُ، فاجْتَنِبوهُ، وما أمرتُكُم به، فأتُوا منهُ ما استطعتُم، فإنَّما أهلَكَ الَّذين من قبلِكُم كَثْرَةُ مسائِلِهم واختلافُهم على أنبيائِهم». رواهُ البخاريُّ ومُسلمٌ (^١).
هذا الحديثُ بهذا اللفظ (^٢) خرَّجه مسلم وَحْدَهُ من رواية الزهري، عن سعيد ابن المسيب وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هُريرة (^٣)، وخرَّجاه من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «دَعُوني ما تركتُكم، إنَّما أهلَكَ مَنْ كَانَ قَبلَكُم سؤالُهم واختلافُهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتَنبُوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتم» (^٤) وخرَّجه مسلم مِن طريقين آخرين (^٥) عن أبي هريرة بمعناه (^٦).
وفي رواية له ذكرُ سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: خطبنا رسولُ الله - ﷺ - فقال: «يا أيَّها النَّاس قد فرضَ الله عليكم الحجَّ
فحجُّوا» فقال رجل: أكُلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت حتَّى قالها ثلاثًا، فقال رسولُ الله - ﷺ -:
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٩/ ١١٦ (٧٢٨٨)، ومسلم ٤/ ١٠٢ (١٣٣٧) (٤١٢) و٧/ ٩١
(٢) (١٣٠) و(١٣١). وأخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٣٧٢)، والحميدي (١١٢٥)، وأحمد ٢/ ٢٤٧ و٢٥٨ و٤٢٨ و٤٤٧ و٤٤٨ و٤٥٧ و٤٦٧ و٤٨٢ و٤٩٥ و٥٠٨ و٥١٧، وابن ماجه
(٣) و(٢)، والترمذي (٢٦٧٩)، والنسائي ٥/ ١١٠ - ١١١، وابن خزيمة (٢٥٠٨)، وابن حبان (١٨) و(١٩) و(٢١)، والبيهقي ٤/ ٣٢٦ و٧/ ١٠٣، والبغوي (٩٩) من حديث أبي هريرة، به.
(٤) عبارة: «بهذا اللفظ» سقطت من (ص).
(٥) في " صحيحه " ٧/ ٩١ (١٣٣٧) (١٣٠).
(٦) صحيح البخاري ٩/ ١١٦ (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم ٧/ ٩١ (١٣٣٧) (١٣١).
(٧) زاد بعدها في (ص): «عن الزهري».
(٨) في " صحيحه " ٤/ ١٠٢ (١٣٣٧) (٤١٢) و٧/ ٩١ (١٣٣٧) (١٣١).
[ ٢١٨ ]
«لو قلتُ: نعم، لوجبت، ولما استطعتُم» ثمَّ قال: «ذَرُوني ما تَرَكْتُكُم، فإنَّما أُهْلِكَ مَنْ كانَ قبلَكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتُكُم بشيءٍ، فأتوا منه ما استطعتُم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ، فدعوه (^١)» (^٢).
وخرَّجه الدَّارقطني من وجه آخر مختصرًا (^٣)، وقال فيه: فنَزل قولُه تعالى
: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ (^٤).
وقد رُوِي مِن غير وجهٍ أنَّ هذه الآية نزلت لمَّا سألوا النَّبيَّ - ﷺ - عن الحجِّ، وقالوا: أفي كلِّ عام؟ (^٥)
وفي " الصحيحين " (^٦)
عن أنس قال: خطبنا رسولُ الله - ﷺ -، فقال رجل:
من أبي؟ فقال: «فلان»، فنَزلت هذه الآية ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (^٧).
وفيهما أيضًا عن قتادة، عن أنسٍ قال: سألوا (^٨) رسول اللهِ - ﷺ - حتى أحْفَوهُ في المسألة، فغضب، فصَعدَ المنبر، فقال: «لا تسألوني اليومَ عن شيءٍ إلا بيَّنتُه»، فقام رجل كان إذا لاحى الرجالَ دُعِيَ إلى غير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ قالَ: «أبوك حُذافة»، ثم أنشأ (^٩) عمرُ، فقال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا،
_________________
(١) في (ص): «فاجتنبوه».
(٢) أخرجه: مسلم ٤/ ١٠٢ (١٣٣٧) (٤١٢). وأخرجه: أحمد ٢/ ٥٠٨، والنسائي ٥/ ١١٠ - ١١١، والطبري في " تفسيره " (٩٩٨٠)، وابن حبان (٣٧٠٤)، والدارقطني ٢/ ٢٤٧ (٢٦٧٩) (طبعة دار الكتب العلمية) من حديث أبي هريرة، به.
(٣) " السنن " ٢/ ٢٤٧ (٢٦٨٠) (طبعة دار الكتب العلمية) من حديث أبي هريرة، به.
(٤) المائدة: ١٠١.
(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٢١٧ (٦٨٧٥)، وتفسير القرطبي ٦/ ٣٣١، وأسباب النزول للواحدي: ٣٣٤ بتحقيقي، وتفسير البغوي ٢/ ٩٢، وبحر العلوم ٣/ ١٥٨، وتفسير ابن الجوزي ٢/ ٤٣٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٥، والدر المنثور ٢/ ٥٩٢.
(٦) أخرجه: البخاري ١/ ٣٤ (٩٣) و١/ ١٤٣ (٥٤٠) و٦/ ٦٨ (٤٦٢١) و٩/ ١١٨
(٧) وفي " الأدب المفرد "، له (١١٨٤)، ومسلم ٧/ ٩٣ (٢٣٥٩) (١٣٦) و٧/ ٩٤ (٢٣٥٩) (١٣٦).
(٨) المائدة: ١٠١.
(٩) في (ص): «يا».
(١٠) في (ص): «جثا».
[ ٢١٩ ]
وبمحمَّد رسولًا، نعوذ بالله من الفتن. وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية (^١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (^٢).
وفي " صحيح البخاري " (^٣) عن ابن عباس قال: كان قومٌ يسألون رسولَ الله - ﷺ - استهزاءً، فيقولُ الرجلُ: من أبي؟ ويقول الرجلُ تَضِلُّ ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾.
وخَرَّج ابن جرير الطبري في " تفسيره " (^٤)
من حديث أبي هريرة، قال:
خرج رسول الله - ﷺ - وهو غضبانُ مُحمارًّا وجهه، حتّى جلس على المنبرِ، فقام إليه رجلٌ، فقال: أين أنا؟ فقالَ: «في النار»، فقام إليه آخر (^٥) فقالَ: من أبي؟ قال: «أبوك حُذافة»، فقام عمر فقال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول الله حديثو عهدٍ بجاهلية وشركٍ، والله أعلم مَن آباؤنا، قال: فسكن غضبُه، ونزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ (^٦).
وروى أيضًا (^٧) من طريق العَوْفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ قال:
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٨/ ٩٦ (٦٣٦٢) و٩/ ٦٦ (٧٠٨٩) و١١٨ (٧٢٩٤)، ومسلم ٧/ ٩٤ (٢٣٥٩) (١٣٧). وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٩٩٧٢)، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ٤/ ١٢١٨
(٢) من حديث أنس بن مالك، به.
(٣) المائدة: ١٠١.
(٤) الصحيح ٦/ ٦٨ (٤٦٢٢). وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٩٩٧١)، والبغوي في " تفسيره " ٢/ ٩٢، وابن الجوزي في " تفسيره " ٢/ ٤٣٤، من حديث عبد الله بن عباس، به.
(٥) التفسير (٩٩٧٧)، وطبعة التركي ٩/ ١٧. وأخرجه: الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (١٤٧٥)، وقال ابن كثير في " تفسيره ": ٦٦٠: «إسناده جيد»، وانظر: الدر المنثور ٢/ ٥٩٢.
(٦) في (ص): «رجل».
(٧) المائدة: ١٠١.
(٨) أي الطبري، وهو في " تفسيره " (٩٩٨٢)، وفي طبعة التركي ٩/ ٢٠ - ٢١. وأخرجه: ابن أبي حاتم (٦٨٨١) و(٦٨٨٤)، وإسناده ضعيف جدًا.
[ ٢٢٠ ]
إنَّ رسول الله - ﷺ - أذَّن في الناس، فقال: «يا قوم كُتِبَ عليكُم الحجُّ»، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أفي كلِّ عامٍ؟ فأُغْضِبَ رسولُ الله - ﷺ - غضبًا شديدًا، فقال: «والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم، لوجَبَت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذن لكفرتُم، فاتركُونِي ما تركتُكم، فإذا أمرتكم بشيءٍ، فافعلوا منه ما استطعتم (^١)، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ، فانتهوا عنه»، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُم﴾، نهاهم أنْ يسألوا مثلَ الذي سألتِ النَّصارى في المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال: لا تسألوا عن أشياء إنْ نزل القرآن فيها بتغليظٍ ساءكم (^٢)، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآنُ، فإنَّكم لا تسألون عن شيء
إلا وجدتُم تبيانه.
فدلَّت هذه الأحاديثُ على النهي عن السُّؤال عمَّا لا يُحتاج إليه مما يسوءُ السائلَ جوابُه مثل سؤال السائل، هل هوَ في النار أو في الجنة، وهل أبوه من ينتسب إليه أو غيره، وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث
والاستهزاء (^٣)، كما كان يفعلُه
كثيرٌ من المنافقين وغيرهم.
وقريبٌ من ذلك سؤالُ الآيات واقتراحُها على وجه التعنتِ، كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب، وقد قال عكرمة وغيرُه: إنَّ الآية نزلت في ذلك (^٤).
ويقرب من ذلك السؤالُ عما أخفاه الله عن عباده، ولم يُطلعهم عليه، كالسؤال عن وقتِ الساعة، وعن الروح.
ودلَّت أيضًا على نهي المسلمين عن السؤال عن كثيرٍ من الحلالِ والحرام مما يُخشى أنْ يكون السؤال سببًا لنزول التشديد فيه، كالسُّؤال عَنِ الحجِّ: هل يجب كلَّ عامٍ أم لا (^٥)؟ وفي " الصحيح " (^٦)
_________________
(١) «منه ما استطعتم» سقطت من (ج).
(٢) من قوله: «وقال لا تسألوا …» إلى هنا سقط من (ص).
(٣) في (ص): «على التعنت والاستهزاء».
(٤) ذكره: ابن الجوزي في " تفسيره " ٢/ ٤٣٥، وأبو حيان في " تفسيره " ٤/ ٣٥، والسيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ٥٩٤.
(٥) «أم لا» سقطت من (ص).
(٦) صحيح البخاري ٩/ ١١٧ (٧٢٨٩). وأخرجه: الحميدي (٦٧)، وأحمد ١/ ١٧٦ و١٧٩، ومسلم ٧/ ٩٢ (٢٣٥٨) (١٣٢) و(١٣٣)، وأبو داود (٤٦١٠)، وابن حبان (١١٠) من حديث سعد، به.
[ ٢٢١ ]
عن سعدٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «إنَّ أعظمَ المسلمين في المسلمين جرمًا مَنْ سأل عن شيءٍ لم يحرَّم، فحُرِّمَ من أجل مسألته».
ولما سُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ - عن اللِّعان كره المسائل وعابها حتى ابتُلي السائلُ عنه قبلَ
وقوعه بذلك في أهله (^١)، وكان النَّبيُّ - ﷺ - ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعةِ المال (^٢).
ولم يكن النَّبيُّ - ﷺ - يُرخِّصُ في المسائل إلاَّ للأعرابِ ونحوهم من الوُفود القادمين
عليه، يتألَّفهم بذلك، فأمَّا المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رَسَخَ الإيمانُ في قلوبهم، فنُهُوا عَنِ المسألة، كما في " صحيح مسلم " (^٣) عن النَّوَّاس بن سمعان، قال: أقمتُ مع رسول الله - ﷺ - بالمدينة سنة ما يمنعني منَ الهجرة إلاَّ المسألةُ، كان أحدُنا إذا هاجر لم يسأل النَّبيَّ - ﷺ -.
وفيه أيضا عن أنسٍ، قال: نُهينا أنْ نسألَ رسولَ الله - ﷺ - عن شيءٍ، فكان يُعجِبُنا أنْ يجيءَ الرجلُ من أهل البادية العاقل، فيسأله ونحنُ نَسْمَعُ (^٤).
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٢/ ١٢ و١٩ و٤٢، والدارمي (٢٢٣٧)، ومسلم ٤/ ٢٠٦ (١٤٩٣)
(٢) ، والترمذي (١٢٠٢)، والنسائي ٦/ ١٧٥ وفي "التفسير"، له (٣٧٧) و(٣٧٨)، وابن الجارود (٧٥٢)، وأبو يعلى (٥٦٥٦) و(٥٧٧٢)، والطبري في " تفسيره "
(٣) ، وابن حبان (٤٢٨٦) و(٤٢٨٧)، والبيهقي ٧/ ٤٠٤ - ٤٠٥ من حديث عبد الله بن عمر، به.
(٤) أخرجه: البخاري ٢/ ١٥٣ (١٤٧٧). ونصه: قال رسول الله - ﷺ -: «إنّ الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وَكثرة السؤال» من حديث المغيرة بن شُعبة، به.
(٥) الصحيح ٨/ ٧ (٢٥٥٣) (١٥).
(٦) صحيح مسلم ١/ ٣٢ (١٢) (١٠). وأخرجه: أحمد ٣/ ١٤٣ و١٦٨ و١٩٣، وعبد بن حميد (١٢٨٥)، والدارمي (٦٥٦)، والبخاري ١/ ٢٤ (٦٣)، وأبو داود (٤٨٦)، وابن ماجه (١٤٠٢)، والترمذي
(٧) ، والنسائي ٤/ ١٢١ - ١٢٢، وابن خزيمة (٢٣٥٨)، وأبو عوانة ١/ ٢ - ٣، وابن حبان (١٥٤) و(١٥٥)، وابن منده في " الإيمان " (١٢٩) و(١٣٠)، والحاكم في " معرفة علوم الحديث " (٥)، والبيهقي ٤/ ٣٢٥، والبغوي (٣) و(٤) و(٥) من حديث أنس بن مالك، به.
[ ٢٢٢ ]
وفي " المسند " (^١) عن أبي أُمامة قال: كان الله قد أنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ (^٢) قال: فكنَّا قد كرهنا كثيرًا مِنْ مسألته، واتَّقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه - ﷺ -، قال: فأتينا أعرابيًا، فرشوناه بُردًا، ثمَّ قلنا له: سلِ النَّبيَّ - ﷺ - وذكر حديثًا.
وفي "مسند أبي يعلى" (^٣) عن البراء بنِ عازب، قال (^٤): إنْ كان لتأتي عليَّ السنةُ أريد أنْ أسألَ رسولَ الله - ﷺ - عن شيءٍ، فأتهيب منه، وإنْ كنَّا لنتمنَّى الأعرابَ.
وفي " مسند البزار " (^٥)
عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحابِ محمَّدٍ - ﷺ - ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألةً، كلُّها في القرآن: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (^٦)، ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (^٧)، ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ
الْيَتَامَى﴾ (^٨)، وذكر الحديث.
وقد كان أصحابُ النَّبيِّ - ﷺ - أحيانًا يسألونه عن حكم حوادثَ قبلَ وقوعها، لكن للعمل بها عند وقوعها، كما قالوا له: إنَّا لاقوا العدوِّ غدًا، وليس معنا مُدىً، أفنذبح بالقصَبِ؟ (^٩)
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٢٦٦. وأخرجه: الدارمي (٢٤٠)، وابن ماجه (٢٢٨)، والطبراني في " الكبير " (٧٨٦٧) و(٧٨٧٥) و(٧٩٠٦)، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٢/ ٢١٢، وابن عبد البر في " جامع بيان العِلم وفضله " ١/ ٢٨، وإسناده ضعيف لضعف يزيد بن علي الألهاني.
(٢) المائدة: ١٠١.
(٣) في " مسنده الكبير " كما في " المطالب العالية " (٣٩٦١)، وأخرجه الروياني في " مسنده " (٣٠٨)، وإسناده جيد.
(٤) في (ص): «وفي مسند البزار عن ابن عباس، قال».
(٥) بعد تتبع مسند البزار لم نجده قد خرّج هذا الحديث، كما أن الهيثمي لم يخرجه في " مجمع الزوائد " ولا في " كشف الأستار ". وأخرجه: الدارمي (١٢٥)، والطبراني في " الكبير "
(٦) ، وعندهما ثلاثة عشرة مسألة. ونسبه الهيثمي في " المجمع " ١/ ١٥٨ - ١٥٩ للطبراني عن ابن عباس، به.
(٧) البقرة: ٢١٧.
(٨) البقرة: ٢٢٠.
(٩) البقرة: ٢٢٠.
(١٠) أخرجه: البخاري ٣/ ١٨١ (٢٤٨٨) و٣/ ١٨٥ (٢٥٠٧) و٤/ ٩١ (٣٠٧٥) و٧/ ١١٧
(١١) و٧/ ١١٩ (٥٥٠٣) و(٥٥٠٦) و٧/ ١٢٧ (٥٥٤٣) و(٥٥٤٤)، ومسلم ٦/ ٧٨ (١٩٦٨) (٢٠) و(٢١) و(٢٢) و(٢٣)، وأبو داود (٢٨٢١)، وابن ماجه (٣١٣٧) و(٣١٧٨) و(٣١٨٣)، والترمذي (١٤٩١) و(١٤٩٢) و(١٦٠٠)، والنسائي ٧/ ١٩١ و٢٢١ و٢٢٦ و٢٢٨، والطبراني في " الكبير " (٤٣٨٥) من حديث رافع بن خديج، به.
[ ٢٢٣ ]
وسألوه عَنِ الأُمراءِ الَّذينَ أخبر عنهم بعدَه، وعن طاعتهم وقتالهم، وسأله حذيفةُ عن الفتنِ، وما يصنع فيها (^١).
فهذا الحديث، وهو قولهُ - ﷺ -: «ذَرُوني ما تركتُكم، فإنَّما هلك مَنْ كان قبلَكُم بكثرةِ سُؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، يدلُّ على كراهة المسائل وذمِّها، ولكن بعضَ الناس يزعمُ أنَّ ذلك كان مختصًا بزمن النَّبيِّ - ﷺ - لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يُحرم، أو إيجاب ما يشقُّ القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته - ﷺ -.
ولكن ليس هذا وحده هو سببَ كراهة المسائل، بل له سببٌ آخر، وهو
الذي أشارَ إليه ابنُ عباس في كلامه الذي ذكرنا بقوله: ولكن (^٢) انتظرُوا، فإذا نزل
القرآن، فإنَّكم لا
تَسألونَ عن شيءٍ إلا وجدتم تبيانه.
ومعنى هذا: أنَّ جميعَ ما يَحتاجُ إليه المسلمون في دينهم لابدَّ أنْ يُبينه الله في كتابه العزيز، ويبلِّغ ذلك رسوله عنه، فلا حاجةَ بعدَ هذا لأحدٍ في السؤال، فإنَّ الله تعالى أعلمُ بمصالح عباده منهم، فما كان فيه هدايتُهم ونفعُهُم، فإن الله لابدَّ أنْ يبيِّنه لهمُ ابتداءً من غيرِ سؤال، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (^٣)، وحينئذ فلا حاجة إلى السُّؤال عن شيءٍ، ولا سيما قبلَ وقوعه والحاجة إليه، وإنَّما الحاجةُ المهمةُ إلى فهم ما أخبرَ الله به ورسولُه، ثمَّ اتباعُ ذلك والعملُ به، وقد كان النَّبيُّ - ﷺ - يُسأَل عنِ المسائل، فيُحيل على القرآن، كما سأله عمرُ عنِ الكَلالَةِ، فقالَ
: «يَكفيك آيةُ الصيف» (^٤).
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٤/ ٢٤٢ (٣٦٠٦) و٩/ ٦٥ (٧٠٨٤)، ومسلم ٦/ ٢٠ (١٨٢٧)
(٢) ، وابن ماجه (٣٩٧٩).
(٣) سقطت من (ص).
(٤) النساء: ١٧٦.
(٥) أخرجه: الطيالسي (١١)، وأحمد ١/ ١٥ و٢٦ و٢٧ و٤٨، ومسلم ٢/ ٨١ - ٨٢
(٦) (٧٨) و٥/ ٦١ (١٦١٧)، وابن ماجه (٢٧٢٦)، وأبو يعلى (١٨٤)، وابن خزيمة (١٦٦٦)، وابن حبان (٢٠٩١)، والبيهقي ٣/ ٧٨ و٦/ ٢٢٤ من حديث عمر بن الخطاب، به. والمصقود بآية الصيف: الآية التي نزلت في الصيف، وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ النساء: ١٧٦. شرح النووي لصحيح مسلم ٣/ ٤٦.
[ ٢٢٤ ]
وأشار - ﷺ - في هذا الحديث إلى أنَّ في الاشتغال بامتثالِ أمرِه، واجتنابِ نهيه شغلًا عن المسائل، فقال: «إذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم» فالذي يتعيَّنُ على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ أنْ يبحثَ عمَّا جاءَ عن الله ورسوله (^١) - ﷺ -، ثم يجتهدُ في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديقِ بذلك إنْ كان من الأمور العلمية، وإنْ كان من الأمور العملية، بذل وسْعَهُ في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما يُنهى عنه، وتكون همَّتُهُ مصروفةً بالكلية إلى ذلك؛ لا إلى غيره. وهكذا كان حالُ (^٢) أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ - والتابعين لهم بإحسّانٍ في طلب العلم النافع مِنَ الكتاب والسنة.
فأما إنْ كانت همةُ السامع مصروفةً عند سماعِ الأمر والنهي إلى فرض أمورٍ قد
تقع، وقد لا تقع، فإنَّ هذا مما يدخل في النَّهي، ويثبِّطُ عنِ الجد في متابعة الأمر. وقد سألَ رجلٌ ابنَ عمر عن استلام الحجر، فقال له: رأيتُ النَّبيَّ - ﷺ - يستلمه ويقبِّلُه، فقال له الرجل: أرأيتَ إنْ غُلِبْتُ عليه؟ أرأيت إنْ زُوحِمْتُ؟ فقالَ لهُ ابن عمر: اجعل «أرأيت» باليمن، رأيتُ النَّبيَّ - ﷺ - يستلِمُه ويقبِّلُه. خرَّجه الترمذي (^٣).
ومرادُ ابن عمر أنَّه لا يكن لك همٌّ إلا في الاقتداء بالنَّبيِّ - ﷺ -، ولا حاجةَ إلى فرضِ العجزِ عنْ ذلك أو تعسُّره قبلَ وقوعه؛ فإنَّه قد يفتُرُ العزمُ على التَّصميم على المتابعة، فإنَّ التَّفقُّهَ في الدِّين، والسُّؤالَ عن العِلم إنَّما يُحمَدُ إذا كان للعمل، لا لِلمراءِ والجدال.
وقد روي عن عليٍّ - ﵁ - أنَّه ذكر فتنًا تكونُ في آخر الزَّمان، فقال له عمر: متَى ذلك يا عليُّ؟ قال: إذا تُفُقِّه لغير الدين، وتُعُلِّم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل (^٤) الآخرة (^٥).
_________________
(١) في (ص): «عما جاء به الرسول».
(٢) سقطت من (ص).
(٣) في " جامعه " (٨٦١). وأخرجه: الطيالسي (١٨٦٤)، وأحمد ٢/ ١٥٢، والبخاري ٢/ ١٨٦ (١٦١١)، والنسائي ٥/ ٢٣١، والبيهقي ٥/ ٧٤ من حديث عبد الله بن عمر، به.
(٤) في (ج): «بغير».
(٥) أخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٧٤٣) من رواية عبد الرزاق عنه.
[ ٢٢٥ ]
وعن ابن مسعود أنَّه قال: كيف بكم إذا لَبِستكم فتنةٌ يربو فيها الصغيرُ، ويَهْرَمُ فيها الكبيرُ، وتُتَّخَذُ سُنةً، فإنْ غيرت يومًا قيل: هذا منكر؟ قالوا: ومتى ذَلِكَ؟ قال: إذا قلَّت أمناؤكم، وكثرت أمراؤُكم، وقلَّت فقهاؤُكم، وكثر
قُرَّاؤُكم،
وتُفُقِّهَ لغير الدين، والتُمِسَتِ الدنيا بعمل الآخرة. خرَّجهما عبد الرزاق في "كتابه" (^١).
ولهذا المعنى كان كثيرٌ من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبلَ وقوعها، ولا يُجيبون عن ذلك، قال عمرو بن مُرة: خرج عمرُ على الناس، فقال: أُحرِّجُ عليكم أنْ تسألونا عن ما لم يكن، فإنَّ لنا فيما كان شغلًا (^٢).
وعن ابن عمر، قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعتُ عمر لعنَ السَّائل عمَّا لم يكن (^٣).
وكان زيدُ بنُ ثابتٍ إذا سُئِلَ عن الشَّيءِ يقول: كان هذا؟ فإنْ قالوا: لا، قال: دعوه حتّى يكون (^٤).
وقال مسروقٌ: سألت أبيَّ بن كعبٍ عن شيءٍ، فقال: أكان بعدُ؟ فقلت: لا، فقال: أجِمَّنا - يعني: أرحنا حتَّى يكونَ -، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا (^٥).
وقال الشَّعبيُّ: سئل عمارٌ عن مسألة فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا، قال: فدعونا حتَّى يكون، فإذا كان تَجَشَّمْنَاهُ لكم (^٦).
_________________
(١) أخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٧٤٢) من رواية عبد الرزاق، والدارمي ١/ ٦٤ (طبعة دار الفكر)، والحاكم ٤/ ٥١٤، وأبو نعيم في " الحلية ".
(٢) ذكره: ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ١٤١، وابن حجر في " فتح الباري " ١٣/ ٣٢٧، وابن القيم في " إعلام الموقعين " ١/ ٧٦.
(٣) ذكره: ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ١٣٩ و١٤٣، وابن حجر في " فتح الباري " ١٣/ ٣٢٧، وابن القيم في " إعلام الموقعين " ١/ ٧٥.
(٤) ذكره: الآجري في " أخلاق العلماء ": ١٨٣، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ١٤٢ - ١٤٣، وابن حجر في " فتح الباري " ١٣/ ٣٢٧.
(٥) ذكره: ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ١٤٢.
(٦) ذكره: إسحاق بن راهويه كما في " المطالب العالية " (٣٣٢٨)، وابن حجر في " فتح الباري " ١٣/ ٣٢٧.
[ ٢٢٦ ]
وعن الصَّلْتِ بنِ راشدٍ، قال: سألت طاووسًا عن شيء، فانتهرني وقال: أكان هذا؟ قلت: نعم، قال: آلله؟ قلت: آلله، قال: إنَّ أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل أنَّه قال: أيُّها النَّاسُ، لا تعجلوا بالبلاء قَبْلَ نزوله (^١)، فيذهب بكم
هاهنا وهاهنا، فإنَّكم إنْ لم تعجَلوا بالبلاء قَبْلَ نزوله، لم ينفكَّ المسلمون أنْ يكونَ فيهم مَنْ إذا سُئِلَ سُدِّدَ، أو قال وُفِّقَ (^٢).
وقد خرَّجه أبو داود في كتاب " المراسيل " (^٣)
مرفوعًا من طريق ابن عجلان، عن طاووس، عن معاذ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تعجَلوا بالبلية قبل نزولها، فإنَّكم إنْ لم تفعلوا لم ينفك المسلمون أنْ يكون منهم من إذا قال سُدِّدَ أو وفق، وأنَّكم إنْ عجِلْتُم، تشتِّتُ بكمُ السُّبُلَ هاهنا وهاهنا. ومعنى إرساله (^٤) أنَّ طاووسًا لم يسمع من معاذ.
وخرَّجه أيضًا من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، بمعناه (^٥) مرسلًا (^٦).
وروى الحجاج بن منهال: حدَّثنا جرير بن حازم، سمعتُ الزبير بنَ سعيدٍ: أنَّ رجلًا من بني هشامٍ قالَ: سمعتُ أشياخنا يحدِّثونَ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: «لا يزالُ في أمتي من إذا سئلَ سدّد وأرشدَ حتَّى يسألوا عنْ ما لا ينْزل تبينهُ، فإذا فعلوا ذَلِكَ ذُهبَ بهم هاهنا وهاهنا (^٧)».
_________________
(١) من قوله: «فيذهب بكم ها هنا …» إلى هنا سقط من (ص).
(٢) ذكره: الآجري في " أخلاق العلماء ": ١٨٣ - ١٨٤.
(٣) المراسيل: ٢٢٤. وأخرجه: إسحاق بن راهويه كما في " المطالب العالية " (٣٣٢٩)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٣٥٣). وذكره: ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ١٤٢، وابن حجر في " فتح الباري " ١٣/ ٣٢٧، وهو ضعيف لانقطاعه؛ فإنَّ طاووسًا لم يسمع من معاذ، ومعنى الإرسال هنا هو المعنى العام الذي يراد به كل انقطاع.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) سقطت من (ص).
(٦) ذكره: ابن حجر في " فتح الباري " ١٣/ ٣٢٧.
(٧) ذكره: ابن حجر في " فتح الباري " ١٣/ ٣٢٧، وهو ضعيف لضعف الزبير بن سعد، ولجهالة من فوقه.
[ ٢٢٧ ]
وقد روى الصنابحيُّ، عنْ معاوية، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «أنَّهُ نهى عنِ الأغلوطات» خرَّجهُ الإمامُ أحمد ﵀ (^١).
وفسرهُ الأوزاعيُّ وقالَ: هي شدادُ المسائلِ (^٢).
وقال عيسى بنُ يونسَ: هي ما لا يحتاجُ إليهِ منْ كيف وكيف (^٣).
ويروى من حديثِ ثوبانَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قالَ: «سيكونُ أقوامٌ منْ أمتي يُغَلِّطونَ فقهاءهم بعضلِ المسائلِ، أولئكَ شرارُ أمتي». (^٤)
وقالَ الحسنُ: شرارُ عبادِ اللهِ الذينَ يتبعونَ شرارَ المسائلَ يَغُمُّون بها عبادَ اللهِ (^٥).
وقالَ الأوزاعيُّ: إنَّ اللهَ إذا أرادَ أنْ يَحرُمَ عبدَهُ بركةَ العلمِ ألقى على لسانهِ
المغاليط، فلقدْ رأيتهم أقلَّ النَّاسِ علمًا (^٦).
وقالَ ابنُ وهبٍ، عنْ مالكٍ: أدركتُ هذه البلدة وإنَّهم ليكرهون الإكثارَ الذي فيهِ النَّاس اليومَ: يريدُ المسائلَ (^٧).
_________________
(١) في " مسنده " ٥/ ٤٣٥. وأخرجه: أبو داود (٣٦٥٦)، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٨٩٢) و(٩١٣) وفي " مسند الشاميين "، له (٢١٠٨)، والآجري في " أخلاق العلماء ": ١٨٥، وإسناده ضعيف لجهالة عبد الله بن سعد.
(٢) أخرجه: سعيد بن منصور في " سننه " (١١٧٩)، وأحمد ٥/ ٤٣٥، والطبراني في "الكبير" ١٩/ (٨٩٢)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ١٣٩. وذكره ابن القيم في " إعلام الموقعين " ١/ ٧٦، وابن حجر في " فتح الباري " ١٣/ ٣٢٣.
(٣) ذكره: الآجري في " أخلاق العلماء ": ١٨٥، والخطيب في " الفقيه والمتفقه " ٢/ ١١.
(٤) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (١٤٣١)، والآجري في " أخلاق العلماء ": ١٨٥، وإسناده ضعيف جدًا؛ فإنَّ يزيد بن ربيعة متروك، وانظر: مجمع الزوائد ١/ ١٥٥.
(٥) ذكره: الآجري في " أخلاق العلماء ": ١٨٥، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ١٤٥.
(٦) ذكره: ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ١٤٥، وابن حجر في فتح الباري ١٣/ ٣٢٣.
(٧) ذكره: ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ١٤٣، وابن حجر في " فتح الباري " ١٣/ ٣٢٣ نحوه.
[ ٢٢٨ ]
وقالَ أيضًا: سمعتُ مالكًا وهو يعيبُ كثرةَ الكلامِ وكثرةَ الفتيا، ثُمَّ قالَ: يتكلمُ كأنَّهُ جملٌ مغتلمٌ، يقولُ: هوَ كذا هوَ كذا يهدرُ في كلامهِ.
وقال: سمعتُ مالكًا يكره (^١) الجوابَ في كثرة المسائل (^٢)، وقال: قال الله - ﷿ -: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (^٣) فلم يأته في ذلك جواب.
وكان مالكٌ يكره المجادلة عن السُّنن أيضًا (^٤). قال الهيثم بن جميل: قلت لمالك: يا أبا عبدِ الله، الرجلُ يكونُ عالمًا بالسُّنن يُجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يخبر بالسُّنَّةِ، فإنْ قُبِلَ منه، وإلاّ سكت.
قال إسحاق بن عيسى: كان مالك يقول: المِراء والجِدال في العلم يَذهبُ بنور العلم من قلب الرجل.
وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول (^٥): المراء في العلم يُقسِّي القلوب، ويورِّث الضغن.
وكان أبو شريح الإسكندراني يومًا في مجلسه، فكثُرَتِ المسائلُ، فقال: قد دَرِنَتْ قلوبُكم منذُ اليوم، فقوموا إلى أبي حُميدٍ خالد بن حميد اصقُلوا قلوبكم، وتعلَّمُوا هذه الرغائب، فإنَّها تُجدِّدُ العبادة، وتُورث الزهادة، وتجرُّ الصداقة، وأقِلُّوا المسائلَ إلا ما نزل، فإنَّها تقسي القلوب، وتورث العداوة.
وقال الميمونيُّ: سمعتُ أبا عبد الله - يعني: أحمد - يُسأل عن مسأَلة، فقال: وقعَت هذه المسألة؟ بُليتم بها بعدُ؟
وقد انقسم الناسُ في هذا الباب أقسامًا:
فمن أتباع أهلِ الحديث منْ سدَّ بابَ المسائل حتَّى قلَّ فقهه وعلمُه بحدود ما أنزل
الله على رسوله، وصار حامِلَ فقه غير فقيه (^٦).
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) انظر: جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٤١ و١٤٥، وإعلام الموقعين ١/ ٨٣.
(٣) الإسراء: ٨٥.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ١٠٨.
(٥) في (ص): «وقال مالك» بدل: «وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول».
(٦) انظر: المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة: ١٨.
[ ٢٢٩ ]
ومن فقهاء أهل الرأي من توسَّع في توليدِ المسائل قبلَ وقوعها، ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلُوا بتكلُّفِ الجواب عنْ ذلك (^١)، وكثرة الخصومات فيه، والجدال عليه حتَّى يتولدَ مِنْ ذلك افتراقُ القلوب، ويستقرَّ فيها بسببه الأهواءُ والشحناءُ والعداوةُ والبغضاءُ، ويقترن ذلك كثيرًا بنية المغالبة، وطلب العلوِّ والمباهاة، وصرف وجوه الناس وهذا ممَّا ذمه العلماءُ الربانيون، ودلَّتِ السُّنَّةُ على قبحه
وتحريمه.
وأما فقهاء أهل الحديث العامِلُون به، فإنَّ معظمَ همِّهمُ البحثُ عن معاني كتاب الله - ﷿ -، وما يُفسِّرُهُ من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسّان، وعن سُنَّةِ رسول الله - ﷺ -، ومعرفة صحيحها وسقيمِها، ثم التفقه فيها وتفهمها، والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسّان في أنواع العلوم من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السُّنة والزهد والرقائق وغيرِ ذلك، وهذا هو طريقة الإمام أحمد ومَنْ وافقه من علماء الحديث الرَّبّانيين، وفي معرفة هذا شغلٌ شاغلٌ عن التَّشاغُل بما أحدثَ من الرأي ممَّا لا يُنتفع به، ولا يقع، وإنَّما يُورثُ التجادلُ فيه الخصوماتِ والجدالَ وكثرة القيل والقال. وكان الإمام أحمد كثيرًا إذا سُئِلَ عن شيء من المسائل المولدات التي لا تقع يقول: دعونا منْ هذه المسائل المحدثة (^٢).
وما أحسن ما قاله يونسُ بنُ سليمان السَّقَطِيُّ: نظرتُ في الأمرِ، فإذا هو الحديث والرأي، فوجدتُ في الحديث ذكرَ الرب - ﷿ - وربوبيتَه وإجلاله وعظمته، وذكرَ العرش وصفة الجنة والنار، وذكرَ النبيين والمرسلين، والحلال والحرام، والحثَّ على صلة الأرحام (^٣)، وجماع الخير فيه، ونظرت في الرأي، فإذا فيه المكرُ، والغدرُ، والحيلُ، وقطيعة الأرحام، وجماع الشَّرِّ فيه.
_________________
(١) انظر: المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة: ١٨، ومناهج الاجتهاد في الإسلام في الأحكام الفقهيه والعقائدية: ١٢١.
(٢) انظر: المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة: ١٨ - ١٩.
(٣) في (ص): «على فعل الخير».
[ ٢٣٠ ]
وقال أحمد بن شبويه: من أراد علمَ القبرِ فعليه بالآثار، ومن أراد علم الخُبْزِ، فعليه بالرأي (^١).
ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه، تمكَّن من فهم جواب
الحوادث الواقعة غالبًا؛ لأنَّ أصولها تُوجد في تلك الأصول المشار إليها، ولابدَّ أنْ
يكون سلوكُ هذا الطريق خلف أئمة أهل الدين المجمَعِ على هدايتهم ودرايتهم
كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد ومن سلك مسلكَهم، فإنَّ مَنِ ادعى سلوكَ
هذا الطريق على غير طريقهم وقع في مفاوزَ ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذُ به، وترك ما يجب العملُ به (^٢).
ومِلاكُ الأمرِ كلِّه أنْ يقصِدَ بذلك وجه الله، والتقرُّبَ إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوكِ طَريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إليه، ومَنْ كان كذلك، وفَّقه الله وسدَّده، وألهمه رشده، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (^٣)، ومن الراسخين في العلم،
وقد خرَّج ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" من حديث أبي الدرداء: أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئِل عن الرَّاسخين في العلم، فقال: «من برَّت يمينُه، وصدق لسانُه، واستقامَ قلبُه، ومن عفَّ بطنُه وفرجُه، فذلك مِنَ الرَّاسخين في العلم» (^٤).
وقال نافع بن يزيد: يقال: الرَّاسخونَ في العلم: المتواضعون لله، والمتذلِّلون لله في مرضاته لا يتعاطون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم (^٥).
ويشهد لهذا قول النَّبيِّ - ﷺ -: «أتاكم (^٦) أهلُ اليمن، هُمْ أبرُّ قلوبًا، وأرقُّ أفئدةً.
_________________
(١) ذكره: الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١١/ ٧ - ٨، وفي " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٤٦٤.
(٢) انظر: إعلام الموقعين ١/ ٧٥ - ٧٦.
(٣) فاطر: ٢٨.
(٤) التفسير ٢/ ٥٩٩ (٣٢٠٥). وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٥٢١٢)، وطبعة التركي ٥/ ٢٢٣ والطبراني (٧٦٥٨)، وهذا حديث باطل وعلته عبد الله بن يزيد بن آدم، قال الإمام أحمد: «أحاديثه موضوعة». لسان الميزان ٥/ ٤٠.
(٥) ذكره: ابن كثير في " تفسيره ": ٣٥٢ (طبعة دار ابن حزم).
(٦) سقطت من (ص).
[ ٢٣١ ]
الإيمان يمانٍ، والفِقه يمانٍ، والحكمة يمانيةٌ» (^١).
وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري، ومن كان على طريقهِ من عُلَماء أهلِ اليمن، ثمَّ إلى مثل أبي مسلم الخولاني، وأويس القَرَنيِّ، وطاووس، ووهب بن منبه، وغيرهم من عُلماء أهل اليمن، وكلُّ هؤلاء مِنَ العلماء الربانيين الخائفين لله، فكلهم علماءُ بالله يخشونه ويخافونه، وبعضُهم أوسعُ علمًا بأحكام الله وشرائع دينه من بعض، ولم يكن تميُّزهم عن الناس بكثرة قيلٍ وقالٍ، ولا بحثٍ ولا جدالٍ.
وكذلك معاذُ بنُ جبل - ﵁ - أعلم الناس بالحلال والحرام (^٢)، وهو الذي يحشر يومَ القيامة أمام العلماء برتوة (^٣)، ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها، بل قد سبق عنه
كراهةُ الكلام فيما لا يقع، وإنما كان عالمًا بالله وعالمًا بأصول دينه. وقد قيل للإمام أحمد: مَنْ نسألُ بعدَك؟ قال: عبد الوهَّاب الورَّاق، قيل له: إنَّه ليس
له اتَّساعٌ في العلم، قال: إنَّه رجل صالح مثلُه يُوفَّقُ لإصابة الحق.
وسئل عن معروف الكرخي، فقال: كان معه أصلُ العلم: خشية الله. وهذا يرجعُ إلى قولِ بعض السَّلف: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا. وهذا بابٌ واسع يطول استقصاؤه.
_________________
(١) أخرجه: الحميدي (١٠٤٩)، وأحمد ٢/ ٢٣٥ و٤٧٤ و٤٨٠ و٥٠٢، والبخاري ٥/ ٢١٩ (٤٣٨٨)، ومسلم ١/ ٥١ (٥٢) (٨٢) و(٨٣) و(٨٤) و١/ ٥٣ (٥٢) (٩٠) و(٩١)، والترمذي (٣٩٣٥)، والبغوي (٤٠٠١) من حديث أبي هريرة، به.
(٢) انظر: حلية الأولياء ١/ ٢٢٨، وسير أعلام النبلاء ١/ ٤٤٦، وتذكرة الحفاظ ١/ ١٩.
(٣) أخرجه: أحمد ١/ ١٨، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٢٢٨. وذكره الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١/ ٤٤٦، وفي " تذكرة الحفاظ " ١/ ١٩. والرتوة: الدرجة والمنزلة. انظر: النهاية ٢/ ١٩٥، ولسان العرب ٥/ ١٣٤، وتاج العروس ٤/ ٥٢٤، ومختار الصحاح: ٢٣٣، وجاءت هذه اللفظة في بعض كتب الحديث: «قذفه» وفي بعضها: «نبذه».
[ ٢٣٢ ]
ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - فنقول: مَنْ لم يشتغل بكثرة المسائل التي لا يوجدُ مثلُها في كتاب، ولا سنة، بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله، وقصدُه بذلك امتثالُ الأوامر، واجتنابُ النواهي، فهو ممَّنِ امتثلَ أمرَ رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث، وعَمِلَ بمقتضاه، ومن لم يكن اهتمامُه بفهم ما أنزل الله على رسوله، واشتغل بكثرةِ توليدِ المسائل قد تقع وقد لا تقع، وتكلَّفَ أجوبتها بمجرَّد الرأي، خُشِيَ عليه أنْ يكونَ مخالفًا لهذا الحديث، مرتكبًا لنهيه، تاركًا لأمره.
واعلم أنَّ كثرةَ وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنَّما هو مِنْ ترك الاشتغال بامتثالِ أوامر الله ورسوله، واجتنابِ نواهي الله ورسوله، فلو أنَّ من أرادَ أنْ يعمل عملًا سأل عمَّا شرع الله في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى عنه فاجتنبه، وقعت الحوادثُ مقيدةً بالكتاب والسنة.
وإنَّما يعمل العاملُ بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادثُ عامَّتُها مخالفةً لما شرعه الله وربما عسر ردُّها إلى الأحكام المذكورةِ في الكتاب والسنة؛ لبعدها عنها.
وفي الجملة: فمن امتثل ما أمر به النَّبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث، وانتهى عما نهى
عنه، وكان مشتغلًا بذلك عن غيره، حَصَلَ له النجاةُ في الدنيا والآخرة، ومَنْ خالف ذلك، واشتغلَ بخواطرهِ وما يستحسنه، وقع فيما حذَّرَ منه النَّبيُّ - ﷺ - من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، وعدمِ انقيادهم وطاعتهم لرسلهم.
وقوله - ﷺ -: «إذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتنبوه وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» قال بعضُ العلماء: هذا يؤخذ منه أنَّ النَّهيَّ أشدُّ من الأمر؛ لأنَّ النَّهيَّ لم يُرَخَّصْ في ارتكاب شيء منه، والأمر قُيِّدَ بحسب الاستطاعة (^١)، ورُوي هذا عن الإمام أحمد.
ويشبه هذا قولُ بعضهم: أعمال البِرِّ يعملُها البرُّ والفاجرُ، وأمَّا المعاصي، فلا يتركها إلاَّ صِدِّيق (^٢).
_________________
(١) انظر: التمهيد في أصول الفقه ١/ ٣٦٤.
(٢) ذكره: أبو نعيم في " الحلية " ١٠/ ٢١١ من قول سهل التستري.
[ ٢٣٣ ]
ورُوي عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال له: «اتَّق المحارم، تَكُن أعبدَ
الناس» (^١).
وقالت عائشة ﵂: من سرَّه أنْ يسبق الدائبَ المجتهدَ، فليكفَّ عن الذنوب، وروي عنها مرفوعًا (^٢).
وقال الحسن: ما عُبِّدَ العابدون بشيءٍ أفضلَ من ترك ما نهاهم الله عنه.
والظاهر أنَّ ما ورد مِن تفضيل ترك المحرَّمات على فعل الطاعات، إنَّما أُريد به على نوافل الطّاعات، وإلاّ فجنسُ الأعمال الواجبات أفضلُ مِنْ جنسِ ترك المحرَّمات؛ لأنَّ الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم المطلوبُ عدمها، ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمالِ، وكذلك كان جنسُ ترك الأعمال قد يكون كفرًا كتركِ التوحيد، وكتركِ أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق، بخلاف ارتكاب (^٣) المنهيات فإنَّه لا يقتضي الكفر بنفسه، ويشهد لذلك قولُ ابنِ عمر: لردُّ دانقٍ من حرام أفضلُ مِنْ مئة ألف تُنْفَقُ في سبيل الله.
وعن بعض السَّلفِ قال: تركُ دانق مما يكره الله أحبُّ إليَّ من خمس مئة
حجة.
وقال ميمون بن مِهران: ذكرُ اللهِ باللسان حسن، وأفضلُ منه أنْ يذكر الله العبدُ عندَ المعصية فيمسِكَ عنها (^٤).
وقال ابنُ المبارك: لأنْ أردَّ درهمًا من شبهة أحبُّ إلىَّ من أنْ أتصدَّقَ بمئة ألفٍ ومئة ألف، حتّى بلغ ست مئة ألف.
وقال عمر بنُ عبد العزيز: ليست التقوى قيامَ الليل، وصِيام النهار، والتخليطَ
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٢/ ٣١٠، والبخاري في " الأدب المفرد " (٢٥٢)، وابن ماجه (٤٢١٧)، والترمذي (٢٣٠٥)، وأبو يعلى (٥٨٦٥) و(٦٢٤٠)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق": ٤٢، وأبو نعيم في " الحلية " ١٠/ ٣٦٥، والبيهقي في " الزهد " (٨١٨)، وقال الترمذي: «غريب» أي ضعيف، وبعضهم قواه بالشواهد، وتصدير المصنف له بصيغة التمريض يريد تضعيفه، والله أعلم.
(٢) أخرجه: أبو يعلى (٤٩٥٠) مرفوعًا، وإسناده ضعيف لضعف يوسف بن ميمون.
(٣) سقطت من (ص).
(٤) ذكره: أبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٨٧.
[ ٢٣٤ ]
فيما بَيْنَ ذلك، ولكن التقوى أداءُ ما افترض الله، وترك ما حرَّم الله، فإنْ كان مع ذلك عملٌ، فهو خير إلى خير، أو كما قال (^١).
وقال أيضًا: وددتُ أني لا أصلي غيرَ الصَّلوات الخمس سوى الوتر، وأنْ أؤدِّي الزكاة، ولا أتصدَّق بعدها بدرهم، وأنْ أصومَ رمضان ولا أصوم بعده يومًا أبدًا، وأنْ أحجَّ حجة الإسلام ثم لا أحجَّ بعدها أبدًا، ثم أعمد إلى فضل قوتي، فأجعله فيما حرَّم الله عليَّ، فأمسك عنه.
وحاصل كلامهم يدلُّ على أنَّ اجتناب المحرمات - وإنْ قلَّتْ - فهي أفضلُ من الإكثار من نوافل الطاعات فإنَّ ذلك فرضٌ، وهذا نفلٌ.
وقالت طائفة من المتأخرين: إنَّما قال - ﷺ -: «إذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»؛ لأنَّ امتثالَ الأمر لا يحصلُ إلاّ بعمل، والعملُ يتوقَّفُ وجودُه على شروط وأسباب، وبعضها قد لا يُستطاع، فلذلك قيَّده بالاستطاعة، كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٢). وقال في الحجّ: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٣).
وأما النهيُّ: فالمطلوب عدمُه، وذلك هو الأصل، فالمقصود استمرار
العدم (^٤) الأصلي، وذلك ممكن، وليس فيه ما لا يُستطاع، وهذا أيضًا فيه نظر، فإنَّ الداعي إلى فعل المعاصي قد يكون قويًا، لا صبر معه للعبد على الامتناع مع فعل المعصية مع القدرة عليها، فيحتاج الكفُّ عنها حينئذٍ إلى مجاهدةٍ شديدةٍ، ربما كانت أشقَّ على النفوس من مجرَّدِ مجاهدة النفس على فعل الطاعة، ولهذا يُوجَدُ كثيرًا من يجتهد فيفعل الطاعات، ولا يقوى على ترك المحرمات (^٥).
_________________
(١) ذكره: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٨/ ١٥٣.
(٢) التغابن: ١٦.
(٣) آل عمران: ٩٧.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) انظر: قواطع الأدلة ١/ ١٣٨ - ١٣٩، والمستصفى ٢/ ٢٥ - ٢٦، والمحصول ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤، والإبهاج في شرح المنهاج ٢/ ٧١، والبحر المحيط ٢/ ١٥٣.
[ ٢٣٥ ]
وقد سئل عمرُ عن قومٍ يشتهون المعصية ولا يعملون بها، فقال: أولئِكَ قومٌ امتحنَ الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيم.
وقال يزيد بن ميسرة: يقولُ الله في بعض الكتب: أيُّها الشابُّ التارك
شهوتَه، المتبذل شبابه من أجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي (^١).
وقال: ما أشد الشهوة في الجسد، إنَّها مثلُ حريق النار، وكيف ينجو منها
الحصوريون؟ (^٢).
والتحقيق في هذا أنَّ الله لا يكلِّفُ العبادَ مِنَ الأعمال ما لا طاقةَ لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرًا من الأعمال بمجرَّدِ المشقة رخصةً عليهم، ورحمةً لهم،
وأمَّا المناهي، فلم يَعْذِرْ أحدًا بارتكابها بقوَّةِ الدَّاعي والشَّهوات، بل كلَّفهم
تركها على كلِّ حال، وأنَّ ما أباح أنْ يُتناول مِنَ المطاعم المحرَّمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة، لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما قاله الإمام أحمد: إنَّ النهي أشدُّ من الأمر. وقد روي عن النَّبيِّ - ﷺ - من حديث ثوبان وغيره أنَّه قال: «استقيموا ولن تُحْصُوا» (^٣) يعني: لن تقدروا على الاستقامة كلها.
وروى الحكم بن حزن الكُلَفي، قال: وفدت إلى رسول الله - ﷺ -، فشهدتُ معه الجمعة، فقام رسولُ الله - ﷺ - متوكئًا على عصًا أو قوسٍ، فحمِدَ الله، وأثنى عليه بكلماتٍ خفيفاتٍ طيباتٍ مباركاتٍ، ثُمَّ قال: «أيُّها النَّاسُ إنَّكم لن تُطيقُوا، أو لن تَفْعَلوا كُلَّ ما أَمَرْتُكم به، ولكن سَدِّدُوا وأبشِرُوا»
خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود (^٤).
_________________
(١) ذكره: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٢٣٧.
(٢) ذكره: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٢٤١.
(٣) وأخرجه: الطيالسي (٩٩٦)، وأحمد ٥/ ٢٧٨ و٢٨٢، والدارمي (٦٦١)، وابن ماجه (٢٧٧)، وابن حبان (١٠٣٧)، والطبراني في " الصغير " ١/ ٨، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (١٧٠)، والبيهقي ١/ ٤٥٧، والخطيب في "تاريخه" ١/ ٢٩٣، وهو حديث صحيح.
(٤) مسند أحمد ٤/ ٢١٢، وسنن أبي داود (١٠٩٦). وأخرجه: ابن سعد في "الطبقات" ٥/ ٥١٦، وأبو يعلى (٦٨٢٦)، وابن خزيمة (١٤٥٢)، والطبراني في " الكبير " (٣١٦٥)، والبيهقي في " السنن " ٣/ ٢٠٦، وفي " دلائل النبوة "، له ٥/ ٣٥٤، وابن الأثير في " أُسد الغابة " ٢/ ٣٤، وهو حديث حسن.
[ ٢٣٦ ]
وفي قوله - ﷺ -: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» دليلٌ على أنَّ من عَجَزَ عن فعل المأمور به كلِّه، وقدرَ على بعضه، فإنَّه يأتي بما أمكنه منه، وهذا مطرد في مسائل:
منها: الطهارة، فإذا قدر على بعضها، وعجز عن الباقي: إما لعدم الماء، أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض، فإنَّه يأتي مِنْ ذلك بما قدر عليه، ويتيمم للباقي، وسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور (^١).
ومنها: الصلاة، فمن عَجَزَ عن فعل الفريضة قائمًا صلَّى قاعدًا، فإن عجز صلَّى مضطجعًا (^٢)، وفي "صحيح البخاري" (^٣) عن عِمْرَانَ بن حصين: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «صَلِّ قائمًا، فإنْ لم تستطع فقاعدًا، فإنْ لم تستطع فعلى جنبٍ»، ولو عجز عن ذلك كلِّه، أومأ بطرفه، وصلى بنيته، ولم تسقُط عنه الصلاةُ على المشهور (^٤).
ومنها: زكاة الفطر، فإذا قَدَرَ على إخراج بعضِ صاع، لزمه ذلك على الصحيح (^٥)،
فأمَّا من قدر على صيامِ بعض النهار دُونَ تكملته، فلا يلزمه ذلك بغير
_________________
(١) انظر: الأُم ٢/ ٩٦ - ٩٧، والإشراف على نكت مسائل الخلاف ١/ ١٦٢ - ١٦٣، واللباب ١/ ٣٠ - ٣١، والمحلى ٢/ ٧٥، والهداية للكلوذاني ١/ ٧١ بتحقيقنا، وبداية المجتهد ١/ ٨٦ - ٨٧، والمغني ١/ ٢٦٧، ومنتهى الإرادات ١/ ٣٣.
(٢) انظر: المغني ١/ ٨١٣ - ٨١٥.
(٣) الصحيح ٢/ ٦٠ (١١١٧). وأخرجه: أحمد ٤/ ٤٢٦، وأبو داود (٩٥٢)، وابن ماجه (١٢٢٣)، والترمذي
(٤) ، وابن خزيمة (٩٧٩) و(١٢٥٠)، والدارقطني ١/ ٣٦٩ (١٤١٠) و(١٤١١) و(١٤١٢) (طبعة دار الكتب العلمية)، والبيهقي ٢/ ٣٠٤، والبغوي (٩٨٣).
(٥) انظر: رؤوس المسائل في الخلاف ١/ ١٩٢، والهداية للكلوذاني ١/ ١٢٤ بتحقيقنا، والمغني ١/ ٨١٧، ومنتهى الإرادات ١/ ١٢٠.
(٦) انظر: رؤوس المسائل في الخِلاف ١/ ٣٠٧، والمغني ٢/ ٦٥٢، قال الإمام الكلوذاني - ﵀ -: زكاة الفطر واجبة على كل مسلم فضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع، = = … وإن فضل بعض صاع فهل يلزمه إخراجه؟ على روايتين. انظر: الهداية للكلوذاني ١/ ١٧٥ بتحقيقنا. جاء في الشرح الكبير علىالمغني: إحداهما: لا يلزمه، وهو اختيار ابن عقيل؛ لأنها طُهرة فَلا تجب على من يعجز عن بعضها كالكفارة. والثانية: يلزمه؛ لأنها طهرة فوجب منها ما قَدر عليه. انظر: الشرح الكبير على المغني ٢/ ٦٤٩.
[ ٢٣٧ ]
خلاف؛ لأنَّ صيامَ بعض اليوم ليس بقُربَةٍ في نفسه (^١)، وكذا لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه؛ لأنَّ تبعيض العتق غير محبوب للشارع بل يُؤْمَرُ بتكميله بكلِّ طريق (^٢).
وأما من فاته الوقوفُ بعرفةَ في الحج، فهل يأتي بما بقيَ منه من المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار أم لا؟ بل يقتصر على الطواف والسعي، ويتحلل بعمرة على روايتين عن أحمد،
أشهرهما: أنَّه يقتصر على الطواف والسعي؛ لأنَّ المبيتَ والرميَّ من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه، وإنَّما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام، وبذكره في الأيام المعدودات لمن أفاض من عرفات، فلا يؤمر به من لا يقف بعرفة كما لا يؤمر به المعتمر (^٣).
_________________
(١) انظر: رؤوس المسائل في الخلاف ١/ ٣٤٦، والهداية للكلوذاني ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥ بتحقيقنا، ومنتهى الإرادات ١/ ٢٢٧.
(٢) انظر: الهداية للكلوذاني ١/ ١٩٢ - ١٩٣ بتحقيقنا.
(٣) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦، والهداية للكلوذاني ١/ ٢٤٧ بتحقيقنا، والمغني ٣/ ٥٦، ومنتهى الإرادات ١/ ٢٨٨، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤.
[ ٢٣٨ ]